تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

جولة في العالم السفلي لسوق الباب الشرقي! الباعة والشرطة طردوا اللصوص والمحتالين  شباب يتطلعون الى وظائف تغنيهم عن العمل في السوق

احمد الاخرس

مرة سمعت احدهم  يتخاصم مع قرين له ومما قاله " لك بابا ،انا ابيع الخبز اليابس في باب الشرقي"ولم اكن اعرف معناها في ذلك الوقت،الا ان الشيء الذي كنت اعرفه ويعرفه الكثيرون ،ان منطقة الباب الشرقي كانت هي محطة تسليتنا وبداية الوعي،فاي شاب عراقي لم يتجول في  الباب الشرقي؟ ولم يتدافع للوصول الى احدى دور العرض السينمائية ،او نفق ساحة التحرير،وفي ايام الاعياد خاصة ؟ لقد  شكل هذا المكان  ذكريات الطفولة كما لو انه الدنيا بأسرها .

لقد كنت سعيدا وانا احاول ان اتلمس كل خطوة في ذلك السوق الشهير في بغداد، المليء باحلام الشباب الذين قد تدفعهم الحاجة الى العمل هناك،وقد يكون هو اشهر سوق بحكم موقعه في وسط مركز العاصمة بغداد وقربه من العيادات الطبية والتي يقدم اليها المواطنون من مختلف المحافظات ، وهنالك دور العرض السينمائية العديدة،واستوديوهات المصورين،اعتقد ان اهمية سوق الهرج هذا لا تكمن فقط في انه يمثل مزاج رجل الشارع العراقي واحتياجاته ،بل انه يمثل الذاكرة البغدادية كذلك ،هذا السوق بدا يعاني  تغييرات عديدة هو الاخر.

           

حديقة الامة ونصب الحرية

اعتقد ان علي ان ابدا من حديقة الامة،فهنا تكمن بوابة بغداد الحقيقية!لقد كان هذا المكان يمثل العالم السحري لكثير من الاطفال والمراهقين ايام (السينمات) وبارك السعدون، اعرف بعض الاصدقاء الصحفيين من الذين كانوا يعملون في المركز الصحفي الدولي ، حينما كانوا يرافقون صحفيين اجانب يزورون بغداد لاول مرة ،فهم كانوا يبدأون عادة رحلتهم السياحية  من الباب الشرقي  ونصب الحرية وسوق هرج .

حديقة الامة هي الاشهر في بغداد ولكن لم يبق منها اليوم الا اسمها، فقد تهدمت اسيجة نافورتها ،وقطعت اشجارها،واختفت المياه من نافورتها ،يعبر الناس خلالها بسرعة، شاهدت مجموعة من الصبيان الذين كانوا يلعبون كرة القدم فيها، وهنالك بعض المصوريين الذين يحاولون ان يجذبوا بعض السابلة علهم يلتقطون بعض الصور ليعودوا برزق لعائلاتهم، اقتربت من مصورين كانا بجانب تمثال امراة ابيض اللون،سألتهما عن الاوضاع هنا،فتذمر احدهما من سؤالي،اما الاخر فأجابني ان الاوضاع قد تغيرت في السوق، وان هذا المكان قد تعرض فيه الكثيرون  الى عمليات اعتداء وسرقة!!

كنت ارغب في ان انزل الى داخل نفق ساحة التحرير،ولكني لم اتعجب حينما وجدته مغلقا،بقطع خرسانية غطتها اوساخ كثيرة ،كان المكان قد تحول الى موقع لرمي الانقاض.

تذكرت اليوم الذي تم افتتاح النفق فيه،كان يوما جميلا ،حينما كانت هنالك سلالم كهربائية عديدة ،يستعملها المواطنون صعودا ونزولا،او حينما كان هنالك باعة يبيعون الاحذية المختلفة الانواع،او المحلات العديدة المنتشرة داخل النفق،والمصورون ،نعم لقد كان مكانا جميلا.

اللصوص والشرطة

باسم صيوان حسن ، من مواليد 1973شاب يعمل هنا منذ خمسة وعشرين عاما، وهو يبيع حاليا مواد مختلفة الانواع بسعر مئتين وخمسين ديناراً قال لي، سوف اروي لك حادثة وقعت امامي ايام النظام السابق" ، كان هنالك احد الاشخاص يمر في سوق هرج ولما تبين لبعض اللصوص انه يحمل نقودا ،قرروا ان يسرقوه ، فمزقوا كيس النايلون الرقيق الذي كان يحمل فيه نقوده ، فتناثرت الدنانير على الارض وتخاطفتها ايدي  اللصوص، ،كان يحاول ان يجمع مايستطيع من ايديهم ولكنه كلما جمع بعض المال ينهشها لص اخر فاصبح كأنه وسط ذئاب،  وهكذا.. الى انه استطاع ان يمسك باحدهم ويتشبث به ،وبعد مرور بعض الوقت وصل رجال الشرطة !!  والتي كانت تتفق عادة مع اللصوص  ،وكانت هنالك اشارة متبادلة بينهم ،وقد حاول الرجل المسكين ان يبين القصة ولكن عبثا ،وقد تحول الموقف الى صالح اللص  !!لم تنفع الشكوى التي ابداها بعد  ان اتهمه اللص بالسرقة ،وتطور النقاش الحاد، بان اخرج ضابط الشرطة  مسدسه وضرب الرجل المسكين بعقب المسدس على راسه،ثم اخذوه الى كشك قريب وهم يسبونه، وبعد ساعات بعض الوقت اطلقوا سراحه،اخذ الرجل الذي كان قادما من احدى المحافظات يبكي امام الناس فحاولت ان اقترب منه لاواسيه ،وعرفت منه ان هذا المال قد جمعه ليشتري ماكنة لسحب المياه ،وان ذلك المال هو كل ما يملكه ولا ازال اتذكر قوله"انتم اهل بغداد لاذمة ولاضمير"!!

ولما سألته عن احوالهم هذه الايام ،قال: كان الوضع سيئا كثيرا بعد سقوط النظام ،ولقد شاهدت مقتل بعض السراق والذين كان الناس يشكون منهم،بعد ان زاد هؤلاء من نشاطهم ،وكنا نحن الباعة نحمل اسلحة معنا حتى نحمي انفسنا!!ثم قررنا ان نتكاتف مع بعضنا البعض لنقبض على اللصوص بانفسنا،ثم نسلمهم الى الشرطة ،وهكذا قلت حوادث السرقات، وتغير الوضع كثيرا.نحن مجبرون على العمل في الشارع،اتمنى لو استطيع ان احصل على وظيفة في اية دائرة حكومية،واترك عملي هنا.

سيوف وخناجر             

تحدث احد الباعة الذي رفض ان يذكر اسمه لانه يخشى من رجال الشرطةالذين يضايقونه بالتفتيش احيانا حينما يسألونه عن مصدر بضاعته ، كان يبيع بضاعة تضمنت سيوفا وخناجر ذات مقابض بلاستيكية جميلة!! يقول انها للزينة وانه يشتريها بالجملة من سوق الشورجة.

وقد امتدح الوضع الامني في سوق هرج ! وقد كرر العديد من الباعة هذا القول!ما جعلني ابحث عن اسباب هذا التغير غير المتوقع.وبينما كنت جالسا معه ، مر احد الاشخاص وهو يحمل افعى في يده!، ولما كنت احمل شجاعة تضاهي شجاعة اسماعيل ياسين تمنيت من كل قلبي ان يبتعد ذلك الرجل بسرعة!

ماجستير في سوق هرج

اذا صادف ان مررت في سوق هرج فلا تظن ان الباعة هناك هم اشخاص لم يحصلوا على فرصهم في التعليم فقد يكون البائع الذي تشتري منه بنطالاً مستعملا ،قد تخرج في احدى الكليات ! او ان يكون ذلك البائع الذي تشتري منه جهازا كهربائياً رخيصا ،يحمل شهادة عليا كما هو الشاب عادل سعدون- من مواليد 1977 الذي تخصص في بيع اجهزة  التلفونات الخلوية ،ذلك الشاب الخجول طالب في المرحلة الثانية – ماجستير لغة عربية- تحدث لي عن  حياته الدراسية وكيف استطاع ان يتفوق في دراسته رغم كل المعاناة التي واجهها وكان قد درس في جامعة العلوم الاسلامية في الاعظمية وتحدث عن معاناته حينما استجوبته ادارة الكلية آنذاك عن سبب اختياره لهذا المكان ،ولم يقبل اول الامر  لأسباب طائفية.ولكنهم قبلوه بعد سقوط النظام.

يقول"ان الشيء الذي لمسته في سوق هرج،ان اغلب المشترين ان لم اقل الجميع يحملون افكارا سلبية عنه،وقد تولدت تلك الأفكار من القصص الكثيرة التي يسمعها الناس وقد لا يكون بعضها صادقاً ،ان الباعة هنا اناس طيبون وهم متكاتفون فيما بينهم.

     تزوير شهادة زوجة عميد

وأضاف عادل "لاتظن ان المشترين فقط هم من يتعرضون الى الاحتيال ،فحتى الباعة انفسهم قد يتعرضون الى ذلك،انه سوق،وفي السوق انت معرض لكل شيء وقد تصادفك احيانا ايام سود،اروي لك ماحدث معي في بداية عملي هنا ،جاء احدهم وكان يحمل كاميرا بيده يريد بيعها،بدت لي جيدة،ثم ذهبت انا والبائع الى صاحب محل للتصوير لكي يفحصها لنا،واذكر ان صاحب المحل ابدى ممانعة اول الامر ولكنه،بعد ان تسلم اشارة خفية من صاحب الكاميرا تغير الامر ،وبعد ان فحص الكاميرا قال انها جيدة ،واشتريتها،ولكني حينما وصلت الى البيت وجدت انها لا تعمل.!!

ومثال اخر، كنت في احد الايام انظر الى رجل وقد داهمه بعض النشالين ،وبينما كنت انظر اليهم مستنكرا تعرضت انا نفسي الى السرقة ،لقد حدث كل شيء بسرعة عجيبة.

 وقد تجد من يزور لك بعض الاوراق الثبوتية وهولاء كانوا يعملون علنا بعد سقوط النظام وانت اذا مررت بجانبهم سوف يلتفتون اليك ، وسوف يسألونك ماذا تريد جنسية او شهادة جنسية .

هل تعلم ان عميداً في احدى الكليات قد وجد ان زوجته لم تكن حاصلة على شهادة الدراسة المتوسطة وقد زورت لها شهادة اعدادية، كانت زوجته طالبة في كلية اللغات- قسم اللغة الالمانية وقد حصلت على شهادتها تلك من الباب الشرقي!!

 

 

(ركضة) الباب الشرقي

يروي لي احد المعارف حادثة وقعت له قبل سقوط النظام ،يقول فيها: كنت صغيرا حينما عملت مع عمي الذي كان يملك (جنبرا) لبيع الكاميرات المستعملة ،كان يوم جمعة ،وهو اهم الايام في السوق حيث يزدحم الناس من كل مكان ،ويكثر فيه البيع والشراء ،وبينما كان الناس منشغلين في ذلك حدث امر عجيب،اذ اخذ الناس يركضون في كل مكان ،كأن ثمة وحش يطاردهم،كان الناس يركضون من كل حدب وصوب ،وانت حينما تجد نفسك وسط جماهير راكضة بشكل جنوني،ماذا تفعل؟سوف تركض معهم ،من دون ان تعرف سبب ذلك،والا ستصبح تحت اقدامهم.

كنت صغير السن انذاك ،واستطاع عمي ان يرفعني ويرميني فوق احدى العربات التي كانت موجودة هناك،واستطاع شريكه السوداني ،ان ينقذ ما يستطيع انقاذه من البضاعة المعروضة في (الجنبر).

وبعد ان توقف الناس عن الركض،بدا الصراخ يتعالى من كل جانب،هذا يقول لقد سرقت بضاعتي،وهذا يقول لقد سرقت نقودي،وتبين ان الكثير من الناس من الباعة والمشترين قد فقد شيئا من ممتلكاته.

وتبين الامر بعد ذلك،وهي ان عصابة من اللصوص قد ابتكروا طريقة جديدة في السرقة الا وهي ان تركض مجموعة منهم الى جهة ما وهم يصرخون ويطالبون الاخرين بالركض ،عندها يبدا الناس بالركض  ايضا بفعل(المحاكاة النفسية)!! ولن تشعر وانت وسط زحام وهيجان وخوف معد الا وقدمك تركض من دون شعور.

    انحسار ظواهر (التقفيص)

وهنالك طرق عديدة في فنون الاحتيال ،استنادا الى قول احد الباعة الذي رفض ان يذكر اسمه  قال: قد يأتي احد يدعي بأنه سكران ،حتى انك تشتم رائحته من بعيد ،وهو يحمل جهاز تلفزيون في يده ،يريد ان يبيعه بسعر بخس ليذهب بالنقود ،ويسكر بها،وحينما تشتري منه الجهاز ،تتفاجأ حينها ،انه فارغ من الداخل او هو عاطل لاقيمة له،لان ذلك السكران قد اصطادك قبل ان تصطاده ،او قد ياتيك احدهم بملامح اجنبية وبلكنة غير عربية ويريد ان يبيعك سلعة تكتشف بعدها انها مغشوشة وان الرجل ليس اجنبيا بل محتال!! .

 وعندما سألته. هل هذه الحالات موجودة الان؟ اجاب بالنفي قائلا ان ذلك كان يحدث في الماضي، لان الأسعار المرتفعة للتلفزيونات انذاك تدفع البعض الى محاولة الاحتيال للحصول على المال،اما اليوم فمع تحسن رواتب الموظفين نسبيا،وكذلك رخص اسعار الاجهزة الكهربائية كالتلفزيونات الجديدة والمستعملة، ماعدنا نرى مثل هذه الحالات في سوق هرج.  

                      (سينما)

لقد حزنت كثيرا وانا اتجول بين بعض دور العرض السينمائية، فمنطقة الباب الشرقي كانت مركزاً مشهورا بدور العرض السينمائية وخاصة ايام العيد،  لكنه منذ منتصف الثمانينيات فقدت (سمعها) بعد ان فقدت نظافتها وذوقها وتقاليدها وروادها الذين اخذوا يتراكضون بلا جدوى وراء الرزق العصي. لقد  انتهى  في ناهية السبعينيات العصر الذهبي لدور السينما وفي الثمانينيات انتهى العصر الفضي والبرونزي معاً، ودخلنا حينها عصر ما بعد البرونزي، ونحن اليوم -كما يبدو- في الدرك الاسفل منه!

اقتربت من احدى الدور،وتجولت في قاعتها،كانت الصور الخليعة منتشرة بشكل كبير، ومنفر،هل انتهى العصر البرونزي ايضاً بكل درجاته لدور السينما في الباب الشرقي؟

اتذكر اننا حين كنا صغارا كنا نحب مشاهدة الافلام السينمائية وحينما يبدأ العرض كنا نتمنى ان لا ينتهي لنقضي اوقاتا ممتعة هناك.

اين ذلك الزمن الذي كنا نذهب فية افرادا وجماعات ونشاهد افلاما جميلة ماتزال ذكراها عالقة في الذاكرة؟!

اقتربت من قاعة سينما الرصافي التي قد تحول اسمها الى سينما المشرق،قبل اربعة اعوام، كما ذكر لي مسؤول المدخل اليها ،وحينما سألته عن السينما التي كانت الى جوارهم ،قال ان احد الاشخاص قد اشتراها وحولها الى محلات لبيع الملابس !!

والمعروف ان المراهقين كانوا يخشون الدخول الى تلك القاعة لان فيها بعض الشاذين الذين قد يضايقونهم هناك!!وكان الاباء  يحذرون اولادهم من الدخول اليها.

 

         خياطون متعبون

مررت من جانب فرع داخلي يضم عددا من الخياطين،وهم يستعملون مكائن  خياطة كهربائية وكان الواحد منهم يعاني وهو يحرك عجلة الماكنة الجانبية بيده بسبب انقطاع التيار الكهربائي ،جلست قرب احدهم ،والذي شكا لي من التعب الذي يعانيه في مهنته قائلا" يااخي انا اعمل هنا منذ عام 1991 ،انها مهنة متعبة ،ولاتعطيك الكثير،لقد ضعف بصري وماعادت قدماي تتحملان البرد،وحينما سألته لم لاتدخل ماكنتك الى داخل محلك(كان محله صغيرا لا يتجاوز المترين طولاً وعرضاً)قال انك اذا عملت في الداخل فلن يأتي اليك الزبائن.

لا سرقات في الباب الشرقي

قد يكون لدور شرطة نجدة الرصافة اثر مهم في تقليل حوادث السرقة في السوق، ولكن دور الباعة كان الاهم في ذلك ،اذا انهم اتفقوا على ان يمنعوا اللصوص لان ذلك يضر بعملهم.كما اكد لي ذلك اغلب الذين التقيتهم.

اقتربت من احدى سيارات الشرطة والتي كانت مرابطة في الشارع وكان هناك شرطي واحد ولمحت غير بعيد عنه، ضابط شرطة قد عبر الى الجهة الاخرى من الشارع ،سالت رجل الشرطة واسمه عهد محمد عن تقييمه للوضع الامني في السوق فقال:  ان المخالفات التي تحدث هنا قد قلت الى حد بعيد ، "ان المواطن اصبح الان يتجول في السوق من دون مخاوف التعرض للسرقة ،فنحن هنا بالمرصاد لكل من تسول له نفسه،اصبح الوضع مختلفا ،نعم لقد كان الوضع هنا لا يطاق،حتى ان اصحاب المحلات كانوا لا يعرضون بضاعتهم خوفا من السرقات وحالات الاعتداء التي كانت تحدث هنا يوميا ،اما الان فالوضع قد تغير ونحن نسيطر على المكان ،ثم اشار الى دورية كانت تدور حول السوق،اننا نرابط هنا ليلا ونهارا.

         بضاعة اميركية على الطريق!

اذا ما مشيت الى سوق هرج من جهة كراج الداخل ،فسوف تجد بضاعة مستعملة غريبة ،مثل اجهزة C.D  قديمة ,او علب ومساحيق وادوات حلاقة ومعاجين مختلفة ومعقمات ،ولا تتعجب ان تكون تلك البضاعة قادمة من معسكرات الجيش الاميركي ،يأتي بها بعض الباعة ليبيعوها باسعار رخيصة الثمن، لانها ليست بضاعة حقيقية .

 سوق الملابس المستعملة

لاتتعجب اذا ماتحول سوق هرج الى سوق للملابس فقط بعد بضع سنين، فقد انتشرت محلات بيع الملابس على نحو كبير، اخذت مكانها خلف جدران مراب الباب الشرقي، هنالك محلات كبيرة لبيع (القماصل)  و(الستر) المستعملة وبأسعار رخيصة نسبيا.

 لقد اختفت ظاهرة بيع التنزيلات،اشتهرت مدة في السوق وخاصة مع القادمين من المحافظات الاخرى،حينما كان البائع ينادي بأعلى صوته على قطع من الملابس وبسعر الجملة او ارخص،محاولا ان يثير طمع او فضول الزبون،اذ ان سعر القطعة الواحدة في المحلات هي اضعاف السعر الذي يذكره،وحينما يقع الزبون في المصيدة،يسارع البائع الى وضع القطع في كيس اسود اللون،ويتأكد من شده ،بحيث لا يمكنك ان ترى ما اشتريته في التو واللحظة،ولن تتفاجأ اذا ما وصلت الى البيت لتعرض ما اشتريته على اهلك ،ان ما حملته معك وتكبدت في شرائه من مال وجهد ،لم يكن سوى قطعة بنطلون ممزقة او قماش شرشف لا قيمة له- لقد تم استبدال الكيس – وتمت عملية خداعك بكل يسر،وانك لن تستطيع ان تعيد ما اشتريته لان هؤلاء الباعة قد اختفوا من على وجه الارض،اما الزبون الذي يكتشف اللعبة ويحاول ان يفتح الكيس ليتأكد مما اشتراه ،فسوف يجد ان هناك مجموعة من الشباب،تمنعه من ذلك ،واذا الح في مسألته فقد يتعرض الى الضرب،وعليه ان يحمل ما اشتراه من دون ان يتكلم.

لقد اختفت هذه الظاهرة من سوق هرج،وقد تعود الاسباب الى ان سعر الملابس اصبح رخيصا نسبيا اذا  غدا النصب لا يستحق العناء!! الذي يبذله اولئك المحتالون!او ان هذه اللعبة قد اصبحت قديمة ،وان على عقلية الاحتيال ان تبحث لها عن لعبة اخرى.

جماعة البعشيقة

هكذا يسمون السكارى او المدمنين على الكحول هناك، والذين كانوا يرتادون البارات المنتشرة حتى منتصف التسعينيات ،ثم تقلصت الى نحو كبير حينما اخذ النظام السياسي يتطبع بطابع ديني مزيف، بعد ان تجولت في الشوارع المطلة على حديقة الامة ،لم اجد  هناك سوى محل واحد في الجانب الايسر منها ،بعد ان سالت احد الباعة عنهم ،ضحك قائلا ان اصحاب البعشيقة لا يشكلون تهديدا علينا، فنحن نعرفهم ،وهم يعبرون الى الجهة المقابلة لحديقة الامة،وهم يزعجوننا احيانا عندما يطالبون بعض المارة ببعض النقود،وهم اناس معظمهم قد فقدوا ارتباطهم بعوائلهم،ولفظتهم الحياة.

الاقراص الليزرية

بعد اسابيع من سقوط النظام انتشرت ظاهرة الاقراص الليزرية التي تعرض فضائح ذلك النظام في سوق هرج الباب الشرقي بشكل لايحسد عليه!!وكنت ارى تجمع الناس على تلفزيونات صغيرة موضوعة على (جنابر) على طول شارع السوق في الجهة اليمنى لحديقة الامة،حفلات عدي مع احدى الفنانات او صور مقززة لعلي الكيمياوي، كأن الباعة هؤلاء قد حولوا ذلك الشارع الشعبي الى سينمات صغيرة مفتوحة على الشارع ، يتجمع حولها العديد من الناس  .

ولكن حتى تلك الاقراص لم تخل ممن يحاول ان يغش من خلالها. اتذكر ان احد الاصدقاء مرة اشترى ثلاثة اقراص اكد له الرجل الذي باعها بعد ان حلف اغلظ الايمان ان هذه اقراص هي لحفلات شخصية لصدام او عدي،ولكن حين وصل الرجل الذي اشتراها الى البيت ،وجد انها افلام اجنبية ليس لها علاقة بنزوات صدام .

كنت اشاهد كلما مررت من ذلك الشارع افلاما جديدة عن اوضاع العراق حتى وصلت الى تلك المنحنيات الخطيرة في عرض صور القتل ،والتي تعمد فاعلوها ان تكون مقززة حتى تحصل على ردة الفعل المطلوبة.ثم هنالك الاقراص الخارجة عن الذوق والتي غزت السوق اول الامر ثم بدات تضمحل بفعل من الباعة انفسهم لا من الدولة.

   امنيات

لاشك في ان السوق يتغير وهذه طبيعة  ومنطق الحياة، ولكن التغيير يجب ان يكون ايجابيا،ان علينا ان نحافظ على اهمية منطقة الباب الشرقي،لانها بوابة بغداد الحقيقية، التي يجب عليك ان تمر من خلالها لكي تشاهد معالم مدينة السندباد، ويجب ان يطال الاهتمام الانسان والبناء معا.

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة