تقارير المدى

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

السياحة في العراق .. واقع صعب ومستقبل يستلزم الكثير
 

بغداد/صافي الياسري

في هذا التقرير الموجز مقارنة بسيطة بين واقع السياحة في العراق واحد المشاريع الطموحة في احدى دول الخليج العربي الناهضة.
على مدى ربع قرن فقدت السياحة في العراق كل مقومات العمل السياحي ولم يعد العراق قادراً على شد الانظار الى شواهده الحضارية منذ فجر التاريخ وفقدت بغداد القها العباسي في دخان البارود والحروب المستمرة .
فاقتصرت مهام هيئة السياحة على السياحة الداخلية التي نامت خلال الحرب العراقية- الايرانية ثماني سنوات وانطمرت بعد عام 1991 وقيام منطقة الملاذ الآمن في المحافظات الشمالية التي كانت محط رحال العوائل العراقية صيفاً، للسياحة والاصطياف.
وما لبثت ان تحركت قليلاً في الشمال الغربي والوسط والجنوب وعلى نطاق ضيق وبلا طموح، حتى فعالية السياحة الدينية التي اجبرت النظام حاجته الى العملة الصعبة على فتح الباب امامها (الزوار الايرانيون) افرد لها النظام آلية معرقلة خاصة انه الحقها بدائرة المخابرات مما جعلها غير قادرة على النظر الى الامام لتطوير خطواتها برغم ما كانت تدره من ايرادات ضخمة لقيود الدولة المالية والحسابية وللسوق العراقية وقطاع التجارة والخدمات، ولم تكن حصة هيئة السياحة عن الوافد الواحد الى البلد سوى (5) دولارات وشركات النقل والاسكان والطعام (الفتات) بينما كانت حصة الاسد تذهب الى المخابرات والى العائلة الحاكمة كشريك في النقل والاسكان والاطعام وما الى ذلك.
ان واقع النشاط السياحي الذي تشرف عليه هيئة السياحة التابعة لوزارة الثقافة تتهيأ له فرصة واسعة لمراجعة الانتكاسات في الماضي ورسم طريق المستقبل بنظرة علمية تعتمد التخطيط الطموح لبلد يمتلك من الامكانات وعناصر الجذب الطبيعية ما يفوق ما لدى الكثير من دول المنطقة التي تنبهت الى هذا القطاع فأولته عناية عظيمة ويكفي ان نذكر هنا على سبيل المثال احد المشاريع السياحية الطموحة في دبي:
دبي لاند
بعد مشروع النخلة السياحي الذي رصد له 2.5 مليار دولار يأتي مشروع (دبي لاند) الطموح الذي يستهدف ادخال 15 مليون سائح الى البلد، وهو رقم ليس بالهين ويكلف المشروع خمسة مليارات دولار و18 مليون درهم ويقوم على مساحة قدرها مليار قدم وبعض وحداته تمتد الى البحر وبدأ منذ عام 2003 وينتهي عام 2006 أي هذا العام ويتكون من عدة وحدات منها عالم المغامرات وعالم العصور الوسطى، والعلوم، وشواطئ ومنتجعات سياحية وفنادق ودور خاصة، وقائمة تكاد لا تنتهي من الخدمات في قطاع الاتصالات والالعاب وغيرها وتشمل الأطفال والنساء والمسنين والمعاقين فضلاً عن الشباب والعوائل التي منحت تسهيلات خاصة، وفتح الباب امام المستثمر الاجنبي الى جانب الراسمال الوطني ودعم الدولة وتسهيلاتها ويمكن القول ان مشروع (دبي لاند) ان لم يتمكن من التفوق على نماذج مشاريع هونغ كونغ وسنغافورة السياحية فسيقف الى جانبها نداً قوياً محتفظاً بنقود ابن البلد التي كانت تنفق على الجولات السياحية في الخارج، مضيفاً اليها مدخولات الوافدين من البلدان المجاورة والبعيدة وكما قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في إجاباته عن اسئلة الصحفيين بشأن المشروع قائلاً: انه "ترجمة الخيال الى واقع وليس كثيراً 15 مليون سائح وهذه الملايين الوافدة ستترجم حتماً الى مليارات الدولارات الوافدة الى البلد".
فلم لا يدفعنا مشروع (دبي لاند) الى مشروع شبيه تكون مساحته بعض أجزاء الاهوار العائدة تواً الى الحياة مثلاً ويمكن ان نسميه منذ الآن (اهوار لاند) اعتماداً على ما تملكه الاهوار العراقية من قدرة لا تضاهى على الجذب صيفاً وشتاء وفي كل المواسم، وحين تفتح الابواب للعقول المجتهدة يصبح المستحيل ممكناً.
بالأمس كانت دبي قرية أو مجموعة قرى صغيرة محصورة بين الصحراء والبحر، ويوم اكتشف النفط فيها بدأ سكانها يعرفون المدرسة وبعض الرفاهية، لكنهم اليوم يستغلون امكانات بلدهم السياحية احسن استغلال، على العكس من البلد السياحي اصلاً (العراق) الذي قادته سياسة النظام الرعناء التي استهترت بمقدرات وامكانات البلد فجففت الاهوار وطوقت السياحة بالسياسة واختارت الفقر على الغنى والكسل على الجد وحرمت على العقول العراقية الحركة بهذا الاتجاه، لقد لاحظنا هذا بعد سقوط النظام، فحين تدفق الزوار الايرانيون على العراق لزيارة العتبات المقدسة بمعدل 30 الف زائر يومياً، وبرغم إنهم لم يدفعوا شيئاً عن كل زائر في مكاتب الحدود الا أنهم حملوا قدرة تسويق عالية عادت على تجار واسواق العراق بفوائد عديدة، وبأرصدة جعلتهم يحولون حتى البيوت القديمة الى (فلل) وشقق من الدرجة الأولى لاسكان الايرانيين واليوم يعرضهم انقطاع هؤلاء الزوار الى خسائر جسيمة فقد ابتاعوا بضائع برؤوس اموال كبيرة لا تحتمل التجميد واشتروا قطع اراضٍ بمبالغ خيالية بنوا عليها منشآت الفنادق والبنسيونات التي توقعوا كما في الماضي ان تدر عليهم ارباحاً خيالية وكذلك أصحاب المطاعم الذين اختاروا شارع المحيط أرقى واغلى شوارع الكاظمية على سبيل المثال لاقامة مباني مطاعمهم، والامر ذاته حصل في كربلاء والنجف ومواقع أضرحة الاولياء في كربلاء كعون والحر والحلة اولاد مسلم وسامراء (السيد محمد) والكاظمية (جامع براثا) وضريح سلمان باك في المدائن وسواها، صحيح ان الوضع الامني يمنع عودة الزوار الإيرانيين بنفس الزخم الذي بدأوا به، لكن التعاون بين وزارة الداخلية والدفاع والهيئة العامة للسياحة من خلال وزارتي الثقافة يمكن ان يوجد آلية توفر الحماية لهؤلاء الزوار المستميتين شوقاً لزيارة العتبات المقدسة . ويمكن التنسيق مع وزارة الصحة لفحص الوافدين وتقديم الخدمات الصحية المطلوبة.
ان تكنولوجيا العمل السياحي تتطلب قيام قاعدة قوية من الكوادر السياحية- من الكايد الى خدم الغرفة والنادل والطباخ والمترجم . ان أهم ما يمكن الاعتماد عليه للنهوض بالواقع السياحي في العراق هو التخطيط والمشاريع السياحية، ودور الاستثمار الاجنبي الذي يجب وبالضرورة الا يثير قلق الرأسمال الوطني واصحاب الايديولوجيا التي تعتمد المصادر الذاتية وحسب خشية على استقلاليتها، ومكاتب السياحة والرأسمال الوطني، والترويج والتسويق الاعلامي ونشر الوعي السياحي، وانشاء معاهد اعداد الكوادر العاملة في مجال الفندقة والخدمات السياحية ولنتذكر الامكانات الهائلة للعراق، أو الرصيد السياحي الضخم للبلد، نعم نحن نعمل الان بالممكن ولكن علينا ان نتهيأ للمستقبل بعقل مفتوح موقعنا الان نسبة الى جميع دول المنطقة بلا استثناء هو في آخر القافلة وقد زاد الطين بلة عنصرا الإرهاب والاحتلال اللذين ينظران وبشكل طبيعي الراغبين في الحج الى معالم العراق السياحية، ومتى ما انطلقنا فنحن على ثقة اننا سننطلق ثانية من الصفر وامامنا من المعوقات والعراقيل في طريق العمل السياحي ما هو الكثير، فالذين يقتلون الحلاقين لا يمكن ان يقبلوا فعالية ترفيهية، ومن هنا فان الابتعاد بالمنشآت السياحية الى الاهوار وبناء مطارات للهليوكوبترات والطيارات الصغيرة مثل طائرة (سيزنا) التي تتسع لعدد قليل من الركاب واعتمادها كتاكسي طائر، ان عنصر الأمن متوفر بدرجة عالية في الاهوار وإذا تم تدعيمه بعناصر اخرى من الشرطة والحراس الخصوصيين امكن سد ثغرة الأمن.
وان مشروعاً مثل هذا فضلاً عن انه سيوفر على العراق مردوداً مادياً عالياً فانه سيوفر فرص عمل غير قليلة لسكان المنطقة ما يتيح لهم التعويض عن سنوات التشرد عن بيئتهم كما سيوفر للعالم فرصة رؤية مدى الادهاش الذي توفره لهم بيئة الاهوار وما سيوفر للاهوار من ظروف حسنة ومساعدة على التقدم واللحاق بركب العالم المتحضر.
فضلاً عن كل ذلك، أو إضافة الى الحديث عن السياحة الدينية والاهوار يمكن الحديث عن مصايف العراق في محافظات السليمانية واربيل ودهوك التي مازالت بكراً ويمكن الحديث ايضاً عن مشاتي العراق في الجنوب والمنطقة الغربية، ويمكن الحديث عن بحيرة الحبانية والثرثار والموصل ودوكان و.. يكاد الحديث لا ينقطع عن اماكن اللهو والصيد فثمة اماكن في الاهوار لصيد الطيور والاسماك وثمة اماكن لصيد الغزلان والطير الحر (الصقور غالية الثمن). والحباري والحذاف والحمام والقبج والدراج وانواع الطيور اللذيذة الطعم.
اما بالنسبة لاولئك الذين انتقدوا هيئة السياحة في دعوتها الاستثمار الاجنبي الى الاستثمار في قطاع السياحة، فهؤلاء لم يدركوا ان الهيئة ليست هي الجهة التي تشرع القوانين وانما هي هيئة تنفيذية محدودة المهام بقانون، وكل ما من شانه ان يخدم العراقيين وفق شروطهم القانونية عليها ان تقوم به والاستثمار الاجنبي يدخل في هذا الاطار.
وقد نشطت خلال السنوات الثلاث المنصرمة هذه الهيئة لاثبات وجودها فأرسلت لجنة لزيارة الاهوار، ورحبت بمقترحنا حول (اهوار لاند) ووعدت بدراسته، وأصدرت مجلة بعنوان العراق السياحي وستصدر دليلاً سياحياً موسعاً للمواقع الاثارية والدينية والتراثية.
وقد تعرضت هذه الهيئة اثر سقوط النظام الى نهب محتوياتها واحراق وثائقها وهي الآن تمارس اعمالها في بناية دار الازياء العراقية التي تحولت الى مبنى وزارة الثقافة، ولكنها خلال مدة وجيزة تمكنت من استعادة بعض قدرتها على إدارة الامور في البلد بالنسبة للقطاع السياحي.
واخيراً نحسب ان هذه المقارنة أو الاستعراض لمشروع دبي لاند ولواقع السياحة في العراق في غير مصلحة العراق اليوم، لكننا على ثقة ان الغد القريب والبعيد يحمل أكثر مما هو خير لنا. جميعاً لنبز من حولنا ونتباهى عليهم.


ملاحظات بشأن تصريح وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني لـ (المدى ) : وللحكومة ... حسابات أخرى في القرار 8750
 

المحامي حسن شعبان
خبير في شؤون حقوق الإنسان

يعتبر حق التجمع السلمي المدني والمشاركة مع الآخرين في منظمة غير حكومية طوعية غير ربحية من أهم حقوق الانسان التي تم التصادق والاتفاق عليها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ومن بينها الإعلان العالمي والميثاق الدولي حول الحقوق السياسية والمدنية، والميثاق الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد صادق العراق على معظمها وبات بما لا يقبل الجدل ان نشاط ونشأة منظمات المجتمع المدني من أهم الأسس في بناء مجتمع حر ديمقراطي إذ تشكل هذه المنظمات مراكز ثقل وضغط في موازاة الحكومة ومؤسساتها الدستورية ومع الحكومة والقطاع الخاص تنشأ علاقة تتم وصفها دولياً بالحكم الاشد.
وتتبع أو تحاول ان تتبع حكومات واحزاب حكومية اسلوب الهيمنة على هذه المنظمات من خلال فرض عناصرها عليها مقابل منحها الترخيص في العمل لكنها حرمتها من أهم مقومات وجودها الا وهي الاستقلالية، فهي يراد منها ان تصبح اقرب لان تكون اداة بيد النظام الحاكم أو الحزب الحاكم تعمل بامره وتنفذ اغراضه بدلاً من كونها منظمات غير حكومية.
ان المنظمة الوطنية الفاعلة هي التي تستطيع التصرف مستقلة عن الحكومة والاحزاب وجميع الكيانات السياسية الاخرى وحصولها على قدر كافٍ من الاستقلالية في العمل هو أمر يميزها عن المنظمات التي ترتبط بالدولة لكن هذا لا يعني عدم وجود علاقة ندية مع الحكومة والمركز القانوني المستقل لهذه المنظمات ينشأ من خلال قانون قاض ينظم وجودها وعلاقاتها ما بينها وبين الحكومة من خلال شخصية قانونية منفصلة ومميزة ذات طبيعة تسمح بممارسة سلطتها على نحو مستقل من دون تدخل من أي فرع من فروع الحكومة وهو امر ضروري وهام .
لقد برزت فجأة بعد سقوط النظام في العراق مجموعات كبيرة من المبادرات الاهلية لتجميع المواطنين في اطارها تعنى بحقوق الإنسان والنساء والعمال والشباب وغيرها، وقد قامت سلطة الاحتلال بمحاولة لتنظيم وتسريع هذه المبادرات التي غالباً ما طغى فيها الكم على النوع والتخصصية عن طريق الامر رقم 45 لسنة 2004، وتم تعديله بالامر رقم (61) بموجب القرار رقم 100 تم نقل صلاحياته الى وزارة التخطيط وفيما بعد الى وزارة المجتمع المدني.
ولم تلجأ الجمعية الوطنية المنتخبة الى تشريع قانون خاص جديد لهذه المنظمات غير الحكومية بل ركنت على الرف مسودة مشروع لهذا الغرض قدمته هذه المنظمات وهذا عد امراً معيباً و تجاهلاً لا مبرر له لشانها التي بدأت نشاطاتها تتجه نحو المهنية وبدا فعلها في المجتمع العراقي باتجاه اللا طائفية وعلى أساس المواطنة.
وبشكل يثير الدهشة والتساؤل صدر قرار ديوان مجلس الوزراء ذو الرقم 8750 في 8/8/2005 الذي منح فيه سلطات واسعة لوزارة المجتمع المدني وغيرها بالتدخل في شؤون المنظمات غير الحكومية وصل الامر تجميد اموال بعضها في المصارف والغاء عمل بعضها دون قرار قضائي أو سند قانوني وانما مجرد تدخل سافر في شؤون هذه المنظمات ثم بدأت رحلة العودة الى الديمقراطية في هذا الصدد بقرار وزير العدل بحل مجلس نقابة المحامين وتسليم النقابة الى لجنة من الوزارة خلافاً لقانون المحاماة النافذ و الغريب في الامر ان يأتي هذا القرار من وزارة العدل ومن وزير مارس القضاء سنوات طويلة مضت.
بعد هذه المقدمة لابد من مناقشة تصريحات وزير المجتمع المدني المنشورة في صحيفة (المدى) بتاريخ 15/1/2006 الذي حاول فيها مع الأسف الشديد خلط الأوراق بشأن القرار (8750) فتارة نجده يضع الاتحادات والنقابة ومنها نقابة المحامين خارج منظمات المجتمع المدني وبالتالي لا يجد مبرراً للعمل ضد هذا القرار والمسألة لا تعدو ان تكون حقاً للحكومة مارسته وفقاً لصلاحياتها الدستورية والقانونية، ومن جهة اخرى نجده يبرر ذلك لايقاف انتخابات غير نظامية وغير نزيهة في بعض هذه النقابات ومنها نقابة الأطباء البيطريين بالادعاء بوجود عناصر مشمولة بقانون اجتثاث البعث وحصول فساد اداري ومالي فيها.
لم اجد أي مبرر، ولم يحصل ان وجد حين امر السيد الوزير على الفصل التعسفي بين الاتحاد والنقابات عن منظمات المجتمع المدني ووصفها بانها خارج هذه المجموعة لها قوانينها الخاصة ومن حق الحكومة ان تتدخل في شأنها ونتساءل اذا لم تكن هذه ضمن المنظمات غير الحكومية، فاين يكون موقعها؟ هل انها تابعة للحكومة وجزء من دوائرها وبالتالي لا مبرر لقوانينها وانتخاباتها؟ واذكر السيد الوزير بقرار رئيس النظام السابق حينما حول الطبقة العاملة الى موظفين والغى وجودهم النقابي.
ان هذه الاتحادات والنقابات يمتد عمرها الى عقود من الزمن وشكلت درعاً بشرياً للمجتمع المدني ولحركة شعبنا الوطنية وساهمت في ثورات وانتفاضات الشعب العراقي، ان اتحاد الطلبة العراقي عقد مؤتمره العام في ساحة السباع عام 1948 بحماية الاتحاد العام لنقابات العمال ولم يجرؤ حتى نوري السعيد في ان يتدخل في شؤونه، ونقابة المحامين اسقطت وزارة نوري السعيد من خلال اصرارها على الاستقلالية والدفاع عن سيادة القانون.
فادعاء السيد الوزير بانها منظمات لا علاقة لها بمنظمات المجتمع المدني، رأي احادي لا يوافقه فيه احد ويتقاطع مع المعايير الدولية، وليس هناك دولة أو دستور أو قانون في العالم صنف هذه المنظمات بأنها خارج العمل المدني وانما نشأت وهدفت الى حرية واستقلالية المنظمات غير الحكومية واشرنا الى رأي الشرعية الدولية ومواثيقها بهذا الصدد.
(التعب المهني) ابان حكم البعث وحده الذي صادر استقلالية هذه المنظمات وحولها الى اداة حكومية وقمعية وحزبية على أساس مفهوميته لهذه المنظمات من انها تابعة للحكومة والحزب الحكم ضمن ثقافة الفرد والاستبداد ومصادرة الحريات التي عمل في ظلها طول سنوات حكمه.
ان مبررات من هذا النوع لا تتفق مع المنطق و لا مع القانون ولا مع ارادة منتسبي هذه المنظمات و لا مع الدستور الدائم، وان أهم حق تتمتع به هذه المنظمات هو الاستقلالية وعدم التدخل الحكومي والحزبي.
اما الادعاء بحصول انتخابات غير حرة وغير نزيهة فان امر البت في هذا الادعاء لا يعود لاي وزير أو جهة حكومية وانما امره يعود الى القضاء فعليه وحده تقع مهمة التقاضي واتخاذ القرار بشأنها، فحتى قانون صدام للجمعيات اناط مهمة الاشراف على الانتخابات ومصير المنظمات بيد القضاء وقانون المحاماة حصرها بيد محكمة استئناف بغداد، وتمكن قادة وطنيون وبارزون قيادة نقابة المحامين وعلى رأسهم الاستاذ عبد الوهاب محمود تحت ظل سلطة البعث.
رفقاً بالقانون يادعاة دولة المؤسسات والقانون ولا مبرر للتشبث بقرارات اكل الدهر عليها وشرب ولم تعد تصلح لظروف ما بعد القرن العشرين الذي أقر (بندية) المنظمات غير الحكومية مع الأجهزة الحكومية أما الحسابات الاخرى في أجندة الحكومة والاحزاب الحاكمة بشأن هذه المنظمات ومحاولة السيطرة على قراراتها وجعلها تابعة لها بعد ان وجدت تنامي دورها ورفضها صيغ المحاصصة والطائفية وتمسكها بقرار وحدة العراق ارضاً وشعباً فانه امر لا ينفع احداً ويساهم في صرف هذه المنظمات عن اهدافها انما نقر للجميع في حقهم بالمنافسة الشريفة مع الآخرين داخلها ومن خلال دعم استقلاليتها وحياديتها.
اما الذي ورد في تصريحات السيد وزير المجتمع المدني حول سيطرة بعض الاتحادات والنقابات على مقرات ودور عائدة للمال العام وان هناك موارد وصفقات مارستها بمئات الملايين وان هناك خروقات مالية، وهذه الاتهامات تبقى في دائرة الاتهام، وهذا يعني افتراض البراءة، وعند هذه الحالة لا يحق لاحد ان يتخذ قرار الادانة والتشهير وانما اللجوء الى القضاء واستناداً الى سند قانوني. وانظمة وقوانين هذه المنظمات تحتوي نصوصاً قانونية تسمح لهيئاتها العامة مناقشة امورها العامة وتقاريرها المالية ومحاسبة الذين اساءوا واحالتهم الى القضاء فلماذا لا نترك القضاء يأخذ مجراه ؟
والسيد وزير العدل من جهته واستناداً الى القرار نفسه اصدر امراً يتقاطع كلياً مع قانون نقابة المحامين يقضي بحل مجلس النقابة في الوقت الذي تم تحديد شهر آذار (2006) موعداً لاجراء الانتخابات، والمحامون وحدهم الذين سيقرروا مصير المجلس الحالي، ويتخذوا ما يقتضيه القانون في محاسبة المسيئين مالياً وادارياً ان وجد وذلك، وليس من حق أي وزير من حيث المبدأ والقانون ان يتخذ قراراً يصادر ارادة المحامين ونقابتهم.
محامون يمتهنون مهنة الجبابرة من اجل الحق والعدل ويحفظون القانون عن ظهر غيب، وقضاء واقف يكمل العدالة في قرارها تخرق حقوقه وارادته بهذا الشكل، ليس الامر دفاعاً عن مجلس النقابة الحالي فهذا امر اخر وقد تكون فيه الكثير من الملاحظات لكننا بصدد قضية مبدأية وهي الاستقلالية للمنظمات غير الحكومية واحترامها وعدم التدخل في شؤونها من قبل الحكومة، وهم وحدهم قادرون على اختيار ممثليهم عبر صناديق الاقتراع لانهم هم الذين صنعوا هذه النقابة ومن المؤسف حقاً ان يأتي قرار كهذا من وزير العدل وهو قاضٍ سابق.
اما قضية (اجتثاث البعث) فيبدو انها أصبحت (قميص عثمان) يلبسه هذا المسؤول الحكومي أو ذاك القيادي في الحزب في المناسبة التي يختارها هو وعلى الأشخاص الذين يختلفون معه، فليس البعثي وحده وانما هناك العديد من المسؤولين في قيادات حكومية وحزبية انتقلت الى العهد الجديد (هم بعثيون وان لم ينتموا) مارسوها ايضاً وبحت اصواتهم دفاعاً عن نظام الفرد والاستبداد والقمع.
نحن في حقوق الإنسان نرفع شعاراً مبدئياً لانساوم فيه (ينبغي ان لا يفلت احد من منتهكي حقوق الإنسان من العدالة) والقضاء وحده وليس أي جهة اخرى تقرر ذلك، وإذا كان هناك مبرر قضائي لحرمان احد من بعض حقوقه فينبغي ان لا يكون على حساب الانتماء الفكري والسياسي وانما على أساس الفعل الاجرامي، وبالمناسبة فاننا لا نتفق مع كلمة الاجتثاث لانها خرجت من قاموس الفاشية ونميل الى الادانة القضائية.
وإذا كان السيد وزير المجتمع المدني وغيره من المسؤولين حريصين على ان تبقى منظمات المجتمع المدني وهي منظمات غير حكومية وغير حزبية وغير سياسية بحتة وذات طابع وطني ومجتمعي فعليهم ان يضموا صوتهم الى صوت المنظمات للتعجيل في سن قانون خاص بها، وهو الان في ادراج الجمعية الوطنية وقدمته العديد من المنظمات .
وبمناسبة الحديث عن المال العام في قصوره ودوره وأراضيه وماله لماذا لا تشمل هذه القرارات سلطات حكومية وحزبية سيطرت دون وجه حق على قسم كبير منها، فكورنيش المسبح تحول من مسؤولي النظام السابق الى اقرانهم في النظام الحالي بدلاً من ان يكون كما كان اصلاً متنزهات ومطاعم للمواطنين أو تشيد فيه عمارات سكنية لعوائل شهداء القمع والاستبداد.
وايضاً بمناسبة المال العامة فرواتب المسؤولين وزراء واعضاء الجمعية والدرجات الخاصة وصلت حداً غير معقول وبآلاف الدولارات الأمريكية وحراساتهم ومنحهم ورواتب تقاعدية تصل الى حد 80% من هذه الرواتب لموظفين مارسوا الخدمة الوظيفية بضعة اشهر.
قانون للخدمة المدنية وقانون للتقاعد نافذان بحق موظفي الدولة، وينبغي ان يسريا على الجميع دون تمييز وبمساواة لماذا لا يسري على الجميع؟
ارجو ان يتسع صدر السيد وزير المجتمع المدني لهذه الملاحظات وان لايضيق توافقاً مع قول الشاعر انا أموي وامي علوية واختلاف الراي لا يفسد في الود قضية .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة