المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عبد الجبار عبد الله.. شرف العلم والموهبة الفذة

د. جمال العتابي

راجعنا مؤسسات ودوائر عديدة بدأت بمديرية التقاعد العامة، املاً في الحصول على ملفته الوظيفية بعد احالته على التقاعد، والتي لم نجد لها اثراً في تلك المديرية، أو في رئاسة جامعة بغداد، أو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كما لم نجد لها من أثر في كليتي التربية (ابن الهيثم، ابن رشد) رغم عمله الطويل في تلك المؤسسات..
بهذه المرارة والخيبة، تحدث الدكتور ستار نوري العبودي وهو يستعرض سيرة حياة العالم العراقي عبد الجبار عبد الله في كتابه (سفير العراق العلمي).
يقع الكتاب في أربعة فصول ابتدأها بالمراحل المبكرة من حياة عبد الجبار عبد الله، ثم دراسته الجامعية وحياته الوظيفية الأولى، ودراسته العليا، واختتمه بانجازاته العلمية ومواقفه الوطنية. وحرص المؤلف على تعزيز معلوماته بالصور والوثائق والشهادات التي تخص الدكتور عبد الله، ومن المؤسف جداً، ان يطبع الكتاب بطريقة (الاستنساخ) فضيع ملامح العديد من الصور والوثائق النادرة، التي بذل المؤلف جهداً استثنائياً في جمعها واعدادها، يستحق عليه الثناء والتقدير.
المراحل المبكرة
ولد عبد الجبار عبد الله في مدينة قلعة صالح (محافظة العمارة) عام 1911، في بيت رئاسة دينية للطائفة المندائية، فوالده الشيخ عبد الله كان الرئيس الروحاني الأعلى للطائفة في العراق والعالم. والدته السيدة (نوفه رومي الناشيء) وهي من عائلة معروفة بين ابناء طائفتها، شقيقها غضبان الرومي، المثقف والسياسي المعروف، اما زوجه فهي السيدة (قسمة الشيخ عنيس الفياض) والدها أحد الصاغة المشهورين عاش عبد الجبار في كنف اسرة فقيرة، عانت من شظف العيش، وانعكست تلك المعاناة على صباه، يتذكرها بالقول: كنت ارتدي الثياب الصيفية في الشتاء، والتجوال حافي القدمين في سنوات طفولتي الأولى.
أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة قلعة صالح، التي تعد أول مدرسة ابتدائية تؤسس في (لواء) العمارة. دخل المدرسة عام 1918 وتخرج فيها عام 1925. واكمل دراسته الاعدادية في (الثانوية المركزية) ببغداد عام 1930، متفوقاً على زملائه في النتائج الامتحانية، وتشير بطاقة درجاته الامتحانية إلى ميل واضح لديه للدروس العلمية خاصة في مادتي الرياضيات والفيزياء.
إلى جانب ذلك اظهر عبد الجبار عبد الله ميلاً آخر للموروث الثقافي لديانته. وحرصه على حفظ نصوص تعاليمها وتراتيلها منذ الصغر. إلى جانب قراءاته للأدب العربي بصورة عامة، والشعر بصورة خاصة، وكان شغوفاً بالشعر الجاهلي. وحين اتسعت مداركه ازداد تعلقه وشغفه بالكتاب والمعرفة، فقرأ الفلسفة والتاريخ إلى جانب المصادر العلمية المختلفة لا سيما تلك التي تتعلق باختصاصه العلمي. وكان يوصي اصدقاءه بقراءة شعر أبي العلاء المعري، والمتنبي، وابي تمام، وابي نواس، على ان شاعره المفضل كان الشاعر الكبير الجواهري. ولذلك لم يكن من باب المصادفة ان نجد بين مقتنيات مكتبة عالم فيزيائي كبير كتباً في الأدب العربي، أو معاجم للغة. كما يروي اصدقاؤه، وزملاؤه، وابناء عائلته، الذين يؤكدون انه كان شاعراً ومثقفاً واعياً بأهمية التراث العربي، ومما يؤكد ذلك، قراءته المستمرة للتاريخ بشكل عام والتاريخ الإسلامي بشكل خاص. كما يعني أيضاً تعدد وتنوع مصادر ثقافته العلمية والانسانية، فضلاً عن حرصه على تعلم اللغات غير العربية.
ان سعة مداركه الثقافية، وموهبته النادرة، وذكاءه الحاد، عمقت وعيه وأهلته لأن يتبوأ بجدارة منزلة العلماء، باعتراف العالم أجمع بعبقريته المتميزة. تجاوزت ابحاثه ونظرياته الثلاثين نظرية، اشرف على العديد من الدراسات الأكاديمية العليا في أميركا أو غيرها من البلدان حتى آخر أيام حياته. دخل اسمه أكبر المعاجم العلمية في العالم. واحتل مكانته الطبيعية بين مشاهير العلماء المرموقين في العالم.
دراسته الجامعية وحياته الوظيفية الأولى
عرف عنه تفوقه بين زملائه في الاعدادية المركزية، ولعل ذلك كان سبباً وراء ترشيحه إلى بعثة دراسية خارج العراق. وقد شملت البعثات ستة وعشرين طالباً، من بينهم عبد الجبار عبد الله إلى الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1930، وتخصص في علم الفيزياء مثلت بيروت والجامعة الأمريكية، محطة جديدة ومهمة في حياته، إذ اسهمت بصورة فاعلة في بلورة شخصيته الثقافية والعلمية التي برزت بوضوح بعد تخرجه في تلك الجامعة.
وشهد عام 1930 تأسيس أول جمعية طلابية عراقية خارج العراق. ضمت عبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد وعلي حيدر سليمان إلى جانب عبد الجبار عبد الله. وكانت الجمعية النواة الأولى لجمعية (الرابطة) الثقافية التي تشكلت في بغداد، فيما بعد، والتي لعبت دوراً ثقافياً وطنياً وديمقراطياً وقومياً خلال الأربعينيات من القرن الماضي. واصدرت مجلة (الرابطة) التي شغل فيها عبد الله مسؤولية (سكرتير التحرير) منذ صدور عددها الأول عام 1944 .
ومن المفارقات، ان يعود عبد الجبار لوطنه بعد تخرجه في الجامعة عام 1934 ليعين مدرساً للغة الانكليزية في المتوسطة الشرقية ببغداد، بعيداً عن اختصاصه الذي شغف به فقرر العودة إلى مدينة العمارة ثانية والعمل في ثانويتها كمدرس للرياضيات والفيزياء. حتى عام 1938، إذ ينتقل إلى وظيفة جديدة في الانواء الجوية بمطار البصرة.
وعلى الرغم من ان وظيفته هذه ابعدته عن زملائه من رواد الثقافة والفكر السياسي الوطني فانحسرت نشاطاته الثقافية العامة، الا انه عاد مجدداً لنشر مقالاته العلمية في مجلة (التفيض) البغدادية، فقد نشر مقالته العلمية الأولى تحت عنوان (مبادئ النظرية النسبية من بطليموس إلى انشتاين) ويبدو انه اكتسب خلال هذه المدة عضوية الجمعية الانكليزية للانواء الجوية، كما منحته احدى الجامعات الانكليزية شهادة عليا في الانواء الجوية عن طريق المراسلة.
وفي مرحلة مضطربة من تاريخ العراق في اثناء الحرب العالمية الثانية. وضمن حملات التعبئة العسكرية التي اقدمت عليها الحكومة آنذاك، ينخرط عبد الله في خدمة الاحتياط كضابط في الجيش، يعود بعدها إلى مطار البصرة حتى عام 1941. ثم ينتقل إلى بغداد للتدريس في الاعدادية المركزية لغاية أيلول 1943. وتسنح الفرصة له مجدداً في التمتع ببعثة دراسية لنيل شهادة الدكتوراه في جامعات الولايات المتحدة عام 1944 وتمكن بفضل موهبته العالية من انجاز المهمة عام 1946. فيعود إلى العراق لتدريس اختصاصه في دار المعلمين العالية.
دورة تأسيس منتدى (الرابطة) الثقافي
سبقت الاشارة إلى ان عبد الجبار عبد الله، كان من بين الأسماء التي اسست (جمعية الرابطة الثقافية في العراق). ولابد من التوقف عند هذه المحطة المضيئة في تاريخ عبد الله وجهده الفكري والعلمي منها.
بدأت فكرة تأسيس هذه الجمعية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وعلق مؤسسو الجمعية آمالاً على انتصار الديمقراطية بمفهومها السياسي والاجتماعي في المحيط العربي، في تلك الاجواء فكر عبد الفتاح إبراهيم في تأسيس الجمعية، ولعل ذلك سيكون نواة حزب سياسي راديكالي فيما بعد. واعلن عن تأسيسها في كانون الأول 1943، وضمت قائمة المؤسسين إلى جانب إبراهيم، خدوري خدوري، مخلف العبيدي، جمال عمر نظمي، حازم نامق، جميل عبد الله، فضلاً عن عبد الجبار عبد الله، وناظم الزهاوي ومحمد توفيق حسين، وفاضل حسين وكامل قزانجي. وعبد القادر اسماعيل البستاني.
اختلفت توجهات أعضاء الرابطة المؤسسين الفكرية والسياسية، بين اليمين والوسط واليسار. إلا ان القاسم المشترك الذي كان يجمع هؤلاء، هو الهدف في اشاعة الثقافة الديمقراطية، وتشجيع النشاط العلمي والاجتماعي. فكان عبد الجبار عبد الله من انشط أعضاء مجلة الرابطة الشهيرة والمهمة. وعملت تلك المجموعة الشبابية النشيطة باكثر من اطار لتأكيد توجهاتها الثقافية الديمقراطية والتقدمية. دون ان تكون لها طموحات سياسية، وان كان عبد الفتاح إبراهيم قد دخل اللعبة البرلمانية، حين أسس حزب الاتحاد الوطني في مرحلة لاحقة من عام 1946، إلا ان توجهاته واهدافه ظلت تدور في ذات الإطار الفكري.
ضمت الرابطة كذلك عدداً مهماً من الشباب المثقف في العراق، نذكر منهم على سبيل المثال: طه باقر، كوركيس عواد، عزيز شريف، حسين جميل، جواد هاشم. ولابد لمثل هذا التجمع ان يترك بصماته على الحياة الثقافية العراقية امتد إلى خارج العراق، بعد ان توسعت نشاطاتها، من خلال المناقشات والمحاضرات وتشكيل لجان التأليف والنشر، وتأسيس مكتبة خاصة بها، ثم تأسيس شركة للطباعة هي (مطبعة الرابطة). التي احتلها انقلابيو 8 شباط 1963، وتؤول ملكياتها إلى الدولة فيما بعدباسم دار الجماهير للطباعة انصرف عبد الجبار عبد الله إلى اهتماماته العلمية، وهو يخوض تجربة سكرتارية تحرير مجلة الرابطة. الا ان ذلك لم يمنعه من الكتابة في موضوعات فكرية واجتماعية، تعطي بوضوح مدى تبلور الوعي الوطني والتوجهات الديمقراطية والاشتراكية لديه. كما اتسمت برؤية خاصة في فهم الديمقراطية والمجتمع. وعلى الرغم من اختلافه مع آراء وافكار بعض مؤسسي (الرابطة) كعبد الفتاح إبراهيم، إلا انه ظل وفياً لتلك الجماعة غير بعيد عنها.
رئاسته لجامعة بغداد
شغل عبد الجبار عضوية مجلس جامعة بغداد منذ بداية تأسيسها، وكان وجوده في المجلس فاعلاً ونشيطاً وحينها كان الدكتور متي عقراوي اول رئيس للجامعة الذي احيل على التقاعد عقب ثورة تموز 1958 فتحول وكيله عبد الجبار إلى منصب الرئاسة من الناحية الفعلية. وامين عام لها حتى شهر شباط 1959 إذ صدر مرسوم جمهوري باناطة مهمة الرئاسة إليه، بعد تنافس شديد مع شخصية علمية أخرى هي (الدكتور عبد العزيز الدوري).
تسلم عبد الله مسؤولية الجامعة، في أوضاع سياسية محتدمة، مثلما احتدم الجدال والنقاش في الأوساط السياسية والعلمية حول المرشح لرئاسة الجامعة آنذاك.
ولعل من الطريف ان نشير إلى رأي الفريق نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة بعد تموز 58 ـ يرويه المؤرخ خليل إبراهيم حسين ـ حين اعترض على ترشيح عبد الجبار عبد الله باعتباره ينتمي إلى الطائفة (المندائية) فرد علي احمد محيي الدين وزير الداخلية بالقول: (نريد إماما للجامعة، لا إماما لجامع يؤم المصلين).
وكان رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، قد حسم مسألة الاختيار على أساس موضوعي ومتجرد وغير منحاز، من منطلق معرفته الأكيدة بكفاءة عبد الجبار ومنجزه العلمي وموهبته النادرة، حين رد بالقول: ان الثورة لا تفرق بين مذهب، ومذهب، ودين وآخر، بل جاءت لوضع كل انسان عراقي مهما اختلف دينه وقوميته، وشكله في المحل المناسب.
ويرى العديد ان سمعة عبد الجبار عبد الله العلمية العالمية، وكفاءته العلمية، وصفاته الأخلاقية، واستقلالية تفكيره، ومنهجيته الصارمة والدقيقة كانت كلها عوامل أهلته لان يحتل هذا الموقع بجدارة وإخلاص.
وخلال توليه هذه المسؤولية، قدم الكثير من أجل بناء وتطوير هذا الصرح العلمي، على الرغم من قصر الفترة التي تسنم فيها رئاسة الجامعة.
آراؤه التربوية وفلسفته
تقوم فلسفة عبد الجبار عبد الله، على الايمان بدور العلم في تطوير الحياة البشرية. ايماناً مطلقاً، إذ يرى ان خير مقياس لتقدير تقدم المجتمع، هو مقدار ما ينتجه ذلك المتمتع من البحوث العلمية. ويؤكد هذه الحقيقة في حديثه عن العلاقة بين العلم والمجتمع بقوله: البلد المتأخر هو ثقافة متأخرة، والثقافة هي، جميع الطرق للعمل أو التفكير التي تعلمها الناس في تاريخهم الحافل بالتطور. ولأن المجتمع (أي مجتمع) لا يمكن ان يعيش بمعزل عما يجري من حوله من تطورات علمية في مختلف صنوف الحياة. فلابد له من مواكبة التطورات التي تجري من حوله. ويرى ان الجامعة باعتبارها المؤسسة العلمية الأولى يمكن لها ان تأخذ بيد المجتمع في التقدم بعد ان عرفت واجباتها نحو المجتمع.
ويقترح عبد الله مشروعاً تنموياً لتحقيق هذا الغرض. لكي تقوم بهذا الواجب الاجتماعي الكبير. فلابد لها من ان تنشئ لها كياناً وتقاليد خاصة بها تميزها عن سواها بثوابت لا يمكن الحياد عنها يأتي في مقدمتها: خلق العرف الجامعي، تفعيل دور الجامعة، الايمان بقدرات الاجيال الجديدة، الحرية الأكاديمية الفكرية، وأخيرا استقلالية الجامعة.
وأكد الشرطين الاخيرين في أكثر من مناسبة. بالقول: ان الحرية الأكاديمية لا تأتي بالرغبة المجردة، ولا تتحقق بالنية وحدها، بل لابد من ممارستها امداً. ولابد من التوصل إليها بالتجربة المضنية الطويلة. اما استقلالية الجامعة، فكانت متأصلة في فكره، ظل يعمل من اجلها، بتحديد مضامينها وأساليب تطبيقها، لكي تكون جزءاً من طباعنا، مستقراً في دواخلنا. ادراكاً منه بالترابط الوثيق بين الاستقلال الوطني واستقلال الجامعة. والاقرار بحتميتهما.
ومن اللافت للنظر كما يشير المؤلف، كثرة استعاراته اقوال الفلاسفة وكبار رجال الفكر، في احاديثه ونقاشاته. إذ يستعين بحكمة الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس)، وطروحات (غاليلو) وكتابات الفيلسوف (بيكون)، أو العودة للأساطير القديمة، والموروث الثقافي العربي والاسلامي، وتاريخ العراق القديم والحديث. ومحاولته استخدام قصص الخيال العلمي. وجميعها تشير إلى سعة اطلاعه وثقافته العامة، وعمق تفكيره. فضلاً عن تمتعه برؤية ثاقبة للإدارة التربوية الناجمة.
عمله في مجال الطاقة الذرية
حرص عبد الجبار عبد الله على امتلاك العراق لمصادر الطاقة الذرية للاغراض السلمية في الفترة التي شغل فيها منصب نائب رئيس لجنة الطاقة للفترة من 1958 ـ 1963، وتعد هذه المدة من اغنى المراحل التاريخية في الحصول على المعلومات المهمة في مجالات استخدام الطاقة في مختلف الفروع العلمية. لاسيما وان اهتمام العراق في هذا الميدان جاء متأخراً بعض الشيء، وقد اتاحت له تجاربه السابقة خلال دراسته، التعرف على الكثير من اسرار الطاقة الذرية، وتشير احدى المخطوطات المحفوظة لدى زهرون دهام (من عائلة عبد الله). ان الرئيس الأميركي هاري ترومان قلده وسام (مفتاح العلم) تقديراً لجهوده العلمية المتميزة في هذا المجال. وهذا الوسام كان يمنح إلى كبار العلماء المتميزين في عطاءاتهم العلمية. ثابر عبد الجبار بكل جد وإخلاص في خدمة بلاده في هذا الميدان، وقدم العديد من الاسهامات والبحوث والدراسات، وترجم الكثير من المصادر، فضلاً عن دوره في اختيار الموقع المناسب لبناء الفرن الذري للبحوث في بغداد.
مواقفه الوطنية
الدكتور عبد الجبار عبد الله، الذي بلغ الواجهة، ونال شهرة علمية واسعة، كان بديهياً ان يساق إلى ساحة الاتهامات رغماً عنه، محسوباً على اليسار العراقي في ذروة امتداده بعد تموز 1958، ودفع ثمن هذا الاتهام ان صح التعبير باحالته على التقاعد عام 1963 بعد انقلاب شباط، الذي لم يكتف مديروه بهذا الاجراء فقط انما دفعوا به إلى زنزانات الاعتقال والتعذيب، شأنه شأن العديد من الكفاءات والعلماء التي طالتها يد الجريمة والقتل من الجهلة والمتخلفين.
ولابد من تأكيد حقيقة واحدة فقط تتعلق بانتماء هذه الشخصية المرموقة فتكاد كل الوثائق والمعلومات تجمع على عدم انتمائه لأي حزب سياسي، بل كان ديمقراطي النزعة، تقدمي التفكير متنوراً إلى ابعد الحدود، هاجسه الوطني دائماً هو خدمة وطنه العراق، مؤمناً بالحرية، واحترام الآخرين، وبسبب مواقفه الجريئة والصريحة، تعرض إلى الأذى، والملاحقة، فقرر مغادرة الوطن بعد ان أطلق سراحه عام 1963، والعودة مجدداً إلى الولايات المتحدة، وظل يحمل العراق في قلبه وعيونه، فكان دائم الحنين اليه بالرغم من القسوة والجفاء اللذين ذاق مرارتيهما وهو يمنحه خلاصة فكره وعلمه.
فمات بعيداً عنه في التاسع من تموز 1969 ليعود إليه تابوتاً من خشب الساج.
في الختام لابد من الاشادة بالجهد الكبير الذي قدمه الدكتور ستار نوري العبودي في تقصي حياة الدكتور عبد الجبار عبد الله وتتبع اثارة العلمية وتسليط الضوء على الكثير من الحقائق والاسرار التي رافقت حياته، وهو محاولة نأمل لها ان تكسر الصمت الطويل لمؤسساتنا العلمية والثقافية لتعيد لذاكرة العراقي امجاد رموزه من العلماء والمفكرين.

 


ابن خلدون وانجازات الماضي
 

مهدي النجار
 

يدهشنا أشياخنا الأوائل،كيف استطاعوا بإمكانياتهم الزهيدة وظروفهم الاجتماعية الوعرة (مقارنة مع إمكانيات وظروف عصرنا) أن يحققوا فتوحات معرفية هائلة، لكن ليس هذا هو المهم، المهم هي الاستفهامات التي تظل اليوم عالقة في أذهاننا، تؤرقنا وتفزعنا: لماذا تعثرت تلكم الفتوحات الزاهرة والنابضة،ثم ما لبثت أن ماتت وحُفرت لها مقابر في الأرض التي أنبتتها( أي ارض الإسلام)، ولماذا أُهيل عليها تراب الصمت منذ عام 1406 ميلادية(تاريخ موت ابن خلدون) وظلت منسية لقرون وقرون؟! لماذا حلَ محلها الانحطاط والجمود الفكري، وشاعت ثقافة الانغلاق والتعصب، والاجترار والتكرار؟!
لا شك في إن "المقدمة" التي كتبها عبد الرحمن ابن خلدون قبل ستة قرون (عام 1377ميلادية ) هي واحدة من تلك الروائع التي يزدهر بها تراث الثقافة العربية الإسلامية ،يقول عنها مثلاً البرفسور توينبي: "إن ابن خلدون في المقدمة التي كتبها لتاريخه العام قد أدرك وتصور وانشا فلسفة للتاريخ هي بلا شك اعظم عمل من نوعه، خلفه أي عقل في أي زمان ومكان" ويقول المستشرق الفرنسي هنري ماسه: "إن هذه المقدمة لهي ما يحير العقول وتثير الإعجاب".
إن ما يسترعي انتباهنا المحاولات الدائبة والمُلحة في قراءة هذا الأثر التراثي الرائع من قبل المشتغلين المعاصرين في الساحة الثقافية وسؤالهم الإشكالي، هل ما يمكن أن نسميه بالخلدونية أن يكون عنصراً تأصيلياً في مجال علم اجتماع المعرفة (العربية الإسلامية) ؟ أدق الأجوبة إلى الآن في رأينا، بهذا الصدد هو ما قاله محمد عابد الجابري : "إننا ما زلنا نعيش نفس الإشكالية التي فكر فيها وتحرك داخلها ابن خلدون . وبالفعل فنحن ننطلق هنا من أن إشكاليته التي ما زالت معاصرة لنا، أي قابلة لان تندمج في اشكاليتنا الراهنة، وقابلة لان نتفاعل معها ونساهم في توضيحها وتوفير الشروط الضرورية لتجاوزها".
إن مساهمتنا هذه تحاول الكشف عن الكيفية التي كان ابن خلدون يقرا بها أسلافه ومعاصريه، وبمعنى آخر،كيف كان ابن خلدون يقرا النصوص ويستغلها لاجل كشوفاته المعرفية في مضمار صناعة التاريخ(أو علم التاريخ بمصطلحاتنا المعاصرة). فقد كان يقراهم (مفكري عصره وأسلافه) بنمط عجيب، ليس لاجل الامتلاء الثقافي فحسب،أو لاجل الاستشهاد بهم والمغالاة في إشباع درسه بمصادرهم ،وانما لاجل التحليل والفحص،ومن اجل أن يستكمل الشروط الضرورية في عملية بناء مشروعه النظري الواسع.قرا المشرع الإسلامي، وقرا الطبري والمسعودى والبكري وأبو بكر الطرطوشي وابن المقفع وابن رشيق ،وقرا أيضاً ابن رشد والفارابي وارسطو
الخ، وبعد كل قراءة يضع أسئلة نقدية حادة،ويحذر بصوت مرتفع: "فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك وتأمل الأخبار واعرضها على القوانين يقع لك تمحيصها بأحسن وجه" (المقدمة/14).إن سحب الثقة الكاملة من محصلة نظرية ضخمة ضد أسلافه ومعاصريه،لهو ما يثير الاستغراب والدهشة، إلا أن موقفه هذا يعتمد على اكتشاف خللين جوهريين في آرائهم وتنظيراتهم،ننقلها هنا كما جاءت على لسان ابن خلدون بحذافيرها: الخلل الأول:"لم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها"/ الخلل الثاني: " ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا رفعوها". يعطي للمبدأ الأول أهمية حاسمة ويلخص أسبابه: "بالجهل بطبائع الأحوال في العمران". يقرا على سبيل المثال كلام ابن المقفع ويجد الاستطرادات في رسائله تتناول مسائل تقارب مسائل درسه إلا أنها "غير مبرهنة إنما يجليها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسل" (المقدمة /40 ). وكذلك القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتابه "سراج الملوك" قد حوم لكنه لم يصادف الرمية ولا أصاب الشاكلة ولا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلة: "إنما هو نقل وتركيب شبيه "بالمواعظ". وعن المسعودى والبكري لا ينتقد قولهما المليء" بالترهات" أو "أحاديث خرافة مستحيلة" وانما يتوجه كذلك للبرهان على استحالتها وعدم القبول بصحتها. وكنتيجة لتلك القراءات التساؤلية والنقدية يضع ابن خلدون قانونه المتمايز في البحث التاريخي: "أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضاً لا يعتد به وما لايمكن أن يعرض له" (المقدمة/37 ).بعد هذا يصرح هو نفسه جذلاً عن إنجازه في بداية المقدمة،يقول فانشات في التاريخ كتاباً : فصلته في الأخبار باباً بابا/ أبديت فيه لأولية الدول والعمران،عللاً وأسبابا/هذبت مناحيه تهذيباً،وقربته لإفهام العلماء والخاصة تقريباً وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكاً غريباً واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً وطريقة مبتدعة وأسلوبا./شرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض فيه الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية وما يمتعك بعلل الكوائن واسبابها.
بماذا تمايز تأسيس "المقدمة" الجديد،الذي يشكل ،على حد تعبير ايف لاكوست،تناقضاً كبيرا مع آثار سائر المؤرخين المسلمين ومؤرخي الإغريق واللاتين القدامى، وبمعنى آخر،إذا أقام ابن خلدون إشكالية منهجية جديدة،فما هو المجال الذي أخضعه لهذه الإشكالية،وبالتالي ماهي هيئة هذا المجال؟ رغم تنوع المجال الذي اشتغلت عليه" المقدمة" إلا أننا نلاحظ بان "طبيعة العمران والأحوال في الاجتماع" هي أس الأساس الذي اعتمدته العقلانية الخلدونية وانطلقت منه في فضاءات تحـــــــــــــــديداتها وتحليلاتها .


جواد الاسدي يعرّي الواقع بحمام بغدادي

 

موسى الخميسي

 

في الطريق مع جواد الاسدي الى مسرح الحمرا بوسط مدينة دمشق لرؤية البروفات الاولية لمسرحية" حمام بغدادي" التي تعرض هذه الايام ، في العاصمة السورية، توقف صديقي جواد قبل الدخول الى القاعة ليقول لي:
"بئس لاي ممارسة فنية في شعب لاتوجد به فسحة من الديمقراطية بكل مفاهيمها الاجرائية،ان المثقفين العراقيين اصبحوا في جحيم الخيارات تجاه افرازات وتداعيات واقع العراق".
السخرية اللاذعة التي تشبه وخزاً بالابر والدبابيس ، وظفهّا جواد الاسدي في عمله الجديد الذي تتعرى بداخله حقائق كثيرة، لتكشف عن المعادلة التي تقول" مع الوطن او مع الاحتلال" وفي ظل هذه المعادلة تضاربت الاراء والتأويلات والتوجهات، ومعظمها انجّر نحو ساحة الاحتراب والاتهام والمواقف النفعية، حيث نفثت منه روائح المصالح الشخصية والطائفية الضيقة، لتتكرس ثقافة التخوين التي انتجتها حالة الصدام التي يعيشها الوطن ، والتي تدور رحاها في عراق اليوم. ومسرحية " حمام بغدادي" عملية فضح سياسي لواقع تميزت اوضاعه الحالية بالقتل والدمار والانفجارات وتوزيع صكوك الوطنية المختومة باختام الطائفية لتحول هذا الوطن الى عقار يتسابق الجميع من اجل امتلاكه لوحده وتحت يافطة الدفاع عنه.
انها ممارسة نقد جارح للناس تجاه ذواتهم بالسخرية والتفكيه على الاحداث التي تقع . فالضحك بشكل واع لربما يضمد الجراح الانسانية ويقدم متنفسا، وهذا ما استخدمه جواد الاسدي في حمامه في تقديم واقعة بدون رتوشات او تزويق، بحيث تفرض عليه الحنكة في الابداع ليس من اجل التماهي والتحايل على تقديم مضمون فكرته بل يشترط ضمان شحنة قوية من الاختزال وخفة الدم والروح ،التي عكست نفسها بالحوار الساخر الذي طغت عليه الفصحى المطعمّة بالعامية العراقية .
صوت المياه الذي صاحب في بداية العرض الدخان على هيئة ابخرة، وايقاع القباقيب التي اثارت جلبة في المكان والخلفية الكبيرة لجدار ابيض رسمت عليه بعض التخطيطات لحالات وممارسات من يمارس هذا الطقس الشعبي العام نفذها الفنان العراقي جبر علوان، وتثبيت مقاعد خشبية صغيرة تدور حول" بانيو" ابيض طويل انتصب في مقدمة خشبة المسرح ، كاشارات لفعل التطهير والاغتسال الذي يكون لصيقا بفعل الاستحمام، الذي حوى كلا من بطلي العرض حميد ومجيد( الاول يؤديه نضال سيجري ، والثاني فايز قزق)، هما شقيقان عراقيان يعملان سائقين، وبمناسبة وجودهما في الحمام حيث يتم الكشف عن دواخلهما لتتم عملية فتح صفحات العتاب المؤلمة لمسيرة شعب يعيش حالة التباس في قراءة واقعه اليومي، تتبادل فيه الادوار وتختلط المفاهيم ،من خلال تفاصيل الحياة التي يعكسها الحمام كرمز للتعري، باسلوب تناول طبيعة التعامل مع قضايا ساخنة ضخت من خلالها منبهات واحقاد وانتقادات وتشخيصات ، وفي قالب ساخر وبلاغة قصوى، وسط ازمنة الاحتقان والجدب والصراعات والعنف. فالاخ الكبير مجيد، وهو النموذج للانتهازي" خادم الشيطان" وكلب الحراسة لاصحاب المصالح، الذي يقضي اوقاته في احضان العاهرات، ولم يكلف نفسه بالمشي بجنازة ابيه، يجد نفسه متملقا لكل من يزيد ماله ومجتهدا سواء اكان مصيبا او مخطئا لخدمة من يدعم ثرواته واحلامه المهووسة..
اما الاخ الاصغر حميد( حمودي) فهو الانسان الضعيف، المتملق لصفقات اخيه الكبير يعيش حالة الاحتقان والجدب، وهو المرآة التي ينعكس عليها كثير من اوجه وصور هذه العلاقة الاشكالية بين الانسان البسيط وسلطة التضليل التي يقودها اخوه من اجل الهروب الدائم الى الامام الذي يجبره على التلهي بسخريته بعيدا عن القضايا المصيرية المطروحة امامه.
النموذجان، هما واقع عراق اليوم، الاول متحالف مع القوات الامريكية المحتلة ومتورط في عمليات القتل الجماعي والابادة مع النظام السابق من اجل زيادة امواله، والثاني متورط مع نفسه ومحباته العائلية وطيبته واستلابات اخيه له وسلطته وسطوته التي لاتكل سطوتها ولاتشيخ ولا يكل بصرها ولا يثقل سمعها ولا ترى ولاتسمع الا ما تطرب له ويسرها ولسان حالها هو الربح حتى وان تحالفت مع الشيطان .
ينقسم العرض الى ثلاثة اجزاء: الاول الذي يجري داخل الحمام بين الشقيقين، والثاني يجري قريبا من الحدود العراقية الاردنية حيث ينقل الاخ المستبد مورطا اخاه بنقل مرشح عراقي للانتخابات العراقية متحالف مع قوات الاحتلال من الاردن وعدهما بالحصول على المغانم والثروة والجاه ،الا انه يموت في الطريق، بين عمان وبغداد، وحين يحاول الاخ الكبير ادخال الجثة وما ان يفتح تابوتها الخشبي، وهو في مشادة مع مجندة امريكية مع قوات الاحتلال، حتى ينفجر بوجه التابوت الذي يمثل احدى المفخفخات لتصيبه بالعمى. وعلى اثر ذلك يعلن مجيد قرفه من افعال اخيه الكبير، فيرينا الاخوين وهما بملابس ثقيلة امام تابوت وحاجز عسكري وزنزانة انفرادية.
المشهد الثالث يمثل العودة الى الحمام حيث يظهر الاخ الكبير المحابي للامريكان فاقد البصر، فالانفجار احدث شرخا كبيرا في حياته، ليجد ضميره مفككا لا يستطيع ان يبزغ ثانية في فضاء بهوية انسانية مستقيمة فقدم اعترافا وطالب بالتوبة، متمنيا ان يغفر له العالم افعاله.
المسرحية هي قراءة لواقع الوجود الاشكالي الذي يجسم العلاقة واستراتيجيات القوى المتصارعة وفضاء الانسان العراقي الذي تقاعدت احلامه وبقيت مجرد غبار في ذاكرة الوطن ليتم تعريتها في واقع مجازي هو الحمام يرمزالى الداخل المهدد دائما بانفجارات الخارج كصورة مصغرة لعراق اليوم ، حيث تتم عملية استعراضية لتهميش الزمن والانساق الاجتماعية وتخلف الانسان الذي تمزق امله في "يوتبيا" التحرر من فاشية النظام السابق وهو يبحث عن مدينة فاضلة جديدة وعدت بها قوى وطوائف ودول وتحالفات واحزاب وعشائر، فان افق الحرية التي يتوق اليها هذا الانسان تقابلها عبودية جديدة لاتتورع عن فعل اي شيء وكل شيء للوصول الى الهدف الذي اصبح تابوتا وحــــــــــــــــــاجزا عسكريا وزنزانة انفرادية .

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة