ذاكرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

سهرة لجماعة الوقت الضائع

باسم عبد الحميد حمودي
في عدد مجلة الأديب البيروتية المرقم (12) الصادر في كانون الأول 1950 نشر الاستاذ علي الشوك- وهو بعد شاب يانع.
مادة طويلة نسبياً عن حوارات جماعة (الوقت الضائع) الذين اجتمعوا في سهرة في مقهى اسسوه مقابل ساحة عنتر باسم (مقهى الواق واق) عام 1946، وقد اصدروا قبل هذا نشرة أو مجلة بعنوان (الوقت الضائع) صدر منها عدد واحد. والسهرة أو الجلسة التي وثقها علي الشوك ضمت في حواراتها الاساتذة الفنان جواد سليم- جواد- وعدنان رؤوف - عدنان- وهو قاص شاب ودبلوماسي بعد ذلك وتوفيق - لا ذكر لاسم ابيه- ويحيى !! وكان الحوار العاصف الذي قاده جواد سليم يدور حول الفن التشكيلي والقصة ودور المثقف في استلهام الرمز والمعنى ويكشف عن حيرة هؤلاء الشباب وهم يتلمسون ادوارهم الثقافية التي قاد بعضهم فيها اطروحات جديدة في الفن التشكيلي وفي الشعر وفي القصة القصيرة.
كانت اصوات الآخرين من جماعة الوقت الضائع غائبة في تلك الجلسة وهي اصوات بلند الحيدري- نزار سليم- سلمان محمود حلمي- اكرم الوتري- ساطع عبد الرزاق- محسن مهدي- حسين هداوي- فؤاد رضا- إبراهيم اليتيم- لكن تأثير "الجماعة" على البنية الإبداعية العراقية بدا واضحاً بصدور ديوان (خفقة الطين) لبلند الحيدري عام 1946 وصدور مجموعة "أشياء تافهة" القصصية لنزار سليم عام 1950 وانصراف حسين هداوي ومحسن مهدي الى دراسة الأدب في أمريكا وحسين مردان الى بناء تجربته الشعرية الفردية.
كانوا شبانا يحلمون بالتجديد في كل شيء دون وقوف على سفح وقد صنعوا الكثير لكنهم لم يستندوا الى جدار هيئة أو جماعة سياسية وان اعتبروا الحرية شرطاً لازماً للاداء الابداعي فاقفلت السلطة مقهاهم الاثير بعد اشهر وعادوا يلتقون مع التكرليين نهاد وفؤاد وعبد الملك نوري في المقهى البرازيلي وغيره على اختلاف الاطروحات التعبيرية بينهم.
يقول نزار سليم انهم كانوا يلتقون ايضاً في مقهى السويدي ومقهى الدفاع أو يقومون بسفرة الى خارج بغداد وكان الرسام جميل حمودي صاحب مجلة (الفكر الحديث) معجباً بهم وبنشاطهم فيما كان التكرليان يحاوران الجماعة في أساليب العمل والكتابة ولم تستطع جماعة (الوقت الضائع) الاستمرار في عملها الثقافي لا خوفاً من عسف السلطة فقط بل لعدم وجود منهجية واضحة المعالم لدى افراد الجماعة الا تمسك الجميع بشرط حرية الابداع ونوعاً من التمرد على الاساليب الطاغية في الكتابة وفي الرسم والشعر وهو شرط أهلهم لان يقدموا الكثير كلاً حسب مستواه وقدراته الخاصة- لعالمي الفن التشكيلي وللكتابة ولعل نقاشات الجماعة التي قدم الاستاذ علي الشوك نموذجاً منها دليلاً على ذلك الاحساس بضرورة صناعة الجديد والتمرد على القيم الثقافية القديمة.


إهداء أهل الفن .. الى مقهى (واق واق)

علي جميل الشوك

كان لحضوري في مجلس أولئك الشبان الحالمين الذين ينظرون الى مستقبلهم بعين تتخاطف امام عدستها اشباح الامل والطموح، كان لحضوري شيء من التدخل والفضول، لانني لم اكن قد شاركتهم حديثهم ونقاشهم، بل اكتفيت بالاستماع الى كلامهم والى الموسيقى المسجلة التي اتحفنا بها الراديو والكرامافون.
هذا وقد اقول لك ان اشخاصاً كهؤلاء. يزعجونني لان كلاً منهم يحاول ان يفرض شخصيته امام مقابليه ويعرض لهم كل ما عنده من معرفة وافكار كي يظهر لهم انه على اطلاع واسع وانه يتمتع بمعلومات فنية أكثر من غيره.. ولكنني لا انكر مقدار اقتناعي بأحاديثهم التي اغرتني وآنستني وبعثت في روحاً خفيفة لطيفة، وكونت في دافعاً ملحاً للمطالعة الكثيرة والتزود بالمعلومات التي تبحث في الفن والأدب والموسيقى.. ذلك الدافع الذي دفعني الى ان احلم في ذلك المقهى غريب الاسم.

هاأنذا انتقل بك ايها القارئ الى عالمهم الصغير الكبير، انقل اليك تسجيلاً لجلسة من جلساتهم الموقرة.
جواد- لقد قرأت امس لكي دي موباسان قصصاً قصيرة "جمال عقيم" و "الرقص" و"رسالة منتحر" و"الذئب" وغيرها وبعدها وجدت فيها متعة كبيرة... ولا ابالغ بقولي ان العبقرية التي صبها موباسان في قصصه قد تجسمت في حينما تلاشيت في عالم تلك القصص البديعة الجميلة. ان قصص دي موباسان عالم منفرد بذاته. انه عالم يمثل الفن والجمال.. هل تعرفون ذلك الفنان العظيم؟ هل قرأتم له بعضاً من قصصه.. انني اسعد منكم حظاً انني انفذ الى روح ذلك الفنان العظيم واتحسس الجمال الذي فيها. وأسلوبه .. ماذا اقول، اسمعوا ما سأقرأ له من جمل .
ومد يده الى جيبه فلم يجد الورقة التي هم ان يخرجها، وقال: آسف! انني نسيت الورقة التي كتبت فيها بعضاً من الجمل التي وجدت فيها تعبيراً مختصراً لاسلوب وفلسفة دي موباسان. واستأنف وقال: اسلوبه واقعي طبيعي وفنه ذو صبغة غريبة، وفلسفته بسيطة شفافة.
ذلك هو دي موباسان الشاب المتهالك، والرجل المجنون.. ان قصة حياته تكفي بان تعطيكم صورة خالدة عن الفن، صورة لسنا بغنى عنها بتاتاً.. انني اكتفي بدي موباسان وحده.. خذوا الباقين لكم، خذوهم.
يحيى- وهل لا نوافقك على هذا يا جواد؟ وهل دي موباسان بالشيء القليل؟ انه نبي من انبياء الفن، انه روح الواقع وروح الطبيعة. يصور الاشياء العظيمة، عادية، ويسلسل الافكار تسلسلاً لا طفرة فيه ولا عقدة، ويتخيل ويبدع ابداعاً لا تكرار فيه ولا ركة... انه بئر يمتاح منه ماء يشفي غليل القراء، ومنهل يستفيد منه الطامعون في كتابة القصة.. يكفيه فخراً ان يؤسس مدينة عمارتها خالدة باقية.
عدنان- وكأن الفن والادب قد اقتصرا على صاحبكم القصاص. انني احترمه واجله واجل فنه، ولكنني اقف وقفة منصف مقدر.. هل تنسون ادكار الان بو ؟ هل تنسون بول بورجيه؟ اميل زولا؟ انه عبقري كبير.. لا أبداً أنا لا أحكّم عاطفتي ورغباتي، إنني أحكم عقلي وتفكيري.. أنا أتحيز لفنان أعجبني أسلوبه وأعجبتني كتابته لان فيها تصويراً عن الحب والشهوات والملذات مثلاً، امر لا يقره العقل ولا يعتبره حكماً علمياً منطقياً.
جواد- ولكنك لا تعرف دي موباسان ولا تعرف شيئاً عنه، وتحكم احكاماً من عندك.
يحيى- وماذا غير الشعور في الأدب والفن يا عدنان ؟. انك تحب اندريه تيرييه مثلاً تراه يعبر عن نفسك وعن ميولك واهوائك. فمتى انعكست روح الكاتب على مرأة نفسك احببته وحلمت بعبقريته وشهرته.. فاني حينما أقرأ لدي موباسان اشعر كأني اعيد ما كتبته انا منذ ساعة!
جواد- هذا هو المجنون دي موباسان، وهذه هي قصة "جمال عقيم" يكتبها وهو مريض، فكأن الفنون جنون والجنون فنون، آراء فلسفية، وصور فنية، يتخللها وصف اخاذ وتعبير جميل:
المرأة التي لا تريد ان تحبل، وزوجها العصبي الفاتر، والرجلان اللذان ابديا آراهما في فلسفة الحياة الانسانية والحيوانية.. هل ترون في هؤلاء الممثلين من هو مجنون، ان كان كذلك فليكن ادب الجنون اخلد الآداب.. ان قصة "جمال عقيم" لهي قصة الاسبوع. دعونا نبحثها ونتجادل فيها.
وفي هذه الاثناء دخل توفيق يدبك بحذائه ويهذي.
- الموسيقى .. انني اموت في عالمها.. كفاكم ثرثرة يا هؤلاء، افتحوا الراديو واستمعوا الى جيلو كونسرت لدفوجاك من من راديو لوندرة.
وقفز جواد الى الراديو وفتحه. ودفن رأسه بين كتفيه وكتفي الاريكة.. وساد الصمت.. وبدت حركة . وتلاوه نبس شفتين. وتلاها جدل، حول الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى المودرن.. والبحث واسع والآراء مختلفة مضطربة، ذا يحب باخ، وذا يحب بيتهوفن وفاكنر، وآخر يحب سبليوز وشوستاكوفيتش.
كل يتكلم عن رأيه في الموسيقى وكيفية تذوقها واستساغة سماعها. وكل يتكلم عن الموسيقى الذي يعجب به ويفضله على باقي الموسيقيين، فجواد معجب بباخ، وبأسلوبه الكلاسيكي الروحاني، وقد حكى لنا قصصاً طريفة عنه وعن عاداته، مما جعلنا نتأمل في عالم الروحانيات والدين ونتعمق في اغوار الفلسفة والتفكير...
ويحيى أعجبه بيتهوفن مؤلف السمفونيات الشهيرة.. انه يتحدى آراء لكل ويتحمس لاستاذه حماساً شديداً، ويرقيه مقام الآلهة.
وقد قال: ان الكورس في السمفونية التاسعة ما هو الا لحن انزله وحي من السماء كي يتغنى به البشر كما كانت تتغنى به الملائكة، اما عدنان صويحبنا المتأثر بالفن القديم الذي طالما استخف به بتجدديته والحاحه على نكران الفن القديم الذي طالما استخف به وبممثليه الفنانين الخالدين. كان يقول: ان الموسيقى الحديثة لهي غاية ما وصل اليه الفن من تقدم ورقي، ان الاسلوب والتسلسل المفاجئ الغريب، انه مفاجئ غريب لان فيه قفزات تحاكي وتماثل قفزات افكارنا المضطربة المصطخبة، انهما كل ما في الفن من ابداع..
وهل في الفن غير الابداع والاسلوب؟؟ ان الموسيقيين الحديثين مثل سترفينسكي وسبيلوز وشوستاكوفيتش ذوو أساليب جميلة بديعة.. وقد ترونني معجباً كل الاعجاب بستروفينسكي لان اسلوبه يروقني كثيراً. هذا وقد جمعت له كل ما تيسر لي الحصول من تساجيل ونوتات.
على ان كلام عدنان كان فاتحة لجدل طويل: الكلاسيكيون والرومانتيكيون من جانب - ولا ادري كيف اتفقوا وتفاهموا؟
والمودرن التجدديون من جانب آخر.
جواد- ومن هو سترافينسكي حتى تعتبره استاذاً للفن والموسيقى؟؟ ولكن قبل هذا قل لي بمن تعجب من الفنانين عدا سترافينسكي؟
عدنان- اعجب ببيكاسو وبول فاليري وغيرهما.
جواد- تقصد الفنانين المودرن. لا خوف عليك ما دمت تحتمي بفنانين يعاصرونك؟عدنان- وهذا ما يشجعني على شن الحرب عليك وعلى الكلاسيكيين الجامدين!!
يحيى- ما دمت تفاخرنا بتجددك وانطلاقك من القديم البالي، اسمعنا وا ارنا شيئاً مما تفاخر به.
عدنان- سأقرأ لكم اذا شئتم اسطراً قليلة كتبتها منذ يومين.
يحيى" ملتفتاً الى جواد وتوفيق" وتلك عين المصيبة وعين الورطة.. اسمعنا يا عدنان.. اسمعنا.
عدنان- على انني أقرأ هذه كي تبدوا آراءكم فيها ايضاً.. واخذ يقرأ:
الا تدري يا صديقي؟ لقد سرت في الشارع.. نعم سرت.. هل انه شيء قليل ؟؟ ابداً.. ولكن لماذا تعجبون لكلامي؟ وتنظرون الي ؟؟ انكم ترون شيئاً غريباً .. قولوه ان كان شاذاً.
سرت في الشارع، وتفرجت على المارة، ووقفت على عتبات الحوانيت، واشتريت شيئاً.. هل في ذلك ما هو بالقليل؟؟
لا تحسدني يا صديقي، انني سعيد. ان اتخطى في الشارع واهز يدي بمحاذاة خاصرتي، والتفت هنا وهناك، امر قد تتصوره شاذاً، أو قد تتصوره بسيطاً.. آه .. ماذا اقول؟ انني مغتبط. الشارع مكتظ، والترامات غاصة، والباعة يتجولون، و.. وماذا ؟ الا يكفي هذا ؟؟ ناس ، وترامات، وباعة ؟ انني ابث بكل ما في جوانحي من غبطة.
لا تضحك يا صديقي. لاتضحك من كلامي.. انني لست هزءاً ولست سخرية.. لاتكن قاسياً. ولا تكونوا قساة.. أوه .. انكم الأصدقاء لا تعرفون شيئاً من مبادلة العواطف ولكن شيئاً.. شيئاً واحداً شككت فيه، وفكرت فيه طويلاً، ولا يزال يشغل بالي. انه الناس! الناس الذين ينظرون الي.. لماذا لا اعجب لامرهم؟ أليست المسألة هامة؟ معقدة؟ قل لي انني حائر.. اوه ما اضجرك يا صديقي انك تفتح فمك دهشاً أفي المسألة حيرة؟؟ هل انها عويصة ؟؟ هل انها تحتاج الى تفكير وتأمل؟؟
وبهت الكل لهذا الكلام.. انهم لا يفهمون منه شيئاً!!
ولكن توفيقاً وقف لحاله وقال: لا. لا يا عدنان لا تقفز قفزات كهذي.. انك حاولت ان تجعل الشيء التافه عظيماً، ولكنك فشلت بمسعاك.. بينما حاولت انا عكس هذا. وأظنني قد وفقت فيه، ولا ادري كيف اتفقنا وكيف وقفنا على قطبي هذا المجال .. لقد كتبت منذ اسبوع صفحتين، ولا ادري لماذا كتبتها على انني حينما كنت منكباً على كتاب الفيزياء احاول العبث في حل بعض المسائل خطر على بالي شيء تافه، خطر على بالي ان أمزق الورقة وامزق الكتاب وارمي بنفسي في الفراش متحدياً الامتحان.. وتطورت هذه الفكرة في دماغي وصارت قصة!
والتفت الى الباقين وقال: هل سمحتم لي بدقيقتين كي آتي بالورقة وأقرأ لكم القصة؟.. وذهب الى بيته المجاور وأتى بقصته وأخذ يقرأ:
هل يقدر لي ان احشر نفسي مع الذين يكتبون؟ واكتب للقراء ما يعجبهم وما يفوق اعجابهم؟؟ حاشا للفن، وحاشا للادب ان امسك القلم واخط به حروفاً وكلمات تعطي معنى منسجماً مسلسلاً مسألة فيها صعوبة علاوة على ما فيها من جرأة واقدام..
اننا معشر الفضوليين نطمح ونطمع في الكتابة، ولكن انى لنا من توافق وسبك وتسلسل؟؟
اسمعني ايها القارئ أتكلم عن نفسي: انني شخص افكاره مضطربة، وتأملاته طالما كانت عميقة، ونظراته حساسة شاعرية، واذواقه تستطيع ان تعرف عنها من حديثه.. وثمت شيء احب ان اذكره لك.. انني اخجل يا صديقي من كتابته:..كل شيء في جميل !! لا تعجب من كلامي هذا فاني محب للصراحة .. هل من عيب؟ هل من خجل في ذكر هذا التصريح؟ على انك قد تسألني: لماذا يا ترى كل شيء فيك جميل؟! سؤال لابوح فيه، ولا تدري ان صاحبك قد يزعجه ويحيره الحاحك هذا ! كل شيء في جميل.. ألست أقرأ الكتب؟ واي الكتب؟ الادبية التي تبحث في الفن والنقد والتراجم والشخصيات.. الست اتفرج على الصور؟؟ الست استمع الى الموسيقى؟ الى السمفوني؟ الى الكونسرت؟ الست اغيب عن الأبصار، اغيب بعيداً بعيداً محلقاً في أجواء من الدخان، مطارداً عبارة او نبرة او فقرة موسيقية؟ هناك حيث المخدرات والمنومات اجد لنفسي مرتعها وخصبها.. هناك حيث الاحلام واللهو والعبث.
هل رأيتني يا صديقي مرة انظر الى صورة كبيرة معلقة على جدار في غرفة احد الاصدقاء. هل رأيتني امزق الصورة كالمجنون؟ الصورة التي بكيتها أسبوعاً واضربت خلال هذه المدة عن العمل وعن الدرس، وتخاصمت مع صديقي لانه علق هذه الصورة امامي فكانت المصيبة وكان التمزيق.
كانت صورة جميلة، صورة مثلت الفن وتخليد الفن صورة طبعت في نفسي أثراً لن أنساه.
فكرتها مسروقة مني ووضعها بأسلوبه الخاص.. ولكن لا.. اظن في المسألة توارد خواطر!
على انني رغم هذا اعترف بجمال روح وخلق الفنان الذي رسم هذه الصورة. انظر كيف صور بيتهوفن.. ولكن هل يستطيع قلمي المتزحلق المتعثر ان يصف صورة كهذه؟؟ اسمعني على كل حال: وقف بيتهوفن وقفة فيها انحناءة الى الامام، وقد امسك بكمانه وبقوسها، واطبق صفحة وجهه اليسرى على خشبة الكمان وقد تناثر شعره تناثراً يختلف عن تناثره حينما يعزف على البيانو.
وملابسه التي بواسطتها تعرف شخصية لابسها وتحزر انه من اولئك الذين عاشوا في القرن التاسع عشر.. ملابسه، ما بها ؟؟ لست ادري!
"ضحك الجمع ضحكة تعبر عن سرورهم واستئناسهم لكلامه الغريب".
واستأنف: وامامك- أي وسط الصورة- رأس صغير تشير قسماته وتقاطيعه الى انه هو هو بيتهوفن.. أليس يكفي الصورة جمالاً ان يتوسطها رأس بيتهوفن؟ ان بيتهوفن عبقري تنبأ به الكون منذ اجيال.
وهناك، حيث زاوية الصورة اليسرى، هناك اناو.. هي !!، انا بلحيتي الخفيفة الجميلة وبهيئتي التي قد تراها في الصورة، وهي التي لا يظهر منها سوى عينيها الجميلتين المتألقتين، وشعرها المتناثر والمشتبك، أما عن هيئتها فهيئة لا ارغب في وصفها.. كانت ملتصقة بي، تبدو وكأنها قد التحفتني آوية الي خوفاً من جبروت بيتهوفن وسلطانه! وثمت رجال ثلاثة، لا ادري هل كانوا قد تطفلوا او حشروا انفسهم معنا، ام كانوا هم سفراء الفنان حضروا ليمثلوا دولته في عالمنا الجميل؟ احدهم، ودخان سيكاره قد ملأ جو الغرفة، متكئ بالجدار وكأن الجدار متكئ به. والاخر جالس جنبها لم يدر بوجودما ولم يدر هل كان هو نفسه موجوداً ام لا، جالس وكأن لحن العازف قد طرش اذنيه وعمى عينيه، فجعله يلطم وجهه واذنيه بكفيه لطماً مؤذياً مؤلماً!!.. والثالث جثة هامدة على الاريكة.
نسيت العازف على البيانو الذي كان على عاتقه ان يملأ جو الغرفة فوضى وضجيجاً! على ان هذا لم يكن الشيء المقصود.. لم يكن الحاضرون من "هي" و "انا" والسفراء الثلاثة، والعازفين الاثنين، لم يكونوا سبب تمزيق الصورة. هل سأضحككم اذا قلت لكم السبب الحقيقي. انه الشهوه! الشهوة التهبت لها كل حواسي.. ولكن عجباً لي.. ماذا اقصد؟؟
شعرت برعشة مواتية تلتها رغبة مستعجلة ملحة في تمزيق الصورة! ولك ايها القارئ ان تضحك لهذا او تستغرب له او تنظر اليه بنظرتي انا ولكنك ستلومني على تصرفي الشائن امام بيتهوفن العظيم وامام الرسام المسكين!
وبعد ان انتهى توفيق من قراءة قصته قال: كيف هي؟ ما رأيكم؟ جواد- انها قصة جميلة لولا شيء من الاضطراب يحيى- لم يعجبني شيء منها سوى الفات نظرك السامع!
عدنان - اعجبني اضطرابك وتنقلك يا توفيق.
وهكذا، فقد احسست من اغفاءتي الطويلة، وتمصرت ونهضت ويممت وجهي شطر البيت متمتماً كلمات نسيتها في حينها! اما الصحب فقد بقوا يتجــاذبون اطراف احاديثهم!

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة