اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ما أسباب خسارة القوى العلمانية والليبرالية والديمقراطية العربية في الانتخابات الأخيرة؟
 

كاظم حبيب

كشفت الانتخابات الأخيرة عن نتائج أولية على النحو الاتي: حصل الائتلاف العراقي الموحد على 129 مقعدا، التحالف الكردستاني على 52 مقعدا، والتوافق العراقي الموحد 44 مقعدا، القائمة العراقية الوطنية على 25 مقعدا، قائمة الحوار الوطني على 11 مقعدا والحزب الإسلامي الكردستاني 5 مقاعد، وتسعة مقاعد وزعت على كتل سياسية صغيرة ومتنوعة.
حتى الان، ورغم مرور ما يقرب من شهر على انتهاء الانتخابات وظهور النتائج الأولية، لم يصدر اي بيان علني عن القوى العلمانية واللبرالية والديمقراطية العربية التي خاضت الانتخابات الأخيرة بقائمة "العراقية الوطنية" او بقوائم ائتلافية وفردية أخرى كثيرة يشير إلى انها درست تجربة حملتها الانتخابية والانتخابات وعلاقاتها بمختلف فئات الشعب وبرامجها الفكرية والسياسية وحددت الأسباب الكامنة وراء النتائج الضعيفة جدا بالمقارنة مع قائمة الائتلاف العراقي الموحد او قائمة التوافق الوطني الموحد. اذ ان النسبة التي حققتها القائمة العراقية الوطنية بلغت 9،1 % من مجموع من ادلوا باصواتهم تقريبا. واذا ما اضيف العلمانيون واللبراليون الفائزون، ومنهم السيد مثال الالوسي، او شخص اخر مثلا فانها لن تتجاوز الـ 10% في احسن الأحوال. اما حصة الحزب الشيوعي العراقي فلم تزد على مقعدين كما في الانتخابات السابقة، او ما يعادل 0.7 % من المشاركين فعلا في التصويت، او ما يقرب من 80 الف صوت في بغداد وبابل، اذا ما احتسبنا ان لكل ناخب 40 الف صوت. وهي نتائج غير مبهجة للقوى العلمانية واللبرالية والديمقراطية العراقية. واذا ما اضفنا إلى القوى العلمانية واللبرالية والديمقراطية قوى التحالف الكردستاني، فان النسبة ستتراوح بين 28-29 % من مجموع المندوبين في المجلس.
ان هذا الواقع يفرض على قيادات وكوادر وقواعد جميع القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية العربية ان تدرس النتائج التي تحققت لها بعناية كبيرة وعلى اسس علمية وواقعية، وان لا تضع مسؤولة خسارتها على عاتق الناخبين والناس العراقيين وتبرئ القيادات نفسها منها او على قواعد واعضاء تلك الاحزاب، بل عليها ان تفتش عن ذلك في نشاطها القيادي وسياساتها ومواقفها ومجمل عملها خلال الفترة المنصرمة. وارى انها ملزمة بتعميم تلك النتائج الأولية لمناقشتها من قبل الناخبين واعضاء احزابها ومؤيديهم والجماهير الواسعة لتنجلي صورة الحال وتكتشف الاخطاء والنواقص، ولكي لا تتكرر هذه الحالة مرة أخرى في الدورة القادمة وبعد مرور اربع سنوات.
لا يكفي، باي حال، ان تضع قيادات هذه القوى خسارتها الكبيرة على شماعة التجاوزات الفظة اثناء الحملة الانتخابية وقتل ومطاردة بعض الناس، او تزوير الانتخابات، واستخدام الدين بصورة مخالفة للدين واستغلال المرجعية الدينية لدعم مباشر وغير مباشر لقائمة الائتلاف الوطني العراقي، وكذا الحال بالنسبة لدور هيئة علماء المسلمين بالنسبة لقائمة التوافق العراقي، رغم صحة كل ذلك، وخاصة وجود ونشاط المليشيات شبه العسكرية التي تحركت بحرية وبحماية أجهزة الدولة ومارست ما يتناقض مع شروط الانتخابات او بسبب نشاط قوى الارهاب الدموي. اذا كانت تلك الأسباب غير كافية، فاين يكمن اذا الخلل في نشاط وعمل هذه القوى السياسية العراقية؟
يبدو لي ان الأسباب وراء هذه النتيجة كثيرة، منها ما هو موضوعي، ومنها ما هو ذاتي يرتبط بطبيعة الاحزاب الديمقراطية واللبرالية والعلمانية، وتكمن في عدد مهم من القضايا التي تستوجب ان تتوقف عندها تلك القوى وتسعى بجدية إلى معالجتها وعدم الاكتفاء بمدح الذات وذم الآخرين والادعاء بانها بذلت المستحيل لتحسين النسب، ولكن لم تنجح. ساحاول الاجتهاد في الإجابة عن هذا السؤال مستندا في ذلك إلى تحليلات الوضع وإلى المظاهر التي تلمستها خلال الفترة المنصرمة وإلى قناعات تكونت لدي من خلال متابعتي اليومية وعلى مدى سنتين ونصف السنة لنشاط القوى السياسية العراقية، إضافة إلى معرفتي بها وباوضاعها قبل ذاك أيضاً. ولا ادعي هنا العصمة عن الخطا، بل اود تحريك من لم يتحرك به لخوض الحوار والتفكير بمستقبل البلاد الديمقراطي. الخص ملاحظاتي فيما يلي:
1- طبيعة الرموز التي تولت قيادة تلك القوائم في الشطر العربي من العراق والتي لم تتميز بنهج ديمقراطي عقلاني مسؤول، بل مارست سياسات خاطئة في مواجهة الاوضاع التي بدات مع سقوط نظام صدام حسين، اذا تجاوزنا وتركنا خلفنا دورها ونشاطها قبل سقوط النظام وفي عملية اسقاطه. لقد جربت الجماهير في اعقاب سقوط النظام العديد من تلك الشخصيات، ومنها الدكتور اياد علاوي والدكتور احمد الچلبي والدكتور عدنان الباجه جي. فالاول كان بعثيا متقدما ومشاركا فعالا في احداث 1963، إضافة إلى استمرار عمله ونشاطه الحيوي في حزب البعث حتى عام 1970/1971. ثم شكل الوفاق الوطني على غرار اسس ومبادئ حزب البعث، وهو لا يزال يحمل فكرا بعثيا في جملة من القضايا الاساسية، وعندما تولى رئاسة الوزراء لم يتصرف بحكمة ولم يمارس عملا جماعيا وبعقلانية مطلوبة، بل دفع العمل باتجاه الفردية وتقديم الهدايا للوزراء والمسؤولين واستمر الفساد في فترة حكمه وسيطر الكثير من البعثيين على مواقع مهمة في أجهزة الدولة حتى اكتشف نفسه ان رئيس جهاز امنه كان بعثيا ويعمل لمصلحة قوى الارهاب الصدامية في مجلس الوزراء واوصل قوائم كل زائري رئيس الوزراء إلى تلك القوى لتختطف وتهدد وتصطاد وتقتل من تريد. لقد احتضن الكثير من البعثيين الذين كانوا اصدقاء له ووجدوا لديه غطاءً لنشاطهم، شاء ذلك ام ابى، وحاول تجميد نشاط لجنة اجتثاث البعث بطريقة غير عقلانية، رغم اني ضد هذه التسمية وضد الاسلوب الذي تمارسه حاليا، اذ انها تخلق اعداءً للواقع الجديد لانها تفصل وتطرد من لم يكن بعثيا فعلا بل اجبر على الانتماء لحزب البعث تحت تهديد سيف الجلاد. ان الدكتور علاوي لم يحقق 40 مقعدا في الانتخابات السابقة الا بسبب وجوده في رئاسة الوزارة وبسبب الاموال التي صرفها في الدعاية لقائمته في العديد من قنوات التلفزة. وقناعتي الشخصية ان الرجل لا يصلح ان يقود قائمة العراقية الوطنية وقد كتبت مجموعة من المقالات في نقد سياساته وطريقته الفردية في العمل وتصريحاته التي لم تعبر عن نضوج في وعي الواقع العراقي حين كان رئيسا للوزراء، كما عمل معه بعض الوزراء الذين لا تزال تلاحقهم تهمة الرشوة والفساد الوظيفي والمالي.
اما الدكتور احمد الچلبي فملاحظاتي عنه كتبتها قبل سقوط نظام صدام حسين وحديثه في الكونغرس الامريكي وادعائه حينذاك بتمثيل الشعب العراقي، دون ان يكون قد انتخبه الشعب لهذا الموقع، ثم الطريقة التي روج بها للحرب واستسهاله المهمة التي لم تساعد على دراسة اسوا الاحتمالات في اعقاب سقوط النظام، ثم في علاقاته بالأجهزة الامنية والدفاع والخارجية في الولايات المتحدة التي تتحدث عنها الصحف في خارج العراق والاشكاليات الكثيرة المثيرة التي تحيط بشخصه التي لا امتلك الدليل على ما يشاع بهذا الصدد، الا ان المثل الشعبي يقول "ليس هناك من دخان دون نار". الا ان الناس تتابع تقلبه بين اليمين الوسط واليمين المتطرف وانجرافه وراء القائمة الطائفية، اذ اعتبرت ذلك انتهازية صارخة منه، وكتب عن ذلك الكثير، رغم ان الرجل علماني وليبرالي حقا. انه، وكما ارى يسير على نهج اساس هو ان "الغاية تبرر الواسطة".
اما الشخص الثالث البارز في هذه المجموعة الثلاثية فهو الدكتور عدنان الباجه جي. الذي دخل العقد التاسع من عمره الذي ارجو له طول العمر والصحة، فهو في قناعتي رجل يعود إلى ماضي العراق وليس إلى حاضره، وكنت افضل ان يترك العمل السياسي لكتابة مذكراته بعد ان اصدر كتابا عن سيرة والده السياسية مزاحم الباجه جي. فهو سياسي حائر بين المواقف القومية اليمينية والمواقف الديمقراطية وحقوق القوميات، رغم انه رجل علماني بالقطع وليبرالي أيضاً، ولست مقتنعا بكونه ديمقراطيا، بل فرديا ومزاجيا في آن واحد. ورغم وجود شخصيات أخرى في القائمة الا انها لم تكن الوجوه التي لعبت دورها المنشود في اطار القائمة وفي الحملة الانتخابية، رغم ان بعضهم بمستوى المهمات المطروحة في البلاد.
2- تم تشكيل ائتلافات كثيرة، ولكن في وقت متاخر جدا، كما برز العجز عن العمل الجاد بين القوى الديمقراطية والجمهرة الواسعة من الناس الديمقراطيين في ضوء استراتيجية مدروسة ومرتبطة بتكتيكات يومية فعالة، بحيث امكن اكتساحهم من جانب قوى الاسلام السياسي الطائفية. وعندما امكن تشكيل تحالف سياسي مثل القائمة العراقية الوطنية، لم يكن القبول واسعا بالنسبة إلى رئيس القائمة.
3- يفترض في القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية التي تعاونت في ما بينها ان تعمل على تشخيص تلك القوى التي يمكن التعاون معها وتلتزم بقواسم مشتركة تعمل من اجلها، وان لا تكون ملوثة بجمهرة من البعثيين والقوميين والسياسيين الفاسدين الذين اما ايديهم ملطخة بدماء العراقيين او جيوبهم وحساباتهم مليئة باموال الخزينة العامة، او تاتيهم مساعدات من قوى خارجية لها مصالحها الخاصة في العراق ولا تتناغم مع مصالح المجتمع العراقي.
4- ان جميع القوى والاحزاب السياسية التي تتحرك في اطار الديمقراطية واللبرالية والعلمانية، من دون استثناء، تحتاج إلى اعادة نظر جادة في عدة نقاط جوهرية، منها:
ا- الاسس الفكرية التي تعمل على اساسها والتي تبشر بها وان ترى في ما اذا كانت لا تزال مناسبة لهذه المرحلة ومهماتها، ام فاتها القطار او انها تتحرك لمستقبل لا يزال بعيدا عنا لعقود عديدة قادمة، والناس بحاجة إلى ما يلبي حاجاتها اليومية.
ب- السياسات التي تمارسها والتكتيكات التي تتبعها يوميا بين افراد المجتمع وتجليات ذلك في أجهزة اعلامها وصحافتها وخطابها السياسي غير المتجدد وعلاقة قادتها بالفئات الاجتماعية المختلفة وبالناس عموما.
ت- الصيغ التنظيمية التي تتبعها في عملها ومستوى الديمقراطية والحرية داخل تنظيماتها وما يتمتع به الاعضاء منها وفي ممارسة النقد دون ردع او تخويف او تردد.
ث- التجديد المستمر للقيادات والقوى الشابة بدلا من اعتماد كبار السن، او الاستمرار في العمل القيادي الحزبي سنوات طويلة بحيث يفقد المرء القدرة على المبادرة والابداع، وكان ليس هناك من يستطيع ان يحل محل الآخرين. ولا يقتصر هذا المرء على حزب واحد او جماعة واحدة بل يمس الجميع.
ج- اجراء تغيير جوهري في طبيعة العلاقة مع الناس وقضاياهم وسبل الدفاع عنهم والتزام مشكلاتهم والنزول اليهم رغم المشاكل الكبيرة التي يتسبب بها الارهاب.
ح- وضوح الرؤية في ممارسة النقد ازاء القوى الأخرى التي يعمل هذا الحزب او تلك الجماعة معها بدلا من تجاوزها خشية تردي علاقاتها بالقوى الأخرى.
خ- خوض الصراع الفكري مع قوى الاسلام السياسي بمختلف اتجاهاتها وممارساتها، سواء اكانت من القوى والجماعات المتطرفة او اليمينية او المعتدلة، اذ ان هذه القوى قادرة على التاثير بسبب قلة خوض الصراع الفكري وبسبب غياب عملية التنوير الديني والاجتماعي. ان الديمقراطية والحريات النسبية المتوفرة تتيح امكانية خوض الصراع، رغم ان الذين يفجرون المقرات ويقتلون الافراد يمارسون ذلك سواء بوجود النقد او في عدم ممارسته.
د- عجز القوى الديمقراطية عن ايجاد رؤية مشتركة مع القوى الديمقراطية في التحالف الكردستاني بما يساعد على تعاونها بدلا من لجوء التحالف الكردستاني إلى التعاون مع قائمة الائتلاف العراقي الموحد. والتعاون بين التحالف الكردستاني والائتلاف العراقي الموحد قائم على اساسين لا بد من فهمه والتعامل معه في ضوء ذلك:
ان الكرد والعرب الشيعة عانوا بشكل خاص من اضطهاد النظام السابق، وبالتالي يجدون لغة مشتركة لمعاناتهم السابقة.
ان الائتلاف العراقي وافق على الاستجابة لمطلب الكرد في الفيدرالية وفي تنفيذ المادة 58 من قانون الادارة المؤقتة بشان كركوك، في حين يرفض البعض غير القليل في القائمة الوطنية العراقية المسالتين او احداهما، وبالتالي يستجيب الكرد للعرب الشيعة بشان فيدرالية الجنوب. وربما يكون هذا الموقف من جانب الائتلاف العراقي الموحد تكتيكيا، الا انه يستجيب راهنيا لمطالب الشعب والقوى الكردستانية. واعبر عن قناعتي حين اقول بان الحليف الطبيعي والحقيقي للشعب الكردي والمسالة الكردية ليست الاحزاب الإسلامية السياسية على المدى البعيد، بل هي القوى الديمقراطية والتقدمية، وهو الذي لم يتجل بوضوح خلال الفترة المنصرمة، بسبب المواقف المتباينة للقوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية ازاء المسالة الكردية، وخاصة تلك المؤتلفة في قائمة الوطنية العراقية والتي تضم بعثيين سابقين وقوميين ما زالوا عند حدود الرؤية القديمة للمسالة الكردية.
ان جميع القوى السياسية العراقية التي تتبنى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية بحاجة إلى تجديد نفسها وإلى تجديد قياداتها وإلى التصاق افضل بالشعب وفئاته المختلفة.
5- لا شك في ان الطموح الشخصي للافراد والرغبة في الوصول إلى المجلس النيابي واثبات قدرة البعض على الفوز بمفرده او في تحالفات صغيرة من جهة، وغرور الجماعات الاكبر والتعالي على الجماعات الصغيرة وسبل التعامل معها وكانها لا شيء من جهة ثانية، إضافة إلى غياب المعايير في التعرف على قدرة الافراد والجماعات والتشتت الكبير، اسهم كل ذلك في بروز الكثير من القوائم الفردية والصغيرة التي اضاعت الكثير من الاصوات من دون ان تحرز لها مقاعد في المجلس النيابي الجديد، مما حمَّل الجماعات الديمقراطية خسائر غير قليلة.
اننا امام مرحلة جديدة، وهي ليست خاتمة المطاف، كما ان الانتخابات الأخيرة ليست نهاية التاريخ، وبالتالي فان الدخول كقوة معارضة ليس غريبا ولا ضارا بالنسبة للقوى الديمقراطية العراقية العربية، ان تعذر فعلا المشاركة بحكومة توافق وطني وديمقراطي ودون ان تعرض المبادئ التي تعتمدها إلى الاساءة. ان الدعوة إلى اقامة حكومة وحدة وطنية هي الاكثر صوابا في هذه المرحلة، وهي الاكثر قدرة على مواجهة التحديات الراهنة واملي ان يتحقق ذلك.


المهندسون وخصخصة كهرباء العراق

المهندس الاستشاري / سلام ابراهيم عطوف كبة

لم تفلح السلطات الحاكمة الجديدة بعد انهيار الدكتاتورية الصدامية في ضبط السوق الوطنية التي سادتها الفوضى الشاملة المنسجمة مع السياسة الاقتصادية للادارة المدنية الاميركية في تشجيع القطاع الخاص والتجاري من دون قيد او شرط واغراق هذا السوق بالسلع الاستهلاكية ومنها المعدات والأجهزة الكهربائية والمولدات.وبذل كل من مجلس الحكم المعين والحكومة المؤقتة وحكومة الائتلاف العراقي الموحد الجهد لاستيعاب الاثار التدميرية التي خلفها النظام المقبور وبالاخص انهيار الدولة لكن واقع الحال اكد ان الجهد الحقيقي انصب على تهميش القطاع العام وتشجيع انطلاقة العنان اللامحدودة للقطاع الاهلي.
كل ذلك وسط تواصل ازمة انقطاعات الكهرباء وتربع شراذمة البعث المنهار والنخب السياسية الطائفية على المفاصل الرئيسية في منظومة الكهرباء الوطنية وكامل الأجهزة الحكومية الامر الذي ولد الاستياء عند العراقيين واثار الشكوك حول التواطؤ السافر للاجهاض على تجربة القطاع العام في مضمار الطاقة الكهربائية وبقية القطاعات الاقتصادية الوطنية الارتكازية.
السلطات العراقية تبيح لنفسها تبرير الانقطاعات في التيار الكهربائي وسلوك منهج الذرائعية والنفعية الاقتصادية، كما تقوم بذات الوقت في تشجيع الولاءات الرجعية وبالاخص الطائفية ولم تتخذ الاجراءات الحازمة لملاحقة الصدامية في الأجهزة القمعية، وهي نفس القوى التي تتجاوز على الكهرباء وتسرقها وتستخدمها للابتزاز السياسي وتنتهج الاستغلال السياسي للدين... فهذه السلطات غير بعيدة عن غليان التجييش الطائفي في العراق الذي يهدد بحرب اهلية. ان الذريعة التي تتذرع بها الحكومة بان شروط البنك الدولي لشطب الديون هو رفع الدعم عن المشتقات كاذبة، لذا كان على الحكومة ان تصارح الشعب بالحقيقة كاملة وليس بعض الحقيقة متسترة بذلك على المليشيات والعصابات المسلحة ومن يدعمهم في المنطقة الخضراء.
يضع البنك الدولي شروطه المعروفة على الحكومات التي تقترض منه ويلزمها بقواعد دفع لخدمة الدين (الاقساط + الفوائد) وباوقاتها المحددة. وهو يزعم تولي مسوؤلية الجوانب الهيكلية الاجتماعية للتنمية إلى جانب صندوق النقد الدولي واسندت اليه مهمة مراقبة الاوضاع الاقتصادية في البلدان الاعضاء وفرض السياسات الانكماشية عليها مثل تعويم العملات الوطنية، وزيادة الرسوم والضرائب على ذوي الدخل المحدود، وتقليص الانفاق العام على الخدمات الاساسية للمواطنين.اما منظمة التجارة العالمية فتنظم اجراءات ترتيب التجارة الدولية
وبذلك يضمن الثالوث الراسمالي الدولي " البنك الدولي WB، صندوق النقد الدولي IMF ، منظمة التجارة العالمية WTO " باعتباره قاعدة العولمة الراسمالية تسرب الفائض الاقتصادي من الدول المسحوقة والفقيرة إلى الغنية وترسم به الاحتكارات العالمية سياستها في تعميم النموذج الاميركي كنظام اجتماعي اقتصادي ديمقراطي للسير باتجاه الاقتصاديات الاستهلاكية والتحلل من الالتزامات والاخلاقيات الوطنية وصوب تحجيم القطاع العام مما يلحق افدح الاضرار باعادة توزيع الثروة لصالح الشعب ويسهم في تفعيل تاطير التناقضات الداخلية. في ظل هذه الاجواء المكهربة انتقلت دوائر الكهرباء العراقية مثلا إلى نظم ادارة الشركات وفق قانون الشركات العامة رقم 22 لسنة 1997 في محاولة ديماغوجية وبراغماتية مفضوحة لانقاذ الصناعة الكهربائية من الانهيار ومعالجة ازمة انقطاعات التيار الكهربائي حسب زعمها. وهاهي سلطات الائتلاف الموحد تنتهج نفس الطريق الاخرق الذي انتهجه صدام حسين.
عندما يتولى القطاع الخاص ادارة مؤسسات الكهرباء يجري التنافس عادة على اسعار الكهرباء عبر بورصة الكهرباء واطلاق الاسعار حسب العرض والطلب.. ويتاح عادة للمستهلك الكبير حرية التعامل مع اي شركة كهرباء تتيح له بالنهاية السعر الارخص! وفي الخصخصة تحاول الشركة المنتجة للكهرباء بما لديها من تكنولوجيا ان تنتج الكهرباء باساليب اقتصادية تتيح لها تخفيض السعر كي تمتلك الاولوية في بيع الانتاج للشركة القابضة - النقل - التي تقوم هي أيضاً ببيعه لشركات التوزيع كل على حدة.وتختلف الارباح حسب المواقع الجغرافية والبيئية. وفي الخصخصة تقيم اصول شركات الكهرباء العاملة عبر(المكتب الاستشاري الخبير المركزي) ليجري اختيار المستثمر الرئيسي لشراء النسبة التي يتم طرحها للاكتتاب العام على هيئة اسهم حيث تظهر اهمية البورصة في تحديد الاسعار للكهرباء المنتج والمباع!..ويمتلك القطاع الخاص في الولايات المتحدة - النموذج الراسمالي المتقدم - وبقية البلدان الراسمالية اسهما في شركات الكهرباء بنسبة لا تزيد على 49% بينما تبقى شبكات الضغط الفائق والعالي بيد الدولة لاغراض الامن القومي.... والمعروف ان يجري طرح الشركات للبيع بنسب تتناسب مع قيمها الحقيقية لتجنب الاضرار بالشركات والمشترين معا! ومن الضروري ان تجري مراقبة كفاءة واسعار الكهرباء في فوضى السوق الوطنية، وان تسير ميادين توليد ونقل وتوزيع الكهرباء في اطار الالتزام بالقوانين الوطنية لاسيما تلك المتعلقة بحماية البيئة ووضع الضوابط التي تكفل المنافسة المشروعة في هذه الميادين ضمانا للنفع العام ، ويجري تنظيم منح تراخيص انشاء وتشغيل وصيانة مشاريع الكهرباء... ولا تولي الانظمة الراسمالية اية اهمية لهذه المعايير بل تتجاوزها جشعا بالربح السريع واغتصاب فائض القيمة الاجمالي.ويسبب السكن والتواجد لفترات طويلة بالقرب من المحولات الكهربائية والقابلوات والمولدات ناهيك عن المحطات الكهربائية نفسها التعرض لمخاطر الاصابة بسرطان الدم (اللوكيميا) وسرطانات الاطفال بسبب الدقائق الكهرومغناطيسية!
يقبع المهندسون في مقدمة الجهاز المخطط والتنفيذي لمشاريع الخطط الانمائية والاعمار ويقع على عاتقهم العبء الاكبر من مهمة التنفيذ... ويتوزع عمل المهندسين في مختلف القطاعات الاقتصادية وفي عمل المنظمات غير الحكومية، والعقود مع الامم المتحدة والشركات الاجنبية. ولا يستطيع المقاولون تنفيذ المشاريع المتعاقد عليها دون مهندسين.. لذا يقوم المقاولون باغراء المهندسين العاملين في أجهزة الدولة لحملهم على ترك وظائفهم والعمل لديهم.. وتلعب الشركات الاجنبية والامم المتحدة والمنظمات الاهلية والقطاع الخاص دور المقاول! وحتما تثمر خطط المقاولات إلى حد ما نظرا للتباين الكبير في الرواتب بين القطاع العام وبقية القطاعات. ويشجع ذلك على تهرب المهندسين من العمل في القطاع العام.. ولم تنفع اساليب دوائر الدولة للحيلولة دون ذلك! وستبقى هذه الاشكالية مادام الفارق في الرواتب وخدمات السكن والنقل مستمراً. اما المهندسون الاجانب والخبراء والمرتبطون بعقود تكفل لهم الاجور المرتفعة فتخلق لدى المهندس العراقي ردود الفعل السلبية لان كفاءته لا تقل عن المهندس الاجنبي ان لم تتفوق عليها! ويواجه المقاول
الراسمالي الوطني في العراق والذي يفكر بالربح الاكبر مشاكل الاجازة والتصنيف حيث الاستئثار الطائفي والحزبي والفساد.. الا ان فوضى السوق تبقي المشاريع حكرا على نخبة من المقاولين الكبار الذين يحتكرون المشاريع الكبيرة ويتحكمون باسعار السوق، وعادة يكون هؤلاء اليوم تحت الخيم الطائفية الضيقة المقيتة بعد ان كانت تحت الخيمة البعثية الكريهة!. اما الكادر الوسيط بين المهندس والشغيل فان النقص له اجبر المهندسين على القيام بدوره واغفال واجباتهم الرئيسة لضرورات تمليها عليهم طبيعة العمل.. ولا توكل لخريجي الكليات التكنولوجية والتقنية والمعاهد الفنية المشاريع والاعمال التي تتناسب مع اختصاصاتهم باتصال مع فقر الاجور والمخصصات الامر الذي اوجد ظاهرة الورش والمحال التجارية. تراكمت المشاكل وتعقدت قضايا المهندسين والتي من ابرز ملامحها.. قضايا البطالة، الدخل الملائم، الخدمات المقدمة للمهندسين، الحقوق الديمقراطية، اهمية التمييز بين المهندس (engineer) والتقني (technologistاو technical) والغاء قرارات مجلس قيادة الثورة اللعين ووزارة التعليم العالي ذات العلاقة....
الكهرباء صناعة ارتكازية اولا وخدمة اساسية ثانيا.. وجبت حمايتها من ضروب المنافسة والاحتكار اي ان لا تكون بيد فرد او حفنة في مواجهة الآخرين.ولابد للحكومة ان تلعب الدور الفاعل في تقديمها وتذليل التمتع بها في سبيل الحفاظ على كيان المجتمع وسلامة امنه الاجتماعي على نحو يضمن المنافسة المشروعة والعدل والمساواة في الحصول عليها.اما اتباع مبدا الربح والخسارة لتحديد اجور الكهرباء... وهذا نتاج اية خصخصة لمشاريع الكهرباء... فيؤدي إلى عجز الاعداد الواسعة من المواطنين ليقعوا فريسة القطاعات غير الحكومية التي يتقوى عودها في العهد الجديد مع استمرار الاحتلال الاميركي وتطبيق سياسات الثالوث الراسمالي الدولي... وهذه السياسة استمرار لنهج صدام حسين ونوري السعيد الاستعماري والتابع ولبناء الاقتصاد الوطني المشوه جملة وتفصيلا! وتؤدي الخصخصة عموما إلى تمتين عرى الزواج الكاثوليكي اللامقدس بين البورجوازية الطفيلية العراقية والاحتكارات الراسمالية لتواجه الدولة العراقية الاقتصاديات الاستهلاكية، والاختلالات الهيكلية، والعجز في الموازنة الحكومية العامة. كما تؤدي الخصخصة إلى شرذمة المهندسين العراقيين والانتعاش المقاولاتي الكومبرادوري.. ولا يمكن ان تكسب مواقعها لاعلاء شان القطط السمان في عراق اليوم الا بنصرة الطائفية السياسية والدينية ولاءا عصبويا دون وطني.. اي عرقلة الديمقراطية كمشروع للعقل الاجتماعي والسياسي في المجتمع! وهنا مكمن المفارقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اي البارادوكس (
Paradox) الخصخصياتي... لا عجب ان تروج الطائفية وثقافة القطيع نفس السياسة التي اوجدها وعمل بها نظام الاستبداد في حكم البلاد... وبدلا من احداث التغيير الاساسي على تلك السياسة واتباع السياسة الوطنية العقلانية الحضارية مورست نفس الاساليب والادوات الطائفية والاثنية ولم تتخذ الاجراءات الحازمة لملاحقة الصدامية في الأجهزة القمعية الامر الذي تسبب في خلق الاحتقان الكبير في الشارع وتفجر الارهاب ليلجا الناس للاحتماء بالمكونات الأولية لهم وهي المرجعيات الطائفية والاثنية!.... وتقود ديمقراطية الطوائف والاعراق إلى انهيار العقيدة الوطنية الحافظة لمصالح البلاد السياسية - الاقتصادية والخضوع لمشيئة الثالوث الراسمالي الدولي اي تواصل تفكك التشكيلة الوطنية وابقائها في حدود العجز عن بناء الدولة الديمقراطية المستقلة، واعتماد ديمقراطية منبثقة من التوازن الاهلي المرتكز على الحماية الخارجية وابقاء المشاركة الاجنبية في صياغة المستقبل السياسي - الاقتصادي للعراق..

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة