الأزمة السياسية في العراق .. هل من حلول ؟

Sunday 27th of January 2013 08:00:00 PM ,
العدد : 2710
الصفحة : آراء وأفكار ,

هل  الأزمة التي تمر بها العملية السياسية آنية ووليدة ظرف طارئ أم أنها كانت موجودة فيها أصلاً منذ نشوئها ؟ وما  أبرز مظاهرها ؟ وهل هي أزمة عدم وعي وتخلف تيارات سياسية بحد ذاتها أم  أنها مرتبطة بثقافة وفكر ضيق استئثاري لا يؤمن بالآخر.. ف

هل  الأزمة التي تمر بها العملية السياسية آنية ووليدة ظرف طارئ أم أنها كانت موجودة فيها أصلاً منذ نشوئها ؟ وما  أبرز مظاهرها ؟ وهل هي أزمة عدم وعي وتخلف تيارات سياسية بحد ذاتها أم  أنها مرتبطة بثقافة وفكر ضيق استئثاري لا يؤمن بالآخر.. فكر يتعلق بمراحل ماضية لكنه ما زال متأصلاً بهذا الشكل عند بعض الأطراف التي تسيدت المشهد السياسي ما بعد 2003 ؟ وما  صفتها ؟هل هي خارجية مئة بالمئة أم ذاتية نتيجة تركيبة التيارات السياسية ؟ وأين تكمن الحلول والمعالجات وكيف السبيل إليها ؟

ونحسب أن الإجابة على هذه الأسئلة بوضوح وصراحة صارت ضرورية بعد كل تلك المنزلقات الخطيرة التي مر وما زال يمر بها العراق والمعاناة التي يتعرض لها الملايين من العراقيين بمختلف مكوناتهم من دون وجود في الأفق ما ينبئ عن معالجات حقيقية للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي  وانعكاس ذلك  سلباً على الأمن والخدمات وغيرهما من مظاهر الفقر والحرمان في بلد كالعراق يمتلك مخزوناً من الثروات الطبيعية من بينها وليس كلها النفط.

وبنقاط محددة يمكن إجمال أهمية الإجابة بعدة أسباب منها :

1- إن تجارب ما يقرب من عشر سنوات مرت شهدت على صعيد الواقع محاولات لتكريس نمط من التطبيقات المشوهة للديمقراطية وتكريس المحاصصة بأسوأ أنواعها في مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية .

2- الحاجة الماسة إلى مراجعة دقيقة وشجاعة لما مرت به العملية السياسية من ظروف لتحديد الخيارات المتاحة .

3- خطورة ممارسات بعض الأطراف لاستغلال السلطة لتحقيق مصالحها الضيقة وسعيها للتفرد والهيمنة .

لن يجدينا نفعاً أن نلجأ إلى المكابرة وندعي عدم وجود أزمة حقيقية أو التقليل من خطورتها على الوضع العام في العراق ، فنكتفي بالاستشهاد بنماذج غير واقعية للتدليل على سلامة الخط العام للعملية السياسية العرجاء بفعل سياسات الحاكم المدني بريمر سيئ الذكر وعدم جدية بعض أطراف العملية السياسية لإيجاد بدائل عنها بل تسخيرها لخدمة أهدافها من خلال التفسير الكيفي للدستور والقفز على أهم ما جاء فيه المتمثل بتوصيف هوية العراق كعراق اتحادي ديمقراطي .هناك إذن أزمة  منذ البداية لم تكن وليدة الصدفة أو الظرف الطارئ تكمن في تعمد تغييب الهوية الوطنية الجامعة ومحاولة أطراف  معينة اللعب على وتر الطائفية للحفاظ على مكاسبها وتشبثها بالسلطة ، وافتعال الأزمات بين الحين والآخر تارة بين المركز والإقليم وأخرى بين من يفترض أن يكونوا شركاءها حتى وصل هوس السلطة  بها إلى حد التصدي لكل من يخالفها الرأي بمن فيهم المنضوون معها في تحالف واحد .

وكان من أبرز مظاهر الأزمة بل الأزمات هو هذا الشك والريبة الذي لازم أطراف العملية السياسية ووسم علاقاتها بعدم الثقة والقلق وخوف كل طرف من الآخر ، ويكفي مراجعة تصريحات أغلب الفرقاء السياسيين لمعرفة مدى تردي الواقع السياسي ، إضافة إلى أن عدم الإيفاء بالاتفاقات ضاعف من خطورة الوضع ، حيث بات الوضع يؤشر كفتين : كتل سياسية تشعر بأنها تتعرض للتهميش تدريجياً، وطرف لا يريد أن يصغي  لشركائه ويفسر الاتفاقيات بما يراه مناسباً له ، وإذا أضفنا إلى كل ذلك سياسة إبعاد التيارات الديمقراطية ليبرالية  أم يسارية أدركنا حجم الخلل الذي أصاب العملية السياسية وعرقل اتجاهاتها الديمقراطية الصحيحة !

ومن المظاهر الأخرى للأزمة هو قلق الشارع الشعبي الذي ولده عدم تحديد منهج أو برنامج عمل وطني الذي حال دون وجود رؤية سياسية موحدة تتفق الأطراف السياسية على خطوطها العريضة ،ولا بأس إذا اختلفت في التفاصيل . لم يكن هنالك من مشتركات بين الشركاء ما ضاعف من درجة قلق المواطنين وأفقدهم تدريجياً الثقة بنخبهم ووجودهم مقصرين بحقهم .

وبصراحة فإن هنالك تقصيراً يتحمله الجميع بهذه الدرجة أو تلك وكلاً بحسب موقع مسؤوليته ، حيث كانت وبعد كل أزمة تعقد الحوارات وتناقش الشكليات من دون الغوص في عمق المشكلات الحقيقية وهو ما حذرت منه قوى وشخصيات وطنية من دون أن يستمع أحد إلى دعواتها الصادقة ..كان واضحاً أن كل أزمة تنتهي سرعان ما تفرخ أزمة أخرى أشد منها خطورة ،ولم يكن يحتاج المرء إلى مرشد ينبهه إلى أن ما يحصل هو نتيجة ثقافات وأفكار عند البعض تريد أن تختزل كل مؤسسات الدولة بالسلطة ،وهو ما يتناقض ومبادئ الديمقراطية التي من شروطها بناء دولة مؤسسات مدنية تتجه كل مفاصلها لخدمة المواطن ،في حين أن نوعية الممارسات التي تجري هنا وهناك لم تنم عن أي من هذا ،فقد ذبح الدستور أكثر من مرة بذريعة توافقات الكتل ،وعطل الدور الرقابي لمجلس النواب وانتهكت حقوق الإنسان وعجزت الحكومة من توفير أبسط حاجيات المواطنين ناهيك عن التشكيك بالقضاء والعجز عن محاربة الفساد بكل أنواعه وغيرها .

والآن هل  أزمة العراق خارجية ؟بالعودة إلى طبيعة الظروف التي مرت بالعراق بعد 2003 وفعل العامل الخارجي فيه وما رافق ذلك وتبعه من  تداعيات منذ تشكيل مجلس الحكم على أسس طائفية واستمرار هذا النهج والابتعاد عن التوجه لبناء دولة مدنية والعجز عن حماية المواطن  وعدم وجود ثقافة تصالح واقعية شجع العديد من الدول المجاورة والإقليمية على عرقلة بناء نموذج  ديمقراطي في العراق ، لأنه يشكل خطراً عليها -على الأقل- في الأفق المنظور ، غير أن هذا ما كان ليستمر لولا طبيعة القوى السياسية وتوجهاتها المبنية على خدمة مصالحها وجمع المكاسب وإشاعة الطائفية السياسية وتغذية الخلافات حد الصراع ومحاولة جر الشارع الشعبي إلى صراعات تعمق حالة الفرقة بين أبناء البلد الواحد ، لذا  فإن حقيقة الأزمة ذاتية وتتعلق بثقافة وعقليات الأطراف السياسية وطبيعة ارتباطات هذه القوى بالخارج ، تلك القوى هي التي سمحت بفشلها وأخطائها لتدخل هذه الجهة الخارجية أو تلك بشؤوننا الداخلية بصور وأشكال متنوعة ، لكنها ونكرر هنا لم تكن هي المسؤولة المباشرة عما يعانيه واقعنا من أزمات يتحمل تبعتها أطراف العملية السياسية وليس غيرهم.

بعد هذا  الاستعراض السريع  لأزمة معقدة ومركبة يتداخل فيها المؤثر الخارجي والإقليمي والمحلي هل من حلول وكيف ؟

لعلنا لا نأتي بجديد إذا  قلنا إن من أولويات الحل تتمثل بالحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات وهو ما تدعو إليه كل الأطراف ولكن أي حوار يريد الشعب ؟

قلنا إن الأطراف السياسية دأبت وبعد كل أزمة أن تدعو إلى الحوار، لكنها في الغالب كانت حوارات لا تمس جوهر المشكلة ، بل تدور حولها ، لذا فإن المطلوب باعتقادنا أولاً تأسيس قاعدة لحوار وطني تشترك في وضعها كل التيارات السياسية بما فيها المستبعدة من خارطة المشهد السياسي لأسباب متعددة وخاصة التيارات الديمقراطية التي ما زال صوتها خافتاً ، قاعدة عريضة تضع مهمة التغيير كهدف لأي حوار جدّي تسعى أطرافه لتخليص العملية السياسية من أزماتها ، عندها يمكن القول إننا وضعنا إصبعنا على الجرح الكبير لوطن عرقلت نهضته الصراعات .ثم الاتفاق ثانياً على إصلاحات جذرية سياسية وقانونية ، تستمد أسسها من مبادئ الديمقراطية التي تكفل تسخير مؤسسات الدولة جميعاً لخدمة المواطن .. والاعتراف بما حصل من أخطاء تجاه الشعب بمختلف مكوناته الذين ما زالوا يحلمون بوطن ينعمون فيه بالعدل والمساواة وتحقيق أكبر قدر من الرفاهية بعيداً عن شبح الخوف من مستقبل مجهول .