لماذا لم يخرج الجعفري ثانية؟

Friday 30th of August 2013 10:01:00 PM ,
العدد : 2879
الصفحة : الأعمدة , علي حسين

لم تبلغ مخيّلة أفلاطون أو الفارابي وهما يضعان أسس الجمهورية الفاضلة، ما بلغته مخيلة السيد إبراهيم الجعفري صاحب كتاب "تجربتي في الحكم".. الذي شاهدناه قبل أيام قليلة يملأ الفضائيات بالخطب والشعارات، فمجلس النواب من وجهة نظره خاطئ ومقصر، وأنه تجاوز الخطوط الحمراء، ولم يتورع السيد الجعفري حينها عن اختيار أصعب الكلمات في توصيف ما جرى حين تمت مناقشة موضوعة صور بعض قادة دول الجوار التي تمتلئ بها شوارع بغداد، كان رئيس التحالف الوطني ملعلعاً وهو يخوض معركته الكلامية المقدسة ضد كل من تسول له نفسه الحديث في هذا الموضوع، مشيعاً في الأجواء طقساً حربياً حتى اعتقد الناس أن المعركة قادمة لا محالة.
أول من أمس غاب عنا السيد الجعفري، ولم يدعُ إلى جلسة طارئة للبرلمان تناقش التدهور الأمني، ولم يشمر عن ساعديه ويعلن حربا شاملة ضد كل المفسدين والمتلاعبين بأمن الوطن والناس.. المواطن العادي وأنا واحد منهم، تخيلنا أن السيد الجعفري اكتشف أن مهمة البرلمان هي الدفاع عن أحقية شعب البحرين في التظاهر، والوقوف حدادا على أرواح شهداء الانتفاضة السعودية.
ولأننا دولة غارقة حتى أذنيها في مهرجان حيدر الملا، ومختطفة لمتابعة أخبار المناضل بشار الأسد، لم يتوقف أحد من نوابنا الأفاضل عند كارثة الأربعاء، ولم يهتم السيد الجعفري بمتابعة المأساة، ولم يخرج علينا ببيان أو تصريح عن هذه الفاجعة، والأخطر من كل ذلك أنه لم يغضب ولم يهتز بمقدار واحد من الألف بشأن الاهتمام المصنوع بقضايا اخرى مثل صور قادة إيران ودعم الشعب البحريني، ولم ينقل عن وكالات الأنباء أن أحداً تساءل: ماذا جرى؟ ولم يهرع المستثمرون في المعارك الطائفية إلى الشاشات ليطالبوا بتحقيق عاجل مع الأجهزة الأمنية.. ولم يقل أحد لنا إن الحكومة فقدت شرعيتها..فقد شاهدنا كيف توارت الوجوه وانسدت المسام وتلّبد الإحساس وكأن الذين قتلوا بالمفخخات ينتمون إلى شعب آخر.
للأسف ما جرى في جلسة البرلمان الأخيرة التي شهدت المباراة الختامية بين التحالف الوطني والعراقية، يدخل ضمن مشروع استباحة العراق، وهو المشروع الذي تروّج له هذه الأيام معظم الكتل السياسية بمختلف توجهاتها.
في كل مرة اقرأ تصريحا لواحد من مسؤولينا وساستنا أتساءل: كم سيتحمل الناس مثل هذه الاستعراضات التي فقدت منذ زمن القدرة على إضحاكهم، للأسف أن الكثير من العاملين في حقل السياسة لا يقرأ الأحداث جيدا والنتيجة، أن أفعاله وتصريحاته تأتي خاطئة، وبعضهم لا يعرف أصول مخاطبة الناس ما يجعلنا نعيش حالة تنذر بالخطر.
كنت أتمنى أن يتأمل السيد الجعفري ما يجري في دول العالم وكيف تصان حرية وامن الشعوب.. لا خطب ولا شعارات تستعصي على الفهم، ولا "احاجي" والغاز، وأن يتذكر وهو الذي يدعي وصلاً بالفلسفة، ما قاله هيجل: الدول تهنأ في ظلّ العدل، والشعوب تبتئس خارجه.، وأن لا يجرب معنا استخدام الكلمات الطنانة والتعابير المنحوتة من زمن مضى.
أكثر المشاهد تعبيراً من كل خطب البرلمانيين، صورة وردت في تقارير الوكالات الدولية: "امرأة فقدت القدرة على الكلام وهي تسمع نبأ مقتل اثنين من أبنائها فاستبدلت العبارات بكميات من الوحل غطت به وجهها ".. هذا ما فعلته عشر سنوات في ظل سياسيي الشعارات والعبارات المفخمة.. إذاً يا مولانا الجعفري، لا شرعية لنظام لا يحافظ على أرواح أبنائه.. الشرعية عدل وأمان ومستقبل واضح.
الناس انتظرت من التحالف الوطني بعد تجربته في الحكم أن يفعل شيئا أو يقدم بشارات سياسة حديثة يمكنها أن تصنع مؤسسة دولة أو تبنى سياسات جديدة، إلا أن الناس فوجئت بأن أعضاءه لا يفعلون شيئا، ويسيرون على خطى " القائد الضرورة "، في تحويل العراق إلى ملاعب جديدة للاستبداد.