مازال الممثلون العراقيون يبالغون!

Monday 9th of September 2013 10:01:00 PM ,
العدد : 2888
الصفحة : الأعمدة , سامي عبد الحميد

خلال شهر رمضان المبارك تيسر لي مشاهدة فيلم سينمائي عن العالم (جارلس داروين) وتيسر لي متابعة المسلسل الدرامي التلفزيوني المصري (خلف الله) كما شاهدت مقاطع او مشاهد او حلقات من مسلسلات درامية تلفزيونية عراقية ومنها مسلسل (م. م) الذي انتجته قناة الشرقية، ومن كل ذلك خرجت بنتيجة خاصة بتمثيل الممثلين مفادها ان الممثلين العراقيين مازالوا يمثلون الشخصيات التي يعهد اليهم تصويرها ولا يتقمصونها او يتبنون صفاتها برغم مرور سنوات على ممارسة مهنة التمثيل امام الكاميرا، وربما يعتقدون انهم اذا بالغوا في تعابير صوتهم وتغيير ملامح وجوههم فيؤخذ عليهم انهم غير مقتدرين وحتى اولئك الذين درسوا فن التمثيل في المعاهد والكليات تراهم يعتمدون الاداء المسرحي وليس الاداء التلفزيوني، وحتى المخرجين العراقيين في التلفزيون مازالوا يعتمدون التقنيات المسرحية اكثر من اعتمادهم على تقنيات التصوير التلفزيوني وحركة الكاميرا وحجم العدسة والبعد البؤري، ولذلك يضعف عامل الاقناع الذي يقتضيه التمثيل التلفزيوني او السينمائي والذي يرفض المبالغة في التعبير واعتماد حركة الممثل على المسافة المكانية على خشبة المسرح وليس حركة الكاميرا ومتطلبات التقطيع والتركيب الصوري (المونتاج).
اذكر كل هذا، واستذكر تمثيل الممثلين وخصوصاً ممثل دور (داروين) في الفيلم الذي يتعرض لعالم الاحياء وكيف يؤثر بتعابير وجهه وعينيه البسيطة والدقيقة، وبدون ادنى مبالغة او اصطناع ذلك لانه وبقية الممثلين والممثلات في الفيلم آمنوا بالشخصيات التي يمثلونها واحسوا داخلياً بمشاعرها وبمعاناتها وتفهموا بعمق المواقف التي يمرون بها ومعاني الكلمات التي يلقونها، وهم حتى في حالات العواطف المتأججة كالفرح البالغ فانهم يعبرون عنها بعمق وبلا اصطناع او مبالغة.
واستذكر بهذا الخصوص اداء الممثل المصري البارع (نور الشريف) في مسلسل (خلف الله) فعلاوة على ظله الخفيف وطلعته المحببة وبالرغم من ان دوره في المسلسل يقتضي الاصطناع والمبالغة فانه استطاع التغلب على لك باداء بسيط عميق اقنعنا هذا بغض النظر عن ان احداث المسلسل تتصف بالاصطناع وتفتقر الى الاقناع وخصوصاً ما تعلق بعلاقة (الشيخ خلف الله) بصاحبة الشركات الثرية التي مثلت دورها الممثلة الاردنية (صبا مبارك) وكيف جعلته شريكاً لها في اداء مشاريعها برغم معارضة شركائها الاخرين.
تختلف الدراما التلفزيونية عن الدراما المسرحية في كونها تقترب من واقعية الاحداث اكثر من سابقتها في المسرح وفي كون متلقيها اكبر عدداً واكثر اقبالاً من المتفرج العادي.
ولأن الكاميرا والمايكرفون يلتقطان ادق الاحاسيس والمشاعر بل ويكبران التغيير عنها صوتيا وجسمانياً وهذه من البديهيات لذلك على الممثلين في السينما والتلفزيون ان يتحاشوا المبالغة في التعبير والاصطناع في الاداء ليكونوا اكثر إقناعا لعموم المشاهدين.
ولعل من اهم اسباب الاصطناع في الاداء امام الكاميرا التلفزيونية هو عدم تعمق المخرجين والممثلين بدراسة الشخصيات ودوافعها والاهتمام بتحديد خواصها وكيفية تحويل تلك الخواص لتكون بديلاً عن خواص الممثل الذاتي، حيث لا يلجأ معظم المخرجين في التلفزيون ان لم نقل كلهم، الى جلسات قراءة النص وتحليله قبل الدخول الى الاستوديو لتصوير المشاهد كما انني لاحظت ان معظم المخرجين في التلفزيون، ان لم نقل كلهم، لا يوجهون الممثلين عن كيفية الاداء والتعبير الصوتي والجسماني امام الكاميرا والمايكرفون وانما يكتفون بتحريكهم وفقاً لزوايا التقاط الصور التلفزيونية، ان عدم استيعاب الممثل لدوره وتبني خواصه ودوافعه يدفعه الى اصطناع التعبير وابتعاده عن التلقائية المطلوبة للاداء في التلفزيون.