بـــؤس مــقـــولة الشــــــــعــوب هـــي المســـــــؤولـــة

Monday 17th of December 2012 08:00:00 PM ,
العدد : 2679
الصفحة : آراء وأفكار ,

 فاضل النشمي

يطرح النموذجان الكوريان الجنوبي والشمالي بتقاطعمها الحاد، من حيث الغنى والرفاه والحرية في الأول والفقر والقمع والشمولية في الثاني، مثالا جيدا لوجهة النظر القائلة إن الشر أو الازدهار الذي تختبره الدول والمجتمعات يعود في معظمه إلى طبيعة وشكل النظام السياسي القائم وليس إلى طبيعة المجتمع كما يزعم كثيرون. وهو تالياً، يسمح  بطرحه نموذجا لتفسير ما حدث في العراق منذ بدايات القرن الماضي. ومن خلاله يمكن تسليط الضوء على مسؤولية حكومات  العراق المتعاقبة عن كل الخراب الذي عم البلاد
ثمة أكثر من نموذج للحكم يدحض أفكار الناقمين على الشعوب وليس الحكام في كل تخلف وانهيار شامل يحدث في بلد ما. وغير بعيد عن نموذج الكوريتين، النموذج الأمريكي اللاتيني الذي شهد نموا مدهشا في دول كثيرة بعد أن تخلصت تلك البلدان من حكم العسكر، وبعد أن أسعد بعضها الحظ في الحصول على رؤساء من طينة لولا دي سيلفا البرازيلي.
يقدم الناقمون على الشعوب في العادة حجة الفضاء الثقافي بمختلف جوانبه ويعتبرونه المسؤول الأول عن إنتاج الصلف السياسي والحكام السيئين. وهي حجة تفندها بقوة نماذج كثيرة ،أبرزها النموذج الكوري، ذلك انه وبشقيه الشمالي والجنوبي ينتميان إلى ذات الثقافة بمختلف أشكالها. لكن الذي حدث، أن احدهما أنتج أسوأ ما يمكن تصوره من أنظمة الحكم الغاشمة، فيما ادخل الثاني بلاده في ذروة مراتب النمو والتقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي.
وغير النموذجين الكوري والأمريكي اللاتيني، ثمة النموذج الإماراتي ممثلا بالشيخ المتواضع من حيث المعرفة وسعة الاطلاع الراحل زايد آل نهيان، ذلك انه الأنسب للمقارنة بالعراق، لجهة التقارب الثقافي وإن اختلف البلدان في عوامل كثيرة. لكنه هنا، يمثل أفضل ما يمكن طرحه كنموذج لتطور البلدان إذا ما أتاحت لها المقادير شخصية ملهمة وأصيلة.
الرجل أشهر من أن يعرّف، لكن لاغضاضة من التذكير، بأنه لم يأت من فضاء أوروبي أو غربي ألزمه بنمط معين من التصرف السياسي وفرض عليه سلوكا قسريا في إدارة البلاد. إنما أتى  من قلب الحظ الوطني لأناس موزعين على إمارات صغيرة، تمكنوا بفضل حكمته وأصالته من أن يكونوا أفضل حالا، بل أفضل بما لا يقارن من عشرات الدول ذات الادعاءات الكبيرة والإمكانات البشرية والمادية الهائلة. لقد تمكن بفضل أصالته وحظ بلاده أن يجلب الازدهار لواحة متواضعة، حجزت لنفسها أفضل المواقع في خارطة الرفاه والاحترام العالمي.
 يبدو أن الشيخ زايد، إنما بعث كأي شخصية فذة في التاريخ، ليعيد ترتيب خارطة القناعات الهشة بمقولة"الشعوب هي المسؤولة" عن ازدهارها وليس الحكام. الحكومات وليس الشعب كما يذهب الناقمون على أنفسهم وأبناء جلدتهم، هي المسؤولة عن كل ما جرى.
وبالعودة إلى العراق، نجد أن الناستولوجيا المعذبة التي يشعر بها كثيرون للعهد الملكي، احد أهم أدلة، أن الحكم الرشيد يصنعه القادة وليس الشعوب. ومازال الملك فيصل الأول يمثل بحق أفضل أزمنة الحظ العراقي.
لقد أمكن من خلاله أن نشهد ولادة ملامح دولة حديثة على أنقاض مجموعات بشرية غير منسجمة تستوطن مساحات شاسعة تمتد من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبه، ولو لم تكن تلك الحكمة والأخلاق ممثلة بفيصل الأول لكان العراق أثراً بعد عين، ويا ليته كان!
ثم ماذا؟ أتى- لسوء الحظ- بعده من هو أقل مقدرة وحكمة، ونفخ نفخته - لعنته إذا شئنا – القومية الشهيرة، لينتهي ذلك العهد النبيل بتحجر أرسى دعائمه نوري السعيد ودفع  فيصل الثاني حياته الغضة ثمنا له.
أين مسؤولية الناس في كل ذلك؟ ألم يكن في وسع نوري السعيد، وهو العقل المدبر، أن يقدم أفضل  من ذلك أواخر حياته؟ لقد بلغ التحجر به أن لا يكترث حتى بتحذيرات رجال الأمن في ذلك العهد، وذلك، إنما يدل ليس على مسؤوليته وآخرين معه عن مصير البلاد فحسب، بل مسؤوليته المباشرة عن سلامته الشخصية وسلامة الأسرة المالكة.
وبعد لأي، وصل العراق إلى قمة الانحطاط بصعود العسكر إلى السلطة. العسكر الخالون من الحكمة والتبصر. ترى ألم يكن بوسع عبد الكريم قاسم أن يكون أفضل بقليل مما أظهره من شفقه بالفقراء؟ إن مقدرته وحظ البلاد لم يكن ليزيد على ذلك، والنتيجة أن البلاد بعده دخلت في دوامة العنف الرهيب التي لم تتوقف إلى اليوم.
 كل ذلك بسبب الحكام وحدهم، وإلا فما كان بوسع الشعب أن يهب أكثر من حب غير محدود لقاسم، لكنه أساء وكفر بكل ذلك الحب. من خلال سيره بدروب التخبط والرعونة التي أفضت في نهايتها إلى صعود البعث كحزب وقوة غاشمة حطمت البلاد دون ذنب ارتكبه الناس.
من المؤسف السماع بكثرة من يستسيغ هجاء الناس في هذه البلاد التعسة بحكامها وساستها. وليس للمرء حيال ذلك إلا أن الشعور بأسى عميق على أولئك المعذبين الذين لم تهبهم بلادهم سوى الحيرة وقلة الحيلة، وفوق ذلك يحملون مسؤولية قوافل الألم التي مرت في البلاد وهم دون نياق.
هل دفعوا صدام حسين ليتخذ قرار اجتياح الكويت، وهم بالكاد خرجوا من حرب إيران التي مازال رصاصها مزروعا في أجساد أبنائهم، ودماء أحبائهم لم تجف بعد.
إن من يحمل الشعوب المسؤولية إنما يلوم القتيل ويعفو عن القاتل ويقدم بذلك أفضل الأعذار لأكثر الحكام شرا.
 أتساءل: لماذا نطالب صدام إذن بان يشعر بالعار والخطأ إذا كان الشعب المسؤول الأول؟ ووفق مقولة: "الشعوب هي المسؤولة" فان علينا جميعا أن نقدم الاعتذار له.
المؤسف أن النظرية وجدت لها ما يبررها عبر تاريخ الظلم الطويل في العراق.
"كيف ما تكونوا يولّ عليكم" هكذا نردد بغباء منذ زمن بعيد... بعيد جدا. مقولة هي الأكثر ظلما ووحشية في التاريخ، إنها تبرر بطريقة لا أخلاقية ظلم الحاكم لشعبه.
من الواضح أن المقولة، توفر لحاكم غاشم مثل صدام التذرع بمسؤولية الناس وليس مسؤوليته عن كل ما ارتكب في العراق. كما تتيح لرئيس وزراء فاشل مثل نوري المالكي إخلاء مسؤوليته عن كل الأخطاء الفادحة التي ارتكبها خلال ولايتين من حكمه.
يقول المالكي في حديث لصحفيين كويتيين: "ما الذي حصل في كردستان الآن. بعد كم الهزات التي حصلت أخيرا ؟ اقتصادهم نزل إلى الصفر. رئيس الجمهورية جلال طالباني ابلغني بان الاقتصاد نزل بنسبة 70 في المئة، وأنا لدي معلومات انه هبط إلى أدنى من هذا المستوى".
أية لهجة تشفٍ معيبة يا سيادة رئيس الوزراء؟
 أتساءل: هل في وسع حاكم معتدل  أن يصدر عنه هذا الكلام القاسي؟ وأعود لأقول: هل ثمة حاكم يشمت بهذا الطريقة الشائنة بأحد أقاليم بلاده حتى لو كان كلامه صحيحا؟
ترى هل هناك ما دفع بالمالكي إلى هذا النوع من الفجاجة سوى فشله؟ هل ثمة من دفعه للكذب والقول إن محافظة كركوك تهجر المواطنين العرب فيها سوى سوء نيته؟
إن الشعب والمواطنين، بضمنهم محبو المالكي، لم يدفعوه إلى ذلك، إنما قلة حكمته هي من فعل.
 من الواضح انه يلجأ هنا إلى تضليل أعوانه بكل لامبالاة. ويقدم الكذب والخداع بدلا عن قول الحقيقة مثل أي شخص عادي لا يشعر بمسؤولية ما حيال مجموعة قوامها عشرة أشخاص فقط.
إن ما يترتب على قول مسؤول بهذا المستوى أن البلاد تضيع و"المكاريد" من أتباعه سيعمدون إلى بناء قناعات ومواقف هي اقرب للزيف منها للعقل. ويمكن أن يذكر في هذا الصدد عشرات التصرفات المماثلة وأكثر منها من تصرفات رئيس الوزراء التي لم تقدم شيئا مفيدا للبلاد سوى انه جعلها لسبع سنين تقف على رجل واحدة في انتظار احتمال السقوط المشين.
يطرح المالكي هنا نموذجا، كونه الماسك بأغلب مفاصل الدولة، وإلا فان الطبقة السياسية بمجملها، مسؤولة بهذه الدرجة أو تلك عن الخراب الرهيب في عراق اليوم.
ستضطرنا مقولة "الشعوب هي المسؤولة" أن نقف أمام حيرة لا يتسنى لنا تجاوزها بسهولة، مفادها: كيف يتسنى لنا تفسير الاختلاف بين الحكام في البلد الواحد؟
 كان يجدر بالثقافة، تبعا للنظرية أن تنتج  الشعوب نسخا مكررة من الحكام، وهو أمر لا يقره احد ، فالحكام مختلفون حتى داخل الثقافة الواحدة. فلا احد يستطيع أن يساوي بين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، وهما الأخوان كما نعرف، ويضعهما في مستوى واحد من السلوك والتصرف. الجميع يعلم حجم الرعونة والتهور اللذين كان عليهما عبد السلام، وحجم البساطة التي تمتع بها عبد الرحمن، وهذا دليل آخر على بؤس المقولة، فها نحن أمام أخوين، بينهما من الاختلاف في إدارة البلاد مابين السماء والأرض.
لمحمود عثمان قول جيد في هذا الاتجاه، فحين يُسأل عن أسباب عدم تحرك العراقيين على غرار ما يفعله المصريون اليوم، يجيب:إن الخلل يكمن في "النخبة السياسية"، وإن "مراكز القوى الدينية والسياسية لم تشجع الشعب  على أن يخرج في تظاهرات احتجاجية على سوء الأوضاع والكتل تدعو إلى كل شيء عدا التظاهرات".
إن  الوصفة السحرية لتدهور أي بلد هي: حكومة غاشمة، قضاء ضعيف، مؤسسة دينية منافقة. وليس بمقدور من لدية  شعور بالعدل أن يضيف الشعب لمفردات هذه الوصفة المحزنة.