كـــلام اليـــوم :بعض الصمت جريمة

Saturday 19th of September 2009 02:31:00 AM ,
العدد :
الصفحة : الصفحة الأولى ,

المدى التقى أمس في (المدى) عدد من الزملاء الإعلاميين،برفقة سياسيين وناشطين من منظمات المجتمع المدني تعبيراً عن احتجاجهم ولمناقشة المشكلة المستعصية المتمثلة باستمرار اعتداء حمايات بعض (المسؤولين) على الصحفيين. هذه المشكلة لم تجد حلا جذريا..وفي المدى السياسي والأمني المنظور لن تجد مثل هذا الحل، برغم عشرات التطمينات الفارغة من أي محتوى معقول ومحترم التي يطلقها مسؤولون كبار وصغار ووعودهم باحترام كرامة الصحفي وحقوق مهنته وواجبه وقبلها حقه الإنساني في أن يُحتَرم ولا يُهان.

لن تُحَل هذه المشكلة، ليس لأن المستهترين والنزقين من أفراد الحمايات لا يمكن ردعهم، ولكن لأن مسؤوليهم لا يريدون ردعهم ولا يحترمون أية قيمة إنسانية ولا يعرفون ولا يؤمنون بحقوق الإنسان ولا بالديمقراطية ولا بحسن السلوك، كقيمة إن لم تكن مدنية فهي دينية وأخلاقية. يفترض (المسؤول) من هؤلاء البعض أن (هامشاً) من الأخطاء لا بدّ منه من أجل تأمين أفضل حماية له، لا يخترقها الإرهاب ولا يستغفلها المجرمون، وذلك إذا اقتنع فعلا السيد (المسؤول) أن هذا السلوك خطأ..فأغلبهم لا يقتنعون! لم تُنتِج شيئا تلك التصريحات التي تعقب عادةً جرائم الاعتداء والتي يحرص فيها (المسؤولون) المتورطون على أن يُظهِروا أكبر ما في قواميسهم من لغة السلوك الديمقراطي المدني الأخلاقي الديني من مفردات مكررة حتى باتت مثار سخرية ومرارة. كيف يمكن انتظار انتهاء هذه الظاهرة فيما لن يستطيع أحد إيقاف الاستهتار في الشارع والاعتداء على شرطي المرور وعدم احترام السيطرات وقسر الآخرين على التوقف والانطلاق عكس اتجاه السير والاستخدام الأرعن للصفارات والضوضاء لإرهاب الآخرين وسوى هذا من المظاهر التي باتت قيمة (المسؤول) وعلوّ شأنه من قيمة ما تستخدمه حمايته وتفرضه من رهبة وتخويف على فقراء الشارع وبسطائه غير المسؤولين. الإعلاميون محظوظون لأن لهم منابرهم التي تُستَخدَم لفضح الانتهاكات التي يتعرضون لها..لكنهم سيتعرضون إلى ما هو أفدح ما لم يكرسوا الحماسة ذاتها التي يكونون عليها حين يتعرضون للإهانة هم وذلك في مواجهة إهانات المواطن العادي الذي لا تصل في اغلب الأحيان مظلوميته إلى الرأي العام وهو يهان وتمتهن كرامته وتُسلَب حقوقه في الشارع عشرات المرات يوميا على أيدي شبان أجلاف من أفراد حمايات (مسؤولين) لا يحترمون أنفسهم ولا يحترمون الناس. نعرف الكثير من وسائل الإعلام التي تتنازل عن أبسط اشتراطات المهنة والإنسانية، وهي تصمت وتخفي معلومات عن تجاوزات يتعرض لها مواطنون أبرياء، وذلك تملقاً لمسؤول وطمعاً بحظوة أو جاه. لقد أخطأ الجميع حين افترضوا منذ البداية أن الصمت على الانتهاكات هو من مستلزمات تعضيد الجهد الأمني ومن ضرورات التساهل مع رجال مكلفين بالأمن ويعملون في ظروف خطرة..لا يتعارض الواجب الأمني مع احترام السياقات الإنسانية، بل هو مطلوب وندفع له المليارات من مالنا العام حتى تُحتَرَم السياقات الإنسانية وتُصان كرامتنا وحقوقنا.وسنكون حمقى اذا قبلنا بهدر أموالنا من أجل هذا الاستهتار الذي يشبع غرور حفنة (مسؤولين) ويسكت سعير شهواتهم في التظاهر الفارغ. لن نصل إلى حل ما لم تكن هناك حملة وطنية يقودها الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والقوى المجتمعية لفضح الانتهاكات وتعريتها والقصاص من مرتكبيها والساكتين عنهم. سيكون الصمت جريمة تتستر على نمو ظاهرات شاذة واستفحالها، ما دام الحال يدفع إلى الواجهات بأناس لا صلة لهم بالتمدن ولا بالأخلاق ولا بثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان.. ولن يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.