المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

العاطفة الإنسانية في فن العمارة .. البعد الخامس وشجون العشق المعماري

د.علي ثويني
[email protected]
يكمن الإبداع في العملية المعمارية حينما يتسامي المعمار بخامات البناء مجانسا بحذق بين الذاتي من خلال خوالج وبواطن نفسه،و أفكاره وخياله الفني والجمالي، وبين الموضوعي من خلال عكس الأحداث والظواهر البيئية والروحية والاجتماعية. وهكذا يصبح الهيكل المادي لعمله وسيلة لتجسيد الغاية في المحتوى.
ويوجه محتوى العمل المعماري من أعماق فيض المعمار الفكري للناس الذين يمتعهم جمال ودفء وروح الإنجاز، وهكذا يبقى الشكل انعكاساً مادياً لمحتوى الإنجاز. وأختلف القوم في وجوب أن يكون الشكل جذابا يدغدغ شغاف القلوب،أو يكون نتاجا غير ذي شأن لحبكة وظيفية وجدوى معيشية. وهكذا فأن الممارسة الفنية في العمارة تعني نقل عواطف إنسانية مثلما ينقل الكلام أفكار البشر.
ويمكن تلمس هذه العاطفة في عمران المدن التراثية التي تبدو وكأنها بيت كبير يحتضن نفوساً متحابة، فهي بالنتيجة تداخل بين الذاتي والموضوعي.وقد أمست المدينة بيت الجماعة،البيوت فيها خلايا نابضة بالحياة ودفء المشاعر وقربى النفوس. ويمكن أن يكون ذلك استرسالا من تراث الشرق القديم حينما أطلق العراقيون لفظة البيت على المدينة، ولم يكن سورها إلا حدوده وسياجه. وحدث أن أقتضبت لغويا كلمة بيت إلى باء، وهكذا نجد جل التسميات تبدأ بها مثل بغداد(بيت غدادو) وبصرة(بيت صراياثا) وبعشيقه(بيت العشيقة) وبعقوبه(بيت العقوبة) وبدرة (بيت ذرايا)...الخ.
و في السياق العاطفي للعمارة نسرد ما قاله الشاعر الفرنسي (فاليري) شعرا: (العمارة هي ليست إلا شكلا من أشكال محبة الناس). ولا يمكن أن ينكر أحد أن عمارة تاج محل في الهند كانت ذروة التعبير عن جذوة المحبة التي أراد أن يكرسها (شاه جيهان) لزوجه (ممتاز)، وهي شهادة إسلامية في العمارة و امتداد لحالة إنسانية، دعا إليها الدعاة والرسل وتبنتها الأديان وآخرها الإسلام، جوهرها محبة الله وخلقه.
والجمال في الفنون والعمارة أمر جوهري، وقسم الفلاسفة الجمال إلى ثلاثة أنواع أولها: الجمال الحسي أو المباشر الذي يصل إلى الإنسان من خلال الحواس الخمس، والثاني الجمال الفكري وهو ما يتسرب من خلال سمو الملكات العقلية ورقي مستوى الإدراك عند البشر، أما الجمال الثالث فهو الجمال العاطفي الذي نحن بصدده ويأتي تأثيره عن طريق ما يتعلق بالشيء من معان، وما يثيره من عواطف وذكريات، كأن يرمز لمعنى أو أمر أو يذكر بأشخاص وأحداث، فيثير المشاعر، ويضعنا في حالة عاطفية (
moods) صميمة، تستدعي الإعجاب بها.وهذا الجمال العاطفي ليس جزءا من الشيء نفسه، ولا هو صفة فيه، وإنما هو متعلق ومرتبط به بما يصل الإنسان عن طريق العواطف، أي أن الإنسان هو الذي يتخيله ويفترض وجوده، بما تسبب رؤية الشيء من إثارة في دواخل الإنسان.
لقد خلق الله سبحانه المكان قبل الإنسان، وعادة ما يصوغ الإنسان المكان بحسب حاجته. ورغم أن المكان والزمان عنصران متلازمان لا يفترقان، فإن المكان ثابت على عكس الزمان المتحرك، وهو في ثبوته واحتوائه على الحسيات المستقرة بما يدرك بالحواس إدراكا مباشرا,وهذا ما يجعل العمارة فنا للمكان على عكس الشعر والموسيقى الذي هو فن الزمان الذي عادة ما يدركه الإنسان إدراكا غير مباشر. وتنامت الآصرة بين الإنسان والمكان (حتى أصبح المكان واحدا من الأمور التي يخترقها الإنسان بالبحث بغية التعمق في هذا المحسوس وتمام إدراكه). مما ترتبت عليه دراسات معمارية، عنيت بخصوصية المكان، وأستحدث علم الطوبولوجيا (
Topology)، كما أعطي المكان بعدا فلسفيا فأصبح المكان (هو ما يحل فيه الشيء أو ما يحوي ذلك الشيء ويحده ويفصله عن باقي الأشياء). كذلك تم تقسيم المكان إلى (المكان التصوري، والمكان الإدراكي الحسي، والمكان الفيزيائي، والمكان المطلق).
و العاطفة الإنسانية في حب المكان، ظاهرة حضارية أكثر منها بدوية، ونجد لذلك حيثيات في منطلقات وممارسات العقيدة الإسلامية،وبذلك فالإسلام يدعو الى نبذ البداوة والأعراب ونفاق أداتها (الشعراء). وهكذا يمكن إعتبار الإسلام ديناً حضرياً، ويدعو إلى التواشج العاطفي بين الإنسان والمكان.
ومحبة المكان تنشأ عادة من التعايش والألفة معه، ونأخذ في ذلك وصفا صوفيا أورده (محيي الدين بن عربي) قال فيه: (أن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثير). ويصنف أنواع الأمكنة بقوله (ثمة فرق بين الأمكنة والمدن، مدينة أكثر عمارتها الشهوات وبين مدينة أكثر عمارتها الآيات البينات).ويمكن أن يتآصر ويشرئب الأمر الى مفهوم سابق دعا إلى المدينة الفاضلة لدى (أور نمو) في سومر،وتبناه أفلاطون في جمهوريته، وأتخذه الفارابي أساساً في مدينته الفاضلة،وهو سعي دائب للإنسان في تكريس المكارم وإسباغها على علاقات الخلق.
ولدى الإسترسال في تقصي بواطن تلك العاطفة،يدعونا الأمر الى التبصر في عالم الأبعاد وفلسفته التي يحتدم الحديث عنها هذه الايام، والتي وصلت في بعض النظريات العلمية وخيالاتها الى أربعة وعشرين بعدا.وهي حالات تراكبت فيها المفاهيم بين الفلسفة والفيزياء والباراسيكولوجيا. و نجد أن للممارسة الأخلاقية ونفحات الحس الإنساني وجوداً وتماساً معها. فلو اعتبرنا أن البعد الواحد يتعلق بالنقطة وحركتها في الخطوط والبعد الثاني هو الحاصل من الحركتين المتعامدتين لتلك النقطة في منظومة الأبعاد ونجد من الفنانين والمعماريين من أقتصر إدراكهم على البعد الثاني ومنهم من ارتقى إلى عالم الارتفاعات أو البعد الثالث، وتكشفت لهم الحجوم والفراغات والتجسيم والمنظور الجمالي وبذلك تقاس موهبة المعمار وغنى بصيرته.ثم يسمو هذا الغنى في حالة الربط بين هذا البعد وبين البعد الرابع المتضمن للزمن كما بينه (أنشتاين) في النظرية النسبية، وندعوه الذاكرة التاريخية والارتباط بالماضي الثقافي للبيئات الطبيعية والبشرية والتراث المعماري المتداخل مع المفاهيم الروحانية والغيبية. ويقودنا ذلك البعد إلى بعد جديد يمكن أن ندعوه (البعد الخامس) المتجسد في قدرة المعمار وسمو موهبته وعمق خياله بحيث يجسد حالة معمارية يكتنفها شعور إنساني يبث في المكان والنفوس دفئا روحيا حيث يعكس ذلك البعد عمق الآصرة بين الإنسان وبيئته الطبيعية والبشرية. ويعكس ذلك في خوالجة حالة متناغمة من الإيثار الاجتماعي مع مبدأ (لا ضرر ولا ضرار) نابذا نائيا عن الإفساد و متآصرا مع حب المكان.ونجزم أنه البعد الأقصى الذي يمكن للعمارة أن ترتقي إليه لتطأ المثالية.
ويقودنا هذا المفهوم إلى بحث البون بين مفهومي العمارة كفن وروحانيات وإدراك للجمال وبين الهندسة كهياكل إنشائية وخامات بناء وأرقام وأسعار وتكاليف وحسابات مادية مصدعة للرأس. لقد تعاملت العمارة على مر العصور بحذر مع الواقع الإنساني والبيئي، مجبرة بحججها الرصينة على أن ترسم في كنفها خطا عقلانيا للهندسة والإنشاء وكذلك الفنون.
ورغم اعتماد المعماري على الإنشاء كقيمة جوهرية والعلم كوسيلة لتحقيق الإنشاء، وبالرغم من اعتماد المعمار على الإنشائي وتأثره به، فان العمارة لم تشذ أنملة عن الفنون، ولا تزال تعتبر خير تجسيد لرهافة الحس وعمق الخيال فيها. وثمة أمور وخواص تكتنفها تلك الخامات الواردة من العلم والأجسام المتمخضة من النظم الإنشائية، التي مازال الإنشائيون والعلماء لا يفقهون كنهها وهي ثمرة ذلك الخيال المعماري الذي سوف يوظفها في تحقيق المنفعة والمتانة والجمال. وهذا يدخل في صلب مهمته الإنسانية، ويمكن اعتبار هذا المفهوم خير تعريف للعمارة في كل زمان ومكان.
وبذلك فلا يمكن للمعمار أن يقلد رجل العلم لتحاشي حالة الإرباك العقلية والمنطقية التي تكتنفها، وهو الذي يفهم العمارة بالبصيرة والإدراك
perceptionبما لا يفهمه العقل. وهكذا فأن الإنشاء والهندسة لهما مبرر reason، ولكن للعمارة معنى meaningروحي عميق. وبالرغم من حضور الذكاء والعلم والخبرة ولكنها لا تتعدى الضرورة في توفر البصيرة والخيال والعواطف والمشاعر الجياشة. وبذلك فأن الأعمال النفعية المحضة تخدمنا، ولكنها لا تحرك مشاعرنا أو تثير بالضرورة الإحساس الفني و الشاعرية فينا. وبذلك فأن مهمة العالم والإنشائي أن يكشف للمعمار الحقائق وتبقى مهمة المعمار تحقيق ذاته خلالها، ليعكس بحسه روح العصر ومقتضيات البيئة التي يعيشها.
ويمكن أن يكون العلم قد أسدى لنا أكبر خدمة، بتأكيده دون أدنى ريب وجود (النفس) لدى البشر، وحاول سبر أغوارها من خلال علم النفس (السيكولوجيا) وطب النفس
psychiatry والتحليل النفسي psychoanalysis ، وتأكد أن للراحة النفسية أهمية في الراحة الجسمانية، وتأدية الوظائف الحيوية للبشر، أن لم تكن أكثرها أهمية، وأقترن الإبداع براحة البال والقناعة والعافية،وجاء في الأعراف(عندما تطيب النفوس تغني). وهكذا يمكن أن يكون التصميم المعماري سببا في سعادة الإنسان وإضفاء مشاعر الانشراح على حياته. ويمكنها أيضا أن تكون سببا لبث الضيق والانقباض عليها. وهكذا كل نفس لها أعماق لا تطأها علوم اليوم، ولا يعلمها غير بارئها، ويمكن أن تكون مبررا في شعوره بالغبطة أو التعاسة. وبذلك لا يمكن أن يأخذ الجميع بنفس المقاس وتصمم للجميع نفس البيوت(نمطية typical)، وبنفس المواصفات، وتطلى حيطانها بنفس الألوان.وهذا ما جعل الأنظمة الشمولية تتساقط مثل أوراق الخريف تباعا، حينما ألغت هذا الجانب الفسيفسائي، و بعدما أرادت توحيد الأذواق، وأنعكس الأمر برمته في العمائر.
لقد أفاق معماريو القرن العشرين ممن تعصب للتيارات التي تخللته ولاسيما تيار " الوظيفية" ذائع الصيت في كل مدارس العمارة العالمية، بان العمارة ليست مجرد إنشاء وتأدية وظائف، وأن هناك (شيئا آخر)، وأن الإنشاء الجيد والوظيفية الملائمة لا تكفيان لعمل عمارة عظيمة، مثلما هي العمارة التراثية ومنها الإسلامية. وهنا نفيق على ضرورة البحث عن الأشكال والخصوصيات التي تعبر عن الحياة الإنسانية في العمارة،وتزيد الحياة معنى وغنى.
ولا تعني الدعوة لأهمية الأمور النفسية للإنسان المكوث فيها والاعتماد الكلي عليها وعلى الخيال والفنطازيا في العملية الإبداعية في العمارة، فالعلوم والفنون وسائل تكمل وظيفة العامل النفسي، في الغاية الإبداعية. وهكذا تكامل المثلث للفعل البشري بتضافر العلم والفن والخيال. فلو أهملنا وجود العلم في صناعة ما مثل السيارات، لما يمكن أن نجد من يخترع لنا محركات الاحتراق، ولولا الفن لما صممت العربات التي استنسخت السيارات هيئتها منها، ولولا الخيال وبواطن النفس البشرية، لم يكن بوسعنا تركيب المخترعات العلمية والصناعة الفنية، والذي تمخض عن صنع السيارة قبل قرن من الزمان، ثم تم تطويرها حتى يومنا هذا. وبهذا لا يمكن فصل العلوم واكتشافاتها ومخترعات مواد البناء عن العمارة،ولا يمكن الاعتماد على الجانب التقني لتلك المصنوعات دون التسخير الفني الذي يهبها روحا معاضدة للراحة الروحية للإنسان.
ويؤسف اليوم للخلل الذي طرأ في تآصر العناصر الثلاثة حينما دخلت المجتمعات في حمى سباق الأرقام وطغى غلواء الهندسة والعلوم التي سايرت حيثيات الخطوط البيانية للاقتصاد والبورصة وتوابعها في الربح والخسارة و"معمعة المادة". ثم استطاعت أن تجذب العمارة إلى مواقعها حيث جرت لاهثة وراءها متناسية غايتها الأولى، ونفحات الروح التي تكتنفها وارتباطها السرمدي بالحس الإنساني و "البعد الخامس" لها.
ونضرب مثلا لتلك النزعة الاقتصادية في تطاول البناء أو البناء العمودي، الذي سلكته العمارة الغربية،وذلك لتقليل الصرف المالي على عمليات التزويد بالمياه وقنوات المجاري والصرف الصحي والطرق وما إلى ذلك،وتناست خلال جريها التأثير المنعكس على نفوس الناس القاطنين بتلك المساكن. وقد ظهرت حديثا بحوث تؤكد الآثار النفسية والعاطفية السلبية على هؤلاء بعد مرور عقود قليلة من الزمن. لقد تهافت مسيرو (الاشتراكية العلمية)، على الاقتصاد و(شد الأحزمة) ليطأوا حلولا معمارية لا يرضاها العقل والعلم و الفن ناهيك عن الضمير وتجردت من كل حس إنساني. ونضرب مثال شاوشسكو طاغية رومانيا حينما بنى برجاً سكنياً لا يتوفر على مرافق صحية لكل شقة من باب الاقتصاد و (شد الحزام)، بما دفع السكان الهبوط إلى تلك المرافق الجماعيه مرارا. وربما لانغالي إذا قلنا بأن أحداث (حرائق باريس) الأخيرة كان جوهرها، سقم العمارة التي أوتها أجيال المهاجرين المغاربة والأفارقة. حيث صممت بما يوحي بالعزلة،ويكرس مبدأ (الكيتو)، الذي كان مرجلا نفسيا، تفجر في لحظة كرى،كانت أوربا تحلم فيها بإندامجهم القسري.
لم يدر في خلد الساسة والمعماريين بان العمارة هي هندسة في جانبها المادي والرقمي، و يحظى في حيثياتها الجانب الروحي والأخلاقي والجمالي بالسبق، ويشكل قاعدة توازن بين المفهومين.والعمارة هي في العادة ممارسة إبداعية للارتقاء إلى حياة أفضل، وبحث دؤوب في خلق سكن أمن نفسي وجسدي، بينما الهندسة هي أسلوب البناء أو ما نسميها (تقانة) أي طرائق تنفيذ و حساب كمي وعددي كهدف أساس يراد منه: كذا وحدة سكنية، وكذا مساحة مبنية وكذا كتلة من مادة البناء.وهكذا فأنها عملية حساب كمي ثم ربحي، بينما تبقى العمارة دائماً هي عملية مقياس النوعية ومجس الاقتراب من الراحة والطمأنينة للإنسان.
وغرر بالجموع و أمسى القوم لايفرقون بين العمارة والهندسة والعلوم، الأمر الذي كرس الاعتقاد بأن وظائف العمارة كلها مادية ونفعية ونمطية. وبالمحصلة لتلك الممارسة المعمارية نلاحظ أن البناءات التي أنجزت خلال الأزمنة الحديثة في العالم ومنه الإسلامي،والتي تزامنت مع حقبة الاستقلالات الوطنية قد سارت على نهج خيلائي لا يعكس الخصوصيات الأخلاقية الزاهدة للعمارة المحلية المرتبطة بالوازع الديني، بقدر كونها نزعات لإثبات الجدارة والخيلاء السلطوي،،و تجردت بالنتيجة من الحصافة وعمق المعلومة.
وبالنتيجة فقدت العمارة بعديها الرابع "الزمني" والخامس "الإنساني" وروح الممارسة الأخلاقية.ومع الوقت تكرست حالة من التوحش والانزواء والكآبة والقوقعة على الذات. وكانت النتائج أن الشارع لم يعد مصدر إشعاع حضاري وتربوي وجمالي،ولم تعد الأسواق والميادين مكان متعة،ولم تعد حجرات البيوت تحتفي بالسكينة،ولم يعد الحوش رئة الدار ومجلس العائلة وبيئة صميمة مزدانة بخرير الماء وندى الشجر وعطر الرياحين.
أفقنا في بداية السبعينيات على ذلك الإيقاع "الحداثي"،وطفقنا نلملم هفواته و ظهر لنا تيار (ما بعد الحداثي
postmodernism) الذي أفل سريعا بسبب معالجته قشور الأمور وليس بواطنها،وأهتم أساسا بمعالجة الواجهات ونمنمتها وتزويقها لونيا وخداع الناظر بواجهة العناصر (التراثية)، كل ذلك على حساب إعادة الروح لجوهر العناصر البيئية.
وهكذا نسمع يوميا أخباراً متواترة عن خسائر بشرية آخرها كان مسرحها الباكستان وإيران، وكيف تهاوت عمائر (الحداثة ومابعدها) بالمقارنة مع العمائر التراثية التي صمدت لقرون طوال بعدما وطأت "البعد الخامس" واقتدت بالهاجس القرآني الموجه (وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلآ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلآ تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ). لقد انهارت مباني عصر الماديات الذي كرس عامل الربح، بيد أن الخاسر الوحيد فيها كانت أرواح الأبرياء، وما سلم من السقوط على رؤوس أصحابة سلب منهم الشعور بالراحة.
لقد نقد المعمار المصري (حسن فتحي) تلك الظواهر ووجه هجومه ضد الأرقام، ولكنه فشل في مسعاه،و قال عن هؤلاء متهكما: (يصمم بيتاً واحداً ويضيف الأصفار إلى اليمين فالبيت يتكرر بالآلاف وذلك في نظري خطأ فادح وغير أنساني). وبالنتيجة كانت الغلبة لأصحاب الأرقام وذوي المواهب الربحية و همش حسن فتحي وأسدل عليه ستار النسيان بعد حين. لقد سعى إلى أن يبني الناس بيوتهم بأنفسهم،وأكثر من زهدها وإنخفاض تكلفتها فأنها تقحم عاطفة جياشة تنشأ من جراء التعلق بالمكان والذكريات التي تجمعه مع كل آجرة وضعها وكل زاوية أقامها وكل شجرة غرسها،لتكون جزءاً من تاريخه الشخصي،ناهيك عن هاجس التفريغ الفني وحب الإنجاز وجملة من العواطف اللا مرئية، التي يجدر أن تكون مفتاح عوالم العمارة المستقبلية.


وهي توشك على الرحيل أدباء يتحدثون عن مستوى اداء الحكومة الحالية

استطلاع عدنان الفضلي
بين المفخخات والاحزمة الناسفة وفي ظل اجواء تنبعث منها رائحة الشواء لاجساد بريئة، ذهبت الملايين من ابناء هذا الوطن الشامخ لتقول رأيها لمن تريده ممثلا لها ويكون قادرا على تحقيق جزء يسير من احلامها التي لا تتعدى العيش بكرامة وسلام. ذهب الناس ليضعوا اصواتهم في تلك الصناديق البلاستيكية التي بها المفوضية العليا من احدى الدول الغربية وبعد مخاض عسير من انتظار النتائج التي اسفرت عنها تلك الانتخابات جاءت الارقام لتؤكد فوز فلان من المرشحين وكذا قائمة.. لتشكل اول حكومة منتخبة تلك هي حكومة الجعفري.
بعد ان تسلم الوزراء حقائبهم الوزارية لتبدأ رحلة جديدة من انتظارات المواطن الذي بقي يرقب مستوى ادائهم ويحمل تطلعات وآمالاً ينتظر ان تتحقق وخلال ثمانية اشهر هي المدة الرسمية التي بقيت فيها تلك الحكومة تؤدي وظائفها واستحقاقاتها وسط دوامات مزمنة من الانفجارات والفساد الاداري والاكاذيب والتلفيقات التي كانت احد اسباب الاحباط الذي نال المواطن العراقي. وفي استطلاع رأي اجريناه مع عدد من مثقفي العراق كانت اغلب الاراء تصب في ان الحكومة لم تستطع ان تصل الى جزء بسيط من تطلعات واحلام الشعب.
ضعيفة وهشة
اول المتحدثين كان القاص (صلاح زنكنة) والذي قال:
- اقولها صراحة وبلا رتوش ان هذه الحكومة خيبت آمال العراقيين وهي برأيي الشخصي حكومة (مبتدئين) وغير كفوئين.. حكومة مصالح وليست حكومة غيورين على الوطن والشعب.
اداء حكومة الجعفري كان ضعيفا وهشا، فعلى المستوى الامني كانت هنالك خروقات واضحة اثرت على باقي الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية كما انها عملت وطوال الاشهر المنصرمة على تهميش القضايا الوطنية وتسويف طموحات الشعب وكسب المغانم الشخصية والسياسية والطائفية وما القرار (8750) في 8/8/2005 والقاضي بحل المنظمات المهنية الا دليل على هشاشة الوعي السياسي والحقد المضمر على ما لا يمثل الولاء المطلق.
اما الصحفي والناقد المسرحي (عدنان منشد) فقد قال:
- استبشرت خيرا بتمثيل الكيانات السياسية والحزبية في العراق أول حكومة عراقية منتخبة من الشعب العراقي، وكان هاجسي الاول وقتئذ ان حكومة الجعفري ستعمل على زرع الثقة لدى المواطن والامل بمستقبله القادم، حتى لو عملت على احراق المراحل ضمن وقتها القصير.. ولكنها وللأسف الشديد خيبت ظني وظنون الملايين من هذا الشعب الصابر الكريم وبعد فشلها في الملف الامني وتلكؤها الواضح في محاربة الفساد الاداري وعجزها الملموس عن تفعيل قطاع الخدمات واشياء اخرى من المعيب ذكرها في هذا الحيز القصير.
لست متشائما ولا عدميا في استشرافي للحكومة العراقية المقبلة والتي انظر اليها على انها ربما ستستفيد من الاخطاء التي وقعت فيها حكومة الجعفري.
فيما تحدث الكاتب والاديب (احمد الباقري) ومن باب ثقافي قائلا:
- لم تقدم الحكومة الحالية كل ما طمح اليه المثقف العراقي في كافة آماد الثقافة، وكل ما رفد نهر الثقافة العراقية كان قادما من المنافي، ولم تزل اصدارات دار الشؤون الثقافية حكرا على المثقفين الذين ارتدوا جلابيب المرحلة وغطوا وجوههم باقنعة جديدة وهم يتباكون من ظلم النظام السياسي البائد حيث كانوا ينعمون باصداراتهم من الكتب وما ينشر لهم في الصفحات الثقافية، وقد اظهروا انفسهم كمناضلين في صفوف المعارضة الموهومة، ولا نزال نقرأ انتاجهم الشعري والقصصي على معظم مواد المجلات الثقافية وفي الصحف المحلية، ويتربعون على معظم مواد المجلات الثقافية، لم يكن ثمة تغيير في اسماء المثقفين الذين ينشر لهم في هذه المجالات لكننا نلمح اسماء جديدة كانت قابعة في الظل وظهرت الى النور، ونقرأ انتاجا ادبيا في الشعر والقصة للقادمين من ديار المنفى، لاتزال محنة المثقف العراقي قائمة غير ان رياح التغيير قد تهب عند تشكيل الحكومة الجديدة بعد ان فتحت بوابات الحرية في بداية التغيير للنظام السياسي البائد.
ثمة بصيص من الامل يلوح في الافق وربما يرحل الظلام المهيمن على خيمة الثقافة العراقية.
رؤية خاصة
اما المترجم (امير دوشي) فقد كانت له رؤية خاصة حيث قال:
- تحتم على حكومة الجعفري ان تكون حملا كاذبا.
امام المثقف العراقي الان خيار صعب.. الاصطفاف مع قوى الظلام والجهل والطائفية او فضح ما يجري بعيدا عن اية انحيازات طائفية او اثنية او ايدلوجية. ان ما يجري يعيد المجتمع العراقي الى المربع الاول: اذ ضاعت الهوية الوطنية وتراجع المجتمع من السفور الى الحجاب، وما هو قادم اشد حلكة!
الا اذا نهضت العنقاء من رمادها فولدت (عراقا) ذاك الذي حلم به السياب وجواد سليم وناظم الغزالي.... والاخرون من رسل التنوير والعذوبة الاوائل.
سؤال
الشاعر (حمد حمود الدوخي) كان له رأي مختصر يحمل فلسفته الخاصة حيث قال:
- نعم هذه الحكومة قدمت شيئا.. ولكن ليس ذلك التقديم المنتظر لاسيما انها حكومة عاشت زمن المظلومية، أي انها متعرفة اكثر من غيرها على ما ينتظره المواطن العراقي. لقد وضعت هذه الحكومة في ميزان الاختبار واعني انها عرضت للمجتمع العراقي على اساس انها تمثل سلطة دينية وكانت فترة حكمها عبارة عن سؤال يقول (هل تريدون السلطة الدينية؟) والجواب سيكون مع الحكومة المقبلة.
الفنان التشكيلي (شهاب الملا) تناول الموضوع بشيء من السخرية اللاذعة إذ قال:
- للاسف هذه الحكومة التي راهنا عليها وحملنا دماءنا على اكفنا من اجل انتخابها، لم تحقق ادنى طموحات المواطن العراقي ففي اغلب مفاصل الحياة لم تفعل شيئا يذكر فالكهرباء (مش هتئدر تغمض عنيك) وعلى المستوى البلدي فيمكن الحديث فقط عن (التشجير) و (الجزرات الوسطية) و (صبغ الارصفة) وعلى المستوى الصحي فـ........ والمستوى الامني........ وعلى المستوى الثقافي فحدث ولا حرج وبقيت الخيبات مستمرة فلا معارض ولا مهرجانات حتى البطاقة التموينية وبرغم تصريحات المسؤولين عن انها (ستصل معلبة ومكيسة) مع انتظار زيادة في مفرداتها الا ان مسلسل فقدان المفردات استمر بنجاح ساحق وفي مجال المجاري فالحمد لله (لم نغرق بعد) عن ماذا أتحدث وكيف اعد الانجازات.
(لقد جعلونا نترحم على جلادينا).
بلا ثقافة
اما الشاعر (كاظم غيلان) فقد عبر عن رايه بالقول:
حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري اختتمت اعمالها بوضع اليد على ممتلكات تعود لاتحادات عريقة مثل (اتحاد الادباء) الذي ارست قواعده الاولى خيرة ادباء ومفكري العراق كالجواهري والسياب والبياتي والنواب والفريد سمعان واخرين.
على الحكومة القادمة ان تستفيد من الاخطاء الكثيرة والكبيرة التي ارتكبتها حكومة الجعفري، وعليها ان تنتبه للمثقف ككيان جميل وقائد.. ولا اقصد (قائد الفيلق) بل علينا ان نتضامن مع ثقافتنا العراقية وعلينا ان نفضح كل من يحاول خلط الاوراق في ظل الانتهازية الجديدة.
اما الشاعر (رزاق الزيدي) رئيس اتحاد ادباء وكتاب ذي قار فقد قال:
- ثمة مشاريع او شبه مشاريع انجزتها الحكومة الموشكة على الرحيل بقيادة السيد ابراهيم الجعفري الذي احترمه شخصيا ولا اكن الاحترام لبعض اعضاء حكومته من الذين تصرفوا وكأن العراق بكل تلاوينه وثقافاته وافكاره تحت وصايتهم هم وحدهم وحزبهم او احزابهم. والبعض الاخر من الحكومة تسابق مع الزمن كي يجني اعلى الارباح تحت باب (يومين او طالعين) وهم ليسوا اقل فسادا من اعضاء حكومة الدكتاتور المباد والبعض منهم انحاز الى القومية او الطائفية كثيرا، مما خيب آمال نسبة عالية جدا من العراقيين الذين كانت آمالهم كبيرة في تلك الحكومة ويبقى فقط عدد من الوزراء لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة قد عملوا بوضوح واخلاص ومهنية عالية نستطيع ان نذكر منهم وزير النقل ووزير التعليم العالي الذي لاحظنا نجاحه عندما كان وزيرا للتربية كذلك احترم عراقية وزير الدفاع وردة فعل وزير النفط، اما وزارة الثقافة والتي تعنينا اكثر من غيرها كوننا ننتمي الى احد مفاصلها فهذه قد ضاعت بين امسيات العشاء والتصريحات والوعود والمراسلات التي لم تنفذ بل ان هذه الوزارة تراجعت كثيرا عن التي سبقتها حين كانت تلك بلا ميزانية ايام الاستاذ مفيد الجزائري...
نحن نطمح لبناء وطن على اسس ديمقراطية حرة ونزيهة يتعاون فيها الجميع ويشترك فيها كل العراقيين. نطمح الى تشكيل حكومة معيارها الكفاءة والاخلاص والتاريخ المشرف والحرص...... ونرجو ان نجد ذلك في الحكومة القادمة.
الفنان المسرحي (عمار سيف) عبر عن رأيه بالقول:
- لقد عشنا الفترة التي كانت هي عمر حكومة الجعفري على انها استعراض للخطابة والتصريحات الرنانة التي حملت اغلبها اكاذيب تحاول تبرير الفشل الذريع الذي جنته الحكومة وحملت معه خيبة الظن الذي لازم عامة الناس ومثقفيها، فالوعود التي اطلقت ذهبت ادراج الرياح ولم نستحصل أي تأهيل سوى ان الحكومة ومن معها استطاعت ان تؤهل جيوبها وعقاراتها واملاكها واستثماراتها الداخلية والخارجية واعتقد انه لا منجز يذكر والامل معقود على الحكومة القادمة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة