المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عن الحياة والكتابة وحب العراق .. ( المدى) تحاور سميرة المانع : كـان مـهـري قـصيـدة عـنــوانـهــا بـــاص رقم 7

د/ جمانة القروي
رغم البعد والاغتراب، ظل العراق مسكونا فيهم،يعبرون عما يجيش بهم من مشاعر وأحاسيس تجاه وطنهم الجريح و يحكون معاناة شعبهم من خلال الرواية والقصة،الشعر واللوحة..
ذُكر أنها أول امرأة كتبت رواية فنية ناضجة بالعراق منذ سنة 1972، وكونها من دعائم الأدب العراقي الذي يعنى بالمرأة، حيث تبقى روايتها هي الأساس لانطلاق كتابات المرأة العراقية في هذا المجال، تعيش بلندن منذ عام 1965.. لم تستطع رؤية وطنها ألام خلال هذه الفترة الطويلة سوى مرات قليلة، أثناءها فقدت أمها وأحبتها وهي بعيدة عنهم..عن حبها للعراق و أهله تقول سميرة " رغم البعد الجغرافي عن وطني الأصلي إلا أني لم أتوقف يوما عن متابعة ما يجري فيه،كثيرا ما أتذكر منظر شط العرب عند الغروب، أو منظر نخيل البصرة التي ولدت وترعرعت في أفيائها..دائما أحاول أيجاد البديل عنها في الغربة ولكن.. هيهات "...

ولدتْ بمدينة البصرة، عاشتْ فيها إلى سن الخامسة ثم انتقلت مع العائلة إلى منطقة الزبير وهناك دخلت المدرسة الابتدائية، ثم انتقلت إلى البصرة لتكمل فيها دراستها المتوسطة والثانوية.. عن هذا التمازج بين مدينة الزبير والبصرة تقول : " رأيت الصحراء التي تتميز بها طبيعة منطقة الزبير.. و الخضرة والمياه التي تتميز بهما مدينة البصرة التي لا تبعد عنها سوى أربعة عشر كيلومترا، لكن مع قلة المواصلات في تلك الفترة كانت تعتبر مسافة لا بأس بها... هذا التناقض أفادني كثيرا في قبول تناقضات الكون واختلافات الناس بصورهم المتعددة.. بالإضافة إلى ذلك كان جدي لأمي كرديا، ووالدتها عربية من منطقة(أبو الخصيب)، أما والدي فمن أصل نجدي. هكذا أحب أن أعتقد وأتصور أني أفهم أبناء شبه الجزيرة العربية، أتعاطف مع الأكراد، وأحب العراقيين عموما.!."
قابلتها في بيتها بلندن مؤخرا فوجدتها ما زالت محتفظة بما يُعرف في العراق عن طبع وروح أهالي مدينة البصرة، يقصدون بذلك العفوية الشديدة، عدم التظاهر والتواضع..
*
لنبدأ بتصفح أوراق حياتك منذ انتقالكم إلى ناحية الزبير؟
- عند نشوب الحرب العالمية الثانية ولكي نكون في مأمن من القصف، كون البصرة ميناء العراق الوحيد، أخذنا والدي إلى منطقة طفولته، وهي الزبير، لهدوئها، ولكن عدنا من جديد إلى البصرة كي أكمل دراستي المتوسطة والثانوية لاسيما أن الزبير لم تكن فيها مدارس للبنات عدا المراحل الابتدائية.
هنا قاطعتها لأسالها : -
في فترة الأربعينيات من القرن الماضي كان المجتمع يرزح تحت نير الجهل والتخلف، خصوصا فيما يخص المرأة، كيف وافق والدك على إكمال دراستك إلى المراحل المتقدمة، ما تعليقك على ذلك؟
- في تلك الفترة بالذات بدأ الرجال العراقيون بالاهتمام بتدريس بناتهم، بعد فتح المدارس في أنحاء المدن الكبرى وإطلاعهم على ما كان يجري بالبلدان العربية الأخرى كمصر وبلاد الشام آنذاك. لقد كان والدي شديد الاهتمام بالإطلاع على مجلات تأتي من هناك كمجلة الهلال والرسالة المصريتين وغيرهما. كان لرجال مصر المتنورين ونضال بناتها اثر كبير في إنارة الطريق لنا، حملت مصر شعلة النهضة في بداية القرن العشرين.
*
هل لك أن تحدثينا عن حبك الكبير والذي ما زال يانعا مثل وردة جميلة في بستان حياتك؟
- في دار المعلمين العالية والتي قضيت فيها أربع سنوات، تعرفت على صلاح نيازي الذي كان يدرس في الدار نفسها. أشارت إحدى الصديقات بالبنان إليه قائلة :" لقد استمتعت وانا اسمعه يُلقي شعره بالقاعة قبل يومين، فهل تأتين معي المرة القادمة؟" وهذا ما جرى فعلا. سمعته يلقي الشعر بطريقة أثارت إعجابي حقاً. عبرت له عن ذلك عند خروجنا من القاعة، وقد جاملني هو الآخر.. ومنذ ذلك اليوم نشأ الحب بيننا وسرعان ما خطبنا لبعضنا ". وهنا تبتسم سميرة المانع لتكمل قصتها قائلة : أتعرفين ماذا كان مهري؟ وتكمل وهي لا تزال تضحك.. كان قصيدة عنوانها (باص رقم 7) لأننا كنا نركب معا هذا الباص يوميا ليقلنا إلى باب المعظم حيث نتوزع في الذهاب لبيوتنا. ما زلت محتفظة بها بين أوراقي."
وهنا ازداد فضولي وأنا استمع لها راجية منها أن تريني قصيدة (باص رقم 7) أو تسمعني
شيئاً من أبياتها فبدأت سميرة تقرأ شعراً عن ظهر قلب :
كأن شمساً حلوةً تخوض في غدير
على ضفافِ غابٍة طافية الظلال
تأرجحتْ، فكل نسمة تمرُ ههنا ابتهال
وكل خفقةٍ تنهدٌ يستجمع السنين في ثوان
بيد أن سميرة تضيف وهي تضحك: يا سبحان الله كيف يكون المرء ماكرا، ما أبعد هذا الجو الشعري عن حالة الباص الأحمر في ضجيجه وغباره وحره في بغداد بعض الأحيان !

أحببتُ أن أعرف كيف استطاعت على الرغم من مسؤوليات الحياة الأخرى، تطوير انتاجها الأدبي وكيف تمكنت من إكمال كتابة خمس روايات ومجموعتين قصصيتين ومسرحية ذات فصلين بالإضافة إلى بعض القصص القصيرة والمقالات الأدبية الكثيرة المتناثرة هنا وهناك والتي لم تجمع في كتاب بعد ؟ُ

أجابت متذكرة: "لم يكن الطريق معبداً بالورود بالطبع، حاولت أن أحافظ على بعض التوازن، أختصر بعض الفعاليات الاجتماعية كي لا تأخذ من وقتي فأنشغل بها مبتعدة عن الهدف الأول في نظري وهو محاولة فهم ما يجري حولي، حين يهزني، مؤثراً في من الأعماق، وضعه على الورق إذا أمكن. على فكرة أنا لستُ من النوع الذي يكتب يوميا، ربما أطالع وأقرأ في الكتب يوميا، وهذه مسألة أخرى مختلفة. ابتعد أيضا عن الفعاليات المثيرة للأضواء والضوضاء لئلا تشوش علي، تسرق أوقاتي وتبعدني عن سيري الذي هو في معظمه برامج هادئة صامتة."
كانت باكورة أعمالها رواية (السابقون واللاحقون) طبعت في بيروت عام 1972 كما ذكرنا. من خلال هذه الرواية عكست سميرة المانع معاناة امرأة عربية تلتحق بمن تحبه في لندن حيث للمرأة، كما نعرف، الحرية العاطفية الكاملة، لكن بطلتها تصطدم بموضوع الحب كعاطفة إنسانية معقدة،كيف يعيش ويتطور في مجتمع مادي وحياة صاخبة. لقد علق عليها الناقد اللبناني سمير الصايغ في صحيفة الأنوار البيروتية حينها بما يلي : " مع رواية سميرة المانع (السابقون واللاحقون) التي صدرت حديثا من دار العودة، نسمع صوتاً عراقياً لم نسمعه من قبل، يأتي بسيطا وعميقا في الوقت نفسه، خالٍ من الادعاءات الطليعية والفلسفية السائدة في الكتابات الروائية الحديثة. أنها لم تكتب روايتها الأولى للتعبير عن مشاعر وأحاسيس مكبوتة، كما هي العادة في أدب النساء. يحمل أسلوبها، إلى جانب بساطته ومباشرته، حرارة ناعمة سرعان ما تغزو القارئ وتدفعه، بعد الانتهاء من القراءة، إلى حوار صامت وسري مع نفسه" الشيء اللافت للنظر لقد وضع سمير الصايغ عنوانا في الصفحة كبيرا مستعرضا الرواية يقول فيه :
(من أراد أن يُطيل زمن الحب عليه أن يُطيل القدرة على احتمال الألم) أظنه كان موفقاً في هذا العنوان وقد أصاب في التشخيص.كما وجد بعض النقاد روايتي (السابقون واللاحقون)والأخرى التي لحقتها والتابعة لها بعنوان(الثنائية اللندنية) أنهما عالجتا ظاهرة المثاقفة مع الغرب بنجاح، كما تقول الناقدة إيمان القاضي في كتابها (الرواية النسوية في بلاد الشام)، مثلاً."
على أية حال، أكملت سميرة المانع مشوارها الروائي بالرواية الثالثة (حبل السرّة) التي تسلسلت في مجلة (الاغتراب الأدبي) الصادرة من لندن، ثم طبعت في كتاب على حسابها لخطورة المواضيع التي عالجتها ونكوص الناشرين عن الخوض بها بسبب الرقابة، سنة 1990.كانت تتعلق بظروف الحرب العراقية / الإيرانية وما جرّت هذه الحرب على العباد من مصائب وما كشفتْ من إختلالات في َمن أشعلها. بعدها نشرت رواية (القامعون) سنة 1997 وهي صدى للظروف الاجتماعية السيئة القديمة والجديدة التي أخرتْ العراق وجعلت المرأة ضحية سهلة منكوبة، يالإضافة إلى طرحها فكرة القمع المستشري بالبلاد المحرومة، المظلومة، ولجوء المقموع إلى القمع حين يحصل على الجاه والسلطة كما ظهر في معظم البلدان.
الرواية الخامسة تعتبرها المؤلفة خلاصة تجربة الغربة والبحث عن المسبب، حين تهرب الشعوب من أوطانها بسبب التسيد وحب العظمة والطغيان عند الحاكم فيحاكيه قسم من الرعية بالفساد والأنانية نفسها كما حصل بالعراق مؤخرا، فطيلة الوقت لا همّ للحاكم هناك إلا قول (أنظروا لي، أنظروا لي وحدي).فسميت الرواية (شوفوني..شوفوني).

الأغتراب الأدبي :
تعتبر مجلة(الإغتراب الأدبي)من أهم وأطول محطات سميرة المانع. أصدرتها مع صلاح نيازي سنة 1985 بشكل فصلي واستمرت مدة 17 عاما. كانت سميرة قد عاهدت نفسها بعدم مواصلة إصدار المجلة حين يسقط النظام القاسي بالعراق، وحسب تعبيرها : " لن يكون هناك حاجة للاغتراب " وفعلا كما لو تدخلت قوى الغيب، ببساطة حدوثها المعهود، فامرتها بالتوقف عن الصدور نهاية سنة 2002 وكأنها كانت تعلم ان النظام سيسقط فقالت : كفى. هذا أمر في منتهى الغرابة بنظرها. واكب صدور هذه الدورية الصغيرة فترة حصار كثيف وتعتيم على الثقافة الهادفة والمثقفين العراقيين التقدميين، من الصعوبة أن يكتب المرء ما كان يدور بخلده صراحة وعلنا،ً وكثيرا ما دفع البعض حياته ثمناً للتفوه بكلمة. كانت المجلة نافذة مشرّعة لحرية النشر والتعبير، لا يعتمد فيها إلا على جودة النص، وهذا شعارها منذ مقدمة العدد الأول.
مسرحية الصف فقط:
مع نشوب الحرب العراقية / الإيرانية، في بداية الثمانينيات، كتبت هذه المسرحية. طرحت مشكلة المجتمع المتخلف تجاه المرأة المفكرة والعاملة لأنها دائما بنظره مجرد جسد فحسب. لم تمثل في البلاد العربية لكنها لاقت اهتماما عندما مُثلت على مسرح جامعة (بافلو) في نيويورك، خريف سنة1990، أثناء ما كانت المؤلفة مدعوة في (برامج الكتابة العالمي) الذي تقيمه جامعة (أيوا) سنويا مع أدباء من كافة أنحاء العالم، لمدة ثلاثة أشهر. و لسميرة مجموعتان قصصيتان صدرتا أثناء مشوارها الأدبي هذا، هما(الغناء) و (الروح وغيرها) أمتازتا،ككتاباتها الأخرى، بالعودة إلى أجواء أليفة كدنا ننساها كما يقول الناقد العراقي عبد الجبار عباس ويكمل في كتابه (في النقد القصصي) قائلا : " أو نـيأس من رؤيتها في أعمال قصاصينا، لفرط ما بالغوا قي الابتعاد عنها، ولفرط ما شُغلنا نحن عنها بهذا الجديد القصصي الذي طغى من حولنا طغيانا افتقدنا، بسببه، في أغلب ما نقرأ ذلك النبع القصصي الدافق الذي طالما أمدّ كتاب القصة في كل مكان : نبع الحياة اليومية التي نعيش ونعرف همومها وصورها ورائحتها والوانها
…".


سنوات الاستراحة

فوزي كريم

مرحلة أول ثورة تموز تعلق أُدباء اليسار الشبان بإضاءات همنغواي، وفي "مقهى السمر" بالمسافة بين تروتسكي ولينين، وفي "مقهى المعقدين" بدخان الوجودية، وفي "البلدية" بفضلات الشوفينية القومية الألمانية. ما كنا ننظر الى شعبنا بتعالٍ، بسبب مقارنته بالشعب الفرنسي أو الانكليزي. الكتاب المترجم لم يمنحنا هذه القدرة على إحالة الخيال الى واقع. كنا في الهفوة التي يغفلها التاريخ. هفوة لغوية، بيانية، وليدة وهن استثنائي في القوة الإنسانية الحية.
فاضل العزاوي في حماسه الستيني أبرع ممثلي هذه الهفوة اللغوية، البيانية:
"حركة التحرر الوطني في بلد مثل العراق لا بدّ لها من أن تدرك الأُسس التي تقوم عليها الحداثة بمستوياتها وعلاقاتها وتشابكاتها المحلية والعربية والكونية، بعد الانتقال الى السلطة، كلحظة فيها تختلف عن لحظة ما قبل السلطة. إن هدف حركة التحرر الوطني ليس الثورة بحد ذاتها وإنما التغيير التاريخي للمجتمع، أي الانتقال من لحظة الى أُخرى ومن زمن الى زمن جديد. وهنا تكون المهمات الأساسية للثورة، وهي مهمات لحظة الحداثة تلك في الوقت ذاته: تعميق الوعي بالحرية الفردية والسياسية والاجتماعية..." (ص76)
إنه يرى القيمة الحقيقية لأي كاتب عربي تكمن في ما يسميه الروح النقدية التي "تهدم وتبني في آن، أن تحفر ممرّاتها في دهاليز الواقع المعتمة ومنارات الحلم البعيد الذي يرتبط باليوتوپيا، أن تكشف العلاقة بين الخاص والعام، بين المحلي والعربي والعالمي، بين الحاضر والمستقبل." (ص71) تبدو حريته طليقة بلا حدود في اجتراح خيوط اتصال بين دهاليز الواقع والتماعات اليوتوپيا، بين الخاص والعام، والمحلي والعربي والعالمي، والحاضر والمستقبل، ما دامت خيوطاً لغوية، بيانية متوفرة بالمجان. يعزز هذه الحرية الطليقة بلا حدود كونها مستوحاة بالمجان من كتب الغرب المترجمة أيضاً. ما من خسارة ولا جهد هنا. هذه خصيصة جوهرية في تطرف ستينيينا، تبعدها عن تطرف ستينيي روسيا القرن التاسع عشر.
جيل الستينيين الروس جاءوا مع القيصر اليكساندر الثاني الذي شرع بمرحلة الاصلاح، والتي توجت بتحرير العبيد عام 1861. كانت منجزات الإصلاح كبيرة، لعل أبرزها حرية المفكر في الحوار والاجتهاد. ولكن هذه الحرية لم تمنح الستينيين من المثقفين الشباب إلا معانقة أكثر الأفكار لا واقعية، والطمع بتغييرات جذرية تذهب مدى لا وجود له إلا في المستحيل. كان دستويفسكي واحداً منهم، إلى أن حكم بالاعدام (عام 1849)، ونفذ منه بمعجزة. بعدها عاد الى الانسان، يعالج أهواءه ومخاطر أفكاره.
الستينيون العراقيون حققوا هويتهم داخل حركة ثقافية استثنائية في مرحلة حكم العارفيْن، التي جاءت مثل هدأة صمت، بعد مرحلة "البعث" الانقلابية الدموية. لم تكن مرحلة إصلاحية، بل مرحلة فراغ، والسلطة فيها ليست كلية الحضور في حياة الفرد والمجتمع. هذه الهدأة منحت الستينيين فرصة الحركة والحياة بطلاقة غير معهودة. سامي مهدي يفتتح كتابه عنهم بقوله: "كان إرهاب السلطة العارفية يخيم على العراق كله، وكانت السجون تكتظ بالمناضلين، والمقاهي تعج بالعاطلين عن العمل والمفصولين منه لأسباب سياسية، وكانوا هم، أو أغلبهم، شباناً خرجوا تواً من تجربة سياسية مريرة تفوح منها رائحة الدم..." (ص17) سامي مهدي كتب ذلك عام 1994، أي بعد ثلاثين عاماً، وعلى امتدادها، من تجربة حكم "البعث"، التي لم يشهد العالم شبيهاً لها في دمويتها. رائحة الدم التي تفوح من تجربة الستينيين السياسية لا صلة لها بمرحلة الهدأة العارفية. بل هي رائحة مخالب المناضلين التي جربت جسد الأحياء في 1963، وسعت طوال سنوات الهدأة لشحذ المخالب من أجل المذابح التالية.
فاضل العزاوي أكثر نفعاً في إبراز مفاتن الستينيين الصارخة، فلنتابعه يؤرخ لهذه المرحلة:
"كانت اللوحة السياسية في عراق منتصف الستّينيات متنوعة، تحمل أثراً من كل لون، أكسبها ذلك الغنى الثقافي الروحي الذي أضفى على الحياة بهجتها المفتقدة منذ زمن طويل. وكان سر ذلك كله يكمن في ضعف الدولة وكفّها عن التدخُّل السافر في حياة الناس، ذلك النزوع الذي يشكل الجوهر الفعلي لكل الدكتاتوريات. وفي مقابل النزوع التسلطي للدولة على المجتمع كان ثمة انحسار كامل في النزوع التسلطي للأحزاب والحركات السياسية لفرض وصايتها الاديولوجية على الناس مثلما كان يحدث في الماضي. كانت الحياة نفسها قد فرضت هذا التطور الذي مكّن الشعراء والكتاب من العودة الى أنفسهم والتفكير برؤوسهم بدل التفكير برؤوس الآخرين". (ص161-162)
ما معنى أن تكون الحياة نفسها تفرض التطور وتعيد الشعراء والكتاب الى أنفسهم، دون تأثير من النظام السياسي؟ فاضل العزاوي لا يريد أن يُعطي للشيطان حقه، إن صح التعبير الانكليزي. إنه، وسامي مهدي، يجدان الفترة مظلمة لأنها لم تمنح المثقفين فرصة تجريب النظرية الثورية في الفعل الثوري الانقلابي. المثقفون كانوا طلائع الأحزاب الثورية، التي كانت بدورها طليعة الجماهير. والجميع بدأ يستثمر سنوات الاستراحة القليلة لتأليب النفس باتجاه "حلمه الفردوسي": البعثيون يحذرون من الدكتاتورية العسكرية المقبلة. القوميون يجربون انقلابهم الذي فشل. شيوعيو القيادة المركزية "يفجّرون القنابل في الشوارع ويحلمون بالزّحف الى بغداد من الأهوار".
_____________________

* من كتاب تهافت الستينيين الذي سيصدر عن دار المدى


صدر حديثا عن دار (المدى) . ."المسعودي، هيرودوت العرب"

ابراهيم حاج عبدي - دمشق
صدر مؤخرا، عن دار المدى بدمشق، وضمن سلسلة "البحث عن الشرق"، كتاب جديد بعنوان "المسعودي، هيرودوت العرب"، وهو من تأليف المستشرق الروسي دمتري ف. ميكولسكي، وقام بترجمته إلى العربية د. عادل إسماعيل، بينما راجعه د. نوفل نيوف.
الكتاب، وكما يشير العنوان، يتناول حياة المؤرخ، والرحالة، والجغرافي العربي المسعودي الذي أطلق عليه الباحث، والمؤرخ الفرنسي م. دوسون لقب "هيرودوت العرب" بعد أن أدرك الأهمية الكبيرة للأعمال، والمؤلفات التي وضعها المسعودي، ومن هنا جاء عنوان الكتاب.
ولد المسعودي، في بغداد العام 896 ميلادي، لعائلة بغدادية كريمة تعود بنسبها إلى محمد عبد الله بن المسعودي أحد أحفاد صاحب الدعوة الإسلامية النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويعد كتابه المعروف "مروج الذهب ومعادن الجوهر" واحدا من أهم، واضخم المراجع التراثية العربية المتداولة حتى يومنا هذا، وقد وصفه المستشرق الإنكليزي المعروف هـ.أ.ر. جيب بالقول إنه "واحد من خيرة الكتب باللغة العربية".
يرى ميكولكسي ان المسعودي هو "أول من تمثّل وقدّم، من بين الكتاب، تاريخ الإسلام، والدولة العربية الإسلامية، أي الخلافة، كمادة للقص الشيق، والمختلق في الكثير من جوانبه". ولم يكتف المسعودي بالتبحر في بطون الكتب، والمجلدات، علما أن سعة اطلاعه وغزارة معارفه في هذا المجال كانت مذهلة حقا، "بل سعى كذلك لدراسة العالم الذي عاش فيه، فكان فضوله النبيل دافعا للقيام بأسفار كانت تمتد سنوات عديدة في بعض الأحيان، فزار ووصف قسما كبيرا من الأمصار التي كانت معروفة للعرب والمسلمين، وترك توصيفات للشعوب التي قُدّر له أن يعيش بين ظهرانيها. وجمع معلومات صحيحة عن البلدان التي لم تتح له زيارتها. وغدت أخباره عن العديد من الأمصار، والشعوب القاطنة فيها، مرجعا مهما للمؤرخين والجغرافيين والاثنوغرافيين. وإذ درس بتمحيص ما رآه بأم عينه، أو سمعه من أناس ثقاة، ودأب على فرز الصحيح عما يناقض الحقيقة، حسب رأيه، فقد حل المسعودي مسألة من مسائل علم الجغرافيا المهمة في عصره مكتسبا بذلك، للأبد، شهرة جغرافي عَلَمٍ، ورحالة بارز".
توفي المسعودي بعد بضعة اشهر من إنجاز الصيغة النهائية لمؤلفه "كتاب التنبيه والإشراف" في العام 956 ميلادي، ورغم انه وضع قرابة ثلاثين مؤلفا في مختلف ميادين العلوم العربية
الإسلامية غير أن المسعودي لم يقدم معظمها للوراقين ليقوموا بنسخها، وبذلك ضاع الكثير من إرثه التاريخي المتميز.
الكتاب يتناول حياة هذا المؤرخ العربي الكبير، ويقدم في البداية لمحة عن الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في بغداد (عاصمة الخلافة العباسية) التي نشأ المسعودي فيها وترعرع، ثم بدأ، وهو لم يتجاوز العشرين، رحلاته التي استمرت أربعين عاما، قُدر له خلالها أن يزور بلاد فارس والهند وساحل أفريقيا الشرقي، وشبه الجزيرة العربية، والقوقاز، وأن يطوف سورية ومصر، وفلسطين، فضلا عن موطنه العراق الذي أقام في العديد من مدنه في الفترات الفاصلة بين رحلاته إلى بلاد الغربة.
ويشير ميكولسكي إلى ان رحلات المسعودي هذه "لم تكن لها علاقة بأية مهمة رسمية أو أغراض تجارية أو مسائل ذات صبغة دينية. إن الدوافع التي حثت هذا العالم على مغادرة أماكن إقامته الطويلة ومواجهة العديد من المتاعب والأخطار، دوافع في غاية النبل، فالمسعودي يصبو إلى معرفة العالم وعجائبه وسننه، ويتطلع إلى توسيع تصورات معاصريه عن المعمورة وحياة العديد من الشعوب".
يحفل الكتاب الذي يتجاوز عدد صفحاته 200 صفحة، بالكثير من القصص والحكايات والنوادر والطرائف التي تروى على لسان المسعودي، ويتضمن كذلك وصفا دقيقا للرحلات والبلدان والمناطق التي زارها، ويقف عند أهم المحطات في حياة هذا المؤرخ العربي الكبير الذي يتمتع بمكانة مرموقة، سواء على المستوى العربي ـ الإسلامي، أو على المستوى العالمي.


دعوة عرفان الى عشاق بغداد  .. مشروع إعادة بناء المدينة المدورة في الكرخ

د.علي ثويني
[email protected]
(بأسم الله والحمد لله، والأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) جملة قالها أبو جعفر المنصور ليشرع العمل بعدها في مدينته بغداد المدورة في الكرخ. أختير لها أسم "دار السلام" وكنيت بـ"صرة الدنيا" ثم بـ"أم الدنيا" وأطبقت شهرتها الآفاق وتقمصت أسمها مدائن الأرض تيمنا وشغفا، حتى أن سابقتها القسطنطينية أمست (بغداد البسفور)، وكني كل مرفه وباذخ بـ(متبغدد)، وظنتها أجيال من الغربيين بأنها بابل العتيقة الماكثة كالعنقاء.
شرع العمل في بناء (المدينة المدورة) يوم 23 تموز 761 م. وانطلقت الورشة بمئة الف عامل يشرف عليهم المعمار الحجاج ابن أرطأه وبمساعدة عبدالله بن محرز وعمران بن الوضاح وشهاب بن كثير وبشر بن ميمون. و اشرف على إدارة المالية وتخمين الجدوى الفقيه الأعظم أبو حنيفة النعمان الذي كان قد استحدث طريقة رياضية سبق واستعملها في بناء واسط. وتصاعد مدد المدينة وتوسعت نحو الرصافة تباعا ووطأ عدد ساكنيها المليون ونيفاً، وعانت من الحروب والقلاقل والفيضانات. ثم أهملت المدينة المدورة و أفل نورها بعد أن سقطت بغداد كلها بقاضية المغول في 10 كانون الثاني 1258.
لقد استعمل في تنفيذ البناء نظام الفرق العاملة بالتوازي و شرع أولا ببناء القصر والمسجد الجامع,أما الأسوار والارباض فقد قسمت الى أربعة قواطع يشرف على كل منها أحد المهندسين .و أمسى رمزيا وقدسية مركز دائرة المدينة نفسه مركز دائرة القبة الخضراء التي سمت لأربعين مترا، في قلب القصر الذي أبعاده 200 م مربع.أما المسجد المحاذي للقصر من جهة القبلة فابعاده 100 م مربع.
ويطوق البناء خندق مائي عرضه 6م ينهل ماءه من نهر كرخايا. وكان البناء يشتمل على ثلاثة أسوار متتابعة ، الوسطاني فيها أضخمها واكثرها سمكا وارتفاعاً وتعلوه القباب فوق الطاقات الموالية للمداخل. ويحيط بكل سور فيصل فارغ من البناء يدور حولها بغرض حركة الحرس الدائرية . وكانت للمدينة أربعة أبواب بأسماء البلدان المتجهة إليها وهي الشام والكوفة والبصرة و خراسان والمداخل من النوع المنكسر لغرض الحماية وتعلو كل مدخل قبة باسقة لغرض الاستدلال عليه من بعد . أما المرافق السكنية والخدمية للعامة فتقع بين السورين الأوسط والداخلي .
وجاء مخططها على شكل أرباض قاطعية الشكل مقسمة للدائرة وتشتمل على ديار إرتفاعها من طابق واحد حتى ثلاثة طوابق تطوق في العادة حوشاً سمائياً، وهي سنة بنائية واردة من الأعراف التخطيطية العراقية .ولقد أستعمل الطين بصيغه الساذجة والطوبية ثم الآجرية أو المحروق(صخريج) بحسب الحاجة له. وأكتنفت بناء الأسوار مساند نصف أسطوانية كما هي واردة في البناءات العراقية تحاشيا لظاهرة الإنبعاج الهيكلي، الحاصل في الحيطان الصفيقة، بما يحاكي تماما أسوار مسجد سامراء وقبله حصن الأخيضر. وقد سقفت البناءات بالعقود والطوق والقبوات وكذلك القباب.واستعمل الحد الأدنى من الخشب، لاسيما في التسقيف بطريقة الجسور الخشبية على بحور محدودة ومعقودة بالآجر في حرم المسجد واروقته، وكذلك في أساطينه (الدلكات) . و كانت الأساطين تعمل عادة من قطعتين معقبتين بالعتب والغرى وضبات الحديد . وأستفيد في التنفيذ من خاصية ملاط الجص العراقي الذي يتصف بسرعة جفافه(شكه) كمونة للصق الآجر .أما اللمسات الفنية فجسدها الجص البسيط والملون(الفريسكو) والمنقوش بالحفر وربما بعض عناصر الريازة بالآجر.
لقد مكثت المدينة صامدة ردحا ،و سرعان ما دب بها الخراب بعد أن أنتقل الخاصة والعامة منها الى الرصافة ثم الكرخ ثانية و امست مدينة بغداد المنتقلة، تأخذ شكلا شريطيا مسترخيا على جنبات مجرى النهر. وجاء خرابها تباعا متداعيا من الصراعات السياسية وحروب الأخوين الأمين والمامون لا سيما حصار ابن طاهر قائد جيوش المأمون لها عام 814م وضربها بالمنجنيق . ومما زاد الطين بلة الإهمال الذي أصاب المدينة عند انتقال العاصمة منها الى سامراء لمدة نصف قرن على يد المعتصم عام 835م. وفي عام 940 م تهدم قصر الذهب بسبب الإهمال والمطر الشديد، سبقه الخراب الذي خلفته ثورة المساجين على الخليفة المقتدر عام 919م وتكسيرهم أبواب المدينة، ثم فيضان دجلة المهول عام 942 م، كما يذكر ذلك المقدسي .و أدى الأمر الى سقوط الطاقات ثم تلاه اقتلاع بيبانها الحديدية من قبل معز الدولة البويهي ونقلها لقصره عام 961 م. ويبقى وصف ابن بطوطة لمسجدها، الذي زاره عام 1327 من أواخر التواريخ لآثار المدينة المدورة التي درست لاحقا .
وفي القرن العشرين وفي زمن المخاض الجديد لبغداد ،اجتهد لفيف من الباحثين وعلى رأسهم يرد اسم هرزفلد وكريزويل ومصطفى جواد وأحمد سوسه ،الذين لم يتركوا وصفاً مدوناً لها دون إخراجه وأهمها ما ذكره الخطيب البغدادي وأبن الجوزي وياقوت الحموي وأسحق الأزدي واليعقوبي. وبعد التمحيص والمقارنة في الروايات، ومحاولة تحديد قطر المدينة من خلال إعادة قراءة المقاسات التي حددت بالذراع والذي قدر بـ51 سم تقريبا .ومن خلال تحليل حساب المحيط استقر الرأي على أن قطرها يبلغ 3151 م .وهذا المقاس أعتمده المعمار (لسترانج) في إعادة تخطيط المدينة وتجسيد صورتها الأولى.وقد حاول إظهار المساقط كلها والتفاصيل البنائية والزخرفية في الرسم ، بما يمكن أن يكون اجتهاداً لا يدانى، بما يتطلبه ذلك من خيال جامح، يرافقه التبحر في ماتبوحه مواد البناء المستعملة،ومقترنا وملما بخصوصيات طرز البناء المستقاة من المقارنات التاريخية ،كما الحال في الكوفة وواسط و سامراء والرقة وقصر الأخيضر.
وقد حث الخطى المعمار والحفري الأنكليزي كريزول (1879-1974م) والعالم العراقي د.مصطفى جواد (1904-1969) في نهاية الأربعينيات بمحاولة العثور على اثر يؤكد ما ذهبت إليه الأخبار. وقد نجحوا في العثور على جزء مردوم من الأسوار الخارجية وبعض الطاقات الداخلية في منطقة العطيفية على جانب الكرخ وفي مكان يقع وسط بساتين النخيل، لاسيما المتاخمة للشاطئ وجزء منه يمتد تحت البيوت الشحيحة الموجودة حينئذ، مما استوجب التوقف عن البحث بسبب ما كان يحتاجه ذلك من طاقات لفرق أركيولوجية كبيرة وتمويل سخي من الدولة.
ونقلا عن صحف الحكومة البعثية عام 2000 ، أشارت فيه الى أن جزءا من تلك المدينة موجود حاليا تحت مياه نهر دجلة الذي غير مجراه قليلا خلال السنوات الماضية. و أوضح المسؤولون عن البحث الحفري:( إن الأمر يتطلب مبالغ ضخمة وعملا كبيرا لرفع مئات الآلاف من الأمتار المكعبة من الأتربة والأنقاض ويحتاج الى توفير الآليات الاختصاصية ،وأن كشف الموقع يدويا وبالمعاول أمر مستحيل).جاء الخبر أيام التسول البعثي إبان الحصار الكافر،طمعا في تمرير تجهيزات حفر ضخمة تحتاجها السلطة في مغامراتها حينئذ. ونجزم أن الأمر برمته كان بعيدا عن الواقع،بسبب إحتكار شاطئ النهر لعناصر السلطة، ولايمكن مساسه.
إذا كان النهر غير مساره وأكل جزءاً من الحصن المدور، فلا ضير في أن نزحزح البناء برمته الى داخل البر البغدادي، بإتجاه الغرب، لاسيما أننا نسمع اليوم عن مشروع إلغاء نطاق سكك الشالجية التي تقع تماما على تخوم الموقع،وسيوفر لنا هامشاً جيداً من حرية الإسقاط. وإذا أقتضى الأمر يمكن تلافي بعض الصعوبات بتغيير البنية التخطيطية للأحياء السكنية، ان يتحرك بإتجاه أرض مطار المثنى الخالية الخاوية على عرش صرح مسجد ضرار، أراده صدام أن يكون دعاية "لأيمانه". وهكذا فأن نطاقاً إسقاطياً بحدود أربعة كيلومترات، يمكن أن يتوفر في هذا الموقع الذي يقع جزء منه مطابقا لموقع مدينة المنصور المدورة ،ولاضير في أن نمرر نفقاً من تحته لجزء من الطريق السريع المتاخم.
ويكتسي المشروع أهمية كونه نموذجاً رائداً للمدن العراقية المدورة ، وقدوة بنائية عالمية أستلهمت منها بناءات ومدن القرون الوسطى،حتى لنجد ذكرها في كل مناهج الدنيا المعمارية. ويمكن أن يكون دورانها الكامل وهيئتها وصرحيتها، مغامرة معمارية بحد ذاتها، تعيد للأذهان خيال العراقيين الجامح، ونزعة بناء الزقورات وبرج بابل.لهذا يمكن أن يشكل إعادة بنائه (
Reconstruction) إقتفاء بالمواصفات التخطيطية التي أنجزها (لسترانج) بحذق، وزيادة المعطيات التي أفرزتها الدراسات الحفرية المقارنة من خلال لجنة دراسات موسعة، بحيث تشكل قاعدة لخطة رصينة ومنهجية للبناء. ويمكن أن تؤخذ بالحسبان بعض التحسينات في الأداء الهيكلي، و التغييرات والإضافات في موقع المشروع ،على أن تحترم المقاييس الفنية في عمليات الترميم ولو الظاهرة منها، كاستخدام نفس مواد البناء التي أنجزت به في حينها مع تحسينات تتعلق بتقنية الإنجاز .
أما من الناحية التخطيطية فربما يربط بمحاور خضر موشاة بالنخيل والمياه ،وترفيهية تربطه بجبهة نهر دجلة من جهة الشرق وبالأحياء المحيطة من الجهات الأخرى التي تكتنف إزدحاما سكانيا سيشكل متنفسا ترفيهيا لها، ومحاور أخرى تربطه مع حديقة الزوراء، وتسهل له حركة السيارات، ويضاف له مشروع مواقف سيارات كفوء وعصري. ويمكن أن يخطط له أن يتصل مع مركز بغداد والكاظمية والمنصور من خلال مترو أنفاق خاص.والأهم في الحبكة التخطيطية أن يرسم له برنامج ناضج وكفوء للجدوى الإستثمارية وإستغلال الفضاءات المعمارية المتعددة. ويستعمل البناء بنشاطات ترفيهية وثقافية وإقتصادية ومهرجانية ورياضية وحتى سكنية وخدمية وترويجية، وإعلامية تعود بريعها لتعويض حجم الاستثمار الضخم الذي أقتضاه المشروع ،والذي سينشط حتما حركة السياحة الثقافية بما يثيره من ذكرى لدى الزائر بخيالات الف ليلة وليلة.
سوف يكتسي المشروع شهرة سياحية، تحتاجها بغداد في قادم أيام النماء، غير تحريكه للإقتصاد خلال مدة الإنجاز.والأهم أنه يعيد لبغداد بعضاً من إعتبارها التاريخي بعد الإهمال والإجحاف الذي لحق بها لسبعة قرون عجاف. ولاننسى أن مشروعا كهذا يحتاج الى طاقات مالية وبشرية كبيرة ، وسوف يكون أكبر مشروع إعادة بناء لمدينة درست في التاريخ،وأجزم أن العراق أحسن حالا من بولونيا مثلا حينما عزمت على إعادة بناء المركز التاريخي لمدينة وارشو العاصمة(ستارا مياستا) التي دمرتها آلة الحرب النازية ومحتها من الأرض.
كل ذلك يحدونا الى التفكير جديا في تبني مشروع عرفان موجه من محبي بغداد والعارفين بجزيل فضلها على الدنيا، وجبرا لخواطر من يتباكى على ضياعها اليوم في الشرق والغرب من العرب والعجم. وربما يلجأ العراق الى إطلاق حملة عالمية تتبناها منظمات الثقافة كاليونسكو والرأي العام العالمي، مثلما حصل مع مشاريع عالمية آخرها كان مشروع مكتبة الاسكندرية، التي كان صدام الأكثر بذخا فيه على حساب جياع العراق.
ربما يكون ذلك قريبا ،يسبقه إعلان للنوايا ودعوة مفتوحة للتبني ، بما يمكن أن يمثله هذا المشروع "الحلم" هدية عرفان مقدمة من محبي بغداد بتاريخ 23 تموز 2011 بمناسبة عيد ميلادها الـ 1250 ، أطال الله بعمرها.


رجاء الصانع. . تفضح أسرار السعوديات في "بنات الرياض"

وارد بدر السالم
قلما حظيت رواية خليجية من شهرة ونقد وتقريع وهجوم وإعجاب، مثلما حصل لرواية (بنات الرياض) للسعودية الشابة رجاء الصانع والتي حصدت الرقم الأول في مبيعات عام 2005 ومثل هذا التناقض الذي شارك به القرّاء لأول مرة في تاريخ الرواية العربية يشي بأن الرواية وصلت إلى أهدافها بيسر وسهولة، وقد حققت نجاحها في الانتشار المطلوب، الأمر الذي يستدعي منا الوقوف أمام هذا العمل الذي أثار الكثير من الضوضاء الإعلامية بمشاركة واسعة من المثقفين ورجال الدين على حد سواء
قال عنها الناقد عبدالله الغذامي: "إن الرواية ذكية وجاءت في الوقت الذكي" ، وهو دفاعٌ صارخ لناقد عُرف عنه اجتهاده النقدي وسعيه إلى تأسيس نقد ثقافي عربي، ولا شك في أن الغذامي أدرك بعد قراءة الرواية أن رجاء الصانع قد اخترقت التابو الاجتماعي السعودي وقفزت على المحرمات اليومية وقدمت عملها كوثيقة من وثائق المجتمع الذي تكبله قيود اجتماعية كثيرة، لذلك جاءت اشتغالات الرواية على هذا الوتر الحساس وهي تدرك حجم المغامرة الأدبية التي انقادت إليها بشجاعة أدبية تحسد عليها كما قال الشاعر والروائي "غازي القصيبي": في عملها الروائي الأول تقدم رجاء الصانع على مغامرة كبرى، تزيح الستار العميق الذي يختفي خلفه عالم الفتيات المثير في الرياض، وعندما يزاح الستار ينجلي أمامنا مشهد بكل ما فيه من أشياء كثيرة، مضحكة ومبكية بكل التفاصيل التي لا يعرفها مخلوق من خارج هذا العالم الساحر المسحور، هذا عمل يستحق أن يقرأ وهذه روائية أنتظر منها الكثير•• ومن ثم تحولت الرواية إلى مادة جدلية دافعت فيها الكاتبة عن روايتها بجدارة أكثر من مرة ونفت أن تكون روايتها حملة ضد فتيات الرياض، مؤكدة في الوقت نفسه أن "ثمة تشابهاً مع الواقع"وكان الشاعر عبدالرحمن العشماوي ـ ذو توجهات إسلامية ـ اعتبر هذا العمل الأدبي " برمته ضعيفاً لغة وأسلوبا" والرواية "خطيئة أدبية" مطالباً الكاتبة "بإعلان براءتها من الرواية" غير أن رجاء الصانع نفت عزمها الاستجابة لذلك المطلب داعية الأدباء والنقاد "النظر إلى الأعمال الروائية على أنها مزج بين الواقع والخيال"وقد وصفت الكاتبة ريم الصالح هذه الرواية بأنها "واقعية حقيقية بعيدة عن الإسفاف" إلاّ أن الكاتب فهد سعود اعتبر الرواية صرعة، كما اعتبر الناقد محمد العباس أن روح الرواية أو لا وعيها ربما، يعكس جانبا من الحداثة الاجتماعية، والرغبة الأكيدة في تحطيم مفهوم البيوريتانية التي يتبناها الرجل كمعتقد لتأثيم كل علاقة خارج أطر المؤسسة والأعراف الاجتماعية، رغم تورطه في تحديها الصوريوكان الدكتور صالح بن معيض الغامدي استغرب إصرار الكاتبة على اعتبارها "أن هموم هذه الشريحة من الفتيات وتطلعاتهن تمثل فتيات الرياض أو السعودية" مشيراً إلى أن ربط مدينة الرياض بأحداث وشخوص أقل ما توصف به أنها صادمة أو في الأقل غير عادية أبداً، وقال عبدالمحسن الرشود: إن هذا العمل الأدبي الجميل يفيد أي شاب يريد أن يتعرف على مرتكزات الفكر النسوي العاطفي المعاصر أو يريد الزواج ويتعرف على الآليات الفنية للحصول على إعجاب الفتاة الإنترنتيةهو بمثابة دليل عاطفي اجتماعي إلى الطريق دون خسائر عاطفية كبيرةكما أنه يشي بالأشياء التي تفكر بها فتيات هذا الجيل، من طرق تعارف، وأسلوب محادثة، وأناقة، وعطور وإكسسوارات، ومكان اللقاءات، وقالت مها فهد الحجيلان: إن الرواية تحاول الكف عن المسكوت عنه في المجتمعأما رجاء الصانع فتقول: بنات الرياض تأريخ لجنون فتاة في بداية العشرينياتأشعر وكأنني أبيع القراء تذاكر لدخول عقلي والتجول فيه بحرية! روايتي الأولى هي هويتي الحالية وجواز سفري، مزدحمة بأفكار وأحلام ومخاوف ومطالعات وأحداث جمعتها خلال عمر قصيرهي فضح مشاغب لأسرارنا أنا وصديقاتي، همومنا، أفراحنا، أحزاننا، أمانينا الكبيرة التي لا نعترف بها أمام الغرباء، دموعنا التي لا نذرفها سوى خلف أبواب موصدةأجد نفسي أقتبس ثانية من روايتي تعبيراً ينطبق علي وهو أنني (إسفنجة) أمتص ما يمر بي من مواقف عابرة في هذه الحياة قد لا يهتم بها الآخرون لبساطتها وتكرارهاوقفت الرواية على فرشة اجتماعية واسعة من الحياة السعودية في أسرارها اليومية عبر استخدام تقنية ( الشات) الكومبيوترية التي أحدثت ضجة في المجتمع المحلي السعودي، بسبب فتاة مجهولة ترسل نهار كل جمعة "إيميلاً" إلى معظم مستخدمي الإنترنت في السعودية تفضح فيه أسرار صديقاتها من الطبقة الأرستقراطية ، وتطل الكاتبة كل أسبوع بتطورات وأحداث شائقة جعلت الجميع بانتظار يوم الجمعة للحصول عليها، وتنقلب الدوائر الحكومية والمستشفيات والجامعات والمدارس صباح كل سبت إلى ساحات لمناقشة أحداث الإيميل الأخير، هذه الرسائل الغريبة قامت بخلق ثورة داخل المجتمع السعودي الذي لم يعتد مثل هذه الأمور، وبعموم الرواية، ولا نريد أن ندخل بتفصيلاتها، كانت الروائية تفرز بناتها المراهقات على أنهن متمردات ويعانين ضغوطاً نفسية واجتماعية كثيرة ويأملن أن يغيرن من الواقع ولو بحده الأدنى، للمشاركة بالحياة من أبوابها الواسعة، وظلت الرواية تدور في هذه الحلقة وتستنتج علائق البنات الأربع من خلال زيجات غرامية قد تفشل وقد تنجح، واعتمدت رجاء الصانع منهجاً فنياً واحداً على مدار الرواية، وهو (الإيميلات) مستفيدة من هذه التكنولوجيا الحديثة كشكل جديد في الرواية العربية، أي أن منهجية الرواية الفنية كانت تستند إلى جدار من الرسائل التي تبعث كل يوم جمعة إلى مشتركي الإنترنت، بمعنى أن (بنات الرياض) هي رواية رسائل ، وهذا ما جعل هذه الطريقة تبدو مملة ومكررة، لاسيما أن الصانع استخدمت أكثر من لهجة محلية وعربية وأجنبية، مما جعلها لا تنسجم كثيراً مع التلقي العام• (بنات الرياض) رواية اجتماعية نفذت الى قلب المجتمع السعودي من بوابة الرياض وكان هذا النفاذ مدروساً بعناية ومخططاً له إلى حد الإتقان، والمؤلفة وهي تشكّل روايتها الأولى من علاقات اجتماعية سرية وتفضحها عبر الرسائل الأسبوعية، كانت تدرك حجم المخاطرة في مجتمع ذي ثوابت معروفة، لكنها كانت تراهن على الذائقة المنفتحة في المجتمع، وهي ذائقة ثقافية في مقامها الأول، لكن المفاجأة أن العامّة من القراء أذكوا روح الجدل الذي لم ينتهِ بعدفكرة الرسائل الإيميلية جريئة كتقنية روائية جديدة، ولكن السؤال: هل أرادت رجاء الصانع أن تحاكم الواقع أو أن تفضحه عبر هذه الرسائل الشائعة في المواقع الإنترنتية المنتشرة في المجتمع السعودي؟ تفصيلات الرواية كثيرة ومتشابكة، والفتيات الأربع اللواتي يشكلن محور الرواية هن النموذج الذي بنت عليه "الصانع" مجتمعاً مخملياً يبحث عن ذاته وسط العلاقات اليومية، ولم تكن الصانع قادرة كثيراً على لمّ شتات الواقع عبر فتياتها الأربع، بتكثيفه روائياً واختصاره بما يسمح للرواية أن تحيط بموضوعتها، إلا أنها آثرت الاسترسال الطويل وتتبعت خطوات الفتيات بطريقة الحكي والقص التقليدي، وهذا ما أفقدها الكثير من خصالها الجمالية، وبدت الرواية وكأنها حشدٌ من السطور المتواليةكما بدت الفتيات الصغيرات أسيرات الروائية وأسيرات الحكي المتراكم كما لو أنهنّ بتنَ في ذمة الدكتورة الجميلة•• رجاء الصانع


من أجل أمّي...
 

هاشم تايه
وجدتُ أمّي حانقة، حانقة عليّ جداً، كان وجهها المحصور بفوطتها الأبديّة السوداء ممتقعاً، وكان الظلام يملأ حفرتيْ وجنتيْها، كانت قد أحضرتني إليها في الوقت الذي تملكه هي، ولا أملك منه، أنا، ولا حتّى ثانية صغيرة، وبنفس عذابها الصموت الذي أخرجتني به إلى الدنيا وجدتُها، وارتعتُ حين رأيتُ تقاطيعَها نهْبَ قناعتها الأليمة الرّاسخة بأنّني المسؤول عن إقامتها في هذا المكان منذ أربعين عاماً... لم أستطع أن أقبّل يدَها أو أرتمي على قدميْها بأشواق الأعوام الأربعين، وانقلبت لهفتي خوفاً في كلّ خطوة قدّمتْني إليها وحين انتزعتْ يدي منّي رأيتُ أسنانها تطبق على إصبع في كفّي اليمنى، لكن لم أر الدم الذي سال وما أحسست بوجع الإصبع المعضوضة في الظلمة الباردة...
أنجاني النهار من عقاب أمّي، لكنه لم يزحزح صخرة الإثم التي جثمت على صدري، ورأيتُ، في نهاري الناجي، الملعقةَ التي تقلّبت، في صباح عتيق، على قرصٍ مشتعلٍ بالنار قبل أن ترتفع وتطير في الهواء، فتحرق في طيرانها، الهباءات الصغيرة الشاردة في الفضاء وتسقط بنارها على كفّي... تلك كانت عاقبة بكائي... ترفع أمّي ملعقة النار بطرف فوطتها العتيدة وتدسّها في باطن يديّ، لتنقذ نفسها من عويلي مصدر عذابها الطويل... وهكذا قُدّر لي أن أرى ثمرات دموعي كراتٍ صغيرة بأغشية رقيقة تنفخها نار الملعقة تحت جلد يدي... كم كان عدد تلك الكرات المؤلمة التي تلقفتْها طفولتي الباكية؟ كم كان عدد الملاعق التي حملتْ جرعاتِ النار وداوتْ بها أمّي، بلا أملٍ، مرضَ بكائي؟ أنّى لي أن أعرف وأنا أجهل أعداد الدموع التي أسقطتْها عيناي في عمر من البكاء؟... غالباً ما كانت عقوبة الكيّ تنتهي بذيل طويل من العذاب، فقد كان يجري إذلالي علناً لأكون درساً لأترابي الذين كانت ترغمهم أمهاتهم على مشاهدة النفّاخات الموجعة التي تشوّه يدي الصغيرة، كنتُ أرتعب كلّما انتُزِعَتْ يدي منّي وعُرِضَتْ بِكُراتِها الرخوة وقد انبثقْنَ من بطن كفّي وظهرها، وتدلّيْنَ بأغشيتهنَّ الصّفر الواهنة، وكان شعوري بالمهانة يُذكي رغبتي في البكاء... كنتُ أُقاوم ناهبي يدي، وأكافح الأصابع الصغيرة التي تنقذف كالدبابيس لتفقأ كراتي المنتفخة فلا أفلح إلاّ بعد أنْ أتكبّد موجة عاتية من البكاء، حينذاك أُطاع ويكون بمقدوري أن أدفن يدي التي عوقِبتْ تحت إبطي...
كانت أمّي تخذلي لتزيد من آلامها، وكنت ألمحها تبكي بلا دموع على طست تتصاعد من قاعه أبخرة مائه الساخن فيما كانت أصابع يديْها العاريتين إلى المرفقين تنتفان بلا هوادة ريش دجاجة غرقت في الحوض المعدني الحامي...
كنتُ أراها بدموعي تمسح ندمَها بساعدها المعروق بالريش المبتلّ كلّما وجدت عزاءها فيما تقوله أمّهاتُ أترابي: "كان الله في عونك".
لم يرحل عنّي بكائي إلاّ بعد أن وسم وجهي بعلاماته، جفنين تورّما، وشفتين تهدّلتا، وأنف انتفخت أرنبتاه، وحزّ ينطلق من بين حاجبَيَّ شاقّاً جبهتي، وبين هذه العلامات كان يشقّ على ابتسامتي أن تجد مكاناً على صفحة هذا الوجه الباكي...
شغلتني عقوبة الليل عن كلّ شيء، وفكّرتُ في أمّي، وقلتُ:
" لا بدّ من أن بكائي البغيض يقيم الآن معها ويُنغّص عليها مكانها الذي فرّت إليه متخليةً حتى عن حياتها".
وصحتُ من دون أن يسمعني أحد:
" كيف أستعيد أمّي الحانية؟"
كانت أمّي ذكيّة، فيوم رضيت بالرّحيل وغابت تركت توأمتها في مكان ليس بعيداً عنّي لتحوم حولي وتتحقّق من علّة بكائي التي قد يكون مصدرها رغبتي في طردها، كما كانت تظنّ، وبعقل شعوري رأيت تلك التوأمة، وعرفتُ أين تقيم، وقرّرتُ أن أزورها من أجل أمي، وهكذا مضيتُ إليها مُجَلّلاً بقناعتي المخيفة التي تقول لي إنّ أمّي تسكن في توأمتها...
وكان عليّ، من أجل أن أدعم نواياي الطيبة في زيارتي، أن أذهب إلى السوق... فاشتريت فوطتيْن سوداويْن، وجوربيْن رقيقيْن، وبلوزة من الصوف بصفٍّ طويل من الأزرار العريضة اللامعة، وخفّيْن خفيفيْن وقنينة عطر بدينة نامت في صندوق مستطيل من الكارتون الصقيل الزاهي، ووضعتُ هدايا أمّي التوأمة في كيس نايلون مزيّن بالألوان وأطبقت بكفي على عروتيْه، كانت يدي تؤرجح الكيس الطويل فأسمع في رحمه خشخشةَ أكياس النايلون التي تحفظ حاجات أمّي وهي تحتك ببعضها وكأنّها سعيدة بتعرّفها على بعضها، وبلهفتها إلى أن تجتمع وتتضام وتتوحّد حين تمتلئ بأعضاء الكيان المنتظر الذي تُحمَل إليه... قرعتُ بابها فتلقاني صبيّ في نحو الرابعة عشرة من العمر، وسمح لي بأن أتبعه في المجاز الضيّق، لكنّه سرعان ما التفت إليّ وقيّد قدميّ في منتصف المجاز بقوله " سأخبرها بمجيئك". وكان عليّ أن أنتظر بكيسي النشوان...
ومن غرفة في آخر الحوش دخل فيها الصبيّ، جاءني صوتها يصرخ:
" ماذا يريد منّي، ألم يكفِهِ قتلُهُ أُمَّه ليأتي فيقتلنيّ ؟"
كان النهار الذي أعادني بهدايا أمّي يوشك على الفناء، ولم يكن أمامي غير أن أنتظر الليل لتزورني أمّي فأقدّم لها هداياها قبل أن تشرع في معاقبتي...

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة