حول نذر الحرب العالمية الثالثة..نهاية التاريخ بين مجتمعات الثقافة ومجتمعات الحضارة

Monday 2nd of September 2013 10:01:00 PM ,
العدد : 2882
الصفحة : آراء وأفكار ,

(1-2) لعل المثل الأخلاقي الذي تخيله المؤرخ الإنكليزي توينبي بات مكشوفا وهاجسا مخيفا في أذهان الكثيرين بسبب تأزم الوضع السياسي في العالم اليوم خصوصا ما يحدث في عالمنا العربي بعيد الثورات التي أطاحت بالنظم السياسية الهرمة. لقد تخيل توينبي أن حربا ستقوم

(1-2)
لعل المثل الأخلاقي الذي تخيله المؤرخ الإنكليزي توينبي بات مكشوفا وهاجسا مخيفا في أذهان الكثيرين بسبب تأزم الوضع السياسي في العالم اليوم خصوصا ما يحدث في عالمنا العربي بعيد الثورات التي أطاحت بالنظم السياسية الهرمة. لقد تخيل توينبي أن حربا ستقوم في المستقبل مصحوبة بقنابل ذرية وهيدروجينية تؤدي إلى هدم جميع أشكال الحياة ( ريمون ارون: المجتمع الصناعي, 62).
إذ يستعيد البعض منذ اندلاع الصراع في سوريا وتحوله إلى حرب دامية بين النظام الحاكم من جهة والجيش الحر والتنظيمات الإسلامية المتشددة من جهة ثانية , ذكرى الحربين العالميتين الأولى والثانية ويخلص إلى مفهوم الحرب العالمية الثالثة. ذلك أن شكل المواجهة لم يعد يختص بالشأن الداخلي السوري وإنما تداعى تأثيره نحو صراعات سياسية إقليمية ودولية بين مؤيد للنظام(إيران, الصين, روسيا, العراق)  وآخر معارض وممول(أمريكا, السعودية وقطر, تركيا, الاتحاد الأوروبي) وآخر مشترك (حزب الله, مقاتلين من العراق وإيران) خصوصا وان دولا مثل تركيا والأردن استعانت بقواعد عسكرية أمريكية بزعم صد أي هجوم محتمل من الجانب السوري . فما يشغل العالم اليوم  بفضل وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي هو ما يجري في الداخل السوري وانعكاساته على دول المنطقة . هكذا يرد مفهوم الحرب العالمية الثالثة المفترضة لتدّخل قوى عظمى تزج بجيوشها للاصطراع على الأرض السورية أو بسببها لتكون خاتمة العالم ونهاية التاريخ كما ترويه السير والاحاديث الإسلامية .
ويظهر إلى سطح هذه الفرضية شخصية رجل مخضرم في عالم السياسة هو هنري كيسنجر كرائي ومتنبئ لهذه الحرب عندما ذكر لصحيفة دلي سكيب بان الحرب العالمية الثالثة على الأبواب وسوف تدور بين أمريكا من جهة وروسيا والصين وإيران من جهة ثانية . من مقدمات هذه الحرب كما يتوقع هو ما يحصل في الشرق الأوسط من ثورات وحروب أهلية وطائفية . والمنتصر الأخير بزعمه هي أمريكا التي ستحكم العالم لامتلاكها أكبر ترسانة عسكرية . كما أن المفكر الفرنسي جاك اتالي له مثل هذا التوقع  بسبب أحداث العنف في مالي وسوريا وأفغانستان, ويقول بان هذه الحرب ستمتد فترة طويلة إلى عام 2089 وتتسبب بموت مئتي مليون نسمة !
لا نغالي كثيرا إذا ما تحدثنا عن نذر هذه الحرب منذ بداية الصراع العراقي الإيراني عام 1980 بعد نجاح الثورة الإسلامية والاحتكام السياسي في نظامها إلى ولاية الفقيه التي تدير المجتمع الإيراني تبعا للمنظومة الفقهية الشيعية . كان صدام حسين يردد : إنه كان سيبدأ حربا عالمية ثالثة لو كان ذلك ضمن قدرته وقوته( جمهورية الخوف: 391) فاندلعت الحرب التي أشعل فتيلها صدام  بدعم إقليمي وتأييد أمريكي للتخوف من " تصدير" الثورة الشيعية ومن ثم نشر التشيع فقها وعقيدة في دول المنطقة ما يمنع بالتالي السيطرة على المجتمع وموارده لانقياده إلى تراث ديني صلب لا يهادن الغرب ويعتبره شيطانا أكبر كما تفعل حكومة إيران منذ عام 1979 وإلى الآن . وبرغم ان الجيش العراقي يضم في صفوفه غالبية شيعية ,إلا ان محللين سياسيين ومؤرخين كانوا يصفون المعارك الدائرة بأنها حرب بين نظامين عقائديين : يقول كنعان مكية بان ما دفع صدام لشن الحرب هو اعتقاده بأن الشيعة يشكلون خطرا عليه ( نفس المصدر: 376).
والتفسير العقائدي الإيراني اعتبرها " حرب الكفر ضد الإسلام ". كما استند كلا الطرفين إلى البعد القومي في النزاع الدائر, فالإيرانيون هم "الفرس المجوس" الحاقدون على العرب والمسلمين, بينما نظر الإيرانيون إلى البعثيين في كونهم قوميين وان القومية التي نادى بها عفلق محاولة لشق وحدة العالم الإسلامي بتفريقه إلى عرب وأجانب(زهير الجزائري: المستبد, 129).
تفاقم هذا الصراع السلطوي / الطائفي بعد حدثين مفصليين : الأول سقوط نظام البعث في العراق بعد 2003 وصعود النخبة الشيعية لحكم البلاد وهو الأمر الذي أورث صراعا محتدما بين الحكومة الشيعية والمليشيات الجهادية السنية كالقاعدة ودولة العراق الإسلامية التي تقول القوى السياسية الشيعية بانها مدعومة من دول الجوار هدفها تغيير الخارطة السياسية وإعادة الحكم السني للعراق. يؤكد ولي نصر " قد يربح الشيعة نظراً لعددهم الأكبر, لكن مكاسبهم ستفضي حتماً إلى أعمال عنف وتزيد من نار التطرف السني " (صحوة الشيعة:165) وليس ببعيد عنا تظاهرات أهالي الأنبار والموصل وسامراء التي جاءت بتصريحات وشعارات طائفية أكدت وجوب الحفاظ على الهوية السنية التي تريد الحكومة ( الصفوية ) محقها.
الحدث الثاني والأبرز الذي تفاقمت باثرة نبوءة الحرب العالمية الثالثة هو الأزمة السورية وتنامي المد الأصولي الجهادي فيها  الذي حوّل الحرب الدائرة ليس ضد نظام الأسد وحسب وإنما ضد الشيعة والعلويين كما أعلنت ذلك صراحة جبهة النصرة في اكثر من مناسبة . حتى ان بعض التسجيلات التي تبثها هذه المنظمة المرعبة أظهرت أطفالا يرددون شعارات باستعدادهم لــ " لذبح " تلك الطوائف . هذا ما جعل شيعة لبنان والعراق وإيران يتعاطفون مع النظام السوري وإرسال الأسلحة وعدد من المقاتلين إلى ساحة الحرب الدائرة بضراوة ليتشكل منهم ما يسمى الآن بلواء أبو الفضل العباس الذي يتمركز في السيدة زينب لحماية مرقدها من تدمير المتطرفين[ اختيار اسم العباس يرمز إلى الحماية التي تكفل بها لزينب منذ انطلاق قافلة الحسين من المدينة وحتى يوم عاشوراء, حتى انه يسمى بكفيل العشيرة أو كفيل زينب , وهذا يعني ان لواء العباس يحل الآن محل العباس لحماية مرقدها ]. وكانت تنبؤاتهم بتدمير المرقد في محلها. فقد أرسلت جبهة النصرة سيلاً من الصواريخ وقذائف الهاون إلى هذه المنطقة لاستهداف مرقد السيدة زينب. وعندما فشلوا في تحقيق هذا الهدف قاموا بإجراء بديل آخر هو نسف مرقد الصحابي حجر بن عدي الذي أثار ضجة إعلامية في الوسط الشيعي دون السني , بينما تناولت الأوساط السنية خبر تدمير النظام السوري مرقد القائد المعروف خالد بن الوليد ما يشي بوضوح تام إلى تحول الصراع في الداخل السوري إلى صراع طائفي مهلك.
بمعنى اكثر دقة ان الحرب القادمة ستشهد انطلاقتها الأولى من منطقة الشرق الأوسط أو الشرق الروحي وتحديدا في الجزء العربي الذي شهد نزول الوحي وتأسيس الأديان الإبراهيمية الكبرى وانقسامها إلى ملل ونحل. لذلك كانت ولا تزال سمة هذه المجتمعات وهذه المنطقة هي التعدد واللاتجانس ما يعني بان عوامل اندلاع الصراع الديني هي دائما وشيكة وعلى المحك. فمثل هذه المجتمعات تهدف إلى بناء الثقافة culture أكثر من ميلها إلى بناء الحضارة civilization.  والغالب على ثقافة البلدان الشرقية والإسلامية منها تحديدا تأثرها المفرط بالعامل الديني العقائدي الذي يميل بتفكير العوام نحو الآخرة وإهمال وتهميش العمران الحضاري في الحياة الدنيا. فهي تسعى إلى السلطة سياسية كانت أم اجتماعية وفقا لهذا المنظور الثقافي الذي يجد مغذياته التراثية بأحقية طائفة على أخرى في نزاع دائم على الحق القديم في الإمامة الذي شرعته الثقافة الدينية.
في البلدان المتقدمة تتشكل السلطة على الأسس الحضارية أكثر من الثقافية وفقا لقاعدة (كيف يحكم), لا ( من سيحكم ) السائدة في مشرقنا. لذا سميت هذه البلدان بالصناعية وما بعد الصناعية وأخيرا بمجتمعات المعرفة لارتباط كل تلك التوصيفات بالناحية الحضارية التي يتنافس فيها ساسة البلاد لتقديم الأفضل في العمارة والخدمات والتسليح حيث تختزل الأزمنة لتطوير المجتمع ما يخفف من حدة الصراعات – حتى في المجتمعات التعددية مثل أمريكا – وتحويلها إلى تنافس منتج . وذلك يتم بتهميش الثقافة ( الدينية خصوصا) وهيمنتها على صنع القرار. فتتجه المؤسسات الحكومية صوب الرفاهية تاركة للناس حرية التعبير والتعبد والتصرف بشرط عدم خرق القانون. يقول ازوالد اشبنغلر في كتابه أفول الغرب: ان الحاضر حقبة تتسم بالتمدن, لا بالثقافة.
فالفرد ينشغل بهمومه اليومية اكثر مما ينشغل بهمومه الدينية التي قد لا يتذكرها إلا كل حين. ولم يخل  هذا الإفراط في تعزيز الجانب الحضاري على حساب الروحي من عيوب ونقائص أدى بناقدي الحداثة وعلى رأسهم هربرت ماركوز إلى وصم الحالة العلمية المعاصرة بالنزعة الكلية الاستبدادية, وإنسان الحضارة بانه " الأنسان ذو البعد الواحد " , يقول ماركوز : ان عبيد الحضارة الصناعية هم عبيد متسامون ولكنهم يبقون عبيدا لأن العبودية لا تتحدد بالطاعة ولا بقوة الكدح وإنما بالإنسان المحوّل إلى أداة وإلى شيء (الإنسان ذي البعد الواحد, 68)
هذا التوحش الحضاري جعل من العامل الاقتصادي أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع الحروب واستعمار البلدان التي لا تقوى على مواجهتها. فالحرب العالمية الأولى غذتها الدوافع السياسية بمقتل ولي عهد النمسا, والثانية كانت العوامل الاقتصادية والايدلوجية (الأزمة الاقتصادية وصعود المعسكر الشيوعي) أسبابا جوهرية في اندلاعها. أما الحرب القادمة فستكون طائفية وتندلع وفقا لأسس عقائدية ثقافية متأصلة في العقلية الشرقية / الإسلامية. تمتاز هذه العقلية بأنها ذات نظرة كلية وتأويلية للعالم بعكس العقل الغربي الذي يمتاز بالتحليل والبحث عن الأسباب. وبحسب عالم النفس رتشارد نيسبت فإن " الغربيين المحدثين مثلهم مثل فلاسفة الإغريق القدامى يرون عالم موضوعات, أي أشياء منفصلة ومتمايزة وغير مترابطة. كذلك أبناء شرق آسيا المحدثين مثلهم مثل فلاسفة الصين القدامى يميلون إلى ان يروا عالم جواهر أي كتل متراصة من المادة...الآسيويين يرون العالم من خلال عدسة منفرجة الزاوية بينما الغربيون لديهم نظرة ضيقة كأنها عبر نفق (جغرافية الفكر: 89, 96) الشرقي والعربي بسبب تعقيدات الحياة يشعر بالهزيمة من الجولة الأولى ! فيتشاءم فور تعرضه لأي نازلة أو حدث مفاجئ ويبدأ بتعقيد الأمور وكأن القيامة قد قامت . وكثيرا ما ينسب الحوادث الخطيرة في المجتمع أو في حياته الشخصية إلى جهات خارجية ليشعر بالطمأنينة عند إسقاط التهم على (الأعداء) المتآمرين وينجو بجلده من المسؤولية. وعند تفاقم الأزمات واتكاله على غيره في المسؤولية وانعدام الحلول , ينشأ لديه الاعتقاد بأن آخر الزمان وشيك الحضور وهي التي ستفضي إلى النهاية السعيدة. وقتها يشعر الإنسان بشيء من الارتياح والغبطة .
 إضافة إلى عوامل الثقافة الدينية في شرقنا العربي والإسلامي , فإن من مقدمات الحرب الثالثة هو ما تتمتع به هذه المنطقة من ثروات طبيعية يجعلها عرضة للافتراس من قبل الدول العظمى. وميزة هذا الافتراس انه يتم بطريق إشعال المنطقة داخليا بتفكيك الروابط الاجتماعية بين مكونات المجتمع الواحد كما حصل ويحصل في العراق وسوريا, ومن ثم إيجاد ذريعة للتدخل من خلال رغبة الأقوياء  في الالتفاف حول من يرونه ضعيفا (الشعب) لمساندته بالضربة العسكرية ضد الحاكم المستبد لنشر (العدالة والديمقراطية).

استاذ علم الاجتماع
– الجامعة المستنصرية