غرباء في ألبوم أمي

Wednesday 12th of December 2012 08:00:00 PM ,
العدد : 2674
الصفحة : الأعمدة , سرمد الطائي

لملايين العراقيين حكاية مشابهة لمقال اليوم. لقد امضيت الفجر اتحدث مع شاب متعلم كان يحتج علي بعبارات قاسية لانني استخدمت وصف "حريق الرايخ" لوصف طريقة السلطان في التفرد بالحكم. وبعد اخذ ورد اكتشفت اننا نحن الاثنين ننتمي لعوائل تعرضت الى قمع سياسي هائل خلال العهد السابق. وبعد اطاحة صدام صار كثير من ابناء عائلته في السلطة، مثلما حصل لبعض اقاربي. انه يقول لي: كيف تنتقد "حكومة اهلنا" بهذه القسوة، وتستخدم العبارات المؤثرة في التحريض على "التمرد"؟

لقد كان يتحدث عن "حكومة اهلنا" وشعبنا، وأنا أسرح بعيدا لأتذكر ألبوم صور كانت تتصفحه امي فألتحق بها انا الصبي محدقا في صورة لوالدها قرب سيارته الفورد موديل ٥٢ وهو متأنق امام مصفى المفتية. صور من مراهقة ابي بين بساتين نخل لم يعد لها وجود اليوم، صورها هي في "دار المعلمات". ثم تأتي صور من نوع آخر لشباب لا اعرفهم. هل هي لغرباء يا أماه، من هم هؤلاء يا ترى؟ تقول لي: مازلت صغيرا على معرفة هؤلاء! تغلق الالبوم وتخفيه وتبكي بصمت وابقى انا حائرا. لماذا يتضمن ألبوم العائلة عام ٨٤ وجوها تتكتم امي على هويتها مع كل هذا البكاء السري؟

ولم يطل انتظاري كثيرا كي افهم. ففي ٨٦ كانت المصائب تأتي من كل الاتجاهات. الجيوش تتخندق امام بعضها على اطراف بلدتنا، وصافرات الانذار تصرخ، وبدل ان تتعاطف معنا الحكومة كمقصوفين، فإن رجال الامن يقودون خالي من مبنى الاعدادية الى مديرية الامن، وحين زرناه في ابو غريب بعد شهور اكتشفت ان لدي عائلة اخرى تقبع في السجن وتبكيها الامهات سرا كي لا نفشي نحن الصبيان "بلاوي" الاهل. وكان هذا تعتيما لا ينفع. فقبل عمليات الفاو او بعدها بأيام دق باب المنزل مسؤول حزبي ابلغنا "بأسف" ان سلطان ذلك الزمان فصل الوالدة من سلك التعليم لان افرادا عديدين من عائلتها تعرضوا للاعدام والسجن بسبب معارضتهم السلطان. تنفجر الوالدة بالبكاء فهي لم تكن سوى امرأة تلقي دروسا على التلاميذ، وفي لحظة اصبحت مجرد "لا شيء"، او هكذا شاء فخامته. يتواصل بكاء الوالدة لأبدأ انا تلميذ الرابع ابتدائي خوض "اول مرافعاتي السياسية" واطرح اسئلة عن اقارب نراهم في سجن ابي غريب، وشباب "مجهولي الهوية" في ألبوم العائلة. اما هي فتنخرط في هستيريا لتحكي كيف اقتادوا هذا من الجامعة وذاك من قاعة الامتحان والثالث من بين يدي امه، والرابع المجهول المصير..الخ. لقد كانوا اولاد خؤولة وعمومة اختفوا قبل ان يسمح عمري بتذكر اشكالهم.

ملايين العراقيين مروا بتجارب مشابهة من بيخال الى سيحان مرورا بسامراء، عوائل اليسار واليمين والبعث نفسه. وهؤلاء جميعا خاضوا اول نقاشاتهم السياسية يوم عاشوا تفاصيل القمع مبكرا. وقد كبروا اليوم، بعضهم صار فاسدا يعتقد انه لا يأخذ سوى تعويض عن القمع. وبعضهم متردد في تأييد "حكومة اهلنا" او الاحتجاج ضدها، بينما كثير منهم يشبهون الشباب المجهولين في ألبوم صور امي سميرة، ولا يترددون في الاعتراض على الفشل مهما كلف الامر.

ان لدينا اهلا في السلطة نتمنى لهم كل نجاح، لكن لدينا ايضا اهلا وشعبا من ٧ ملايين نسمة، يقيمون في "الحواسم" ومليوني جائع في الموصل وبغداد، ولدينا المدينة البحرية الوحيدة في العالم التي تشرب ماء البحر وتستنشق دخان النفط. هذه مدن تفتح ألبوم العائلة كل ليلة بحثا عن اسئلة الماضي وشكوك الحاضر. والسلطان يركب الدبابة ويغلق قاعة الحوارات ويفكر باحراق كل "رايخ" يقف امامه.

صديقي الشاب القلق على "حكومة اهلنا"، اسمح لي ان اقول لك: ليس على السلطان ان يخشى البعثيين او القاعدة اليوم، فهم اقل جرأة من ان يعارضوه بطريقة حديثة ويكشفوا تخلف سياسته. كما ان كل مسلحي العالم لن ينجحوا في تقويض شرعية ما بعد صدام. لكن على السلطان ان يخشى "اهل الحكومة الحقيقيين". ان من سيحمي "الرايخ" والمؤسسات الدستورية هم اجيال تظاهروا في كل ساحات العراق مرارا، وشباب احرقوا صور السلطان في بغداد والبصرة، ولم يكونوا بعثيين ولا قاعديين. انهم "اهل الحكومة"، يخشون على سمعتها اكثر من فريق المالكي، وفي ألبومات امهاتهم كانت هناك صور لافراد من العائلة مجهولين ويبكيهم الجميع في السر. الشباب المجهولون لم يحظوا حتى بمجلس فاتحة لائق، وكانوا شجعانا، لكنهم لم يحلموا بحكومة تتفنن في الفشل وتتلعثم حين تفسد وتتخبط حين تغضب ولا تنصت لعاقل، بينما تشتم معارضيها وتفكر بإحراق الشرعية.

انها معارضة المستقبل التي لا يريد السلطان فهمها، وهي كابوس تاريخي لكل مستبد، ومعارضة من صميم الشرعية. هذه معارضة تقول للسلطان: لست الوحيد الذي قدم التضحيات.. فقد استشهد اهلك واهلنا كي نحصل على حرية بمعايير حديثة وكرامة تليق بالاحرار.

الجيل الذي تعرض لقمع مبكر هو ذاته الذي يتحمل مسؤولية تقويم السلطان المصاب بالدوار والزهو، والذي جعل عقلاء البلاد يشعرون بأسوأ انواع القلق. ان امثال سميرة لم يعودوا يكتمون اليوم احتجاجهم او يبكون في السر. لا اسرار في زمن العولمة، بل احتجاج مستمر.