تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من أين يأتينا النقيب والعميد وأبو الحاسبة؟ .. مافيات الممر الذهبي لتجارة المخدرات إلى العراق والخليج

صافي الياسري
تصوير/نهاد العزاوي

نسمع اليوم مصطلحات غريبة صارت متداولة في بؤر الوباء الذي وفد إلى العراق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. مصطلحات مثل (التنارة) والسيكوتيني باتت قديمة لكنها تمثل ان الوباء واحد، وهو إدمان على المخدرات.
وتتطور الأمور أكثر لتنتشر أيضاً حبوب الهلوسة وكذلك (الكبسلة) أما مصادرها فهي بعض الصيدليات والوسطاء وباعة الأدوية على الأرصفة وتأتي كلها في كثير من الأحيان تهريباً، لكنها أوقعت الآلاف من المراهقين في حبائلها حتى أصبحوا مدمنين.. لتضطر وزارة الصحة بعد ذلك إلى إنشاء مستشفى خاص لمعالجة الإدمان هو مستشفى ابن رشد.
يقول السيد علي شمس الدين الحيدري وهو صاحب مختبر تحليلات في شارع المشجر بشارع السعدون إن حبوب الخدر كثيرة وجلها يحتوي على مادة الامفيتامين وهي مادة مخدرة شديدة الفعالية.
أما صاحب مذخر أدوية السعفة في الشارع نفسه فيقول إن أهم الحبوب المتداولة في مجال الخدر هي فاليوم 10 والموكادون والباركيزول والابكيزول والكيتاجين وكلها تأتي من دول الجوار، ويتحدث المتعاطون المنتشرون في البتاويين والسنك والمربعة والميدان وأزقة الكفاح عن تسميات شعبية لهذه النوعيات من الحبوب المخدرة أكثر شهرة وتأثيراً كما يقولون (أبو الحاجب وأبو الصليب) ويقول عدد من أصحاب المذاخر في مناطق أخرى من بغداد. إن الطلب قد ازداد على هذه الحبوب مع ازدياد تردي الأوضاع الأمنية وانتشار البطالة، ويمكن تأشير أوائل التسعينيات كبداية لزيادة الطلب ويقول أصحاب المذاخر أيضاً: كنا نتسلم حصصنا المخصصة من قبل المؤسسة العامة لتسويق الأدوية حسب الكميات الواردة إليها على وفق اتفاقيات (النفط مقابل الغذاء والدواء) ونقوم بتوزيعها على الصيدليات المحسوبة على كل منا إلا أن هذه الكميات غير قادرة على تلبية الطلب الذي لم يتوقف عن الازدياد بشراسة، ففتحت الدولة أبواب الاستيراد الخاص للتجار "دون سقف" وهكذا صارت تصلنا (الحبوب) من كل الأنواع وبالكميات التي نريد ولم يكن هناك من يحاسب أو يتابع مصير هذه الكميات وطرق تصريفها أو استهلاكها وكانت السوق قد وجدت مصدراً آخر مهماً لهذه الحبوب، هو المستشفيات والمذاخر العسكرية ومخزوناتها والتي بدأت تضخ حصتها إلى السوق بعد إجراء عمليات تزوير (تصفير) أرصدة المستشفيات والمذاخر من موجوداتها من هذه الحبوب بتزوير أوراق وقيود استهلاكه! وتبيع المذاخر (بالجملة) موجوداتها من الأدوية والحبوب المخدرة دون اهتمام بما إذا كان المشتري تاجراً أم صيدلياً أو أعضاء في نوادي الكبسلة، ويقول أحد المشترين من هذه المذاخر (نحن كسبة ولدينا زبائن نوصل الدواء إليهم فهناك العديد من القرى لا توجد فيها صيدليات) هكذا إذن.. شبكات إيصال الحبوب المخدرة وصلت إلى القرى وأوجدت لها فيها زبائن، وقال زميل له (نحن نبيع أرخص من الصيدليات. فنحن غير مضطرين لدفع إيجاراتها المرتفعة ومعارفنا يفضلون التعامل معنا، ونحن سلسون بينما ما زالت بعض الصيدليات المتزمتة تطالب المراجع بوصفة الطبيب (الراجيتة) وهنا نتساءل هل أصبحت المطالبة القانونية بالوصفة الطبية تنتمي إلى عصر آخر؟
يقول الطالب زيد عايد الموسوي المرحلة الأخيرة في المعهد الطبي الفني: القليل من الصيدليات ما زالت تتمنع وتطالب بالوصفة وهي في ذيل القائمة تجارياً وستنقرض إذا بقي الحال على هذا المنوال، فالمنافسة شديدة من الصيدليات الأخرى والمذاخر التي تبيع الأدوية مثلما يباع البيبسي كولا.
أحد المتعاطين قال وهو يترنح برغم أن الوقت ما زال ظهراً: كنت مدمن كحول قبل عشر سنوات وأردت التخلص من هذا الوباء فدخلت مستشفى بن رشد لمعالجة الإدمان وهو حولني مشكوراً من كحولي إلى (حبوبي) وإلى عالم الكبسلة! أما كيف؟ فالأطباء هناك يصفون لنا المهدئات لمعالجة الأرق والكآبة التي كنا نصاب بها بسبب الانقطاع عن تناول الكحول وما لبثت هذه المهدئات (الحبوب) أن اصبحت ادماننا الجديد.
وقد حاولنا تقصي الأمر في مستشفى ابن رشد إلا أن الأطباء أخبرونا أنه ليس من حقهم الإدلاء بأي تعليق إلا بموافقة وزارة الصحة وهناك معلومة هي غاية في الخطورة تفيد أنه بانهيار النظام السابق وسلب المستشفيات والصيدليات والمذاخر الحكومية أصبحت صيدلية الرصيف ظاهرة عادية. وهي قادرة على تزويدك بكل ما تحتاجه حتى حقن المورفين والبثدين (الذي تكفي منه حقنتان للإدمان) أما الكلوروفورم وهو (البنج) المستخدم بواسطة الكمامات فقد أصبح هو الآخر مبتذلاً.
وقالت الدكتورة نوال عبد الرحيم (أخصائية التخدير في العمليات الجراحية بمدينة الطب)
الكلورفورم مادة خطرة الأطباء المختصون أنفسهم حذرون في التعامل معها واستخدامها، فخطأ صغير يقود إلى الهلاك. دراسة (التخدير) هو علم قائم بذاته في ميدان الطب فكيف يمكن احتمال رؤية مثل هذه المواد تباع على الأرصفة حتى للأطفال؟ إنها مصيبة، كارثة حقيقية قاد إليها غياب النظام والسلطات الصحية المسؤولة.
وهناك المخدرات المصنعة من نبتة القنب وزهرة الخشخاش فقد تابعنا هذه الناحية منذ أوائل التسعينيات المرحلة التي يمكن القول إنها بداية الإنهيار، إذ تحولت في مناطق الجنوب إلى ظاهرة جلية تتلقى دعماً مباشراً من رموز النظام وأجهزته بشتى الحجج والذرائع وقد استغلت المافيا العالمية فساد النظام ورغبته في نشر تجارة وتعاطي المخدرات في هذه المناطق لتمد اصابعها إلى العمق العراقي وموجدة ركائزها ومحطاتها على امتداد (طريق الحرير) القديم الممتد من الصين عبر أفغانستان وإيران والعراق في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا. وعلى الجانب الإيراني نشطت منطقتا "همت" و"شط علي" ومناطق حدودية أخرى مجاورة تقابلها في الجانب العراقي نواح وقصبات تتبع محافظة العمارة وهي ناحية العزير منطقة (السودة والبيضة) وكذلك مناطق (الصليل وكريشه والاكرح في قضاء الكحلاء وأم حصان في قضاء قلعة صالح كما ذكر العقيد محسن قاسم فهد المدير السابق لاستخبارات شرطة المحافظة، الذي أكد أيضاً ان شرطة المحافظة لم تتمكن خلال مدة طويلة الامن مصادرة ألف كيلوغرام فقط من المادة المتاجر بها والتي تبلغ أضعاف هذا الرقم والمادة الأساسية المهربة عن طريق إيران هي (اركنج الكنابس) ويقول عدد من سكان الكحلاء "إن هذه المواد تأخذ طريقها من الحدود الإيرانية في سيارات عسكرية (سابقاً) وإنهم اكتشفوا ذلك من سقوط البعض من هذه المواد على الطريق التي تسلكها السيارات التي تتجه بحملها إلى مراكز محددة في كربلاء والنجف والديوانية والناصرية حيث يعاد تصديرها إلى دول الخليج ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وحتى إسرائيل.. وهناك طرق صحراوية معلومة تسلكها هذه السلع المدمرة ومنها طريق الحج البري".
اما محافظة البصرة فقد ذكر لنا أحد الضباط وطلب عدم ذكر اسمه (إن بؤر هذه التجارة تنتشر في أبي الخصيب وأم الرصاص والسويب والقرنة والمدينة وحتى قصبات التنومة وبساتينها ويضيف كنا إذا ألقينا القبض على مجموعة من المهربين وبحوزتهم المواد المهربة وهي (المخدرات تحديداً) نفاجأ بإطلاق سراحهم في اليوم التالي على أبعد الحدود بناء على اوامر مسؤولين كبار في الأجهزة الأمنية والحزبية من ذوي النفوذ والعلاقات التي تمتد إلى علي حسن المجيد وعدي صدام حسين). وفي المناطق الريفية والقصبات والقرى التي ذكرنا في محافظتي العمارة والبصرة لن يصدمك كثيراً أن ترى أحدث أنواع السيارات مركونة إلى جانب أحد البيوت الطينية أو مضايف القصب وإذا عرف السبب بطل العجب.
أما التسميات المحلية لهذه المواد فهي (السويكة) والترياق والنقيب والعميد وابو الحاسبة. أما تسمية النقيب والعميد فهي نسبة إلى الكيس الذي يحمل ثلاث نجوم أو خمساً مرسومة على وجهه، وأبو الحاسبة بسبب الخطوط المرسومة على الكيس والتي توحي أنه محسوب (!) وهي خطوط شبيهة بالخطوط المطبوعة على عدد من المواد المستوردة، ويعد (العميد) من أرقى أنواع الحشيشة.
وهناك (السعوط) وهو خاص بزهرة الخشخاش ويسمى في منطقة الكحلاء والمجر الكبير (النقوع) وطريقة استخدامه هي لف المادة بقطعة قماش وغليها بالماء ثم تبريدها وشمها.
وهناك الكثير مما يمكن إيراده في هذا التقرير الذي نعترف أنه سيبقى ناقصاً بسبب عدم وجود (قاعدة معلومات) تبين جداول إحصائية لحجم اقتصاد هذه التجارة، مما لا يتمكن فرد واحد من القيام به ولا حتى مجموعة دون دعم سلطة راغبة جدياً في معرفة ودراسة هذه (الآفة).. في الوقت الذي نجد فيه كل الأصابع تشير إلى سلطة مجرمة عملت كل ما في وسعها لتهيئة السبل لنشوء وانتشار تجارة تعاطي المخدرات وبخاصة في المنطقة الجنوبية تقول السيدة ساجدة أحمد المشاط مهندسة زراعية في وزارة الزراعة (اثناء دراستنا في كلية الزراعة عام 1980 كانت زهرة الخشخاش موضوعاً لإحدى هذه الدراسات، وهي زهرة فخمة أرجوانية اللون جميلة المظهر كبيرة الحجم فاعليتها في عطرها المخدر وترتفع أكثر من متر ونصف وقد أخبرتني إحدى زميلاتي ممن نسبن للأشراف على تنسيق الحدائق الخاصة ببعض كبار المسؤولين في نظام صدام المخلوع منتصف التسعينيات.. إنها شاهدت مساحات معزولة في مزارع هؤلاء مزروعة بهذه النبتة في منطقة الطارمية القريبة من بغداد شمالاً.. وفي شارع الوزراء في مقاطعة التاجيات!


ظاهرة الإدمان وآليات الرد الاجتماعي
 

علي الاشتر

يشكل المدمنون على المخدرات، مصدراً لعشرات المآسي الاجتماعية، فالانحراف السلوكي والتحلل من القيم، والاستعداد للقيام بأفعال تخرج عن محددات القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع سمات تتحكم بقوة في وجود الأفراد المدمنين داخل مجتمعاتهم. وبلغ مستوى الخطورة أن العديد من العصابات الإجرامية تجد في المدمنين الشباب أدوات سهلة التوظيف الإجرامي ولهذا أخذت تعول على استخدام المخدرات والعمل على انتشارها، وحتى الإرهابيون يستخدمون المدمنين في العمليات الانتحارية.
وقد فسر الباحثون العلميون أسباب هزال وضعف الفرد المدمن وتحوله إلى كائن أقرب للحيوان في سلوكه، كما أسهبوا في بحوثهم ودراستهم للوقوف على أفضل الوسائل العلاجية لمرضى الإدمان، إلا أن الأهم هو أن يدرك الجميع أن مصحات علاج الإدمان لا تكفي وحدها للحد من هذه الظاهرة الكارثية، فقد تبين أن العديد من الأطباء والمشتغلين بالمهن الطبية يعانون أيضاً من الإدمان، وأن آليات الرد الاجتماعي هي الكفيلة بالحد من الظاهرة، والمقصود بآليات الرد الاجتماعي هو إشراك ومساهمة كل المكونات الاجتماعية في التصدي لظاهرة الإدمان، وإحدى أهم آليات الرد الاجتماعي هي إشاعة ثقافة التنفير من الأدوية والعقاقير الطبية التي يتعاطاها المدمنون، وإلزام الصيادلة وعياً وتشريعات، في نوع من الصرامة على صرف الأدوية المخدرة والتي تستعمل في علاج المرضى العقليين، ويمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تنفذ مشاريع باتجاه مكافحة الإرهاب عبر إشاعة ثقافة التنفير من الإدمان ومواده، ويرافق ذلك جهد متصل ومستمر لوسائل الإعلام والمؤسسات الدينية، والآباء والأمهات. كما تتحمل المؤسسة التربوية والتعليمية مسؤوليتها في علاج الظاهرة وبالتنسيق مع بقية مكونات المجتمع.
ومن بين آليات الرد الاجتماعي السعي لترفيه الناس والتقليل من الضغوط التي يتعرضون لها بتحسين ظروفهم المعيشية والخدمية، وإشراكهم في الأنشطة التي تساعدهم على الإندماج مع بعضهم وتوفير سبل التفاعل الاجتماعي بين الفرد والمجتمع، وتنظيم الأنشطة التي من شأنها إشاعة المباهج في نفوس الناس. إضافة لنشر الثقافة الصحية النفسية بوسائل غير تقليدية وتعد إعادة تشكيل وعي الأفراد إحدى أهم آليات الرد الاجتماعي. ولا يكون ذلك إلا بمراكز معنية بالتنمية البشرية سواء أكانت حكومية أو غير حكومية.
الإدمان ليس ظاهرة فردية..
إنه ظاهرة اجتماعية، ضحيتها الأولى الشخص المدمن والضحية الثانية المجتمع، ولهذا لا يكفي أن يكون لدينا مصحات علاجية للإدمان وأن نشدد العقوبة على من يتاجرون ببيع المخدرات وترويجها، ولأنها ظاهرة اجتماعية إلى جانب كونها ظاهرة مرضية فإن من الضروري أن نتحاور في كيفية بلوغ وتحديد أفضل آليات للرد الاجتماعي على ظاهرة الإدمان؛ من السهل جداً أن يتحول المدمن إلى انتحاري يفجر ويحرق حتى أطفاله، ويفعل ما شاء الخيال من أفعال، لذا فالظاهرة خطرة حقاً وآثارها لا يتضرر منها المدمنون فقط بل يشمل الضرر بقية المكونات الاجتماعية. وسيكون من واجب الحكومة القادمة والمؤسسات الثقافية والاجتماعية التصدي لهذه الظاهرة الاجتماعية بالوسائل الحضارية التي تتجه إلى إعادة بناء الإنسان وتوفير السياق الاجتماعي والاقتصادي للفرد العراقي كي ينشأ وينمو بوعي راق من الثقافة وقوة الشخصية، التي لا تحتاج إلى حبة صغيرة جداً لكي تشعر بقيمتها وتنتفخ لتحلق بوحي من الخيال الذي تحدثه المادة كيميائياً من خلايا الدماغ. إنها مهمة اجتماعية علينا أن نشترك فيها جميعاً لا أن نتفرج على ضحياها.


زيارة إلى مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية والعصبية .. مثلـث الإدمان القاتـل

 

سها الشيخلي
تصوير: سمير هادي

غالبية المدمنين من إعمار 15-30 سنة، وهي الفئة العمرية الفاعلة في البناء الاجتماعي
اليأس والقلق والكآبة هي الثالوث الذي أخذ بتلابيب بعض النفوس التي لا تقوى على الصمود أمام الأزمات، فكان ان انخرط البعض في دوامة الإدمان على المخدرات في محاولة يائسة للهروب من واقع مؤلم.. وكانت النتيجة الإنهيار التام للصحة العامة والتحلل الاجتماعي، واللجوء أخيراً إلى مستشفى ابن رشد والخضوع إلى برنامج التأهيل. (المدى) زارت المستشفى واستمعت إلى المدمنين وإلى طرق العلاج.

صالة الإدمان
تضم صالة الإدمان عدداً من مرضى الإدمان منهم المدمن على الكحول وآخرون على تناول حبوب المخدرات.. المريض (لطيف) المدمن على تناول حبوب (آرتين) وهو من مواليد 1968 عاطل عن العمل حالياً. كان يعمل في أمانة بغداد. متزوج وله طفلة إلا أن زوجته قد هجرته بعد حالة الإدمان تلك يقول:
- في البداية كنت أشعر بقلق نفسي وذلك عام 1990 وهو تاريخ انخراطي في الإدمان عن طريق أصدقاء السوء حيث نصحني احدهم بتناول حبة من عقار الآرتين التي تعدل المزاج! ومن حبة واحدة في اليوم تطورت إلى ثلاث حبات. أشعر بالراحة عند تناول تلك الحبة
اللعينة وهي تباع على الأرصفة ومتوفرة.. أسعارها ليست مرتفعة. فتارة هي ألف وأخرى بثلاثة آلاف، كما إن بعض الصيادلة الأصدقاء يعطوننا تلك الحبوب. أما إذا ألححت في سؤالك عن الأسباب فهي عديدة قد تكون أهمها فشلي في العلاقة الزوجية وعدم استطاعتي رؤية ابنتي الوحيدة التي أحبها كثيراً، ثم إن زوجتي قد هربت جميع أثاث البيت بما فيها مبلغ من المال دون علمي إلى بيت أهلها.. وكلما ذهبت إليهم للتفاوض والمصالحة يطردني والدها، حتى ساءت حالتي وأصبحت لا أقوى على الوقوف.. احضرني ابن عمي إلى المستشفى الذي دخلته لمرتين سابقتين.. العناية هنا في المستشفى جيدة أعطوني العلاج المكون من نوعين من الحبوب الأولى (لبريوم) ثلاث مرات في اليوم وحبة أخرى اتناولها عند النوم وأظنها مسكنة أو منومة. أما عن أنواع الحبوب التي كان يتناولها طوال فترة إدمانه أي منذ عام 1990 فهي على أنواع منها (ماكادون، آرتين، أبو الحاجب (لا يعرف اسمها الطبي)) يقول: هكذا هو اسمها في سوق المخدرات، الحبة السماوية اللون (كذلك لا يعرف اسمها) ويؤكد المريض حميد أنه نادم هذه المرة وهو محرج وخجل من حالته ومن نظرة المجتمع إليه.. وأنه بعد انتهاء علاجه سوف يذهب للبحث عن عمل ليستعيد كرامته المهدورة.

أسباب متنوعة
الباحث الاجتماعي سعدي حميد محمود من المستشفى يحدثنا عن أسباب الإدمان فيقول أن الأسباب عديدة منها:
1- الاختلاط بأصدقاء السوء الذين يورط أحدهم الآخر.
2- المشاكل الشخصية وأهمها فقدان العمل والإحباط وهما ظاهرتان مستشريتان في مجتمعنا.
3- صدمة عصبية تولد ضغوطاً نفسية مثل الإخفاق في مشروع تجاري
أو سرقة الأموال، أو الفشل في زواج أو الفشل في تجربة حب.
ويؤكد الباحث سعدي أن العلاج بالتخفيف عن التوتر العصبي هو الانجع وقد يفوق العلاج الثاني الذي يعتمد على العقاقير. التخفيف من التوتر العصبي يتم عن طريق جلسات عديدة مع المريض لبحث الأسباب على الإدمان وإمكان حل بعض المشاكل التي يعانيها المريض وزرع الثقة في نفسه المحطمة وخلق الإرادة والعزيمة على تخطي الصعاب مهما كانت كبيرة. البعض يقتنع ويشفى والبعض الآخر يعاود الكرة مجدداً إلى الإدمان وعندما تسوء حالته يعود إلينا.. نادماً. إننا عادة نتغلغل في نفسية المريض ونلاقي صعوبة بالغة في إعادته إلى اتزانه وإلى حالته الطبيعية.
سوء صرف الأدوية
الدكتور علي صبري اختصاص الطب النفسي من العيادة الاستشارية في المستشفى يؤكد أن قلة الوعي الصحي قد تكون أحد أهم الأسباب على الإدمان كما إن سوء استخدام العقاقير الطبية العلاجية والتي تصرف دون استشارة الطبيب تديم حالات الإدمان وتوسع دائرتها.. وإن سوء صرف الأدوية من أطباء غير اختصاصيين يجعل المريض يعتاد على تناول تلك الأدوية. وهناك من الحبوب التي لها القابلية على جعل المريض يدمن عليها منها عقار الفاليوم وريفوتريل، وآرتين ولكنها عقارات للأمراض النفسية وكثرة تناولها تصبح عادة ملازمة للمريض، وهي أول الخطوات نحو الإدمان. ويشير الدكتور صبري إلى أن المدمنين يعرفون العديد من الحبوب التي يتناولونها منها حبوب (الصليب، اتيفان، كجادرين) هذه الحبوب تجعله يشعر بالنشوة والهلوسة ويتخيل أشخاصاً أو أحداثاً أمام عينيه والمسماة بالهلوسة البصرية ومثلها الهلوسة السمعية وكلها سببها الحبوب، وهذه الأعراض معروفة بالأعراض الانسحابية.

ملل من المستشفى
ويشير الدكتور صبري إلى أن العلاج يكون على نوعين هما العلاج السلوكي، العلاج الدوائي.. ويخضع المريض إلى جلسات علاجية على شكل حلقات تهدف إلى مناقشة المرضى المدمنين وبحث المشاكل وطرح الحلول والبدائل.. أما العلاج الدوائي فيعتمد على شدة المرض. قد يحتاج المريض إلى الدخول إلى المستشفى ولكن في حالات الإدمان البسيط يمكن مراجعة العيادة الاستشارية التي يعتمد العلاج فيها على العقاقير والمضادات.. أما عن الشرائح الاجتماعية المؤهلة للإدمان فيؤكد الدكتور صبري أنهم من الشخصيات المضادة للمجتمع كالسجناء وأرباب السوابق والعاطلين عن العمل والفاشلين في إحراز النجاح في الحياة.
ويرى الدكتور صبري أن حالات الإدمان قلت في الفترة الأخيرة وأن المستشفى يشهد انحسار المراجعة بشأن الإدمان ويعقب ضاحكاً أو ربما كان السبب هو السأم والضجر من معاودة المستشفى.

مسؤولية الإدمان
الدكتور عامر عماش حسين معاون مدير المستشفى يؤكد أن مسؤولية تفشي المخدرات تتحملها جهات عديدة منها وعلى رأسها وزارة الصحة التي تتغاضى عن بيع الأدوية على الرصيف في صيدليات الرصيف ومن تسرب الأدوية من المستشفيات ومخازن الأدوية إلى جانب وزارة التربية التي يقع على عاتقها توعية الطلبة المراهقين من مخاطر الإدمان حيث يلاحظ أن الغالبية من المدمنين هم من الأعمار 15-30 عاماً. وتتحمل المسؤولية أيضاً وزارة الداخلية في منع بيع تلك العقاقير في الشوارع العامة وتسربها عن طريق التهريب إلى جانب أنواع عديدة من المخدرات ومنها الحشيش وحبوب الهلوسة. كما أن نقابة الصيادلة هي الأخرى تتحمل المسؤولية في عدم التشديد على الصيادلة في بيع تلك الأدوية إلى طالبيها دون وجود الوصفة الدوائية كذلك للإعلام دور كبير في التصدي لمخاطر الإدمان.. ويشير الدكتور عماش إلى أن العلاج الدوائي يشكل 40% من العلاج أما العلاج التأهيلي النفسي فيشكل نسبة 60%. في الدول المتقدمة هناك عدة فرق تقوم بالتأهيل النفسي إلى جانب الباحث الاجتماعي.
ويؤكد الدكتور عماش أن الأفراد المنتمين إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة هم الأكثر عرضة للإدمان.
وإن ظاهرة الشم لمواد السيكوتين تفشت في الآونة الأخيرة بين المراهقين ولم تكن معروفة في السابق.
وأشار إلى أن النساء أقل بكثير من الذكور في الإنجراف بهذه الظاهرة، وإن كل 4 أشهر يشهد المستشفى حالة واحدة لمراجعة امرأة مدمنة والأسباب عادة هي الفشل في الحياة.. والأحباط والكآبة والقلق.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة