المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الأفق الثقافي الجديد ..معلقون أكثر ومنتجون أقل

أحمد سعداوي
لا شك في ان عالمنا المعاصر يشهد، وبشكل متزايد، هيمنة الفاعلين الثانويين في الثقافة اوما يمكن تسميته بالمدراء الثقافيين، اكثر من الهيمنة التقليدية التي كانت للمثقفين، على الاقل وفق الصورة التي عممتها الحداثة لحضور المثقف داخل الخطاب التأثيري الذي ينسجه، والطابع التغييري (الانقلابي) لهذا الخطاب، ضمن المنطق التتابعي لتاريخ الحداثة نفسها، والتي تمرحل تقدمها باحراقها وتصفيتها مراحلها السابقة دائماً.
المدراء الثقافيون يتوزعون الان، داخل بنية جديدة تماماً فرضتها ثورة المعلوماتية والاتصالات وتعميم قيم العولمة الاقتصادية والسياسية، وينشطون ضمن فضاء ثقافي يمثل بحد ذاته إلغاءً أو تغييراً جذرياً للفضاء الثقافي التقليدي الذي كانت تتم فيه عملية انتاج الثقافة واستهلاكها.
إن مدراء الثقافة في فضاء المابعديات المهيمن عالمياً يتكرسون بصيغ عديدة، فنجد مثلاً شارح الفلسفة محل الفيلسوف، والذي يستعيد بفضاضة وجرأة أطياف السفسطائيين علناً، فيتحرك بلامبالاة كاملة ازاء تاريخ الفلسفة، ومنطقه التتابعي، ليغدو هذا التاريخ لدى الشارح مجرد (صيدلية) ـ والمفردة من دريدا ـ يختار منها ما يشاء ليشكل موقفه الفلسفي، لأن كل ما في الصيدلية غدا يمتلك القيمة نفسها بعد انحلال التاريخ الذي يجمعها.
نجد ايضاً المعلق السياسي مشكلاً ـ ضمن فضاء الاتصال الواسع ـ لاراء الجماهير، بدلاً من السياسي نفسه، هذا الاخير الذي ارتهن ايضاً لصورته داخل وسائل الاعلام.
وضمن هذا الفضاء تعود سطوة الشفاهي ازاء الكتابي، ويعاد تنميط الثقافات الشعبية ومزجها وتركيبها مع الثقافة العالمية بأشكال هشة لآلاف المرات، تحقق حاجات الاستهلاك الجماهيري، ولا تفكر بالخلود اكثر من خلود نسخة من صحيفة يومية.
إن حفلة غنائية حية مثلاً، هي صورة اصلية، فالمطرب يغني الان وفي هذه اللحظة امامي على خشبة المسرح، لكن التأثير الذي تخلقه اغنيته ـ ويا للغرابة ـ لا يبدو سوى استعادة للكثافة السحرية للاغنية نفسها في (الفيديو كليب). هذه الكثافة السحرية ذات الطابع اللازمني والفوق مكاني، فنحن لحظة مشاهدة الاغنية على القناة التلفزيونية لا نفكر بموقع الاغنية (الجغرافي) او زمن غنائها، فهما افتراضيان، وهذا يستدعي القول بان الاغنية في الفيديو كليب ذات طبيعة افتراضية هشة، لكن هذه الطبيعة الافتراضية اكثر قوة من (الاغنية الاصل) كما تبدو على خشبة المسرح وبحضور (جسد) المتلقي نفسه، وهي تمثل عملية قلب كامل لمكانة الحقيقي والواقعي ازاء الافتراضي وغير الواقعي. وفي الشكل الموسيقي والغنائي الجديد يكون المطرب او المطربة بؤرة افتراضية لصانع غير تقليدي هو مهندس الصوت ومخرج المؤثرات الصورية.
وبأمكاننا توسيع مفردة التعليق لتشمل كل المواقع التقليدية للفاعلين الثقافيين، ومن نتائجها هيمنة الصحافة على الثقافة، وليس العكس، فداخل الصحافة يجري خلق اتجاهات الثقافة، باعتبار الصحافة ـ كطبيعة اساسية ـ تعليقاً واسعاً على الثقافة ذا شكل تبسيطي غير تخصصي، يكون فيه (المحرر الثقافي) ممثلاً لأبرز ادوار الفاعل الثقافي الجديد.
كمثال على ذلك تجدر الاشارة الى واحدة من اشهر المهن في الصحافة العالمية حالياً، ألا وهي مهنة قارئ الكتب او المعلق عليها، ولبعض هؤلاء المعلقين هيمنة كبيرة لتحديد اتجاهات تسويق الكتب ورواجها.
وداخل عالم متشعب ومتشابك تغدو امكانية اختيار الكتاب المناسب عن طريق زيارة المكتبة ضئيلة جداً ازاء الامكانيات الكبيرة التي تحققها الوسائط الاعلامية، والصحف بالذات، في تحديد اتجاهات القراءة واقتناء الكتب، فلا احد يريد شراء كتاب سيكتشف بعد القراءة انه لا يستحق الشراء او القراءة.
إن دخول الثقافة نطاق التسليع بقوة كبيرة جعل من حركة السوق واتجاهاتها مظلة جديدة لازدهار الثقافة بديلاً عن مظلة الايديولوجيات او الخطابات الشمولية التي يندرج خطاب الحداثة ضمنها ايضاً، هذا الخطاب الذي جعل من (الاستهلاكي جداً) او (الشعبي) متلازماً مع الابتذال والانحدار الذوقي، لصالح النخبوي والعسير على الاستهلاك والفهم.
ولكن ترسخ قيم ثقافية جديدة عالمياً بالتساوق مع النمو الاقتصادي العالمي، والانتحار الذي قادت الحداثة نفسها اليه، باستنفادها كل السعي باتجاه الامام، والوصول بالتالي الى العدم الجمالي والمعرفي، قاد الى ادراك اعمق لحقيقة انه لم يعد هنالك مجهول جمالي او معرفي يراد سحب (الجمهور) اليه، ولم تعد هنالك من معرفة اسمى من الثقافة، متعالية او شريفة تغدو الثقافة هياجاً دعائياً لها.
أن السجال الذي تعتاش عليه الحياة الثقافية، كانت تقوده (حقائق) عميقة تتصارع مع بعضها لأكتساب (الشرعية الحصرية)، وبسقوط هذه الحقائق جميعاً ضمن منطقها النسبي الخاص، وكونها لا تختلف عن بعضها إلا في طبيعتها السردية، فان طبيعة السجال الثقافي تغيرت ليغدو بحثاً عن المصلحة والفائدة الآنية، وليغدو النقد الثقافي وصفياً بشدة، يكشف عن الاختلافات والتمايزات ومستويات تمثل النصيات السابقة، وليغدو ايضاً انطباعياً يحمل الحكم الشخصي لا حكم النظرية.
ومن المؤسف ربما بالنسبة لنا، ان المنتجين الثقافيين ملزمون الان اكثر من أي وقت مضى، للتفاهم والتعامل بجدية مع اشتراطات الفضاء الثقافي الجديد الضاج والمحتشد بالفاعلين الثقافيين الثانويين او اولئك الذين (يديرون) عملية انتاج الثقافة. لأننا لم نعد بذات المسافة من العالم، ورغم اختراقه لنا كمستهلكين، لكننا كمنتجين وفاعلين ثقافيين نبدو في جزيرة قصية اكثر فاكثر.
وفي مجال الكتابة الابداعية فبينما تحركنا المثالية والرومانتيكية العالية التي تغلفنا بانشغالات شكلية باهظة، ينخرط المبدعون على الضفة الاخرى من العالم في حوار حقيقي مع الآلة الاستهلاكية الضخمة للثقافة ويتجاوبون مع اشتراطاتها، لان ذلك وحده المنفذ للتأثير الخاص الذي ينشدونه، ذلك التأثير المرصع بكل الخبرات الجمالية، والذي لا يهدف الى الاقناع الفكري او الاستمالة الايديولوجية، بل هو يسعى لتفتيت الفكر الاكثر حضوراً وزعزعة السرديات المغلقة التي تطرحها البنى السياسية او الاجتماعية العامة، من خلال اعلاء قيمة الاستهلاك والمتعة الجمالية الفردية.


الفنانون التشكيليون العراقيون .. تاريخ الأسى والتحدي

كريم النجار

المتتبع الفطن لمسار الحركة التشكيلية العراقية لا بد وأن تثيره ظاهرة الانتشار الواسع لأعداد هائلة من الفنانين الذين يمتلكون الإصرار على تعميق الجدة والحداثة والبحث الدائب عن التقنيات والخامات المتنوعة والموضوعة الرصينة، دون الإغراق في المباشرة.. سواء عبر المذاهب الفنية التي تنهل من التجريد أو الواقعية أو التعبيرية التجريدية أو بقية المذاهب والمدارس الفنية الأخرى كالسريالية والانطباعية والتكعيبية.. وغيرها، وذلك منذ أسس رواد الفن العراقي الحديث اللبنة الأولى لفن معاصر بعد أن تعمقت تجارب بعضهم نتيجة البعثات الدراسية لعواصم أوروبية عريقة في هذا المجال "لندن، باريس، روما" منذ بداية ثلاثينيات القرن الماضي (أكرم شكري، فائق حسن، عطا صبري، حافظ الدروبي وجواد سليم) وآخرين واوصلوا مسيرتهم الفنية بذات القوة والعمق كالفنان الانطباعي رشاد حاتم مدرس الرسم في إحدى مدارس بغداد آنذاك والذي تدرب على يديه الكثير من الفنانين، والفنان محمود صبري الذي درس علم الاجتماع في بريطانيا.
ومن المحطات المهمة في تعزيز قدرة التشكيل العراقي على التطور تأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1936 كمعهد للموسيقى، ثم تطويره عام 1940 ليكون شاملا لمعظم الفنون الجميلة كالتمثيل والرسم والنحت. كذلك تأسيس أول التجمعات للفن التشكيلي العراقي وهي جمعية أصدقاء الفن في عام 1941 التي أسسها أكرم شكري، وكذلك تأثيرات مجموعة الفنانين البولنديين الانطباعيين الذين قدموا إلى العراق عام 1943.
وشهدت بداية عقد الخمسينيات ولادة ثلاث جماعات فنية مهمة ما زالت اثارها واضحة على مسار بعض الفنانين وأعمالهم، وكان على رأس هذه الجماعات كل من الفنانين فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي (جماعة الرواد، جماعة بغداد للفن الحديث، وجماعة الانطباعيين).
ويأتي عقد الستينيات وما عرف عن هذا الجيل من تمرد في الاساليب والوعي وصراع الأفكار ليقلب مفاهيم كبيرة في فهم العملية الفنية وقيمها، بتعدد التجمعات الفنية التي بنت رؤاها الفكرية والأسلوبية من خضم ذاك الصراع الثقافي والإنساني، كما لعب التنظير الفني والفلسفي على إبراز تلك الجماعات (المجددين، الفن المعاصر، آدم وحواء، جماعة الجنوب، وجماعة كركوك وجماعة 14 تموز، التشكيليين، المدرسة العراقية الحديثة، جماعة الزاوية، الرؤية الجديدة، والبداية، جماعة البصرة.. الخ) وما لحقها في بداية العقد السبعيني من ولادة جماعات فنية لم تستمر طويلا، كجماعة البعد الواحد والاكاديميين وجماعة الظل وجماعة المثلث وجماعة النجف وجماعة الأربعة، تلك الجماعات لم تستمر طويلا نتيجة لمتغيرات عديدة، منها ما يتعلق بالواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي المتقلب، ومنها طبيعة وبنية الشخصية الفنية العراقية.. التي تنحو نحو إثبات الذات والاسلوب المغاير والخصوصية الفنية التي تميز فناناً عن آخر. لذا نرى ان انحسار تلك الجماعات جاء نتيجة لظروف موضوعية، وأخرى ذاتية بحتة، كما أن الوضع السياسي العراقي المتقلب ساعد هو الآخر على تشتيت رابطة الجماعات وبروز أسماء مهمة لم تنضو تحت يافطة التكتلات الفنية، داخل العراق وخارجه، بعد الهجرة الواسعة لمجموعة كبيرة من الفنانين أواخر السبعينيات نتيجة لمواقفهم المعارضة للنظام الدكتاتوري الذي حاول أن يجير العملية الفنية لأهدافه الايديولوجية والدعائية الحربية ضد جيران العراق.
فخلال عقد الثمانينيات وما تلاه كان الفنان العراقي داخل العراق يصارع أولا من أجل البقاء أمام دائرة الموت الرخيص التي أكلت الكثير من شباب العراق أبان الحرب العراقية الايرانية. وثانية من أجل ديمومة الإبداع وتواصله مع المنجز العالمي، فكان الفنان يجاهد كي لا تتلوث فرشاته بالضغوطات الرهيبة التي كانت مسلطة نحوه وجره إلى منطق الماكنة الدعائية.. ورغم كل تلك الضغوطات الهائلة، إبتداء من شروط القبول السياسية التعسفية التي لا علاقة لها بروح الإبداع التي يواجهها طلاب الفن في معاهد واكاديميات الفنون الجميلة، وتعرض عدد من الفنانين للسجن والتصفيات، ومن جانب آخر تقديم المغريات بسخاء للإنجرار خلف تنفيذ أعمال نصبية وجدارية تزينية في الساحات وفي قصور ودوائر الطاغية وتمجيد صورته الكالحة. إلا إننا كنا نشاهد بين الفينة والاخرى معارض شخصية لفنانين كسروا تلك القاعدة الشاذة وأثبتوا الروح الحية للإبداع العراقي رغم إنقطاع البعض الكبير منهم عن التواصل مع المعارض العالمية والاشتراك فيها، فكانت نتاجاتهم حقا تعبر عن أصالة ما بذره االرواد والأجيال التي لحقتهم..
نستشف من ذلك حركية وتطور الفنون التشكيلية (رسم ونحت وسيراميك) وبإندفاعة قوية، هي تعبير صادق عن ما يعانيه الفنان في مجتمع قاسى من نظام متخلف لا يفهم العملية الثقافية والفنية والتربوية إلا بما يفيد أغراضه، ونتيجة لذلك أنشطر الإبداع العراقي داخل وخارج العراق (وهنا أنا لا أعني بأفضلية أحدهما على الآخر) بقدر تساوق المنجز مع الروح العراقية الحية وتطلعاتها في البحث الدائب عن الجديد وتواصلا مع المنجز العالمي بهذا الشأن.
المسألة الأكثر أهمية في هذا الموضوع، والتي لم يتطرق لها النقاد والباحثون بشكل واسع هي توزع عدد كبير من الفنانين العراقيين "من مختلف الأجيال" على المنافي سواء في الدول العربية وأوروبا وامريكا واستراليا وكندا.. وبعض الدول الاخرى.. منهم من تجاوز منفاه الأربعة عقود كالفنان الرائد " محمود صبري " والرائد محمد مكية ومن تبعهم في ما بعد من الفنانين الآخرين في نهاية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي على سبيل المثال لا الحصر كالفنانين: الراحل أرداش كاكافيان، الراحل إبراهيم زاير، الراحل فائق حسين، مظفر النواب، ضياء العزاوي، يحيى الشيخ، صلاح جياد، فيصل لعيبي، نعمان هادي، جودت حسيب، صالح الجميعي، مظهر أحمد، فؤاد الطائي، عفيفة لعيبي، جبر علوان، قاسم الساعدي، سليم عبد الله، سعاد العطار، كاظم الخليفة، كريم الاسدي، ريبار جلال، كاظم الداخل، كاظم شمهود، سيرداد علي عزيز، مدحت علي، أحمد الامير، قرني، أناهيت كوركيس، آزاد كريم، جعفر كاكي، بهاء الدين أحمد، سلام الشيخ، عقيل الآوسي، محمد جيوان، كامل مصطفى، صادق الصائغ، وليد سبتي، عباس باني، مكي حسين، جلال رؤوف، راشد عباس، ريبوار سعيد، صادق طعمة، ناظم رمزي، يوسف الناصر، فلاح غاطي، حميد الشمري، موسى الخميسي، عبد الرحمن الجابري، هاني مظهر، اسماعيل زاير، حسني أبو المعالي، لالة عبدا أمين،... وآخرين لا يمكن حصر أسمائهم في هذا المقال.
كما شهدت المنافي في شتى جهات العالم نزيفاً آخر من الهجرة العراقية ومن ضمنها أعداد هائلة من المبدعين المثقفين والكتاب والفنانين خلال الحرب العراقية الايرانية وبعد حرب الخليج الثانية، ولحد اللحظة. ومنهم الفنانون (رافع الناصري، جودت الربيعي، سلمان عباس، علي طالب، إبراهيم العبدلي، سلمان البصري، ناظم حامد، علي النجار، هاشم الطويل، داوود سلمان، تركي عبد الامير، محمد فرادي، زياد حيدر، عوني سامي، نديم محسن، علي جبار، رسول صادق، كريم رشيد، جعفر طاعون.. والكثير الذين لا يمكن حصر أسمائهم).
فكان جميع هؤلاء الفنانين، ورغم الصعوبات التي واجهها البعض منهم نبراسا مضيئا في إشاعة نور الإبداع العراقي على جميع أقطار المعمورة.
وسأقدم هنا دليلا على حيوية الفنان العراقي وتواصل إبداعه، بقراءة مختصرة لواحدة من هذه التجارب التي تنمو باضطراد في بلدان أوروبا، وفي جميع دول المهجر العراقي، وآخذ تجربة الفنانين العراقيين المقيمين في هولندا على سبيل المثال لا الحصر، مؤملا أن اتناول في مقالات لاحقة تجارب الفنانين العراقيين في دول المهجر والمنافي الأخرى.
في هولندا وخلال الأعوام العشر الماضية أزداد توافد طالبي الإقامة واللجوء العراقيين، ومن ضمنهم اعداد واسعة من المثقفين والفنانين، حتى تجاوز عدد الفنانين التشكيليين منهم هنا نحو 80 فناناً ومن أجيال مختلفة، ابتداء من الجيل الستيني وما بعده، فهناك يوجد ثلاثة من مبدعي الستينيات وأساتذة تتلمذ على ايديهم الكثير من الفنانين، وما زالوا يرفدون التشكيل بإبداعات متواصلة (علي طالب، سلمان البصري، تركي عبد الامير). وفي الجانب الآخر هناك عدد لا بأس به من فناني السبعينيات (قاسم الساعدي، عفيفة لعيبي، بهاء الدين أحمد، رملة الجاسم، يوسف غاطي، زياد حيدر، فاضل البدري، برهان صالح، منقذ سعيد، بشير مهدي، حسام الدين العقيقي، اسماعيل زاير، قرني، حسن عبود، مهند العلاق، سعد علي، علي رشيد، كمال خريش وسعاد ستار عمر)
ومن الثمانينيين (آراس كريم، نديم محسن، ستار كاووش، محمد قريش، كولار مصطفى، ايمان عبد الله، آشتي شيخاني، صادق كويش، سعدي الرحال، فاضل نعمة، عبير الخطيب، رزاق حسن، غيد البدران، حامد الصراف، جلال علوان، أناهيد علوان، محمد حسين عبدالله، ناصر مؤنس، كفاح محمود، وسعد جاسم الزبيدي). ومن الجيل الأحدث (حارث مثنى، نعيم عويد، عراق الساعدي، حسام الدين كاكي، رياض هوبي، صائب خليل، هوشيار سعيد، صلاح حيثاني، أور البصري، آراز طالب، هيوا كريم.. وآخرون).
تشهد العديد من الغاليريات ومراكز الفن والمتاحف الهولندية، على حقيقة إتساع ظاهرة إبداعات الفنانين العراقيين، بتنوعها وغناها ودفق الإنجازات الكبيرة التي تواكبها. ولا تنحصر التجربة بمجموعة محددة من الفنانين، بل تكاد تشمل جميعهم، حيث لا يمر اسبوع أو شهر طوال العام دون أن يكون هناك معرض شخصي أو مشاركة هنا أو هناك في المدن الهولندية المختلفة لفنان عراقي أو أكثر.
لا يعني هذا سهولة الحصول على فرصة العرض لدى المؤسسات الفنية المنتشرة بكثرة في بلد مثل هولندا يضم عددا واسعا من الاكاديميات الفنية وعددا لا حصر له من الفنانين، بقدر ما يشير إلى قدرة الفنان العراقي وامكاناته الإبداعية الكبيرة في زحزحة الستار المنيع الذي تضعه تلك المؤسسات أمام القادم الجديد وشروطها القاسية التي تحكم على متانة العمل الفني واختلافه وخلقه.. ومثل هذه المؤسسات إذا لم تكتشف الجديد والمغاير لدى الفنان لا تشغل له حيزاً في برامج عروضها المحجوزة أغلبها على مدى سنتين أو أكثر ولا تغامر بتقديمه إلى جمهورها الواعي للعملية الفنية وابعادها.
من هنا تأتي أهمية تأشير هذه الظاهرة، وأعني بها الحضور الفاعل والواسع للفنانين العراقيين على الساحة الفنية الهولندية، وربما أوسع من ذلك في بعض الأحايين، واسميها ظاهرة لأنها أصبحت حقيقة لا يمكن إغفالها من كل منصف ومتابع في بلد متنوع الثقافات والاعراق، حيث مضى على وجود بعض الجاليات فيه عدة عقود ونيف لم تقدم الكثير مما قدمه الفنانون العراقيون على صعيد الإنجاز والمجازفة وإثبات الذات الفنية خلال سنين معدودة، وطائفة كبيرة من هؤلاء تصارعت حتى مع ذواتها ومع الواقع الذي أوجدت نفسها فيه، حيث معاناة عدم الاستقرار والاعتراف الرسمي باقامتهم.
وهناك عوامل عديدة تؤكد وتمتن عمق هذه الظاهرة منها:
•    يكاد يكون أغلب الفنانين العراقيين هم من خريجي معاهد واكاديميات الفنون العراقية والاوروبية قبل وجودهم في هولندا، مما عزز مكانتهم وعمق تجربتهم الفنية التي صقلت وتشذبت وأصبحت لهم سمات خاصة تميزهم وتشير لمنجزهم.
•    وجود عدد لا بأس به من الفنانين الذين يحملون هما فكريا وإبداعيا متجذرا يمتد لأربعة عقود ويتجاوزها، مع حضورهم وتواصلهم الفني الفاعل.
•    غنى تجارب العديد من الفنانين العراقيين الذين تنقلوا من بلد عربي لآخر وصلتهم العميقة بالمنجز الحضاري الفني.
•    مشاركات ومعارض الفنان العراقي الخارجية، وحضوره الفاعل في المهرجانات والبينالات الفنية العالمية في هذه العاصمة أو تلك.
•    إنتباه النقد والبحث الفني الهولندي " وإن بشكل محدود " لهذه الظاهرة ودراستها عند بعض، كما حدث مع الناقـد ( FLORIS SCHREVER) وتقديمه عدة محاضرات عن الفن التشكيلي العراقي في جامعة لايدن وغيرها من الأماكن.. كذلك إشارات الناقد ميخائيل زيمان وبعض مديري المتاحف الهولندية التي أقيمت داخلها بعض المعارض الشخصية والجماعية لإتساع رقعة العروض الفنية العراقية وما يحمله الفنانون من خبرة ودربة فنية تؤهلهم لمنافسة الفنان الاوروبي.
يضاف إلى كل ذلك الأرث الرافديني الغني في أعمال السومريين والبابليين والآشوريين التي تشبعت روح الفنان بها، كذلك الاصرار على النحت في صخر الإبداع الصلد، والمتأتي من عمق الاسئلة التي تحوط بالمبدع العراقي وتجره بقوة إلى المنابع الحقيقية التي تحفز المخيلة وتدخله في مواجهة الحداثة الفنية التي نشأت عليها أجيال الفن العراقي المعاصر منذ زرع الرواد بذرة الاكتشاف، ومن ثم تمرد ما بعد الرواد ونبذهم للاساليب الكلاسيكية الواقعية الساذجة، وحتى التجاوز الحر والتام في بعض الاحايين على المدارس والمذاهب الفنية التي ما عادت تصلح لطبيعة تفكير الفنان وعصره الشائك، مع تعدد الخامات والتقنيات الحديثة التي اكتشفها الكثير بأنفسهم، إضافة إلى إتساع رقعة الحرية الشخصية والفكرية التي لم تتوفر داخل بلداننا.
من هنا وضع الفنان العراقي على المحك وتجاوز عقدة الآخر وهيمنته، وبشكل خاص إذا علمنا أن نظام العرض الفني يختلف تماما عن المعايير التي كان يتعامل معها الفنان والمتلقي في بلداننا.. فصالات العرض تخضع لشروط العرض والطلب والتسويق، إضافة للشرط الفني الإبداعي. وقد تجاوز الكثير منهم ذلك، حيث تتصدر بعض الاعمال العراقية الآن قائمة مراكز الفنون والغاليريات المنتشرة في المدن الهولندية الكبرى.. وبتنا نرى مجموعة أعمال للفنانين بهاء الدين أحمد وقاسم الساعدي وسعد علي وبشير وعفيفة لعيبي ومنقذ سعيد ومحمد حسين عبد الله ومحمد قريش ونديم محسن وعوني سامي وصادق الفراجي وستار كاووش وآراس كريم وعلي رشيد وهوشيار سعيد وفاضل نعمة وآخرين مع مجموعة كبيرة من كبار فناني هولندا المعاصرين.
عبر هذا التواصل الكمي الغني بالتجارب الفنية المختلفة لم يستطع النقد الفني مواكبة العديد من العروض ودراستها دراسة نقدية تحليلية فاحصة، حيث جاءت أغلب المتابعات أقرب إلى التغطية الصحفية السريعة، مما شكل قصورا في هذا الجانب نحن أحوج كثيرا لتجاوزه، خصوصا ان لدينا مجموعة طيبة من النقاد، ومن الفنانين النقاد القريبين جدا من العملية الفنية الذين تقع على عاتقهم مسؤولية متابعة هذه الظاهرة ودراسة التجارب كل على حدة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة