المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

افتتاح الدورة ( 35 ) لمهرجان روتردام السينمائي .. تجارب جديدة وتكريس لأفلام الفن

علاء المفرجي - روتردام
افتتح مهرجان روتردام السينمائي في دورته الـ ( 35 ) بانحياز كبير لأفلام الفن دون الأفلام السائدة، وهذا ما أكدت عليه مديرة المهرجان ساندرا دنهامر في حفل افتتاح المهرجان قائلة : نحن اخترنا فيلم الفن في الذكرى الـ 35 ، لم نحتفل بعيد المهرجان بقدر ما احتفلنا بالسينما نفسها .في إشارة إلى تجاوز ما أعلن عن برنامج الدورة عن افتتاح فيلم نج لي الذي حصد قبل أيام جوائز الغولدن غلوب ( جيل بروك باك ) والمرشح الرئيس لعدد من جوائز الأوسكار القادمة. الذي تم استبداله بفيلم ( قلب يخفق في الظلام ) للمخرج الياباني ناكازاكي شونسي، الذي حظي بتكريم المهرجان باختياره ضمن أفلام ( مخرجون تحت المجهر ).
شارك في دورة هذا العام أكثر من ( 250 ) فيلماً سيكون لـ ( 52 ) منها عرض بعمل وهي سابقة في تاريخ المهرجان، وتابع عروض المهرجان أكثر من ( 2500 ) مشارك وضيف، وحضر 370 سينمائياً لتقديم عروضهم الجديدة في سبع صالات عرض في مدينة المهرجان جنوب هولندا. وأشارت مديرة المهرجان : تعمدنا أن تكون الأفلام المشاركة أقل من الدورات السابقة، بهدف اتاحة الفرصة للأفلام المعروضة لأن تحظى بمتابعة أوسع .
وترى ساندرا دنهامر ان مكانة المهرجان لن تتأثر بهذه الخطوة.
تضمنت دورة هذا العام عددا من البرامج توزعت على طيلة أوقات المهرجان الذي ختمت أعماله في الخامس من الشهر الجاري ، ومن برامج هذه الدورة : ( سينما المستقبل )، الذي تناول التجارب الجديدة في عالم السينما، و( سينما الشباب ) في أفلامهم الأولى، وأبرزهم المخرجة التشيلية اليسيا شيرسون في فيلم ( الحب )، وفيلم المخرج الإيراني علي محمد جاسمي ( كتابة على الأرض )، والمخرج الياباني ياما شيتا توبوهيرو في فيلم ( لندا ) وميرندا جولدي في فيلمها ( أنا وأنت وكل الذين نعرفهم ).
أما البرنامج الثاني فحمل عنوان ( كنجز ان اسيس ) الذي تضمن أعمال كبار مؤلفي السينما مثل الصيني هيث وهسين، وفنان الرسوم المتحركة الجيكي جاشنانكمايز.
أما برنامج ( تايم آند تايد ) فقد تضمن أفلاماً روائية ووثائقية بينت الاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية لصانعيها شباباً وكبارا ، رؤيتهم ونقدهم للعالم الذي حولهم مثل البرازيلي ( سيرجيو سيد لازورك ) ، وفيلم من التبت ( صمت الأشجار المقدسة ).
أما برنامج ( شورت ) فقد تضمن عدة محاور اهتمت بأفضل ما قدم العام الماضي من أفلام قصيرة.
طرح في المهرجان محور : ( اكتشاف التلفزيون ) بمناسبة الذكرى الثمانين لاكتشاف التلفزيون ،ومحور ( ما هي السينما ) وهي مجموعة حلقات نقاشية تعلقت بالسينما وانجازاتها.
تضمنت الجوائز التي بدا العمل بها منذ دورة عام 1995. جائزة النمر للأفلام الواعدة، أول وثاني فيلم ، وجائزة النمر للأفلام القصيرة ، وهناك جائزة تمنح للفيلم الأوربي الذي سيرشح تلقائياً من خلال هذه الجائزة لجائزة أكاديمية الفيلم الأوربي في ديسمبر عام 2006 .
وكان من بين أبرز ضيوف المهرجان هذا العام النجم الامريكي ( جورج كلوني ) الذي لم يحسم أمر حضوره ، وتيري جيليام ( بلاد المواسم ) ، وهوشيا وهسين ( ثلاث ) مرات ، والبرازيلي كارلوس ريكارداس .. وغيرهم .

من عروض المهرجان
فيلم ( أحلام ) وثيقة عراقية تؤرخ لزمن الفاجعة

مرة اخرى تؤكد السينما العراقية حضورها في المهرجانات السينمائية العالمية، وهذه المرة من خلال فيلم المخرج العراقي الشاب محمد الدراجي ( أحلام ) الذي سبق له أن عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير. وقد تم عرض الفيلم في اليوم الثاني لمهرجان روتردام السينمائي.
تناول فيلم ( أحلام ) قصة ثلاثة نزلاء في مستشفى الأمراض العقلية، ومعاناتهم بعد تعرض المستشفى للقصف: احلام المريضة التي دخلت المستشفى بعد اعتقال زوجها في ليلة زفافها،
و احمد الذي يتهم بالهروب من جبهة الحرب ليتعرض لعقوبة قطع الأذن ، ومهدي الطبيب في المستشفى الذي يحرم من إكمال دراسته بسبب التاريخ السياسي لعائلته.
الفيلم سلط الضوء على تفاصيل حياة هذه الشخصيات وظروفهم الانسانية المعقدة في ظل وضع مأساوي وقامع ودموي على خلفية الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي عاشها العراق في ظل النظام الدكتاتوري ومن ثم سقوطه ومارافق هذا السقوط من فوضى وقتل وانفلات.
نجح مخرج الفيلم في تقديم مشاهد واقعية للأحداث التي رافقت دخول القوات الامريكية الى بغداد وما نتج عن ذلك من ظروف .
عد فيلم ( احلام ) ثاني فيلم تم تصويره في العراق منذ سقوط النظام في بغداد، اذ صنع الفيلم في بلد يعيش ظروفاً سياسية واجتماعية كارثية، شيء أشبه بالمستحيل، والفيلم كتب وأخرج بأيد عراقية ،وعرض كيف ان العراقيين يبعثون من الرماد لبناء حياتهم من جديد. وقد صور الفيلم بأقل من شهرين في بغداد وحولها في ظروف جديرة بأن تكون أكثر من دراما، المخرج الدراجي تحدث قائلا :
ظروف حظر التجوال في المدينة جعلت من تصوير الفيلم أمرا صعبا جدا، وقال : تعرضنا لأكثر من مرة لاطلاق نار من قبل العديد من الاطراف، على الرغم من ان الشرطة عملت على حمايتنا، وفي أحيان كثيرة اضطررنا لحمل السلاح الى جنب آلة التصوير .
الفيلم يعرض كجزء من الحملة الامريكية التي سميت حينها ( الصدمة والترويع ) كيف تم قصف مستشفى الأمراض العقلية التي تسببت بموت عدد من المرضى وطاقم المستشفى، ومن بقي منهم حيا هرب رعباً وسط فوضى الأمكنة .
والمخرج الشاب محمد الدراجي من مواليد بغداد عام 1978 ، ودرس المسرح في بغداد ، ويقيم في هولندا منذ عام 1995 حيث تخصص هناك بالتصوير السينمائي .. وعمل عدة أفلام قصيرة قبل أن ينجز فيلمه الروائي الأول ( أحلام ) .


عقدة الآخر والضياع الارادي

فوزي كريم

في واحدة من صفحات "الروح الحية" يرد هذا المشهد، الذي يمكن ان ينتسب الى "شياطين" دستويفسكي ببساطة تامة:
"ذات مرة وأنا أسير في شارع الجمهورية، قريباً من باب المعظم, أوقفني شاب لا أعرفه. قدّم لي نفسه باعتباره طالباً في أكاديمية الفنون الجميلة وقال انه يريد أن يستشيرني في قضية مصيرية. كان مفاجأة لم أتوقعها، إذ ما كنت أعرف أنني يمكن أن أُقدم النصح لأي إنسان في العالم.
قال لي الشاب ببساطة:
- إنني عضو في القيادة المركزية ويهمني رأيك. منذ فترة وأنا أمام خيار صعب: هل ألتحق بالحركة المسلحة في الريف أم لا؟ إن رأيك سوف يكون حاسماً بالنسبة لي.
فكرت: يا إلهي من أين استمد الشاب كل هذه الثقة بي؟ إن عقوبة الالتحاق بالحركة المسلحة أو التشجيع عليه يمكن أن تؤدي الى الإعدام. فها هو يغامر بمصيره لقاء ثقته بي مثلما يريدني أن أُغامر بمصيري لقاء ثقتي به. كلا، لا يمكن لمثل هذا الشاب أن يكون مدسوساً للايقاع بي. كان مأخوذاً بالثقافة وبريًَء مثل حمل، إذ راح يتحدث عن أعمالي التي قال إنها قد قلبت حياته رأساً على عقب.
قلت وفي ذهني موقف مشابه كان قد واجه جان بول سارتر في أثناء المقاومة ضد المحتلين الألمان: لا يمكن لي أن أطلب منك الالتحاق بالحركة المسلحة ولا أن أثنيك عن ذلك. مثل هذا القرار يجب أن تتخذه بنفسك، فهو يمكن أن يعني لك الموت أو الحياة. وفي كل الأحوال فإني لن أغفر لنفسي أن أكون مسؤولاً عن دفعك الى اتخاذ قرار قد يؤدي الى قتلك أو وقوعك بيد الشرطة. إنك تطلب مني أن أحرمك من حقك في ممارسة حريتك، وهو ما لا يمكن أن أفعله.
كان ذلك الشاب الثوري هو عادل كامل الذي عمل فيما بعد معي في مجلة "ألف باء" ونشر العديد من القصص القصيرة، فضلاً عن بروزه كناقد تشكيلي ورسام موهوب ومؤلف للعديد من الكتب." (ص158-159)
المأسور بفكرة "الحرية الوجودية"، كما وردت حرفياً في إحد كتب سارتر، يغفل أبسط متطلبات المسؤولية في مجتمع متخلف، بشأن شبيبة لا حول لها ولا قوة. فبدل أن يعيد وسواسها والتباسها الى الأرض، رفعها المثقف الثوري المتطرف وألحقها بسماوات "حرية اختياره الوجودي" وفق الطبعة الفرنسية. الشاب عادل كامل، باعتباره ثورياً متطرفاً هو الآخر، وأمينًا لازدواجية الثوريين المتطرفين، خلف حرية الاختيار وراءه، في لحظة من الزمن الأرضي الحاسمة، والتحق بحزب "البعث"، حزب السلطة الحاكم. ثم كرس كل موهبته، التي أشاد بها فاضل العزاوي، لتعزيز نظرية "علم الجمال البعثي".
هذا ضرب من الضياع إرادي، تمامًا كالإنتماء العقائدي قبله، الذي لم يخل من إرادة. ضياع إرادي هو نتاج خيبة من انتماء إرادي قبله. هذا ما حدث تماماً في روسيا القيصرية. وبالرغم من أن الظاهرة الستينية الروسية - العراقية المتطرفة لها ما يشبهها في ستينيات الغرب، وثلاثينيات الثقافة الإنكليزية، كما سنتعرف على ذلك فيما بعد، إلا أنها ذات خصيصة لا شك في نزعتها التدميرية، نزعة التطرُّف التي هي وليدة حالة معقدة من مشاعر الدونية، والتطلع الى الآخر المتفوق لتجاوز الدونية. فكل من الستينيين الروس والعراقيين يتحركون باندفاعة مقلدة لأقران لا صلة لهم بهم، ولا معرفة. أقران في تهيام مسرات حضارة متفوقة. في حين لم تترك لهم الكتب، التي يحدقون بها، رغبةً في معرفة الناس المحيطين بهم، والمنتمين إليهم، أو رغبة في معرفة الحياة.
في واحدة من أروع لحظات شاتوف العصابية، أو لحظات دستويفسكي التشخيصية، حين يعول قائلاً بدوره وقد سطعت نظراته وحميت عيناه: "لا، لا الشعب ولا روسيا. إن المرء لا يستطيع أن يحب ما لا يعرف. وأُولئك كانوا لا يعرفون عن الشعب الروسي شيئاً البتة، ولا يفهمونه إطلاقاً. إنهم جميعاً، وأنت منهم، قد مروا بالشعب مروراً دون أن يلتفتوا إليه... لأن الشعب الوحيد في نظركم إنما كان هو الشعب الفرنسي، بل وشعب باريس وحدها، وكأنما يخجلكم أن الشعب الروسي لا يشبه الباريسيين. تلك هي الحقيقة صافية خالصة. ومن لم يكن له شعب لم يكن له إله. فاعلموا أن جميع أُولئك الذين أصبحوا لا يفهمون شعبهم، وأصبحوا على غير صلة به، يفقدون إيمان آبائهم بذلك المقدار نفسه، ويصبحون ملاحدة أو غير مكترثين بالدين. إن ما أقوله صحيح. إنه واقع يسهل البرهان عليه. ذلك هو السبب في أنكم جميعاً، في أننا الآن جميعاً, ملاحدة أشرار أو أشقياء غير مكترثين بالدين، ذلك هو السبب في أننا لسنا الآن شيئاً على الإطلاق. هذا يصدق عليك أنت أيضاً يا ستيفان تروفيموفتش. إنني لا أستثنيك. بالعكس: لقد قصدتك أنت نفسك، فاعلم هذا.
"كان من عادة شاتوف، حين يندفع في حديث طويل من هذا النوع، أن يتناول قبعته، وأن يهرع الى الباب، مقتنعاً بأن كل شيء قد انتهى الآن، وأن علاقات الصداقة بستيفان تروفيموفتش قد انقطعت الى الأبد. ولكن ستيفان تروفيموفتش عرف كيف يستوقفه في الوقت المناسب." (ج1، ص65-66)
طبعاً، ما كانت علاقتنا الثقافية الاستلابية، نحن ستينيي العراق، مع الغرب من الطينة نفسها. كنّا أضعف بكثير، وأبعد. وإذا خرج إلينا شاتوف عراقي فلن يكون بذات الحرقة، ولا بذات العصابية. فنحن كمثقفين لم تأسرنا "الحياة" الغربية بحكم علاقة ملموسة، كما أسرت المثقف الروسي، حتى صار يؤمن بضرورة أن تلتحق روسيا بعائلتها الغربية. بل أسرنا "الكتاب" الغربي، وبواسطة الترجمة. تعلقنا بثقافة غربية على ورق سيئ الطباعة، وكان أشبه بتعلق مراهق من "محلة باب الشيخ" بحسناء في فلم أمريكي. قي اتحاد أُدباء.
_________________

* من كتاب تهافت الستينيين الذي سيصدر عن دار المدى


خرافة الأجيال الشعرية وموسوعة الحيوانات

علي بدر

أطلق ميشيل فوكو أطول ضحكة في تاريخ الفلسفات في العالم حين قرأ موسوعة الحيوانات الصينية التي وضعتها وصنعتها العبقرية البورخسية التي لا تضاهى، كانت ضحكته دون شك هي الأكثر عنفاً و صخباً من بين جميع الضحكات التي سببتها الفلسفات الساخرة والمتهكمة في التاريخ، لا لشيء الا لان هذه الموسوعة الغريبة التي تنطوي على خيال فذ تقسم الحيوانات الصينية بموجبه على هيئة مجاميع مختلفة بالنوع وبالرتبة أيضاً، فهنالك حيوانات يملكها الامبراطور وهنالك حيوانات محنطة، هنالك حيوانات داجنة وهنالك خنازير رضيعة، هنالك جنيات البحر وهنالك حيوانات مائية، هنالك حيوانات خرافية وهنالك كلاب طليقة، هنالك حيوانات تدخل في هذا التصنيف وحيوانات لا تدخل.. ولكن ما هو أهم في كل هذه الموسوعة، هو: الحيوانات التي تهتاج كالمجانين، والحيوانات التي لا تحصى، والحيوانات المرسومة بريشة دقيقة من وبر الجمل، والحيوانات التي كسرت الجرة لتوها، والحيوانات التي تبدو من بعيد كالذباب.
ان ما أضحك فوكو حقيقة هي هذه الامكانية الخيالية والفنطازية التي تتمتع بها الموسوعة الصينية على ضم كائنات خرافية مختلفة في رتبة واحدة، والكيفية التي تجمع بها هذه الموسوعة الكائنات الحقيقية مع الخرافية في مكان واحد، أما المشكلة الحقيقية في المنطق فتكمن بالتأكيد في (حرف العطف) (الواو)، إن هذا الحرف السحري، الذي يوضع على الدوام بين اثنين متشابهين أو غير متشابهين هو الذي يجعل هذا التشابه إمكاناً والتجاور حقيقة، وبذلك تحصل هذه الفوضى والعربدة الفكرية والثقافية والاجتماعية، إنها تحدث بسبب الضم والجمع والتشابه الممكن وغير الممكن، تحدث بسبب هذه القدرة الخيالية على إدراج وتدجين ما لا يدجن على أرض الواقع في رتبة لغوية، ثم تبدأ هذه الامكانية اللسانية، أو القدرة كما تسميها اللسانيات على طرح النموذج وتصديقه وشرعنته ودفعه ليكون حقيقة لا إمكاناً وواقعاً لا مجازاً.
إن موسوعة الحيوانات الصينية تشبه الى حد كبير موسوعة الحيوانات الستينية في العراق، ففي التسعينيات انفجر طوفان من الكتابات والسير والمذكرات لشعراء عاشوا وكتبوا في عقد الستينيات، وعدوا أنفسهم مجموعة واحدة، وتياراً واحداً، وخانة تصنيفية متميزة، وحاولوا طرد من شاءوا من هذه الجنة - الخانة التي صنعوها بأنفسهم لأنفسهم، لقد تحولت السيرة الى حقيقة، والخطاب الى واقع، والعقد الى خانة، ولم يدرك أي واحد منهم ان ما كتبوه هو نوع من التمثيل السردي، خاضع لانشباكهم الشخصي ومصالحهم وعواطفهم وتصوراتهم، والدليل على ذلك كان لكل واحد منهم تصوره المختلف عن تصور الآخر في حادثة واحدة، بل تعددت الروايات في الحادثة الواحدة وتناقضت، وتضاربت السير فيما بينها وتخاصمت، وبرز الكذب والادعاء والدجل بكل انواعه... وكان كل واحد منهم يدافع عن تمثله هو للحقيقة لا الحقيقة ذاتها، لقد تم تحويل الواقعة الماضية الى خطاب له خصائصه الكتابية ولا علاقة له بالواقع الاصلي، فالسيرة هنا هي فن.. مثل أي فن آخر، هي كتابة.. هي تحول الذكرى عن الواقع الى خطاب يتصف بالخطية.. ونبدأ بتسجيله من اليمين الى اليسار، ولا يمكن ان نتابعه الا بشكل متعاقب، ويمكننا ان نتوقف عنه في اللحظة التي نشاء، هذه الفرضية تجبرنا على ان نقول ان كل عمل فني هو خطاب.. ولا علاقة له بالخدعة الذهنية والسيرية الشخصية البحتة الي أرادتها بعض الجماعات بديلاً عن التاريخ الثقافي.
في الواقع ان ما اضحك فوكو فيما مضى يضحكنا اليوم وبقوة، تضحكنا قدرة هذه الجماعة التخييلية على تأليف وحشر ودمج مجموعة غير محددة من الشعراء في رتبة واحدة، وفي صنف واحد، وتحت "ليبل" واحد، مثل قنينة العصير... ويحق لنا ان نتساءل مثلاً:
ما الذي يجمع الاميبيات والنحليات والعنكبوتيات في خانة واحدة اسمها حشرات غشائية الاجنحة، ما هو مجال الهوية والتشابه والقياس الذي يجعل شاعراً مع آخر في خانة واحدة، أي معيار قادر على عزل أو ضم الشاعر الذي يكسر الجرة لتوه والشاعر المرسوم بريشة من وبر الجمل؟ كيف يمكننا ان نقيم تنظيماً وتوزيعاً مراتبياً تحت اسم يشير الى هذه التشابهات والتقاربات والتحالفات.
ان الخرافة الستينية إن جاز التوصيف تقوم في الغالب على الحصرية والنظرة التقليصية والروح الخانجية القادرة على اختراع التشابهات وتوحيد الاختلافات ومحو التنافرات لتصل الى صورة مسطحة تضم طبقاً الى حرف العطف الشاعر.. والشاعر.. والشاعر...، ولا فرق بين القيمة والقيمة الاخرى، بين الذات والذات الاخرى، بين هذه القطة وتلك، فاذا كانت القطة تشبه القطة والمواء ذاته، وربما كلتاهما سياميتان أو شيرازيتان ولكن هذه قطتي وتلك قطتك، فهذه تصطاد الفئران في القبو وتلك تنام قرب المواقد، ربما تختلف القطة عن القطة قدر اختلاف القطة عن جنيات البحر، وتختلف فيما بينها قدر اختلافها عن الحيوانات التي تهيج كالمجانين، وإذا كان الملفوظ وحدة لا تتكرر إلا إذا استعدنا السياق ذاته والزمان ذاته والمكان ذاته على حد توصيف بنفنيست، وحتى لو تحقق هذا النطق يختلف من فاعل متكلم (
Le sujet Parlant) الى أخر، وبالتالي من المستحيل ان نستعيد الواقعة التواصلية ذاتها، وهكذا فان القصيدة تختلف عن القصيدة الاخرى حتى إذا كان الشاعر نفسه، حتى إذا كان المعنى ذاته، مهما كانت الظروف.. فكيف يمكننا ان نجمع هذا الشاعر مع ذلك الشاعر، كيف نجمع هذا الشاعر بالشوارب مع حليق الشوارب، كيف نجمع الاصلع مع الخنافس، السمين مع النحيف، كيف نجمع هذا مع ذاك .. هذه الوحدات.. في كل ذات لا توجد وحدة تكوينية تشبه وحدة تكوينية أخرى، وهكذا كان دو فيجينير يصرخ:
"يا الهي انا في كل لحظة غيري".
إذن كيف تم هذا الحصر، ومن أين جاءت هذه الروح الخانجية والروح التصنيفية والتقليصية، من أين جاءت هذه القدرة التدجينية على الرضوخ الى القطيع، من أين جاءت هذه الفكرة التي خدعتهم وجعلتهم ينضمون مثل قطيع خانة تصنيفية قائمة على عقد من السنوات؟.


تلــويـحـات فـي الـمـتـغـيـَّر الـعــراقــي .. عن السؤال الثقافي والقراءة الواهمة

احمد ثامر جهاد
على الرغم من الصعوبة البادية بوجه أية محاولة تتطلع إلى قراءة الاتجاهات التي تهيمن على خريطة ثقافة الواقع العراقي الجديد على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو استشراف مستقبلها ، فإن بالإمكان تلمس بعض السبل الموضوعية في مختلف المسارات الحياتية ، ذلك بالرجوع إلى تاريخية الصراع وفهم أبعاده الحقيقية ، وتحديدا عبر تفكيك آليات الصراع من زاوية إمكانياته وآفاقه ومرتكزاته الأساسية . لكن حتى مع الصعوبة هذه بدا لنا إن إحدى المشكلات الملموسة التي بدأت تطرح نفسها الآن بدرجات متفاوتة في فضاء الحياة العراقية الراهنة بمختلف أصواتها وتطلعاتها ، هي المتعلقة بتحديد طبيعة الخطاب الثقافي عامة في زمن المتغير السياسي الحالي الذي ترك تداعياته وآثاره على جوانب الحياة العراقية كافة . وقد يكون من المناسب الاعتراض إجمالا على هكذا طموح بالقول : إن من غير المناسب أو المنطقي الشروع حاليا بترسيم قراءة تتعجل معرفة نوع الخبز قبل بلوغ الفرن أقصى درجات سخونته ، إلا في حدود القبول بقانون الاحتمال والترجيح الذي يحكم اغلب القراءات التي تتوسم عقلانية ما في تصويباتها المرجوة .

1- ليست ثورة :
من النوع الذي يتكفل مجرى الواقع بتخفيف حدته لاحقا ، كان الزلزال العراقي محط أحلام وأمنيات بالنسبة لعديد من القراءات ممثلة بأطرافها أو العكس، فيما يبدو من الضروري حاليا تحرير كل الطاقات والعقول من ربقة الوهم السياسي داخل النخب والأحزاب السياسية ، حتى يكون بوسعها التفاعل جدليا مع معطيات الواقع بمختلف صوره ، والذي تسهم الأطراف غير العراقية بصياغة ملامحه الأساسية وتحديد اتجاهاته اكثر من سواها، طالما أن المستعمِر يشارك بفاعلية خاصة في كتابة تاريخ الشعوب التي لامس أرضها وناسها ، مثلما يذهب المفكر ( إدوارد سعيد ) في قراءته للظاهرة الكولونيالية، ومع تنامي الشعور بعسكرة عالم اليوم لن يعود حتميا إسهام البشر في صنع تاريخهم عبر تصميم ثوري وإرادة طهرانية ، تتعاطى بديماغوجية مع ظرف موضوعي بعينه ، لا يستقر على حال ، في الوقت الذي تدعوك فيه واقعية حدوثه إلى حسن قراءته ، اقصد حسن قراءة العالم .
سيكون التحدي الأساسي المحتملة مواجهته عند محاولة قراءة تداعيات الشأن العراقي ، مرهون بغربلة صور بعينها من بين مجموعة كبيرة من الصور شغلت الساحة على نحو ظاهر ، ورُسمت بأمنيات صرف لتطابق مجرى الواقع ( المنفلت والشائك وغير المسبوق ) . وقد يقتضي هذا العمل ضربا من التيقّن الواعي يُظهر للمرء بجلاء أن شيئا من تأثير ( الخميني أو بن لادن أو الدبابات السوفيتية ) لم يكن فريدا في حضوره، ولن يقوى على الاستمرار لوحده في ميدان المخاضات والاتجاهات السياسية والثقافية الأخرى ، إلا في حدود التمني الشخصي الواهم للأفراد والجماعات ، فثمة صورة أخرى مهيمنة تسعى إلى أن تكون اقرب إلى التصديق تكشف لنا :كيف يقف الحديد المرّ لعجلات ( ابرامز ) صلبا ، واضحا ، دالا اكثر من سواه ، بل كيف اصبح ذلك الاستعراض المخيف للقوة والموت مصدر الواقع المسموح برؤيته وتصديقه والتفكير به . قد نتساءل هنا : ما هي القراءة التي يمكن الاتفاق حولها بشأن ما جرى ويجري ؟ هل ثمة حقيقة متفردة يمكن تقديرها في عالم صوري دفع ( ليوتار ) إلى القول إن حرب الخليج الثانية لم تقع أبدا ؟
ربما كان ( نيتشه ) المفكر الوحيد الذي ازدرى هذا النوع من الجدل العقيم ، قائلا : إن امتلاك الحقيقة ، مثله مثل امتلاك أي شئ آخر يؤدي إلى السأم والملل . رغم الذي تَقَدَم قد لا يقتصر الجوهر الفريد للعقلانية على معرفة العالم واقعيا ، إنما يتعداه أحيانا نحو اختلاق دراية سلبية به .
2- امتياز ثقافي :
علينا أولا تحديد ماهية المتغير السياسي العراقي الراهن وتوصيفه ليكون بالإمكان التعرف على تفاعلاته وتداعياته المحتملة على الساحة الثقافية ، مقصد قراءتنا هذه.
وقبل محاولة الإجابة عن أولا ، قد نتساءل هنا : لماذا الحاضنة الثقافية دون غيرها مجال تأويلي للحدث العراقي بكامل جسامته ؟ من أين تتأتى الثقة بممارسة نظرية قد لا تتمثل مقولاتها ، فيما تزدري أحيانا مسرح الأحداث برمته ، قياسا لاتساع الهوة بين الأفكار والواقع ، ونظرا لواقعية قراءات أخرى ، مرجحة علميتها ، كالقراءة الاقتصادية والسوسيولوجية . مع ذلك قد يكون من العسير التفكير خارج حلول هذا التساؤل الخاص بالثقافة نفسها كامتياز مادي يحدد معالم الصلة بالعالم
كحراك واقعي بأعلى درجة ممكنة من الوعي/ المفهوم . ولأنها ( أي الثقافة ) غير واعية أو متأكدة من معاييرها أحيانا، فإنها تاريخيا تعد مجالا جدليا ودنيويا مرجحا للتقويم والتأثير والشراكة مع أيما حقبة زمنية تجري إعادة صياغتها للخروج من اسر هذا المأزق الإشكالي للواقع القائم بكامل التباساته ، والذي يستعصي نموذجه العراقي على التناول المفهومي . لذا فإن أية محاولة للخروج بنسق معرفي من قراءة متاهات الملف العراقي وتفسير أحجياته هي عمل إبداعي صرف .
لنجرب أن نتساءل إن كان لدينا اليوم ما يمكن تسميته بـ ( ثقافة تغيير ) ، تعد نسقا لمجموعة قيم معينة تفتحت أو هبت علينا بمعية المتَحول السياسي الراهن ؟
إذا كنا نتفق على رجاحة البرهان المضاد ، من إن الذي حدث ويحدث لم يكن من قريب أو بعيد ( تحولا ثوريا ) بالمعنى الذي يحدده القاموس السياسي لمفهوم الثورة بوصفها باكورة التفاعل بين النظرية والممارسة على الصعيدين السياسي والاجتماعي ، فقد لا نختلف في القول ان التغيير في العراق كان عملا عسكريا دراماتيكيا، عملاً هوليوودياً ذكياً صممُ للعرض على شاشات العالم ، قد حتمتهُ حاجة أمريكا للتدخل السريع في الشرق الأوسط وإدارة الصراع فيه بشكل ينسجم ومسار مصالحها في رؤية توازنات جديدة تفرغ الدول المارقة
بتصورها من دائرة العنف وتربط اقتصاداتها بعجلة اقتصادات الشركات الأمريكية المعولمة ، ناهيك عن محاولة تبديل النخب العربية العتيقة بأخرى جديدة تتماشى مع رياح العصر الأمريكي، في الأقل هذا ما يكشفه منطق الإدارة الأمريكية حاليا من على المنابر الإعلامية العالمية . وسيكون من مقتضيات هذا التوجه السياسي الأمريكي الجديد الذي تبلور بعد أحداث 11سبتمبر ، استحداث إجراءات عديدة على الصعيدين الاجتماعي والثقافي بعد تطويع السياسي والاقتصادي - تهدف إلى تخفيف التوترات العقائدية واقامة مؤسسات ليبرالية على الطراز الغربي تؤمن نوعا من الحياة التعددية والرفاهية النسبية بوسعها الوقوف بوجه الأخطار الأصولية والتزمت العقائدي أيا كان . وفي المحصلة لا مناص من التعامل معه بصفته توجها جديا يظهر محدودية الخيارات الستراتيجية لمنطقنا السياسي والثقافي معا . وحيث لم نشهد انتفاضة جماهيرية ولا بطلاً ساحراً، كما أن لا مجال لافتراض صور بطولية كهذه في مكان صغير معولم يدار من على شاشات حساسة ، فليس ثمة ثقافة ثورية بالمعنى الذي تدخره الكتب.

3- استنطاق الشفرات :
إن اغلب الخطاب الإبداعي في العهد السابق كان محاطا بنظام شفروي ملغز حقق فيما حقق نوعا من المتعة والشراكة الدالة مع المتلقي ، وحصن منتجه في الوقت نفسه من مزالق الكشف المبرهن، بمعنى أن الاتكاء على خندق التأويل المزدوج كان درعا لمنتج الخطاب يحتمي به ويلجأ إليه تجنبا لسلطة هوجاء فرضت أسوارها المنيعة على حركة الإنسان بمجمل فعالياته الثقافية والمعرفية، هذا من جهة ، ونقطة شروع بمناورات تكتيكية للخطاب نفسه من جهة أخرى . وباعتبار أن أية محاولة لتأمل مفاصل الخطاب تفضي بالضرورة إلى تلمس نسق سلطوي موارب فيه ، سنكون إزاء سلطتين غير متكافئتين ، هما : السلطة الرمزية للثقافة والسلطة الفعلية للمؤسسة ، مع ملاحظة صعوبة الفصل كما هو معروف بين السلطتين بشكل معياري أو تفضيلي ، لا في الحقب الدكتاتورية المعهودة ولا حتى في الحقب الليبرالية . فما بالك بامتياز الدكتاتورية العراقية ؟ ولا احسب أننا نتجنى عليه إذا قلنا إن معظم إبداعنا السابق كان يسبح في عوالم رمزية ، متوغلا في مناطق محظورة تتغشى بالأسرار والإيحاءات خشية الإمساك به متلبسا ، فيتوارى حينا ويؤشر بوضوح نسبي حينا آخر . أما ما ينجز الآن بقليله المعلن للاستهلاك اليومي فيبدو انه يتراوح بين حالتي اليقظة والحذر وعدم الثقة من استقراء الأفق القادم بجلاء ناجز ، يحاول الإعلان عما يدخره للحظة المصيرية الراهنة من سبل جديدة للتواصل مع قيم الإنسان والثقافة . وقد يكون من حق البعض ان يتريث قليلا ريثما يصبح بمستطاعه فك شفرة العصر القريب الآتي والذي يحتاج ردحا زمنيا قبل استبيان ملامحه وتوجهاته .


القَناديل النَجمية لعَطشنا الى يَنابيع وَجهكِ
 

نصيف الناصري
في الانعكاسات المعاندة لمرايا تَنهداتكِ وتنفساتكِ المَحمومَة في السَرير . عبر فراء فخذكِ العَذب عذوبة ضوء الَنبيذ . في نَجمة نَهديكِ المتمايلة بَين الفصول التي تَسطَعُ فيها زُهيرات النعمة والغفران . تحَّطُ طيور الصاعقة وتَنتَصبُ أقمار وأشجار ذَهب الفَجر فوق نَحلة نهركِ التي تَطنُ طوال الليل . رَغباتنا العَصية المرتعشة في أعالي أنهار سرتكِ المنّورة الليالي ، وتوحيداتنا للآلهة التي نَنسفها أمام سلطانكِ في كل حين . وانتفاضات مَصائرنا المعلقة ما بَين الهاوية والأدراج اليَقظة عبر تهشّمات القَناديل النَجمية لعَطشنا الى يَنابيع وَجهكِ الذي تُقاسمنا فيه النمور فرائسها وسَفرجل الرَغبات . تَضيعُ كلّها تَحت لَهب شمعَدانات فَراديس عريكِ المنفَتحة على لَيل أعياد حَصادكِ كَثيرة الغبطات .

21 / 1 / 2006 مالمو


الحجارة الكريمة لانتظاركِ بين شواطئ الزمان المتهدمة
 

نصيف الناصري

في تصعيدات القنائص لرنّاتها المتقطعة عبر غابات الليل . في اطلاق اليورانيوم للطاقة العظيمة لسنبلة الذرة وعهودها . في شعلة العلامات المدركة للذكرى العميقة للطيور النقّارة بين اهراء الغلال . تَنكَشف خَدائع سهراتنا تحت خيوط الليف والحلفاء في أرض صَمتك المنحنية على نفسها ، وتعرّي نظراتكِ المصطدمة بطرائدنا المنقسمة بين الالحاحات الكثيرة للخلود ، شَفافية ثمرة عشقكِ وامتلاكنا لعقيقها ما بَين الأشجار وما بَين اليَنابيع . مرجان بحر شفتكِ القانصة لفضائل رغباتنا ، يدمِّر كل الايمانات الضرورية لمطالباتنا في استعادة البندق الذي ادخرناه لسنجابكِ أسفل شجرة الصيف . في التدشينات المتحفظة لسنوات عشقكِ وعظمة حدوسنا المترجمة دائماً للارادة والادراك ، يتعانق الله والشيطان في فردوس وعدكِ الذي بلا جسور . ضمِّينا بين طيّات رحمتكِ المتحايلة وخلّصينا من التعلقات المستمرة في الحجارة الكريمة لانتظاركِ بين شواطئ الزمان المتهدمة .
24 / 1 / 2006 مالمو


وحدة الجسد وانفراطه

أ.د. عقيل مهدي يوسف
ان الجسد الاجتماعي محافظ عليه (المأساة) التراجيديا، اما الملهاة (الكوميديا) فانها تقطعه الى اجزاء متناثرة، وهنا نرى في الكوميديا دي لارتا تداخل القناع بين اعتماده قطعة (اكسسوارية) او التعامل معه (كشخصية) فالقناع (ليس وجها آخر، وانما واجهة مفقودة) أي نفي للوجه باعتباه فضاء جسديا يتمظهر عبره الداخل بشكل فعال ومرئي بالخصوص، ومباشر تقريبا، أي ثنائية تعكس الاعماق النفسية والتاريخ الداخلي والصورة المعروضة على المتفرج.
(جوردن كريج) وصف القناع بأنه رأس مثالي، ليشكم من خلاله نزق الممثل وأهواءه المتغيرة غير المستقرة، وهو يرغم الممثل على اقامة لعبة على مجموع جسده، واعتبر (مايرخولد) القناع رمزا للتعبير عن جوهر الكائن، واداة (لايتموتيف) وهو لعب مقنع للبحث عن الحيواني والعجائبي الخارق، وتوظيفه مسرحيا.
وجوه ملونة
وفي آسيا القصية (الصين) و(فيتنام) مثلا تصبغ الوجوه تعويضا عن الاقنعة فالاحمر يمثل الطيبة والاسود الخشونة والوردي كبار السن الطيبين والذهبي (والفضي) للالهة وفم وحاجبان متماثلان للوجوه الجميلة وما عداها فللوجوه البشعة.
اكتشف (برتولدبرخت) اداء الممثل الصيني (مي-لان-فانج) في عرض قدم في موسكو عام (1935) وكتب عن هذه التحولات، او مسخ الكائنات
Metamorphose من المسخ الى التقنيع، حين يتحول القناع الى مادة اساسية في الكتابة ووسيلة الى اثارة المتخيل وقد وظف هذا الاجراء الجمالي الى جعله فعلا سياسيا في عرض مسرحية (رجل برجل) الذي يسقط من السماء، لان عودة الاقنعة في الفترة المعاصرة اتخذت دلالتها الحقيقية في المجتمعات المتأزمة التي تجرب فيها توجيهات المنع، وكما يبدو فان (المانيا) العشرينيات كانت نموذجا لهذه المجتمعات.
برخت استعاض عن القناع الثابت، بالتقنع
Masquillage ليوسع دلالته ويعطيه صيغة تعبيرية تحتوي صانع القناع، والمكلف بالمكياج وتتجاوزهما.
ويرى (بيتر بروك) بان القناع ذاتية مضاعفة، ليصف الوجود اليومي للانسان واستعمله في (ندوة العصافير) بقوله (لاحظنا ان ثمة لحظة تصطدم خلالها (ذاتية) الممثل بحدودها الانسانية، والقناع لديه اما ممل منفر ومثير للاشمئزاز وهو ما يلازم اغلب الاقنعة في المسرح الغربي لذلك يستعمله (بروك) ويستعيد طابعه المقدس كأداة جمالية، اما في (الشرق) فيشكل القناع رمزا للعودة الى الاصل المقدس للاشياء والبحث عن طفولة الانسان المفتقدة، واعادة ربط الصلة بالاله والطبيعة، وتحقق المصالحة مع الكون، وبخلاف ذلك، افتقد الغربيون هذه الصلة بحكم اتجاههم نحو (اسطورة التغيير) الدائم والمتوالي لاشياء العالم.
ويتحدث (نيتشه) عن عمق القناع بقوله (ان كل من هو عميق يعشق القناع) ويؤمن (كريج) بأن (متراً مربعا من افريقيا يمثل مسرحا حقيقيا اكثر من المدن الاوروبية مجتمعة لاستحضارها (القناع) بشكل مكثف في طقوسها واحتفالاتها).


واقع المرأة العراقية على مسارح روما
 

موسى الخميسي - روما
قدمت فرقة" اركان" المسرحية التي يقودها الفنان المسرحي العراقي قاسم البياتلي مسرحية" دراما راقصة" على خشبة مسرح كولومبوس في مدينة روما.
والمسرحية التي كتبها وقام بدور البطولة فيها قاسم البياتلي تستعرض فكرة صراعات ملك جائر ، هو رمز القوة المسيطرة والمستبدة، ويتمثل موقفه في القمع الدائم للمرأة" كلما يأخذ بنتا باكرا، يزيل بكارتها، ويقتلها من ليلتها" والمرأة
رمزها شهرزاد- اصبحت في مواجهة القمع الجنسي والجسدي والاجتماعي، وكانها تمثل ضحية دائمة لمجتمعها. هي الراوية المنظورة التي تحكي مأساتها في مطلع الف ليلة وليلة،وهي الفاتنة التي تكرس نفسها لارضاء السيد واشباع نزواته، وهي الجارية التي تجري وتركض من اجل تحقيق رغبات الرجل. ونلاحظ ان وراء كل حكاية رواية غير منظورة. والمرأة هنا تسعى للعيش بكرامة" وان ارادت امرا لم يغلبها شيء" حيث تنطلق الاحداث من تلك الفكرة لتروي للمشاهد العديد من الحالات والمواقف المستمدة من حكايات الف وليلة وليلة واخرى من التراث الشعبي العراقي ليربطهما المؤلف في خدمة نصه المسرحي، الذي يريد من خلاله اثبات ان الفكر الاسطوري القائم على اساس غيبي- لاعقلاني صريح له منطقه المختلف تماما عن منطق الفكر الموضوعي. والاسطورة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما الى اضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها واشيائها واشخاصها.
وقد استند الفنان قاسم الى الحكاية الشعبية العراقية" بزبز"، وهو قزم ولد داخل قبر من امرأة تم قتلها وكانت حاملاً بجنينها الذي اطلق عليه اسم" بزبز"وهو مخلوق قزم يرمز لصوت كل الفتيات اللواتي قتلن بامر من الملك الجائر" شهريار" يخرج ليليا من القبر ليلعب مع البزابز الاخرى، ويسخر من الاحياء الذين يدبون فوق الارض برقصاته واغنياته الغريبة الاطوار ، التي تحمل احتجاجا ورفضا، لكل الاستلابات الاسطورية التي تحجز الناس وتفرض محرماتها وتستخدم كل قواها الغيبية التي تتذرع بها لخداع الآخرين لخلق هزائمهم وفرض القيود عليهم.
من جانب آخر فان المؤلف يربط الفكر الاسطوري بالسلوك الاجتماعي، باعتبار ان الاسطورة لم تتلاش في اي مجتمع لانها تشكل جزءا من لغة التعبير الشعبي، فقد يتبدل شكلها، اما طبيعتها فتبقى، وقد يتغير دورها، انما بنيتها تستمر في علاقة جدلية مع البنية الاجتماعية، ولهذا فانه يربط الفتاة الساحرة الجمال "شهرزاد" وهي تحاول في كل ليلة الخروج من الفكر الاسطوري السائد الذي يعتبر الاختلاف الجزئي في تكوين كل من الرجل والمرأة بمثابة امتياز خاص للرجل على المراة، وهو ركام اسطوري
مازالت مجتمعاتنا تتعامل فيه ويصور المرأة في وضع القاصر جسدا وعقلا وعملا ودورا.
في صمت الليالي الطويلة تنسج" شهرزاد حكاياتها الساحرة وتروض رغبات اغتنام المرأة بالقوة عند الرجل المستبد المتجبر الشبق الذي يفض بكاراتهن ويرميهن للعذاب والقتل ، في واقع يروي حكاية الناس وعذاباتهم وهم ينظرون الى الامل المعلق بالسماء، والشرط الموضوعي لنيل حريتهم والخلاص من استلاباتهم وانحساراتهم، وصراعاتهم بين العودة الى " السلف الصالح" والانفتاح على العالم الجديد بصراع مرير مع الحاضر ، بما في ذلك بنيته الاسطورية، حيث جعل المخرج افعال الممثلين والراقصين وعملية الانجاب، مقياسا لتبصر الناس الى مستقبلهم .
يقول المخرج قاسم البياتلي لـ(المدى) حول هدف مسرحيته:
-    ملوك الامس الذي يمثلهم" شهريار" كانوا يقتلون النساء تحت واجهات الشرف والعفة والفداء للغيب، والرغبات المحمومة تحت شعار" قيمة المرء ما ملكت يمينه" واليوم تتكرر صورة الحريم ليقوم صعاليك العهد الجديد بسجن المرأة وسجن فعالياتها وانسانيتها، سواء كانت أماً او اخت او زوجة او صديقة او رفيقة، فكما كانوا يلعبون بمصيرها بكل حماقة وغباء، فانهم اليوم يهمشونها ويهمشون دورها ويجردونها من كل المكاسب التي نالتها بنضالها، لتكون منزوية ومنعزلة ومحصورة في قضايا لاتهمها من قريب او بعيد، وتجعلها بالتالي تماشي او تؤيد سياسات رجعية متخلفة، دون حتى ان تدرك بانها تخون نفسها ومصالحها الانسانية.
ان الشرط الموضوعي لتحرير المرأة هو دفعها والاندفاع معها لرفض الفكر الاسطوري وهيمنته ونقضه في الممارسة، وهذا بدوره يحرر المرأة ككائن انساني، كعامل ذاتي مثل الرجل، في صنع الغد المشرق الذي ننتظره جميعا ان يتحقق في عراقنا الجديد.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة