نحن نكتب وهم لا يقرؤون

Saturday 25th of May 2013 10:01:00 PM ,
العدد : 2806
الصفحة : الأعمدة , طالب عبد العزيز

في أحد المعارض الصناعية الإيرانية التي أقامتها حكومة البصرة المحلية على أرض ميناء المعقل يستغرب أحد المشاركين الإيرانيين من عدم وجود صحيفة داخل مبنى المعرض الكبير، بل يجد صعوبة في فهم عدم حاجة الإنسان العراقي للصحيفة، فيقول هذه مشكلة كبيرة، مشكلة في أن لا تجد صحيفة تتحدث عن المعرض، أنْ لا تجد أحداً يمسك صحيفة محلية، مستغربا من حياة لا تكون الصحيفة فيها همَّاً اجتماعياً، لكن أحدا ما لم يدله على جوهر القطيعة تلك.
  أن تكتب في السياسة أو لا تكتب تلك هي المشكلة بالنسبة للصحفي في الشرق العربي وفي العراق بخاصة، بل أن تكتب ما يعانيه مواطنوك في الصحافة أو لا تكتبه مشكلة أخرى أيضاً، ذلك لأن القارئ في العراق مثلا فقد ثقته بما يُكتب في الصحف وما يشاهده في التلفزيون كذلك، بمعنى آخر انَّ فجوة عميقة حفرت بين المنتج والمتلقي، بين الكاتب في الصحيفة وبين متلقيه، القارئ عند كشك بائع الصحف.
منذ أن سقط نظام صداح حسين حتى اليوم، هناك خسارة كبيرة، هناك مواطن لا يقرأ ولا يتابع ما ينشر في الصحف سينتج عنه، أو أنتج، انهيارا مريعا في منظومة المواطن الفكرية، نعتقد بأن الصمت عن معالجتها يشكل خطرا يهدد مستقبل البلاد ويسهم في تدمير الروابط المجتمعية-الاقتصادية بخاصة.
  منذ عشرات السنين دأب العراقي بعد تمكينه من القراءة والتعلم والثقافة على قراءة الصحيفة صباح كل يوم، في البيت والدائرة والمقهى، مع استكان الشاي وماعون الكبة وفي باص المصلحة العامة لنقل الركاب وفي القطار والطائرة أيضاً، وصارت علاقته بالصحيفة عبر الزمن منتجا مدنياً وحاجة لا يمكن الاستغناء عنها- ولا علاقة لذلك بمن يقول بأن وسائل الاتصالات الحديثة شكلت جزءاً في عملية التراجع هذه، ذلك لأن قراءة الصحيفة الورقية في معظم دول العالم لا زالت تعدُّ سلوكا حضاريا وحاجة مدنية ملحة، لذا فخروج الصحيفة من حياة المواطن العراقي قضية بحاجة لمزيد من التوقف والعجالة في المراجعة المسؤولة لأن وجودها وحضورها اليومي في الحياة العامة يعدُّ المعادل الموضوعي والقاعدة المثلى لبناء مجتمع قادر على العيش جنبا إلى جنب مع شعوب العالم المتمدن.  
  بعد ظهر كل يوم تصل البصرةَ صحف العاصمة بغداد، يأتي بها سائقو السيارات، ويُنادى على ناصر أبو الجرايد أنْ تعالَ خذْ حصتك منها. وسوى من مجموعة صغيرة لا أجد أحداً يقف عند كشك الرجل الذي يُعد واحدا من أقدم بائعي الصحف في البصرة. المجموعة تتباين في طبيعة قراءتها حيث نجد قارئ السياسة والرياضة والإعلان ، لكن العدد لا يشجع كثيراً، وعلينا أن نعترف بأن القراء في تناقص مستمر، وعلينا كذلك أن نقر بوجود الفجوة بين الصحيفة وبين قارئها، ويبدو أن السياسة السيئة للدولة العراقية بشكل عام تتحمل الجزء الأكبر في القطيعة هذه، لأننا إزاء مشكلة من نوع جديد تتلخص بفقدان ثقة المواطن في كل ما يكتب بما فيه الحراك السياسي في البلاد، ووصل الأمر إلى الحد الذي انعكس سلبا على حياة المواطن النخبوي الذي يتطلع لتمتين العلاقة بين الدولة ووسيلة الأعلام.
   هناك وجه آخر للمشكلة هذه يكمن في العدد الكبير من الصحف الصادرة في العراق يوميا، والذي يؤكد من حيث الظاهر وجود القارئ والعلاقة المتينة معه، لكن الواقع لا يقول ذلك إذا ما علمنا بأن المباع من الصحف في البصرة مثلا لا يتوازن مع عدد السكان الكبير فقد ظل عدد باعة الصحف ثابتا، ولم تستحدث مكتبات في الأقضية والنواحي، بل أن نسخة واحدة من صحيفة ما، أي صحيفة، لا تصل مدنا مثل صفوان أو أم قصر أو أبي الخصيب أو التنومة وبذلك ينحصر قارئ الصحيفة في مركز المدينة (العشار) والبصرة القديمة وبعض المناطق داخل محيط المدينة، وكل حديث غير ذلك مبالغ فيه ولا معنى له، لذا فالقول في الفجوة تلك بحاجة لمن يفكر بجدية العزوف أولا والسعي لتمتين العلاقة بين الصحيفة والقارئ ثانياً.
   ربما نجد من يقول لنا الحكمة السخيفة والقديمة بأن النظام السابق كان السبب الرئيس في المشكلة والقطيعة بعد أن جعل من وسائل الإعلام ناطقة باسمه بما أسهم في قطع السبل بين الفريقين، لكن الحجة لا تصمد أمام الانفجار الكبير في العدد الهائل من الصحف، والذي نشهده يوميا، حتى بتنا غير قادرين على ملاحقة كل ما ينشر فيها، غير أن الحقيقة الأكيدة إنما تكمن في الكذب والمماطلة والوعود غير المسؤولة التي ظل يطلقها السياسيون العراقيون خلال السنوات العشر الماضية دون أن يجد المواطن سندا لها في واقع حياته التي لم تعد ممكنة، المواطن الذي ظل يقرأ ويتابع المئات من الوعود في نهاية مشاكله مع الكهرباء والماء والأمن والبطالة ونقص الخدمات وسواها من المشاكل التي لم تنته حتى اللحظة هذه.