ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

(خواطر السنين).. سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية .. شهادة ووصية كتبت بأمانة الأستاذ ورفعة المقام

فيصل عبدالله - لندن
- لعل كتاب "خواطر السنين- سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية" للدكتور محمد مكية، والصادر عن مكتبة الساقي، يفي حق عنوانه، أو ينطبق عليه القول الشائع، الكتاب يقرأ من عنوانه. ففي زمن الدم النازف، وصعود نعرة العصبيات القبلية والطائفية والأثنية المقيتة، واختلال نسيج بغداد العمراني والسكاني نتيجة سياسة التزييف المستمرة. وإرث نظام صنم ثقيل وقاس خلفه على الأرض والعباد، وهجرة العقول العراقية ممن لهم دربة في البناء المدني تصبح قراءة خواطر سنين البروفيسور مكية ضرورية في الوقت الراهن. وضرورتها لا تكمن في رحابة سياقاتها المدنية والعقلانية، إنما في تدارك زمن عراقي قارب أغلب فصول القرن العشرين. تستحضر هذه الخواطر الماضي، لكنها تتوقف عند أبرز تجلياته المدنية. تتوقف عند حدود جدلية التوفيق بين مفاهيم الحداثة وهوية التراث. ولئن كانت الحداثة نزوعاً له آلياته وشروطه، فان ضياع الهوية يبعث نوعاً من التلفيق الاجتماعي. وهو، بالضبط، ما يعيش تفاصيله العراق اليوم. نعم، قاد تلك التجارب معماريون ومخططون وفنانون، في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، لصياغة مشاريع تجعل من بغداد تحاكي في تصاميمها الحداثية أبرز معالم المدن الأوروبية.
- ولكونها خواطر لا تتبع الخط التصاعدي للزمن، فإنها تتوقف عند أحداث بعينها. وأحداث الكتاب ثلاثة وملحق مشروع جامعة الكوفة ودليلها الثقافي(يستحقان دراسة مفصلة لوحدهما). يغطي الأول مرحلة الطفولة والبيت والعائلة والمدارس التي تتلمذ فيها مكية، أي السنوات المحصورة بين أعوام 1916و 1935. فقد عاش أجداد وعائلة مكية في محلة صبابيغ الآل، الرصافة، إلى جانب سوق الغزل وجامع الخلفاء العباسي. وهناك قضى مكية سنوات الطفولة والصبا، وتبادل نظرات الحب ولوعة العاشق. أما كنية العائلة، كما يقول الكاتب، فانها تعود إلى جدته مكية التي تولت تسيير شؤون مصلحة الغزل والنسيج قرابة نهاية القرن السابع عشر. ويتوقف عند مراحل دراسته، لم يلتحق بالكتاتيب كما جرت العادة، بدءأً من المدرسة الهاشمية في العام 1922، إلى الثانوية المركزية واختياره قسم العلوم والرياضيات. وكان من بين أساتذته أكرم زعيتر، وزير خارجية سوريا لاحقاً، والأديب صادق الملائكة، والد الشاعرة نازك الملائكة، ومدرس الرياضيات البغدادي اليهودي"المحبوب" عبد الله عوبيديا. والمؤرخان جواد علي وناجي معروف. تفوقه في قسم الرياضيات، وضع مكية أمام خيارات المستقبل، فقد شجعه شقيقه عبد العزيز على دراسة هندسة النفط. فيما أقترح عليه مدير البعثات ساطع الحصري (سوري)، آنذاك، قبول بعثة لدراسة الرياضيات في ألمانيا. لكنه تقدم لدراسة الطب، وعدل عن هذا الخيار بعد دعوة وزير المعارف صادق البصام له ومنحه بعثة لدراسة الهندسة المعمارية في بريطانيا.
- يفرد الفصل الثاني لسنوات الدراسة في بريطانيا والممتدة بين أعوام 1935 و1946. وفيها التقى عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء العراقي في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي، وعبد الغني الدلي، وزير الزراعة والبرلماني والدبلوماسي في العهد الملكي. ومن مفارقات الخواطر الرمزية، ان مكية سكن في منطقة" بيزووتر" أول مرة عندما حل في لندن طالباً، وها هو ديوان الكوفة ببنائه المميز يقع على مقربة من المكان الأول. ويسرد لقاءه زوجته مارغريت، أو كما يحلو له تسميتها بأم كنعان، في العام 1942 وخلال الحفل السنوي في نادي الطلاب. ووقوعه تحت تأثيرات أحد رواد الحداثة المعمارية الفرنسي لو كوربازيه، وتوقفه عند أحد أقواله "البيت آلة سكنية"، أي كيان تكنولوجي ذو وظيفة جمالية. أما أطروحته الجامعية، فقد خصص الجزء الأخير منها لتخطيط مدينة ليفربول بعد دمارها. واختياره لمدينة ليفربول، جاء بعد رفض وزارة المعارف العراقية تزويده بالخرائط اللازمة لتصميم عمران مدن كردستان العراق. وينتقل إلى جامعة كمبريدج لإكمال شهادة الدكتوراه، والموسومة "البيئة العربية في جنوب وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط". صرامة الدراسة ومشاغلها لم تمنعه من حضور محاضرات البروفيسور هارولد لاسكي أستاذ تاريخ الفكر السياسي والاجتماعي، ومثلها محاضرات الفيلسوف برتراند راسل، والمستشرق برنارد لويس.. وغيرهم. ويسرد حادثة عدم تحية الوصي عبد الإله عند حضوره إلى جامعة لندن وزيارته لمدينة كمبريدج. لكنه بعد نصف قرن، لم يجد لذلك التصرف سبباً سوى الإحساس بالتعالي والشعور بالتمرد.
- فيما يقتفي الفصل الثالث دروب العودة إلى العراق عن طريق القاهرة. وبعد قضائه عشرة أيام فيها حملتة طائرة الخطوط الجوية المصرية، وكان بمعية المطرب "اللامع حضيري أبو عزيز"، إلى مطار المثنى في بغداد. لقاء الأهل والأقرباء والأصدقاء وانتظار وصول خطيبته الإنكليزية "أم كنعان"، يأخذ الجزء الأول من هذا الفصل. بعدها يبدأ فصل حكاياته العملية، ابتداء من حصوله على وظيفة محاضر خارجي في كلية الهندسة. ويصوب نقده الشديد في هذا السياق إلى رئيس الوزراء ورئيس مجلس التخطيط أرشد العمري، الذي يحمله مسؤولية "تشويه نسيج مدينة بغداد العمراني.... ومعالمها التاريخية.. عبر إصداره قانون العرصات.. وقضائه على (معالم) البيت البغدادي التقليدي...وشق شوارع ساذجة، منها قطع جامع مرجان كي يمتد شارع الرشيد... .وتخريبه لبوابة باب المعظم".
مشروعان لم يكتب لهما النجاح، ضمن هذا السياق، تقدم فيهما مكية إلى السلطات المحلية، مقترح أعمار جزيزة أم الخنازير والحزام الأخضر لمدينة بغداد. تدبير السكن كان معضلة مكية في بداية حياته، إلا انه في الأخير حصل على سكن حكومي، عبارة عن "بنكلو" في دور العلوية، المخصصة لسكن كبار رجالات الدولة، وفيه ولد أبنه كنعان وابنته هند.
ويتوقف كثيراً عند مهنة البنّاء البغدادي، الذي يطلق عليهم "المعماريون"، ويذكر منهم الأسطة حسن وتفننه في بناء الإعدادية المركزية، وعمارة لينج وجامعة آل البيت في الأعظمية، أصبحت فيما بعد مقراً للبرلمان العراقي. إلى درجة استعانة ألآثاري الألماني أوسكار رويتر به في إعداد كتابه "البيت البغدادي" الصادر عام 1909. ومثله الأسطة الحاج حسن، الذي أجاد رغم أميته فنون البناء ورسم الخرائط، حيث رمم جامع الخلفاء، وطارمة ضريح الإمام موسى الهادي في سامراء، ودور أخوات الوصي عبد الإله..وغيرهم.
لكن فكرة تأسيس قسم خاص بالعمارة ظلت تراود مكية. ففي العام 1946 تقدم بها لكنها رفضت، إلى ان جاءت ثورة 14 تموز 1958، وبالتحديد في بداية العام 1959 نضجت الفكرة ودعي إلى لجنة ثلاثية مكونة من المعماريين مدحت علي مظلوم وقحطان المدفعي وأنيطت بمكية مهمة الإعداد لهذا التأسيس. وبعد اختيار الأساتذة، كان بينهم الدكتور علي الوردي أستاذ علم الاجتماع وهاشم الخطاط لتدريس الخط العربي والفنانة البولونية صوفيا والفنانة لورنا سليم، زوجة الفنان جواد سليم، أسندت لهما مادة تدريس الرسم. جاء قبول الطلبة في قسم العمارة، ويسرد قضية قبول ذائعة الصيت العالمي المعمارية زها محمد حديد، التي تقدمت إلى الدراسة مع توصية. لكنه فضل" انتظار فرصة انسحاب أحد المتقدمين حتى يتم قبولها وفقاً للأصول المرعية" كون "إن نسبة معدلها كانت أقل من المتقدمين الآخرين".
يختتم الفصل بترك مكية رئاسة القسم المعماري في العام 1971. وكان من ثمار إنجازاته إعادة بناء جامع الخلفاء الذي أعاد له هيبته العباسية. ودارة "حقق فيه بعض أفكاره" بجوار نهر دجلة، صادرها وزير الدفاع عدنان خير الله طلفاح. وعشرات المشاريع التي مازالت في أدراج مكتبه في لندن، وبعض منها تحقق في دول الخليج العربي.
كتاب مكية، أجتهد رشيد الخيون وبصبر عال بتحريره، ممتع وغني بتفاصيله وتقاطعاته وصوره. فقد حمله تفاصيل حلم شاغله على مدى عقود لتخطيط مدينة بغداد، ليخرج على شكل شهادة ووصية في آن. كتبت بأمانة الأستاذ ورفعة المقام كي "يسلمها إلى الأجيال القادمة التي لا بد من أن تعود إلى رشدها، وتعيد إلى بغداد مجدها الغابر. تعيدها من غربتها عن نسيجها العمراني...وإن تعود مفتوحة على ضفتي نهرها".


الاثنوغرافيا والثقافة الشعبية

الان ساندي
ترجمة: ث. س
اهتم الانثروبولوجيون ورجال الثقافة الشعبية بالتحليل الرمزي اللغوي للادب الشعبي الشفاهي بعناصره المتعددة من اساطير وحكايات واغان وامثال شعبية، واهتموا كذلك بتحليل اشكال التعبير الشفاهي ودلالاته الرمزية، وقد حاول دل هايمز في دراسته لاثنوغرافيا الكلام ان يملأ الفجوة بين ما يوصف بأنه قواعد وما يوصف على انه اثنوغرافيا حيث انهما يستخدمان شواهد على وجود انماط فكرية او رمزية معينة.
ان المشكلة التي يواجهها التحليل الرمزي لاشكال التعبير الشفهي هي كيفية تطوير نظرية معينة حول طبيعة الرموز المجازية أو اشكال الاستعارة وكيف يمكن تأويل بعض العبارات والقضايا وما يرتبط بها من افعال وشعائر وطقوس تبدو للباحث- أو للآخر - عبارات وشعائر غريبة وغير منطقية.
كيف نفهم مثلاً قول شعب بورورو انهم (ببغاوات) أو اعتقاد النوير ان التوائم طيور أو تصور فتى الدنكا على انه (ثور)؟
ان المعنى الثقافي لتأكيدات بورورو على انهم ببغاوات يصبح واضحاً من خلال فهم هذا الشعب ان عبارة (نحن ببغاوت) يجب ان تقرأ أو تفهم (نحن نجعل من أنفسنا ببغاوات)، وذلك ينسجم مع مضمون الشعيرة التي يستخدم فيها الافراد ريش الببغاء من اجل تصورهم انهم اصبحوا هكذا في طقس سلوكي معين لتأكيد هويتهم الخاصة.
ان الريش المستخدم المفصول عن جسد الببغاء يرمز لذلك الطائر على أساس من علاقة الجزء بالكل كما انه يرمز الى قوة الببغاء وقدرته على الطيران الى مديات عالية إضافة الى خاصية اعادة نمو الريش عند الطائر التي تشير الى عودة الحياة وتجدها وبالنسبة للبوروورو ان تصبح بيضاء هو ان تصبح انساناً كاملاً وذلك يعني تحليلاً وفق سياقات المنهج الرمزي اللغوي .
ويمثل منهج التأويل الرمزي وتحويل الدراسات التي تتركز على السلوك الوظيفي والبناء الاجتماعي الى الاهتمام بالمعنى والرمز والتاكيد على رؤية المبحوثين ووجهة نظرهم كجزء من العمل الانثروبولوجي أو المدرسي في الثقافة الشعبية كما ان الاتجاه الرمزي التاويلي حول تدريجياً الاهتمام ببناء نظرية عامة عن الثقافة التي كانت تعتمد على المنهج البنيوي التجريدي الى الاهتمام بالاعمال الاثنوغرافية المكثفة وهذا اتجاه قاده من الاثنوغرافيين كليفورد جيرنز ومن رجال الفولكلور والثقافة الشعبية الان دندس ولايزال يعد اتجاهاً حديثاً بالغ التأثير والاهمية.
ان الاثنوغرافيا تشبه قراءة النص أو هي تحليل للنص فقراءة النص تعني هنا العملية التي من خلالها تصبح الانماط غير المتكوبة من السلوك واللغة والكلام والتراث الشفاهي والمعتقدات والشعائر مؤلفة لنص متسق ذي معنى، ودور الاثنوغرافي هنا في التعامل مع كل هذه الانماط على انها نصوص يمكن عزلها مؤقتاً عن الموقف بحيث يمكن قراءتها وفهم معناها في غياب الموقف الذي ترشحت عنه. لقد طور فيكتور تيرنر هذا المنهج الى المنهج التأويلي الاجرائي البنيوي الذي يتفق مع المجالات الرئيسة لعلم الاشارة ويعرف تيرنر هذا العلم بانه (عبارة عن نظرية عامة عن الاشارات والرموز تتعلق بتحليل طبيعة وعلاقة الرموز في اللغة) ويتضمن هذا العلم البناء (التركيب) والدلالة أو المعنى والاستخدام العملي وبذلك يتضمن ثلاثة انواع من أساليب التحليل الرمزي هي المنهج التاويلي والفهم الاجرائي والمنهج البنيوي وهناك ايضاً المنهج الرمزي التاريخي ورائده سالينز الذي يكمن في سؤال: كيف يمكن تنظيم الثقافة ذاتها من خلال تنظيمها للاحداث، وهذه عبارة مختصرة لتحليل هذا المنهج.


استذكارات .. جـــامــــوســــات (مـــوضــــــي)
 

عمران السعيدي
يحتفي فجر شباط عند شواطئ دجلة الساكنة بموجة ضباب دافئ كل يوم، ينهض الاولاد بنشاط نحو عربة الحمل التي يجرها حصان (فلو) متوثب بخفة حوافرٍ غلفتها حذوات جديدة تقدح شراراً عندما تضرب حصى سكة القطار ليلاً. يربط الولد الاكبر (عدّة) الحصان عند الرقبة والظهر متجهة صوب مقعد سائق العربة، بعد وضع الرسن عبر حلقات (العدّة) وإدخال حلقة الحديد في فم الحصان النافخ بخاراً كثيفاً وهو يحمحم صوب صاحبه .
كنت واحداً بين هؤلاء الاولاد المتحفزين نحو العمل قبل طلوع الشمس حيث نأخذ عربة (الجت) الى مواقع الحقول الزاهية كل يوم كي ننقل فيها الحصيد الى بيوت (المعدان) مربي الجاموس الممتدة بين سدة النهر وسكة قطار البصرة وبساتين (البيّاع) الوارفة آنذاك .
وتصل بنا العربة بعد مسيرة قصيرة الى اكداس الزرع (المحصودة) قبل يوم وهي مرصوفة بشكل جيد ومنظم ومغطاة بقطرات الندى. وتبدأ عملية التعبئة بكل همّة ونشاط ونملأ العربة بذاك العلف الاخضر. يكلفني الاخوة بقيادة العربة والاتجاه صوب قرية (المعدان) حيث الموعد بتسليم العلف الى دار (موضي) مالكة الجواميس الجميلة والسمينة وهي اثرى واجمل امراة بين معدان القرية حيث تملك ما يزيد عن اربعين جاموسة متعافية بينها عدد قليل من الثيران الخاصة بالتسفيد.
(موضي) هذه المراة الثرية الجميلة لديها عدد من الاولاد الرعاة وهي تقف كل صباح امام باب (المراح) الواسع للدواب توجه رعاتها نحو العمل بين الحلب والعلف والتنظيف والسقي. تنتظرني بكل هيبة واستعداد لتفريغ (الجت) بواسطة عمالها- نحو معالف الدواب المليئة مسبقاً بعلف عضوي يتكون من تبن وشعير و(سحالة) (مخلفات الرز العنبر)فهي تطعم دوابها اشهى العلف كي تمنحها حليباً دسماً لايضاهيه حليب القرية كلها. وهي تنتج قيمراً نظيفاً ليس فيه شائبة وذا طعم حلوٍ ايضاً.
تنتظرني (موضي) وهي تبتسم بمرح عكس ما تتعامل مع رعاتها فهي لا تضحك معهم ابداً ولا ترحم أي راع يخالف أو يتقاعس عن عمله أو يأتي متأخراً الى (المراح) فهي تحمل خيزرانة للجاموس والعمال معاً. وكنت اشاهدها بين حين وآخر وقد ربطت احد رعاتها الى عمود السقيفة وهو عاري الظهر لتنهال عليه جلداً مبرحاً دون رأفة وليس بامكان احد الاستفسار عن سبب هذا العقاب، فهي تملك الجاموس والمال والرعاة معاً.
اترجل من موقع القيادة في العربة وترحب بي (موضي) حين ترى العربة مشحونة بشكل جيد وبالنوع الذي تريد حيث لا دغل أو اشواك أو شوائب. وتأمر عمالها بالاسراع بتفريغ الزرع ونشره امام جاموساتها (حبيباتها) كما تسميها. وتسألني عن مدرستي ونجاحي حيث كنت في المرحلة الابتدائية آنذاك في خمسينيات القرن الماضي. تمد يديها الدافئتين ذات الاساور والخواتم الجميلة نحو اذني ووجهي وتروح تفرك أطراف أذني وخدي وهي تضحك قائلة:
"حتى أدفيك.." ولم أكن أدرك لذلك سبباً ولا أناقشها أو أرفض لها طلباً لأني بحاجة لها .
ينتهي عمالها من التفريغ وتأمرهم بجلب سطل ماء الى حصاني وتنقدني ثمن العربة وفيه زيادة.. اودعها شاكراً تعاطفها معي وينطلق (فلوي) يسابق الريح في العودة الى حقلي ثم الذهاب الى المدرسة الابتدائية قبل ان يقرع جرس المدرسة. وفي نهاية الدوام اعود ثانية الى الحقل كي نستعد لليوم الثاني وهكذا.
كنت اشاهد (موضي) ايام شباط الباردة حزينة احياناً .. وحين السؤال عن سبب ذلك الحزن تجيب بحسرة طويلة: شباط شهر تموت فيه بعض دوابي نتيجة المرض.. وفعلاً كنت أشاهد عمليات ذبح كثيرة خلال هذا الشهر.. تغني (موضي) وبصوت شجي حزين أغنية اسمعها في كل موسم تقريباً وهي:
"شباط جيه شباط راح.. شباط نايم بالمراح أخذ الحوكة السمينة .. عيونهه نجمة صباح" هكذا كانت (موضي) الجميلة تتغنى بجاموساتها وحبها لها كبيرجداً، وكان حب جاموساتها لها كبيراً ايضاً وكنت أشاهد بعض هذه الدواب تلحس كفيها وكأنها تقبلهما حين تبدأ بتقديم العلف والماء أو ساعة اصطحابها الى الشرائع النهرية حيث الماء البارد وهو ضروري للجاموس ايام القيظ الحارة.
تحب (موضي) جاموساتها كثيراً وتحبني كثيراً ايضاً لانها تعرف عملي وذهابي واخوتي الى المدرسة وكانت تكرمني دائماً وتطلب مني جلب شهادتي المدرسية حال توزيعها لاقرأ لها درجاتي بكل فرح وزهو وتشجعني ثم تلتفت الى ولدها الوحيد (شيحان) وتشتمه ثم تقول له: "اشبيك أغبر ما تصير مثله.. بس تاكل وتنام مثل عجل الجاموس...!" .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة