المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فاجعة الحسين ومنع السلطات واقعة ألطف في المسرحية العربية

 

د. محمد حسين حبيب


تقول المستشرقة السوفيتية تمارا الكساندروفنا في كتابها (ألف عام وعام على المسرح العربي) وبعد إطلاعها على الأحداث الملازمة لقضية الحسين (ع) ـ ما قبل وما بعد ــ بوصفها مادة مشبعة بالدراما الحقيقية والتراجيديا، تقول: " ولا يتبقى لنا في النتيجة إلا أن ناسف لعدم ولادة شكسبير عربي كان باستطاعته تجسيد طباع أبطاله وسلوكهم في الشكل الفني للتراجيديا الدموية. إن في هذه المادة من المؤامرات والقسوة والتعسف والشر ما لا يقل عما كانت عليه في مواضيع عصر حروب الوردة الحمراء والوردة البيضاء لكن على الرغم من عدم توفر الأساس الأدبي المتين، فقد أدى مصير الحسين المأساوي وأدت معركة كربلاء إلى ولادة (التعزية) التي تعتبر من أقدم العروض المسرحية في العالم الإسلامي. "
وعلى الرغم مما تقدم في رأي الكساندروفنا وطموحها في ظهور نص مسرحي عربي عن واقعة ألطف، يأخذ شهرته الدرامية مثلما أخذت نصوص شكسبير مكانتها الأدبية، فقد ظهرت نصوص مسرحية عربية عديدة استثمرت أحداث واقعة ألطف في بنيتها الدرامية ومتنها الحكائي، منها ما اخذ شهرة معقولة في الساحة الأدبية والمسرحية، ومنها ما بقي محدودا لضيق مساحة النشر الذي اضعف تداول المطبوع بين البلدان العربية لأنه اقتصر على نشره لمرة واحدة، فضلا عن ذلك المحاذير التي كانت مهيمنة على عيون الرقابة والسلطة السياسية في أكثر من بلد عربي إزاء موضوع كهذا وما يشكله من حساسية خاصة بين هذا الطرف وذاك.
وعليه، فقد حاولنا تتبع عدد من هذه النصوص المسرحية العربية التي استثمرت الواقعة، من خلال المسح الشامل و بالقدر الممكن، وكانت على النحو الآتي:
1- نص مسرحية (الحسين) لمؤلفها (محمد الرضا شرف الدين) وهو أول من كتب المسرحية الشعرية في العــراق. كتب هذه المسـرحية في بغداد، فــي
1352 هـ / 1931.
2- نص مسرحية (مصرع الحسين) للشاعر السوري (عدنان مردم بك) منشور في مجلة العرفان، مجلد 26.
3- نص (نشيد الشهيد) فارسي الأصل، إعداد (محمد عزيزة) بعنوان (آلام الحسين أو مأساة كربلاء) ترجمة: رفيق الصبان، والنص معد عن عدد من نصوص التعزية.     
4- مسرحية (هكذا تكلم الحسين) للشاعر المصري (محمد العفيفي) وهي مسرحية شعرية في خمسة فصول، نشرت عام 1969.
5- مسرحية (ثار الله) بجزأين (الحسين ثائرا) و(الحسين شهيدا) للشاعر (عبد الرحمن الشرقاوي) 1969 / 1970.
6- نص (مقتل في كربلاء) للشاعر المصري (فتحي سعيد) في ديوانه الشعري مصر لم تنم، الصادر عام 1973 والنص عبارة عن قصيدة طويلة.
7- مسرحية (مساء التأمل) إعداد قاسم محمد، عام 1974 وهو عبارة عن سيناريو مسرحي اعتمد فيه المعد على ستة مصادر مسرحية.
8- مسرحية (الحسين يموت مرتين) للكاتب المغربي (عبد الكريم برشيد) وهو كتابة جديدة معدة عن نصوص التعزية.
9- نص (تعازي فاطمية) للكاتب التونسي (عز الدين المدني).
10- مسرحية (الحسين
تراجيديا في ثلاثة فصول) للمؤلف المسرحي السوري وليد فاضل، عام 1998.
11- مسرحية ثانية يجيء الحسين للشاعر العراقي محمد علي الخفاجي، 1972، وسيتوقف كاتب السطور عند هذه المسرحية التي تميزت فنيا وفكريا عن مثيلاتها وفي مقال خاص بها.
هذا بالاضافة الى صدور نص مسرحي جديد للشاعر العراقي باقر صاحب بعنوان الحسين / مسرحية شعرية، عن دار الشؤون الثقافية مؤخرا، كذلك فعل الشاعر العراقي علاوي كاظم كشيش وكتب مسرحية بعنوان / يزيد، اطلعنا عليها مؤخرا منشورة في احد المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت.
كما ننوه عن وجود نصوص مسرحية أخرى اتخذت من واقعة الطف خلفية لأحداثها، أو تمر على ذكر الواقعة هامشيا على وفق الموقف الدرامي وحاجته إلى ذلك، بل إن هناك من النصوص التي حاولت التي الترميز إلى الواقعة وأبطالها بمسميات مباشرة مرة وغير مباشرة مرة أخرى.
وسيتوقف المقال عند بعض من النصوص المسرحية سالفة الذكر، محاولا تتبع صيغ كتابتها والكشف عن طبيعة استثمار كتابها للحدث التاريخي وتناوله دراميا.
1- نص مسرحية (هكذا تكلم الحسين) للشاعر المصري محمد العفيفي:
ما يلفت الانتبـاه أولا فــي هذه المسرحية هو النقـــد والدراسة التـــي جاءت في مقدمتها للأستاذ العلامة علي الكوراني، تعرض فيها للمشكلات الأساسية التي تواجه شاعر المسرح المعاصر، موضحا الأساليب المناسبة للتصوير المسرحي لتقديم الشخصيات وخاصة التاريخية منها، إلى جانب تعرضه لمشكلة الإيقاع في الشعر المسرحي والوحدة والحيوية في العمل المسرحي، فضلا عن ذلك إعطاء حكمه عن شرعية التمثيل في قوله: " أما التمثيل فهو وسيلة كمختلف الوسائل الإعلامية، يحدد جوازه وحرمته الهدف منه وعدم منافاته للأحكام الشرعية. "
تتكون المسرحية من خمسة فصول، يبدأ المشهد الأول منها من الفصل الأول بظهور معاوية على فراش الموت معلنا عن ارتياحه لان يزيدا سيورثه الحكم من بعده، ليتصاعد الموقف بينه وبين مجموعة الزبانية، الذين يخالفونه الرأي وهو يخوض في هلوسته في الدفاع عن رأيه وعن ابنه يزيد. كما يكشف هذا المشهد عن موقف يزيد من طلب البيعة إليه من الحسين بن علي (ع) والإصرار على ذلك حين يخاطب جواسيسه فنراه يقول: " أما أنت وأنت وأنت / فلتنتشروا حول حسين حتى لا يشرب جرعة ماء كانت أعينكم سابحة فيها / واروني فعل شياطين أمية / فانا أرجو أن تتلطخ أيديكم بدمه / وخطاكم قد بلغت ارض الشام بتلك البشرى ".
كما تعرض المؤلف في هذا الفصل إلى شخصية (جعدة) زوجة الإمام الحسن (ع) في فعلتها الدنيئة حينما قامت بتقديم السم إلى زوجها طمعا في الوعد الذي قدمه لها معاوية بتزويجها ولده يزيد إذا ما قامت بذلك.
لكن العفيفي حاول التدخل دراميا حينما تصرف بان جعل جعدة تعلن عن ندمها الواضح في النص إزاء فعلتها الشنيعة تلك.
في الفصل الثاني وفي المشهد الأول منه يكشف النص ظهور ساحة بيت الحسين وحوله فئات من أهل المدينة يتشاور معهم في ما يجب عمله للخلاص من تخطيط يزيد وأعوانه، مؤكدين على ثباتهم مع الحسين (ع) الذي يقول: " لن نرجع حتى تنهشنا ذؤبان الفلوات / وتمزقنا أظفار الجلادين / فليسرع بُعُدُ الشقة خلف خطانا / حتى لا تهوي جذوتنا في ظلمات الحيرة / وبأنفسنا نور يجري مجرى الدم / ولننقش بالدم ما يقراه الليل بعين نهاره / وتعانقه خفقات قلوب ما خفقت بعد / أو نُرجع للأمة حريتها / فتعود إلى الله ولا تسجد للطاغوت ".
لقد استند العفيفي إلى استخدام الموسيقى الشعرية ببلاغة محكمة ومثيرة للمشاعر والعواطف الإنسانية الجياشة بلغة شعرية يتجلى فيها استخدام الصورة الشعرية في الجمل الحوارية المتبادلة ما بين الشخصيات وخاصة تلك التي نتلمسها في حوارات الحسين (ع) وزينب ومسلم وهانئ والحر الرياحي، بل نجد ذلك الاستخدام الصوري الشعري حتى في حوارات الشخصيات التي تقع في كفة الصراع الأخرى، كفة الشر والمتمثلة هنا في شخصيات أمثال: معاوية ويزيد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن.
كذلك يمكن تلمس الدقة التاريخية التي استند المؤلف إليها في التفاصيل الصغيرة لأحداث الواقعة وتسلسل أحداثها التراتبي وفي أشخاصها بأسمائهم الصحيحة ومواقفهم الحقيقية، لدرجة أن تصل هذه الدقة التاريخية لدى العفيفي إلى الكشف عن عيوب النطق لــدى ابن زيــاد، فهو مثـــلا كان يلفظ الحــاء هاءً، بمعنى انه يقـــول (هسين) بدلا من (حسين).
كما نجد التعامل مع الدقة التاريخية في أقوال مشهورة منسوبة تاريخيا لأشخاصها فيعمل العفيفي على الكشف عن الأقوال نفسها ولكن بحوار شعري يتلاءم وموسيقاه الشعرية المنسجمة مع لغة النص، مثال ذلك حوار الحسين: " أفبالموت تخوفني / وحياة الموتى أكرم من موت الأحياء... "، كذلك ما هو مبين في حوار ابن زياد: " ما خانك قط أمين لكن قد يؤتمن الخائن / أخزاك الله لقد أخفرت أمانته) ". مخاطبا ابن سعد.
كذلك فقد عمد العفيفي إلى الحوار الذاتي مع أنا الشخصية للشاعرية المؤثرة التي تكشف عنها مثل هذه المناجاة الذاتية، فنجد الحسين يقول: " لو كان الأمر إلي نبذت السيف / ولزمت القران / ورأيت يزيد فلم أبصره / لكن الناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم / وغدا الإنسان حذاء في قدمي حاجاته / اللقمة عين ساهرة ترقب أسراب لهاثه / والماء أفاع تتلوى فوق لسانه / والخوف ذراعاه وساقاه وعيناه / ورفاق الدرب وخلان الخلوات/ وصرير الباب ولمسة ثوب الطفل ".
كما جعل العفيفي عمل المجموعة أو الكورس والمتمثلة هنا بـ (الزبانية) و (الجلابيب) كما هو دورها في الماسي اليونانية والرومانية فهي تدخل في الحدث الدرامي وتعلق عليه وتعطي به رأيا وتتخذ موقفا واضحا من ذلك الحدث.
وبعد سير الأحداث بتسلسلها التاريخي نفسه وانتقال الحدث من مكان إلى آخر يصل بنا النص إلى موقف الحر بن يزيد الرياحي وخياره بين أن يكون مع الحسين أم عليه، محاولا الوصول إلى عين الحقيقة، وفي هذه الحوارية دليل على ذلك:
"الحر: يا لتنازع أهوائي / صليت وراءك يا سبط رسول الله / ووضعت السيف
فصلى خلفك / بوضوء الوهج الدامي /... فبأي ضمير ارفع سيفي في
وجهك / لكن لم لا احتال على عيشي / فأطيع ابن زياد في بعض الأمر/
ثم يثوب يزيد إلى رشده / ويعود حسين من حيث أتى /... أفديك أبا عبد الله بنفسي... ".
كما كشف الكاتب عن موقف خاص يتعلق بشخصية الحر الرياحي حينما تيقن من وجود عيون تراقبه وتسير وراءه متابعة تنفيذاته لأوامر ابن زياد، وهذا ما استفزه لشعوره بأنه إهانة لشخصه أولا ولاعتباريته كقائد حرب ثانيا، الأمر الذي مهد لوضعه النفسي - وبحسب النص - بان يفسح لنفسه زمنا كافيا للتفكير بما يجري حوله، بهدف اتخاذ القرار الحاسم والمناسب.
ولقد تصرف الكاتب بزمن الأحداث الجارية في نصه، فلجأ إلى طريقة الفلاش باك، محاولا دمج الماضي بالحاضر، واستحضار الشخصيات الميتة ليضعها في مشاهد تتداخل وسير الأحداث التاريخية لواقع النص نفسه، فنجد (معاوية وهنداً وأبا سفيان) يظهرون بين ثنايا الحدث الأصلي للنص في أكثر من فصل ومشهد، كاشفا بذلك عن عالم آخر يكابد أشخاصه الم الندم والحسرة على ما أورثوه لإخلافهم من خطايا وآثام، وكأنهم بذلك يتابعون ما يقوم به إخلافهم فيزيدهم ذلك عذابا وتأنيبا للضمير مستمرين.
كما ويلجأ العفيفي في بعض مشاهده إلى طريقة التمثيل الصامت لتنفيذ بعض من أوامر الشخصيات، الأمر الذي يحيلنا مباشرة - بعد أن كشف الكاتب عن طريقة تعامله مع الجوقة واستخدامه الفلاش باك والتمثيل الصامت - إلى تأثر الكاتب بالنص الملحمي البرشتي في بعض من استخداماته المتنوعة في بنية النص. إلى جانب أن الكاتب متأثر أيضا بالمسرحيات الدينية التي ظهرت في العصور الوسطي حينما اظهر مشاهد عن العالم الآخر، مثلما حدث مع المشهد السادس من الفصل الخامس حينما جعل مجموعة الزبانية في ظلام دامس يحيطون بدائرة زرقاء قاتمة، كما ضمت هذه الدائرة الزرقاء نفسها في المشهد الذي يليه شخصيات القتلة جميعهم: معاوية وهند ويزيد وشمر، وهم محاصرون بالضياع والندم والعذاب في هالة من الظلام الدامس والآلام المستمرة، وكأنهم يعيشون فعلا في العالم الآخر، عالم العقاب ما بعد الموت أو الثواب والعقاب ما بعد الموت بحسب موقف الشخصية من الحدث الرئيسي في المسرحية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن اللغة الشعرية التي اعتمدها العفيفي، وفي اغلب مشاهد المسرحية وخاصة المتعلقة بمواقف الإمام الحسين (ع) والمواقف التي أعقبت استشهاد أهل بيته وأصحابه الميامين، نجدها لغة شعرية عالية التاثيرعند قراءتها واستنباط معانيها وقابليتها على دغدغة المشاعر الإنسانية، فمثلا تتحاور مجموعة من الزعماء بعدما خلا الحسين إلى وداع ولده علي الأكبر وهو يسلم الروح بين يديه: " زعيم 1: دوحة قد سقطت أوراقها الخضر جميعا / وعليها طائر الغيم يغني نغما يبكي السماء / فهي حمراء كجذوة / منذ سوّى معول الموت برمل الطف / جدران ذويه. زعيم2: انه لايسلم الروح ولكن ينبت الأرض غناءً / يا لألحان السماء..".
 


"الإرهابي 20" للكاتب السعودي عبد الله ثابت نص جريء ينتقد، عبر تجربة خاصة، "طيور الظلام"

 

لا يمكن قراءة رواية "الإرهابي20" للشاعر والقاص السعودي عبد الله ثابت، والتي صدرت مؤخرا عن دار المدى(دمشق ـ 2006) بمعزل عن الأجواء التي تسود البلاد العربية والإسلامية والعالم عموما، والمتمثلة في العنف الذي يتغلف بالدين الذي يسعى إلى مقاضاة المجتمع برمته بوصفه المطلوب رقم واحد لمقصلة "التكفير والتدمير" عبر إدراجه في حقل "المدنس الفاسد"، كما لا يمكن النظر إلى مقولاتها، وأفكارها دون استذكار لحملات التوعية التي تقوم بها المؤسسات، والهيئات، ووسائل الإعلام، والفنون المتنوعة في مختلف بلدان العالم، ووفقا لهذا التصور فان الرواية تحقق غرضين، أولهما فني ـ جمالي، ذلك أن الرواية تعد إضافة مهمة للأدب الروائي السعودي الذي اثبت حضورا لافتا في المشهد الروائي العربي في السنوات الأخيرة، وثانيهما يتجسد في الدور التنويري الديني المعتدل الذي تحققه الرواية وسط هذا الغلو والتطرف.
رواية "الإرهابي 20"، هي باكورة الأعمال الروائية لثابت، وتتناول تجربة إنسانية شديدة الخصوصية والثراء، وهي تتمتع بصدقية نادرة إذ تبتعد، رغم حساسية الموضوع، عن الترميز، والمواربة، لتروي بضمير المتكلم، وعبر سرد شديد الالتصاق بالواقع، حكاية شاب سعودي كاد يكون الإرهابي رقم 20 في إشارة إلى التسعة عشر شابا الذين دمروا برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11/9/2001، فبطل الرواية نجا من براثن جماعة إرهابية حاولت التغرير به، ودفعه نحو ارتكاب جرائم بحق الإنسانية، غير أن إيمانه، وقيمه، ووعيه شكلت خلاصا له، ونأت به عن تلك الجماعة، وقادته إلى تطبيق مبادئ الدين الإسلامي بعيدا عن الإكراه والقسر، وعلمته حب الحياة، والبشر، والطبيعة، والوطن، ولعل ذلك يتجلى في إهداء الكاتب: إلى "أرواح القتلى العاتبين"، والى "الأرض التي جُبلت على رائحتها"، والى الوطن الذي يصفه بـ"أقدس لثغة بفم صغيرتي".
الرواية، في شكلها الفني، مكتوبة على شكل يوميات يرويها البطل والراوي في الوقت نفسه، زاهي الجبالي، إذ يختار من العقود الثلاثة التي بلغها سنه، المحطات الجوهرية والحاسمة التي أسهمت في تكوينه الفكري والنفسي، وهي تتطور وفق سرد تقليدي يبدأ من مرحلة الطفولة، مرورا بمراحل الصبا، وصولا إلى المرحلة الراهنة حيث يطرح البطل على نفسه تساؤلات: "من أنا؟ ماذا أريد؟ وأي الأوقات والأمكنة حملتني وسافرت بي حتى هذه اللحظة، التي أشرع فيها في حفر ملامحي بإزميل من صدق على هذه الأوراق؟".
هذه التساؤلات تستحث ذاكرة الراوي المتدفقة، والخصبة، وتقوده لأن يستحضر ماضيه البعيد، وطفولته الغضة في منطقة العسير حيث تقع قريته ومدينته أبها على "قمم شاهقة، تقتسمان مساحة ملونة بالخضرة والمياه، مزدانة بالغيم والضباب والمطر". وفي وصفه المكان تبرز النزعة الذاتية الوجدانية عبر حديث عن ناسه وطبائعه وتقاليده، فالكاتب هنا أشبه بباحث انثروبولوجي يرصد عادات منطقة العسير وقيمها وتقاليدها، فيكتب بنبرة من خبر المكان وأهله: "العسيريون طيبون...، والقمم التي يسكنونها عبأتهم بمزاجية الريح والأشباح، والحيرة والسؤال"، مضيفا بافتخار "إحساسهم تجاه العار إحساس عنيف جدا، مولعون بالطرب، مفتونون بالغناء والرقص، مزروعون في حقل من الشيم والقيم والنبل والرجولة"...وهم يجمعون في شخصياتهم بين "الفقر والكبرياء، الحب والعار، الطيبة والنقمة، اللين والقسوة. طباعهم رقيقة إلى درجة الفداء، وعنيفة إلى درجة الإهلاك. نفوس كالأرض التي تسكنها...فابن هذا المكان يعيش ليزهو، ويزهو فحسب".
على هذه الأرض، القاسية والحانية، وفي تلك الأنحاء المعتادة على الطيبة والزهو، يولد زاهي الجبالي ذات شتاء، مطلع السبعينيات، قبيل الفجر بلحظات في ليلة ماطرة وعصيبة تنبئ بقدر مختلف ينتظر هذا الوليد القادم مع صباح مضطرب. كان طفلا هادئا صامتا عاش السنتين الأوليين في القرية في بيت طيني صغير، ثم انتقل مع أسرته المؤلفة من أحد عشر فردا، إلى مدينة أبها إذ يتحدث عن المعاناة التي عاشتها أسرته، وينقل جانبا من الثقافة الشعبية السائدة في المنطقة عبر استحضار بعض الأمثلة، والأغاني، والحداءات العذبة التي ترافق العسيريين في الزراعة، والرعي، والمهن المختلفة، وفي الأفراح والأحزان، كما يستفيض في الحديث عن شكل المناسبات، والطقوس، وطبيعة الناس، ومعتقداتهم، وآمالهم: "مجتمعنا الجنوبي كان جميلا ميالا للموسيقى، وحكايات الحب به لا تنتهي، لقد عاش الناس هنا حياة شفافة ورقيقة وفطرية، رغم بدائيتها. كان هذا قبل أن يأتي عرف آخر حرم كل شيء، وجعله عارا".
هنا يكشف الكاتب عن هدف روايته، أي العودة إلى حياة "شفافة وفطرية"، فيستعيد، بنبرة ملؤها الحنين، عوالم طفل يعانق، ألغاز الحياة وأسرارها، بالقلق والحيرة والخوف. يفتش في دفاتر زاهي الجبالي، الطفل الذي وجد نفسه في مواجهة الحياة، دونما قدرة على استيعاب معانيها التي تفوق سنوات عمره القليلة. في المدرسة، يصدمه منظر مدير المدرسة، "الرجل المتوحش" الذي ينهال ضربا على طفل شامي لأنه لم يلبس الثوب الرسمي، وترعبه محاولة إخضاع الصغار بالقوة والعنف، ولأن معارف الطفل البريئة لا تسعفه على تفسير هذا السلوك العنيف فإن شيئا غامضا في داخله يدفعه إلى التمرد ورفض الخضوع للأوامر. الرواية هنا تركز على الكثير من الهواجس والمخاوف التي تنتاب الصغار الذين يفتحون أعينهم على واقع يمور بالصخب والمصائر المجهولة، دون أن تكون لديهم إجابة مقنعة عن الموت والظلم، عن الجنة والنار، عن الحزن الدفين، وقلق الليالي...وأمور أخرى كثيرة تختزنها تلك الأسئلة المقلقة المستمرة التي يطرحها الأطفال على آبائهم.
يلتحق زاهي بالمدرسة الثانوية ويصبح محط أنظار جماعة دينية، فيتأثر بها ويتمرد على أهله وينخرط في أنشطة هذه الجماعة، فيرى مشاهد سكرات الموت، ويصغي إلى حكم تتجاوز مداركه: "اخشوشنوا فان النعم لا تدوم"، ويسمع شريط "هادم اللذات"، ويتنكر لأبسط القيم التي تربى عليها "كم كرهت عائلتي وبيتي الذي يعج بالموبقات والمعاصي، والفساد من تلفاز وصور وأصوات أغاني...". يترك هذا البيت ويلتحق بالجماعة ويحضر لقاءات، واجتماعات، وهي ليست مجرد حلقات ذكر ـ كما يوضح ـ بل "عمل سري منظم يهدف إلى إقامة كيان جديد على هذه الأرض يحكم بشريعة الله وسنة رسوله"، حتى اقتنع بان الإسلام الحقيقي قائم على مفهوم "الولاء والبراء" الذي يعني موالاة المسلمين، والبراءة من الكافرين.
خلال ذلك قرأ كتبا كثيرة تتمحور حول تفاسير القرآن الكريم، وبعض كتب السيرة والعقيدة، وبعض الكتب التي تتناول التيارات الدينية والفكرية والمذهبية، وكتب التكفير، وبعض الكتب المتعلقة بالأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، ويقول في هذا السياق "ومما كنا نكلف به على الدوام، متابعة الحركة الحداثية بداخل السعودية، وما يكتبه رموزها، وقصّه وجمعه ومناقشته، وإثبات كفر هؤلاء الحداثيين، وعلى رأسهم عبد الله الغذامي، وسعد البازعي، وسعيد السريحي، ومعجب الزهراني، ومحمد زايد الألمعي، وعلي الدميني، وعبد الله الصيخان، ومحمد الثبيتي، ومحمد جبر الحربي...والقائمة تطول لتصل إلى نزار قباني "الكافر والمنحل" ـ بحسب رأي الجماعة ـ وعبد الله البردوني "القومي الملحد".
لم يصل زاهي الجبالي إلى مرحلة "غسيل الدماغ"، ولم تسعفه خصاله السمحة في التمادي كثيرا بحق أهله وأبناء بلده، كما كانت تطالب الجماعة، ورغم أن الاجتماعات والقراءات والخطب كادت تقذفه إلى دائرة النار في أفغانستان بحجة "الجهاد" بحسب تحريض الجماعة، غير أن نداء سريا غامضا جعله يحجم عن الذهاب، ولأنه ينتمي إلى قوم يأبى الظلم والضيم، استطاع أن يدرك مقاصد هذه الجماعة التي تحاول سجن الإنسان في بوتقة الكراهية، وجعله يحقد على شعبه ووطنه. ولئن تورط الكثير من الشباب بدافع من العاطفة العمياء، وبسبب الجهل، والخوف في ارتكاب أعمال إرهابية يتسامى القلم عن تدوينها، فان زاهي الجبالي نجا، بوعيه، من هذه المصيدة المميتة، وتوصل إلى قناعة تقول: "حين تصبح الأفكار سلطة، فإنها لن تكون أفكارا، ستكون سياطا وعصيا، وأكثرها إيلاما هو ما كان باسم القداسة والدين والأخلاق".
مع "عودة الوعي" هذه، يبدأ الفتى بقراءة المنفلوطي، والرافعي، والعقاد، وطه حسين، وارنست همنغواي، وفيكتور هيجو، وكازنتزاكيس، وماركيز وسواهم ليكتشف مع هؤلاء عوالم جميلة، تفيض بالخير والحق، على عكس ما كانت تقوله الجماعة التي خيّرته بين هذه الميول وبينها، فاختار الجبالي طريق الشعر والموسيقى والحياة الجميلة والدين المعتدل، ولئن دفع ثمنا باهظا لخياره هذا إذ تعرض للضرب والشتم والإهانة من قبل أفراد الجماعة الجهلة، لكنه ربح حياته وأهله وبلده.
الرواية تسرد، بلغة سلسة شفافة، تجربة فرد كان نهبا للصراعات والأهواء والمشاعر المختلطة،...وعبد الله ثابت إذ ينأى بنفسه عن كل ما يعيق سلاسة القول، فان براعته تتجلى في قدرته على الولوج إلى أذهان طفل قذفته الحياة إلى بحارها العميقة دون أن تعلمه أبجدية التواصل، وتسليط الضوء على جوانب غامضة ومظلمة في دواخل طفل يخطو خطواته الأولى نحو عالم غامض ملتبس لا يقدم للوافد الجديد سوى المزيد من الحيرة والشك والعذاب، محاولا تفسير دوافعه الغامضة التي كانت تحيل كل شيء إلى أمنية واحدة هي: "أن يكون حرا" دون أن تعني له هذه المفردة السحرية شيئا سوى حرية السير والبكاء ورؤية الشمس الغاربة، والركض تحت المطر بكل ما أوتي من الشغب والمشاكسة، ومعانقة الحياة بكل جمالها وصخبها.
إلى ذلك فان ما يميز الرواية هي الجرأة التي يتحلى بها كاتبها عبد الله ثابت الذي يجهر بما هو مسكوت عنه، إذ يشير بوضوح إلى العيوب والأمراض التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية، وهو لا يتخفى خلف أي قناع بل يدون نصه بشفافية، ووضوح مشيرا إلى مواضع الخلل، ومنتقدا، دونما إبطاء، تلك العقليات والذهنيات التي تجيّر الدين خدمة لمصالحها وتحقيقا لأهدافها التي لا تخدم، بأي حال، تطلعات الإنسان نحو حياة هانئة، وآمنة. ولا شك في أن التصدي لهذه الآفة، آفة الإرهاب، بهذا الوعي النقدي اللافت، سيوفر له خصوما كثرا، ذلك أن ثابت أراد أن يقول كلمة حق، وشاء أن يدلي باعترافات جريئة في وقت تكثر فيه "طيور الظلام".


د. سامي الأحمد ..ثروة معرفيةباسم عبد الحميد حمودي


هذه مناسبة عزيزة للاحتفاء بشخصية ثقافية عراقية نادرة هي شخصية الباحث الأستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد، وهو شخصية أكاديمية نذرت جهدها لخدمة الثقافة العراقية عبر دراستها لتاريخ العراق القديم والانغمار في تفاصيله المعقدة الممتدة حضارياً إلى يومنا هذا، والتأسيس بعد ذلك لمدونات معرفية في هذا التاريخ تكشف عن قدرة هذا الإنسان المتألق على التأثير والكشف والاضافة، عبر منهجه التحليلي في التعامل مع الاثر التاريخي مناطقياً، جغرافياً وانصرافه إلى الكشف الدلالي اللغوي للمفردة الآثارية وعبر بحثه الميداني في صحارى العراق وسهوله عن الآثار العراقية ومشاركاته في المؤتمرات الدولية حول تاريخ العراق القديم في الداخل والخارج وترجمته الدقيقة لملحمة جلجامش عن لغتها الأصلية ومؤلفاته الكثيرة في العراق القديم ولغاته، وكتاباته في تاريخ الخليج العربي وتاريخ فلسطين، ودراساته في اللغات العراقية القديمة، وبحوثه القيمة عن سميراميس والسومريين وعن الاصول الأولى لأفكار الشر والشياطين وغير ذلك.
ان أ.د.سامي سعيد الأحمد ثروة معرفية لا تكتفي بايراد المعلومة التاريخية بل بضخ التفاصيل الدقيقة حولها ودراسته في الشر والشياطين دراسة نموذجية تعد سياحة فكرية متكاملة في دافعية الشر وفي رموزه واشكاله لدى الشعوب والأوهام الشائعة حوله كما ان دراساته في الحيوانات - والنباتات وآثارها على الإنسان العراقي القديم في سلسلة مقالات نشرتها مجلة (التراث الشعبي) في الثمانينيات تعد دراسات مؤسسة يرجع أليها كمصادر غنية.
ولسامي الاحمد حضور معرفي تاريخي دولي تجلي في صداقته للأستاذ توينبي واحترام مؤرخي العالم القديم له في شتى جامعات العالم وحضوره الدائم والمتميز لمؤتمرات البحث التاريخي في العالم القديم في الجامعات الأوروبية والأمريكية وما هذه الصفحة المخصصة له إلا رسالة محبة وتكريم لاستاذنا الرائد سامي سعيد الأحمد متعه الله بالعافية.


العالم سامي سعيد الأحمد ترجمة جديدة لملحمة جلجامش وكشف عن تأثيرها الثقافي والديني

ناجح المعموري
 

عندما كلفني القسم الثقافي في المدى للاحتفاء بالأستاذ سامي سعيد الأحمد، لم يكن صعباً عليّ حسم الأمر والانشغال بملحمة جلجامش التي ترجمها وصدرت عن دار الشؤون الثقافية / عام 1999 وبسبب علاقتي الثقافية التي تحولت الى مشروع معرفي مكرس بالنص المعروف، سأتحدث عن ترجمة الأستاذ الأحمد وأهميتها البالغة واختلافاتها الكثيرة عن عديد من الترجمات التي اطلعت عليها ووجدت في ترجمته مالم أجده في غيرها، وهي بحق قد وفرت لي مجالا واسعا للمقارنة والاكتشاف بالارتباط مع ثلاثة عشر نصاً للملحمة اطلعت عليها بشكل دقيق، ولكن ترجمة الأستاذ الأحمد هي المهيمنة في مشروعي الثقافي الخاص بها ووجدت اختلافات أساسية وجوهرية عن النصوص الأخرى وسأحاول الإشارة لأهم تلك المراكز الاختلافية في النص ومناقشة الأهمية القصوى التي انطوت عليها المقدمة المهمة التي كتبها أستاذي العالم سامي الأحمد، وهي بحق واحدة من الدراسات المهمة جداً والتي انطوت على موسوعية في القراءة والتحليل والإضافة وهذا ما سأشير اليه أيضا ولابد لي من الإشارة للأهمية العالية التي تمتعت بها الترجمات الأخرى وخصوصاً ترجمة العالم طه باقر التي اتسمت بالأدبية والمحايدة، بينما اغتنت ترجمة الأستاذ الأحمد بإمكانات جيدة في الانفتاح امام القراءة وتوفير فرصة جيدة للتأويل والإمساك بمراكز ثقافية ولاهوتية مهمة في النص، بحيث قدمت توصيفاً عن المجالات المركزية في العراق القديم وحصراً في المجال السياسي / الديني / الاجتماعي ونشوء أنماط من المغايرة والاختلاف في الأنظمة التي عاشت تجاذباً وصراعاً، تحول بالأخير الى صراع دموي، يومئ الى طبيعة المرحلة السياسية التي كانت سائدة آنذاك.
بعد ان خلقت الالهة ( ارورو ) انكيدو ندّاً وخصماً للملك الطاغية، اتفق الصياد والملك على ان يصطحب معه ابن الصياد كاهنة رغبات ويذهبان الى البرّية حيث مكان انكيدو، الحيواني / المتوحش، حتى تعيد كاهنة الرغبات صياغة عناصره من حيوانية الى إنسانية، بمعنى كانت للجنس وظيفة ثنائية واهم مافي هذه الثنائية هو قدرة الجسد الانثوي على اشباع الرغبة لدى انكيدو الوحش، وإعادة تكوينه من جديد، وتوفير فرصة واسعة امام الكاهنة كي تمارس دوراً ثقافياً وليس جسدياً فقط وهذا أمر مهم بالنسبة للحضارة العراقية القديمة التي فوضت الانثى / الكاهنة كي تلعب من جديد دوراً بالغ الاهمية في تكوينات انكيدو عبر الاتصال الادخالي الطويل بين الاثنين مفتاحاً كي يأخذ الجسد الانوثي مداه الواسع في اعادة تكوين شخصية الرجل الغريب وصياغته بشكل مختلف تماماً. هذه الوحدة الثقافية واحدة من الوحدات النصّية المهمة التي شكلت مع غيرها نظام النص الجوهري، واتفقت كل الترجمات على فاعلية واهمية هذه الوحدة التي كانت آنذاك وظيفة دينية مقدسة، لكن ترجمة الأستاذ الأحمد مغايرة تماماً ومختلفة عن كل الترجمات وهذا التباين هو الذي كشف لي عن وجود علاقة مثلية بين انكيدو والملك جلجامش. ومع الإشارات الواضحة التي تبدّت عنها ترجمة الأستاذ الأحمد فتحت مجالاً للقراءة والتأويل بالنسبة لي لكنها أضاءت لي المثلية بين الاثنين وبقيت متابعاً لها عبر النصوص المترجمة وتوصلت الى قراءة داعمة للاتصال المثلّي بينهما ( الدراسة غير منشورة ) وقد أومأت الى ذلك في عديد من المقالات التي نشرتها في التسعينيات وصرحت بها في الاماسي الثقافية والندوات.
اكشفي جسمك العاري وليتمتع بمفاتنك
اجعليه يصعد على الظهر ويتمتع
فعندما يراك سوف يقترب منك
اطرحي الثياب ودعيه يستلقي عليك
وسيضغط صدره بقوة على ظهرك
وضغط صدره بقوة على ظهرها
النص واضح في كشفه عن تحقق اتصال سلبي مع كاهنة الرغبات ومن الممكن ان يكون الاتصال الادخالي ايجابياً لان الكاهنة تعاملت معه بوصفه حيوانياً ولايعرف غير طريقة الاتصال الادخالي بين الحيوان وانثاه، بحيث تكرست الصورة في ذاكرته وظلت ملازقة له. لكني اعتقد بان المتحقق هو اتصال سلبي لان اللواطة ممارسة جنسية شائعة ومعروفة وتمارس داخل المعابد الدينية باعتبارها معتقداً دينياً عرفته الشعوب المجاورة للعراق وكشفت التنقيبات عن أعمال فنية مثل الاختام والمنحوتات تشير للاتصال الجنسي السلبي مع المرأة، ومايؤكد افتراض هذا التأويل هو التعطل الكامل للطاقة الجنسية الاسطورية في جسد انكيدو والتي اشارت لها الملحمة حيث استمر متصلاً مع البغي الكاهنة ستة أيام وسبع ليال وهي فترة طويلة جداً، وبعد هذا التحقق الاسطوري تعطلت قدرته، ولم يشر نص الملحمة لممارسة جنسية واحدة مارسها انكيدو بعد دخوله مدينة أوروك وهذا أمر صعب احتماله بالنسبة لرجل قوي جداً مثل انكيدو، وعرف عبر الممارسة اللذة ونتائج الاتصال المغيّرة له. والأمر الآخر الأكثر أهمية والمؤكد على الاتصال المثلي بين الاثنين هو انقطاع الملك جلجامش عن ممارسة الجنس بعد ما كان مجنوناً بالرغبات:
لم يترك جلجامش ولداً لأبيه
واستمر ظلمه بالزيادة ليلاً ونهاراً
جلجامش راعي اوروك ذات السور
هو راعينا... القوي الجميل العارف
لم يترك جلجامش بنتاً عذراء الى امها
او ابنة محارب، او زوجة بطل
وظل الالهة يسمعون بكاءهن باستمرار
يفضي بنا هذا النص نحو معرفة بالطاقة الجسدية التي يتمتع بها الملك جلجامش ودليل ذلك استمرار ممارسته لفعل الاتصال الادخالي، وانا أدرك بان بعضاً من تلك الممارسات هو وظيفة دينية سمحت له بحق ممارسة الجنس في الليلة الاولى وقبل دخول الزوج، وهو مايسمى بحق الليلة الأولى الممنوح للملوك او الكهنة مثلما هو معروف لدى كثير من القبائل في العالم وحتى في الشرق الأدنى وبعض بلدان افريقيا. لقد توقف جلجامش عن ممارسة هذا الحق وهو من المسكوتات عنها في نص الملحمة وقدمت قراءة تفصيلية لذلك في مشروعي الثقافي المكون من ثلاثة كتب عن الملحمة والذي من المؤمل صدوره عن دار المدى في بداية العام القادم ولكن مايعني هذا المقال هو الانقطاع الكلي عن الممارسة الجنسية متماهياً بذلك مع صديقه انكيدو الانقطاع عن الممارسة تماماً بالنسبة لهما أثار عدداً من الأسئلة حول ذلك.. وكان افتراض وجود الاتصال المثلّي بينهما احد الأجوبة التي كرستها القراءة ضمن أنساقها النصيّة في الملحمة وفي غاية الأهمية بالنسبة لطبيعة الثقافة ومستوى تداولها في مدينة اوروك خلال مرحلة حكم جلجامش عام 2600 ق.م والنص الذي اشرنا اليه واحدة من خاصيات الأستاذ الأحمد في ترجمته للملحمة. واعتقد بان واحداً من أسباب اغتيال انكيدو هو المثلّية بينهما، ولهذا تحمس الإله انليل لإصدار قرار الاغتيال، لأنه انليل مسؤول السلطة التنفيذية في مجلس الإلهة وهو أيضا الذي يختار الملوك ممثلين له على الأرض، واختارجلجامش ممثلاً لسلطته وجعل رأس الملك عالياً
كتب د.سامي سعيد الأحمد دراسة مهمة عن الملحمة متضمنة ثلاثة فصول، الأول خاص بمدينة أوروك وتاريخها والثاني مكرس لاسم جلجامش وحياته الاولى وتضمن الفصل الثالث تعريفا بفترة حكم جلجامش ومايمكن الاشارة اليه بسبب اهميته هو الاتساع في توفير مساعدات القراءة ثقافياً / ودينياً من مثل تعريفات الآلهة المهمة في النص مع تعريف بالمدن العراقية المهمة مثل كيش.
واعتقد بان اهم ماتضمنته ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد هو وفرة المعلومات التاريخية والعناصر الثقافية الدينية، وما يلفت الانتباه بالجهد الذي قدمه إشارته لظاهرة الطوفان، ليس في العراق القديم فقط وانما في العالم. وأسهب بالتفاصيل الخاصة بالطوفانات الحاصلة في فجر الحضارات الإنسانية وقدم أسباباً لها ووفر فرصة نادرة للقارئ كي يكشف عن الطوفانات في التاريخ وغضب الالهة الذي كان سبباً مهما في حدوثها. وقدم الأستاذ الأحمد توصيفاً للتناص الموجود في عديد من الأساطير والملاحم في التاريخ، وكشف عن تأثيرات الملحمة بوصفها نصاً أولياً في أساطير وآدأب وملاحم العالم، واعتقد بأنه رائد في هذا المجال لانه قدم ما يمكن الاستعانة به لمعرفة حجم التأثر بالنص العراقي الأول. كما برع في تقديم المسوخات التي عرفتها الأساطير الإغريقية تماهياً مع المسوخات المشار إليها في الملحمة والتي كانت هي عقوبة عشتار لأزواجها ومحبيها.
ودراسة د. سامي سعيد الأحمد " نظرات في ملحمة جلجامش " واحدة من اهم الدراسات المدونة عن النص واستطاعت قراءة النص مع العشرات من النصوص الأسطورية المتجاورة معه كاشفاً عبر ذلك عن أهمية الملحمة ومؤكداً الإمكانات المتوفرة لديه في البحث عن الأصول على الرغم من استحالة ذلك وصعوبته مع معرفتنا بالموقف الفلسفي عن الأصول وخصوصاً رأي نيتشه مثلاً وميشيل فوكو، لكن د.سامي سعيد تعامل مع الأصول والبدايات البكرية من خلال المدّونات أولا وبواسطة الاقتراب من النص أكثر فأكثر، محاولاً الكشف عن المحيط الحضاري، مهما كان متسعاً ومتشعباً، لان د. الأحمد يمتلك قدرة عالية في التحليل، وساعدته على ذلك الخبرة المتراكمة والهائلة في النصوص والعقائد والشعائر، كل هذا هو المساعد له والذي فتح إلينا نافذة عميقة جداً، وفرت لنا متعة كبيرة، متعة القراءة والاكتشاف، ومتعة الاتساع في قراءة المتماثل من الأساطير والعقائد، حتى تبدّت ملحمتنا نصاّ فريداًَ. وأعود لتأكيد محاولة العالم الكبير الأستاذ سامي سعيد الأحمد في ملاحقة الأصول حيث انطوت بشكل من الأشكال على الموقف الفلسفي الذي فتح مجالاً للبحث عن البدايات التي تبدو فعلاً مستحيلة وتقود نحو ميتافيزيقيا جديدة كما قال فوكو، لكني أجده تعامل معها الأصول بالتوصيف الهايدجري المعروف وهو الكيفية الخاصة بالتشكل وليس البداية، لان ذلك البداية أمر معقد وفي غاية الصعوبة. أخيرا تظل ترجمة الأستاذ الأحمد لملحمة جلجامش واحدة من أهم الترجمات العراقية وكان لها في حدود متابعتي تأثير على ترجمات عربية، ربما ترجمة فراس السواح هي الأقرب إلينا، حيث جعل منها ومن ترجمة العالم طه باقر معياراً للمقارنة في ترجمته لملحمة جلجامش، وربما تكون لنا فرصة أخرى للحديث عن ترجمة العلامة المرحوم طه باقر. أخيراً تمنياتي لأستاذي ومعلمي سامي سعيد الأحمد بالعمر الطويل والصحة وان يتمكن من مغالبة المرض، وما علينا الآن إلا العودة لما ترك لنا من تراث ضخم جداً والتعلم منه والتزود من تواضع العالم لديه...


سامي سعيد الاحمد ..سيرة وآراء وكتب
 

د. صباح نوري المرزوك
 

لم تكن بابل ببعيدة عن المدينة التي ولد فيها سامي سعيد الاحمد من بني مسلم من آل عقيل المنحدرين من ربى ناحية الكفل على ضفاف نهر الفرات الى مدينة الحلة ليسكن اجداده في زقاق من ازقة محلة المهدية الى جنب بيت آل كربل وآل السباك وآل خوجة نعمة وآل شميس وآل ربيع حيث يرقد علم من اعلام مدينة الحلة وشاعر من ابرز شعراها في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري وهو الشيخ علي الشفهيني وحينما صحبه والده في زيارة الى متحف الآثار العراقية في بغداد سأل اباه: ما قيمة هذه الاحجار يا ابي؟ وكان الجواب: هذه لا تقدر بثمن، ولم يفهم المعنى لكنه تيقن انه لم يقل ذلك عبثا. كان ابوه يعلمه شيئاً دفيناً في الاحجار وقال له ابوه في وصية: المهم يا بني ان تستوعب المعرفة، وهكذا دفع الاب بأبنه متخصصاً في التاريخ ليرث من بابل اسمها لانها تحمل رمز تاريخها وهو قانون انتشار حرية العلوم في الارض التي قامت على اديمها اولى الحضارات الخالدة.
ولد في الحلة سنة 1930 ونشأ بها لأب تاجر يملك اراضي زراعية يحب العلم والمطالعة رافض للخرافة، تثقف عن طريق قراءة المجلات العربية فقد كانت تصله عن طريق الاشتراك وهي مجلات: المصور واللطائف المصورة وكل شيء والدنيا والاثنين والحرب العظمى والعرب والمقتطف وكان لسامي ان يصطاد فرصة قراءتها ومناقشة ما يرد فيها من امور التاريخ. وكانت اخته وهو في الصف الرابع الابتدائي تقرأ له قصص الاطفال كما هيأت له كتب المدرسة فرصة التعرف على المادة التاريخية فقد اثر فيه الاستاذ قاسم خليل معلم المدرسة الابتدائية وكان يقول له: انك تحب التاريخ. وفي الدراسة الثانوية التي انهاها سنة 1948 رعاه الاستاذ عبد الجليل جواد الذي كان يوصيه: يا سامي اربط الماضي بالحاضر في دروس التاريخ الحديث، وكانت امنيته المتحققة ان يقبل في قسم (التاريخ والجغرافية) في دار المعلمين العالية ببغداد ويرى اساتذته الكبار مثل طه باقر في دقته للمصادر وحرصه على الوقت وزكي صالح في البحث عن ما هو غير مألوف في بطون التاريخ. وبعد تخرجه سنة 1952 عمل مدرساً لمادة التاريخ في النجف والكوفة والهندية. كتب عدداً من المقالات التاريخية في جريدة (صوت الفرات) لصديقه السيد علي القزويني عن ابن الراوندي واصل السومريين والحركة الرومانتيكية.
ترشح لبعثة دراسية الى الولايات المتحدة وحصل على شهادة الماجستير في جامعة شيكاغو سنة 1957 وشهادة الدكتوراه في جامعة ميشغن سنة 1962. ومنحته الجامعة لقب (استاذ مساعد) بعد تخرجه فيها مباشرةً وهي ظاهرة فريدة في العالم. تعين استاذاً لمادة (التاريخ القديم) في جامعة دنفر من سنة 1963ـ1967.
وهو في الفترة التي قضاها في الولايات المتحدة كان مستشاراً لعدد من البرامج التلفزيونية في قضايا الشرق الاوسط والادنى واليونان والرومان وركز على القضايا العربية لا سيما قضية فلسطين، كما كان يشترك في الندوات العلمية ويجيب عن الاستفسارات التحريرية الكثيرة التي كانت ترده من انحاء مختلفة كما ان عدداً من الباحثين كانوا يستأنسون بأرسال ابحاثهم اليه كي يعطي رأيه فيها. كما وثق علاقته باعلام التاريخ في الغرب ولعل ابرزها صداقته للمؤرخ (توينبي) التي ترجع الى عام 1955 وتطورت حتى عام 1964 حيث قاما بالتدريس في جامعة واحدة وتهيأت فرصة عن تعرف الواحد على آراء الاخر عن كثب.
قرر الدكتور سامي العودة الى العراق سنة 1967 وعمل في جامعة بغداد بكلية الاداب ومنها تنسب للعمل في كليتي التربية والشريعة في مكة المكرمة ومسح تاريخ مكة بكل دقة. ثم عاد للعمل في قسم التاريخ في جامعة بغداد ونشر مقالاته في دوريات الثقافة والاعلام باللغة الانكليزية مثل جريدة بغداد اوبزرفر والعراق اليوم وكان يخاطب العقل الاجنبي ويحاوره بالحضارة العراقية اضافة الى تأليفه الكتب حتى تقاعده في نهاية التسعينيات، وعينه قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة مستشاراً تاريخياً له.
وكان له منهج في التنقيب عن الحقائق الخفية في التاريخ القديم اذ هو يعتمد على البحث الميداني في تأليف كتبه فكان يذهب الى المدن العراقية القديمة ويلتقي بالمواقع وفي يده الخرائط واذا ما كتب عن الملل والنحل زار اصحاب هذه الملل واجتمع بهم وسمع منهم مباشرة.
واذا ما اراد ان يكتب موضوعاً قام اولاً بأعداد قائمة بما تمت كتابته عن هذا الموضوع بكل اللغات ثم يقوم بعد ذلك بتوفير المراجع ويضع على ضوء قراءته الخطة المطلوبة حيث يرسمها ويعين الاسلوب الذي يتخذه لتنفيذ الخطة.
ومن آرائه انه يعد الشعر العربي مصدراً مهماً في دراسة الشعر العربي ويرى ان الشاعر العربي قد وضع القاعدة الاخلاقية التي نادى بها النبي محمد (ص) منهجاً ثابتاً بتغير دوله وانهيار الامم اساساً مهماً في نشوء وسقوط الامم.
وفي تدريسه مادة التاريخ كان يستعمل الجدية في توضيح معادلات التاريخ ويشد الطلبة اليه شداً بكثرة الاسئلة.
وفي نشاطه العلمي انه شارك في عدد من المؤتمرات والندوات العالمية منها: مؤتمر التاريخ في جامعة دنفر 1964، مؤتمر جمعية المعلمين بالمانيا الغربية 1974، مؤتمر شرق الجزيرة العربية في قطر 1976، والمؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام الذي اقامته الجامعة الاردنية في عمان 1983.
واحتفاء بما قدم كان عضواً في عدد من الجمعيات والهيآت العلمية والقطرية والعربية والعالمية مثل: جمعية اساتذة الجامعات الامريكية 1965، جمعية شمال امريكا لدراسات الشرق الاوسط 1966، جمعية فاي الفاتينا (جمعية امريكية فخرية مدى الحياة لكبار مؤرخي العالم) 1967، معهد دراسات اواسط وغرب اسيا (في الباكستان)، معهد شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا، اتحاد المؤرخين العرب 1974، هيأة المؤرخين والاثاريين العراقيين 1970ـ1983.
وفي الوسط الجامعي اشرف وناقش العشرات من الرسائل الجامعية في داخل العراق وخارجه.
وقد ألف باللغتين العربية والانكليزية عدداً من الكتب منذ عام 1965 وهي: الاسلام نظرياً وعملياً، جنوب العراق في زمن الملك اشور بانيبال، الاسس التاريخية للعقيدة اليهودية، الاصول الاولى لافكار الشر والشياطين، السومريون وتراثهم الحضاري، حضارات الوطن العربي كخلفية للمدنية اليونانية، الاله زووس، اليزيدية احوالهم ومعتقداتهم، ملحمة كلكامش، العراق القديم حتى العصر الاكدي، المدخل الى تاريخ اللغات الجزرية، تاريخ فلسطين القديم، تاريخ الخليج العربي، المدخل الى تاريخ العالم القديم، دراسات في اللغة الاكدية، سميراميس.
ومما يؤسف له ان هذا العالم العراقي الذي تميز بتخصصه الدقيق لم ينل تلك الرعاية التي تليق به لما قدمه الى عالم المعرفة ليكون قدوة لمن يجيء بعده من الباحثين ومحبي الاثار والتاريخ القديم.
 


الأحمد: جبل التاريخ الأشم

د.هديب غزالة
 


في أسرة عربية الأصل حلية السكن أهتمت بالثقافة والأدب والتاريخ ولد مؤرخنا الكبير سامي سعيد الأحمد عام 1930 مستمداً ولعه وشغفه بالتأريخ وتحليل احداثه من والده التاجر الذي كان مهتماً بمتابعة وشراء ما يصدر من كتب تاريخية ودواوين شعر ومجلات كانت تصدر في النصف الأول من سنوات القرن الماضي فضلاً عن ولعه باطلال الآثار القديمة ومتاحفها، هذا الولع الذي دعا الوالد يوما إلى ان يصطحب ابنه سامي إلى متحف الآثار القديمة في بغداد ليرى المخلفات المادية لأجداده التي أثارت في نفسه العديد من الأسئلة المتلاطمة التي كانت تحتاج إلى تفسير وتحليل وكان عليه ان يجد لها حلولاً في المستقبل، وكما يشير سجل المدرسة الأساسي له في مدرسة الحلة الشرقية أنه أنهى دراسته الابتدائية فيها عام 1941 مسجلاً درجة متميزة في مادة الاجتماعيات في الامتحانات العامة لتلك السنة وهي (87) مما يشير إلى نبوغه في دراسة التاريخ والجغرافية معاً فهو يؤمن وكما يقول (ان التاريخ بلا جغرافية هو علم بلا هوية).
وفي ثانوية الحلة صادف ان درسه فيها آنذاك المدرس المتميز عبد الجليل جواد (الدكتوراه فيما بعد في اختصاص عصور قبل التاريخ) الذي كان له الفضل في تويجه تلميذه بأن يقرأ التاريخ بعمق وتحليل ويبتعد عن السطحية ولهذا فأنه تعلم من مدرسه طريقة الاستنباط في تحليل الاحداث التاريخية وذلك ساهم في وضع اللبنة الأساسية الأولى لمشروع مؤرخ عراقي عرف بدماثه خلقه وبنشاطه الدؤوب وعلمه الغزير ليكون سليل المؤرخ البابلي كابيت ـ ايلاني ـ مردوخ الذي يعد من أوائل المؤرخين العراقيين الذي تركوا اسماءهم مكتوبة على كتاباته.

سامي الأستاذ الجامعي:
عرفت الدكتور سامي منذ ان قبلت طالباً في قسم الآثار (كلية الآداب) جامعة بغداد عام 1978 بالرغم من انه كان استاذاً في قسم التاريخ إلا إني كنت أذهب لألقي التحية عليه لمعرفة عائلية قديمة كانت تربطنا لهذا فاني جالسته في أوقات متعددة في مكتبه ولمست منه حلاوة الكرم والاخلاق السامية وروح الدعابة وهذا أمر لا تعرفه إلا إذا تعاملت معه عن قرب لأنه يظهر عن بعد على محياه في شخصيته المهيبة والجدية والتي لا تعرف المجاملة في العلم وبنشاط متقد فكان الدكتور الاحمد من أوائل الأساتذة الذين يدخلون كلية الآداب قبل ان يبدأ الدوام الرسمي بساعة في الأقل بالرغم من انه يأتي ماشياً من منزله الكائن في حي المنصور وحتى مبنى الكلية في باب المعظم لأنه يحب رياضة المشي التي كان يتمتع بممارستها.
عندما تجلس معه لتستأذنه وتسأله سؤالاً علمياً بحاجة إلى اجابة فأنه ينهال عليك كالشلال الهادر بغزارة علمه وبذاكرته الوقادة حتى انك لا تلحق به لتسجل ما يقوله وتتضح غزارة علم مؤرخنا الكبير في مؤلفاته المهمة التي فيها معلومات تفصيلية عن تاريخ وحضارة بلاد الرافدين ومصر والشام، ومع كل هذا فأنه كان مصراً على عدم الاشراف على طلبة الدراسات العليا وعندما سألته يوماً عن سبب ذلك قال لي: (اني اعتقد بان على طالب الدراسات العليا ان يجيد لغة أجنبية إلى جانب ما يتمتع به من عربية سليمة وأني أرى ان اغلب طلبتنا لا يتمتعون بذلك).

اخلاق العلماء:
توطدت علاقتي باستاذنا الاحمد بعد قبولي في الدراسات العليا عام 1987 فكنت أتردد عليه لاستشيره ببعض الأمور العلمية فكان مرحباً دائماً يعطيك المعلومة الدقيقة دون ان يشعرك بصغير حجمك إذا ما جلست امامه ويعطيك دفعاً معنوياً كبيراً يكون الباحث بحاجة إليه وهو يكتب عن موضوعه وإذا ما انتهيت من استفساراتك العلمية التي تطلبها منه يبدأ هو بالحديث عن بعض الأمور العامة والاجتماعية بتواضع قلّ نظيره وبروح مرحة لا تخلو من نكتة وتعليق نابعين من سرعة البديهية التي عرف بها.
في يوم من أيام شتاء عام 1988 ذهبت إليه قبل بدء الدوام الرسمي فوجدته جالساً في مكتبه ولكن الحزن كان واضحاً على محياه الوسيم على غير عادته وبعد أن ألقيت عليه تحية الصباح رد علي التحية بنبرة حزينة لم آلفها منه من قبل وعندما استأذنته لأسأله عن سبب حزنه قال لي بالنص: (يا ابني لقد توفيت زوجتي) فبادرته بالمواساة الشرعية والاجتماعية وعرفت منه انه يقصد وفاة زوجته الأولى الأمريكية الجنسية التي تزوجها حين كان طالباً في جامعة شيكاغو عام 1955 ثم أصبح استاذاً في جامعة دنفر قبل ان يعود إلى بغداد عام 1967 وبعد أن رفع رأسه رد عليّ بهدوء: (انا مؤمن بحتمية الموت وهذا لا يحزنني ولكن حزنت لما منعتني الدولة من السفر لحضور مراسيم دفنها وفاء لها، أليس من حقي ان احضر دفن جثمان زوجتي؟) قالها بحزن شديد ينم عن صفة الوفاء السامي الذي يتمتع به الأحمد.
في عام 1989 صادف وبعد ان انهيت كتابة رسالة الماجستير شكلت لجنة المناقشة واقترح اسم الأحمد ليكون رئيسها وعضوية كل من المرحوم الأستاذ الدكتور وليد الجادر والدكتور فاضل عبد الواحد اطال الله في عمره وطلب مني أن اذهب إلى الدكتور سامي لألتمس موافقته على ذلك وعندما ذهبت إليه قال لي مبتسماً: (كيف أوافق ان أكون رئيساً للجنة يكون الدكتور فاضل عضواً فيها، هذا غير ممكن ولكني اتشرف ان أكون عضواً في لجنة يترأسها الدكتور فاضل) وبعد أخذ ورد ودي بينهما مع رئاسة قسم الآثار بقي الأحمد مصراً على موقفه فكان عضواْ في اللجنة التي ترأسها الدكتور فاضل، لقد تعلمنا من الاستاذين الكبيرين ومن موقفهما هذا درساً في نكران الذات واحترام كل منهما للآخر ومعرفة وتقدير العلماء الأفاضل بعضهم لبعض ما لم نتعلمه من الكتب.
كان الأحمد رائداً في تأسيس مدرسة عراقية متميزة بكتابة التاريخ لانه مؤمن بان العراقيين هم أول من أولوا اهتماماً واضحاً بكتابة وتدوين التاريخ وهذا ما استنتجه من حولياتهم الملكية التي وصلت ألينا وبعد ان تعايش مع السومريين وتعرف إلى بطلهم كلكامش وصاحب الملوك الآشوريين والبابليين وعرفنا على كل واحد منهم من خلال ما نقله إلينا في كتاباته العديدة المتواصلة مع الرقم الطينية لكتبة الوركاء ونفر ونينوى وبابل.
حفظ الله لنا الأحمد ذخراً للعراق لانه ثروة من ثرواته وسيبقى في أذهاننا على مر الأزمنة بما قدمه من جهود علمية لأنه عرف من كلكامش ان الإنسان يمكن ان ينال الخلود بأعماله.
 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة