المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مقدمة في الثقافة العراقية .. أسئلة التغيير

طلال سالم الحديثي
تصعب في مثل موضوع هذه المقالة الدراسة الجزئية لعمل او كاتب او اتجاه للوصول الى الاطار الفكري العام الذي يتحرك كل هؤلاء لاتخاذ موقف من هذا الاطار من حيث صلاحيته لليوم والغد. وفي مثل هذه الوقفة يقدم الدارس على مخاطرة فكرية، لأنه يجد نفسه منساقاً الى التعميم حيث لا يقدر على الزعم بانه قد سيطر على جميع الجزئيات التي وجدت او التي يمكنه ان يصل اليها، بل لا يقدر على الزعم بانه يستحضر في ذهنه كل ما اطلع عليه فعلاً من هذه الجزئيات، اذ نحن بحاجة الى معرفة كيف نحول مادة الدراسة الادبية الى حقائق جزئية يمكن استقصاؤها ثم استخراج النتائج منها بوسائل الاحصاء، واغلب الظن اننا حتى لو استطعنا ذلك لبقي من اختلاف التفسيرات والتصورات والمواقف ازاء المادة وحولها، ما لايمكن البحث فيه إلا باسلوب التأمل والنظر.
واذا اخذنا بتعريف (فون غرونبام) للثقافة بـ (انها نظام مغلق مؤلف من اسئلة واجوبة عن قضايا تتعلق بالعالم وسلوك الانسان، يحدد موقع واهمية المسائل فيه سلم من القيم) فان لكل جيل من الاجيال فهماً خاصاً لحقيقة التغيير يختلف عن فهم الجيل السابق له والجيل الذي يليه. والتغيير المقصود في هذه المقالة هو التغيير الحاصل في مجرى الحياة الادبية وفي فنون الادب ومنها الشعر خاصة باعتبارها جزءاً من الثقافة، وهي تريد ان تقف على ارهاصاته الاولى التي نتج عنها ما نتج فيما بعد. فقد كانت الثقافة العامة خلال القرن التاسع عشر تستند الى الجهود القديمة التي تصدع الكثير منها بين الاحداث والكوارث ولم تكن الدولة العثمانية نفسها لتسهم بما يجب الاسهام به لدعم الثقافة العربية.
وفي حالة الادب في العهود العثمانية يقول الاستاذ المرحوم عباس العزاوي "وفي عهودنا الاولى من بداية ايام العثمانيين الى ايام السلطان مراد الرابع كانت (الجهود) فردية جامعة، كل اديب يعمل لنفسه ويتعهد امره وحده بما توحي اليه مطالعاته، وهناك الجهود في الحركة والعجز في القدرة). ولم يكن حظ الشعر باحسن من هذا القرن التاسع عشر، ولم يخرج الشعراء عن الاغراض والصور التي عرفت في الفترة المظلمة. وقد مثلوا هذه الفترة اصدق تمثيل فجاءت مقاييسهم مختلفة وقيمهم مضطربة، وخلت قصائدهم من الجودة والخيال المبتكر لانهم كانوا ينظمون بلا عواطف واحاسيس. وكان النقد في الفترة (1270 هـ - 1854م) تقريظاً ليس فيه نظرات شاملة ولا التفاتات نقدية بارعة، وكان جله مديحا وخلع الالقاب على الكتاب والشعراء، ولم يقدر النقد على ان يخرج عن هذا الاتجاه لأنه صورة للادب الذي انشأه ادباء هذه الفترة، ومن هنا كانت الحياة النقدية ذابلة شاحبة، وكانت المقاييس لا تعدو الاشارات اللغوية العابرة، او الالتفاتات التي تعنى بالمحسنات والزخارف التي نفرت منها الاذواق ومجتها النفوس).
وحينما اطل القرن العشرون واتصل العرب بغيرهم من الاقوام والامم وارسلوا البعوث العلمية الى البلاد الاجنبية، وهبت نسيمات الحياة اخذ الادب يتجه اتجاهاً جديداً، وقد شهدت بغداد في مطلع القرن العشرين حركة ادبية تمثلت في شعرائها الذين رفعوا لواء التجديد كالزهاوي والرصافي، وفي انديتها ومجالسها الادبية والعلمية. وقد ظلت تلك المجالس تعقد ويفد اليها الفضلاء والادباء وتثار فيها النقاشات، فقد عقد الرصافي مجالس في اماكن مختلفة يختلف اليها رجال الفضل والادب، وكان المتردد على هذه المجالس يخرج والنشوة تغمره بما كان يتخللها من نكات وطرائف وبحوث ممتعة ونافعة في مختلف فنون الادب والمعرفة.
وللمرحوم جميل صدقي الزهاوي مجالس لا تخلو من بحوث في العلم والادب ومساجلات في الشعر والنقد، واعقبتها مجالس اخرى زهت برواد الحركة الفكرية الحديثة كمجلس المرحوم طه الراوي الذي قال الدروبي عنه: كان له مجلس جامع عامر يرتاده العلماء والادباء والكبراء تبحث فيه المشاكل العلمية والطرائف الادبية وتسمع فيه اخبار السابقين وتقص ابناء الراحلين فهو اشبه بمجمع علمي او منتدى ادبي او محفل سياسي، ومجلس الاب انستاس ماري الكرملي الذي كانت الموضوعات تدور فيه على شؤون اللغة والادب والشعر والتاريخ والبلدان، وما اكثر تلك الطرائف والنكت التاريخية والنوادر الطريفة التي كان يعمر بها هذا المجلس، بل هذه الندوة الادبية الحافلة. ويندر ان يحل عالم او اديب او مستشرق ببغداد دون ان يزور الاب انستاس في مجلسه يوم الجمعة او في غيره من الايام، وكان يختلف الى هذا المجلس طبقات الادباء والباحثين والكتاب والصحفيين والمحامين والاطباء ممن كان لهم اعظم الاثر في توجيه الحياة الادبية والعلمية في العراق.
وعرفت مدن العراق الكبرى ،لاسيما النجف الاشرف والموصل والبصرة، مثل هذه المجالس العلمية والادبية التي كانت كاسواق العرب في الجاهلية والاسلام. وقد كان لهذه المجالس اثرها في تهيئة حياة جديدة للادب فأخذ يبتعد عن الزخارف ويرمي اسماله التي ارتداها في الفترة المظلمة وبدأ يحيا حياة جديدة لم يألفها في القرن التاسع عشر وفي القرون السابقة التي ران عليها ظلام الجهل.
أسئلة التغيير:
ان المراد بالسؤال هنا ليس صيغته المستفهمة عن شيء يراد بيانه، انما المراد معناه وبنيويته الكاشفة ومفهومه الدال على حقائق جرت وتجري في المسار العام. حقائق التفت اليها ام لم يلتفت اليها ولكنها حاصلة كما انها حملت ايحاءات لم تكن مألوفة في زمنها، فالحجر الملقى في ماء راكد احدث موجة واحدث حركة والحركة هي المسؤولة عنها والمستفهم فنحن مثلاً لا يمكن ان نفهم تجديد الرصافي والزهاوي في شعرهما دون ان نفهم سؤالا كبيرا تجديدياً سابقاً طرحه شعراء البند في زمن سابق على زمنها اذ كان البند (بذرة التجدد المشهودة في حياة الادب العربي عندنا في العراق خاصة) وهذه البذرة كانت من مخترعات العراقيين او هم اول من كتب به في اللغة العربية. كما ان ظهور البند في العراق يعتبر من مظاهر ثورة تجديدية عارمة في الادب العراقي، بيد انه ولد في حقبة كانت الامة العربية فيها ترزح تحت نير العبودية، وكان الركود والتقليد قد خيما على الجو الادبي، وزادته الصناعة اللفظية عتمة على عتمة فلم يتسن لهذا الوليد ان يترعرع ويقف على قدميه، ولو اتيحت للبند غير تلك الظروف التي نشأ فيها وتعهدته قرائح حاذقة والسنة بليغة لكتب له البقاء والازدهار، ولاصبح من الفنون الادبية الخالدة. ومهما يكن من شيء فان هذا اللون من الشعر كان خطوة في تطور القصيدة العربية وتحررها من القافية والوزن المألوفين في القصيدة القديمة، ويمكن ان نعده طليعة للشعر الحر الذي اتخذ الواناً متعددة عند الشعراء المجددين. وقد حاول شعراؤنا في العراق ان يثوروا على القديم، ورفع لواء الثورة جميل صدقي الزهاوي وقد رأينا التجديد في الاوزان والقوافي وبناء القصيدة. اما التجديد في الاغراض والموضوعات فهو تجديد املته الحياة العصرية، فالزهاوي والرصافي والجواهري والاثري وغيرهم كانوا لا يخرجون على شكل القصيدة العربية كثيراً ولكنهم خرجوا على الاغراض القديمة وصوروا ما صوره شعراء الشعر الحر من موضوعات جديدة، لأنهم واكبوا الحياة وتطورها وذاقوا طعم الحرية فهؤلاء الشعراء واضرابهم مجددون في كثير من فنونهم ولم يخرجوا عن بناء القصيدة ويجربوا الشعر الحر. ومن هنا كان هؤلاء طليعة الشعر الجديد في العراق، وحينما ضاق شكل القصيدة القديم بالشعراء الجدد كسروا قيود القافية وجاءوا بالشعر الجديد الذي كان استجابة للحياة العصرية والاتصال الفكري العالمي. وقد حدد السياب بداية حركة التجديد التي قام بها هؤلاء المجددون بقوله: في رأيي ان الجذور الاولى لحركة التجديد نشأت في التربة العراقية. ومن أسئلة هذه الفترة الزمنية
بداية القرن العشرين المهمة في تاريخ الثقافة العراقية ظهور محاولات جديدة في الشعر المنثور الذي لايتقيد بوزن ولا بقافية، وانما يعتمد على جمال الصور ورشاقة الالفاظ وجرسها وتصوير العواطف، وقد سمي ايضاً (الشعر المطلق). كما ظهر (الشعر المرسل) الذي كان جميل صدقي الزهاوي أول الدعاة له في العراق وادعى انه هو الذي استحدثه في الشعر العربي. وقد ثارت عاصفة عاتية من النقد بعد ان نشر جميل صدقي الزهاوي آراءه في القافية ودعا الى الشعر المرسل.
كما ان من اسئلة هذه الفترة ايضاً ظهور عدد كبير (يزيد على العشرين) من الصحف والمجلات كانت الميدان الرحب لكل الافكار والاًراء والمناقشات والمساجلات، بل أن بعضها لعب دوراً رياديا في الثقافة العراقية الجديدة مثل مجلة (لغة العرب) للاب انستاس ماري الكرملي، فقد كان لتلك المجلة الاثر الكبير في خدمة اللغة العربية باختلاف انواعها وتنوع اساليبها، ففيها من افانين الكلام على المفردات والمصطلحات العلمية والفنية والتراكيب والنقد الادبي فضلاً عن المباحث الاخرى، ففيها يجد طالب اللغة مادته التاريخية، وكيف تكون اللغة ذات وشائج قوية بالحياة الواقعية، ويجد فيها الاديب مادة تتصل بالادب ونقده وتاريخه، ويجد فيها المعنيون بالتاريخ، لاسيما تاريخ العراق وثائق ذات قيمة عالية، ويجد فيها طالب الاجتماع مادة تتصل بعادات الاقوام وتقاليدهم وطبائعهم، وعلاقة البيئة بالسكان، وتكيف هؤلاء لهذه البيئة، وطريقة معيشتهم وحرفهم وافكارهم واغانيهم وامثالهم وعقائدهم. ويجد فيها المهتم بالعقائد والنحل والمذاهب مادة تتصل بالبيانات القديمة واصولها ومخلفاتها. وقد كان الاب الكرملي من خلال مجلته (لغة العرب) ومن خلال مجالسه الثقافية التي سبقت الاشارة اليها من اسئلة التغيير في الحياة الثقافية العراقية اذ كان للمجلة اثر واضح في تنشيط حركة النقد الادبي العراقي وتجديده، كما ان المباحث التي افسح لها صدر مجلته في اللغة العربية واللهجات المحلية كانت خطوة رائدة اشاعت انفتاحاً في تقبل الاراًء والاختلاف حولها كما عمقت روح النقاش والجدال في مجالات كانت قلاعا لايجوز الاقتراب منها. كما كانت الصحف العراقية ميدان المساجلات الادبية منذ القرن التاسع عشر وكان لها اثر كبير في تطوير الادب العربي المعاصر. ولم يكن العراق من خلال هذه الصحف بعيداً عما كان يدور في مجالس مصر وصحفها وكتب ادبائها فقد شهد هذا القرن خصومات ادبية واضحة ومساجلات نقدية، وكانت مجلة (لغة العرب) تساهم في هذه الحركة وكان صاحبها الكرملي يكتب المقالات والبحوث دفاعاً عن اللغة العربية وسلامتها، وقد رد على كثير من العلماء والادباء وسجل هذه المناظرات كتاب (اغلاط اللغويين الاقدمين) للكرملي وكتاب (مناظرة لغوية ادبية بين الاساتذة عبد الله البستاني وعبد القادر المغربي وانستاس الكرملي، وصورت الصحف العراقية الصادرة بعد عام 1920 طرفا من ذلك الصراع وتلك المساجلات الادبية والنقدية، وكانت جريدة (الناشئة الجديدة) من الصحف التي حملت لواء النقد ونشرت المقالات الادبية والمساجلات الطريفة التي تعد من اروع ماكتب في تلك الفترة، ومن الذين اشتهروا في ذلك الوقت جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ومحمد بهجت الاثري ومصطفى جواد والاساتذة الملاح واكرم احمد وحامد مصطفى ومصطفى علي وكمال ابراهيم واحمد حامد الصراف ومحمود احمد السيد وابراهيم ادهم الزهاوي وتوفيق السمعاني ورشيد الهاشمي ممن عاشوا في تلك الحقبة او شهدوها.
وبعد فاننا في موضوعة التغيير يجب ان نعترف بان القول ان الانسان ابن عصره يغفل حقيقة مهمة وهي ان انسان العصر، كالعصر نفسه يرثان الكثير من العصور السابقة، كما تبين ان القول بأن الانسان ابن بيئته، يغفل حقيقة مهمة اخرى، وهي ان بين البيئة الواحدة وسائر البيئات اتصالاً واشتراكاً وتفاعلا، يجعل فهم بيئة معينة ناقصاً اشد النقص اذا هو لم يحسب حساباً لعوامل التغيير التي تلحقها في كثير من الاحيان بتاثير بيئات اخرى مختلفة في خصائصها اشد الاختلاف. ومهما يكن فقد ادى جيل هذه الفترة بداية القرن العشرين دورا رائدا في حركة التغيير التي حمل رايتها بشجاعة فيما بعد رواد حركة الشعر الحر الذين كانت على كواهلهم مهمة ان يجعلوا من التغيير تاصيلاً.


تينيسي ويليامز في "الربيع الروماني للسيدة ستون" ..حنين مدمر إلى أمجاد غائبة

دمشق ـ ابراهيم حاج عبدي

"لطالما كتبت لضرورات أعمق مما تتضمنه كلمة (حرفة)"، هكذا يقول المسرحي الأمريكي الأشهر تينيسي ويليامز (1911 ـ 1983) ليؤكد بان الكتابة كانت قدرا له، إذ يضيف صاحب (عربة اسمها الرغبة): "أقول الحق، لم يكن لدي مرة خيار في أن أكون غير كاتب". عمل ويليامز في شبابه في مهن عدة غريبة منها انه عمل "مستخدما في نتف الريش في مزرعة لتربية أفراخ الحمام قائمة على أطراف مدينة لوس أنجلوس"، كما يقول في مذكراته، كما عمل كبائع متجول بين المنازل لإحدى المجلات النسائية الكبرى و"كانت ربات البيوت تصفق الباب في وجهي أغلب الأحيان". لم يبق أمامه سوى الكتابة التي أنقذته، دون أن يساوم بشأنها، "فمعنى أن تكون كاتبا، هو أن تكون حرا"، وفق تعبيره، والكاتب الذي يكتب بقصد "إرضاء الناشر أو حتى الجمهور ليس حرا"، وبالتالي ليس كاتبا، وهو يستشهد بحكمة قديمة تقول "إذا لم تستطع أن تكون ذاتك، فما فائدة أن تكون أي شيء مهما كان؟".
بهذا الفهم العميق مارس صاحب "مجموعة الحيوانات الزجاجية" تجربة الكتابة حتى اصبح واحدا من أشهر كتاب المسرح الأمريكيين المعاصرين. نالت أعماله المسرحية شهرة واسعة، وعرضت على خشبات المسارح في بلاده والعالم بعد أن ترجمت إلى مختلف اللغات. الحوارات المميزة، والمواضيع المطروحة في أعماله والمختلفة عن المسرح الكلاسيكي، لفتت انتباه المخرجين السينمائيين. المخرج السينمائي الكبير ايليا كازان اقتبس عن مسرحيته "عربة اسمها الرغبة" فيلما بالعنوان ذاته لعب بطولته مارلون براندو وفيفيان لي.
اختار صاحب "قطة على سطح من القصدير الحار"، مسارا مختلفا تجسد في التركيز على العلاقات الإنسانية الجريحة والهشة، ليعبر من خلالها عن أوجاعه الشخصية التي رافقته منذ سنوات الطفولة وحتى وفاته وحيداً في أحد فنادق نيويورك. كانت الانطلاقة الأولى لتينيسي ويليامز في مرحلة الأربعينيات بعد النجاح الكبير الذي حققته مسرحية "مجموعة الحيوانات الزجاجية" التي أحدثت، آنذاك، ضجة كبيرة في أوساط المسرح الأميركي. هذا النجاح المبكر لم ينقذه من حياة صعبة، في البدايات، فقد عانى في طفولته من غياب والده "السكير والمهمل". كره الأب وراح يميل إلى الشخصيات النسائية في عائلته، وخصوصا شقيقته روز التي كانت ملاذا له، فارتبط معها بصداقة قوية، قبل أن تصاب بأزمات نفسية وعصيبة ليفقدها ويليامز في الحياة، لكنه يستحضرها، كنوع من التعويض، في أعماله.
رواية "الربيع الروماني للسيدة ستون" من الأعمال الروائية المهمة التي كتبها ويليامز في بدايات مسيرته الإبداعية، وقد ااقتبس عنها المخرج جوزيه كوينتيرو عام 1950 فيلما للسينما تحت العنوان ذاته، اعتبره ويليامز من افضل الأفلام التي أخذت عن أعماله. الرواية ترصد حياة ممثلة مسرحية أمريكية حققت نجاحا واسعا، وسمعت الكثير من كلمات الإطراء، وكانت محط اهتمام الجميع ليس فقط بسبب موهبتها الفذة في التمثيل، ومهارتها في أداء الأدوار، بل كذلك بسبب جمالها الباهر الذي جعلها إحدى سيدات المجتمع الأمريكي المخملي اللواتي يعشن في رفاهية على الصعيدين المهني والاجتماعي.
الكاتب لا يركز على هذه الشهرة، بل يجعلها خلفية زاهية لصورة الممثلة القاتمة بعد أن اعتزلت المسرح وبلغ سنها حدا لا يمكن معه تحقيق مجد جديد. هي الآن تعيش وحدة قاتلة في ربيع روما البارد، بعد أن تعرضت لحوادث ثلاث في فترات متقاربة، فقد تخلت عن مهنتها بسبب فشلها في أداء دور شخصية اصغر منها سنا، وهو دور جولييت في مسرحية "روميو وجولييت"، وبعد هذا الفشل مات زوجها، وبعد ذلك بسنة بلغت "سن اليأس"، وهو إيذان بان بريق الجمال قد خفت كثيرا. كل حادثة، من الحوادث الثلاث، شكلت صدمة قاسية تركت لديها انطباعا بأنها باتت الآن تعيش وجودا بعد الموت. "وانتقت روما لأنها، إلى حد ما، أشد الأماكن ملاءمة لعيش مثل ذلك النمط من الوجود...".
ويليامز يغوص في ذهنية هذه المرأة، يراقب حالاتها النفسية المضطربة، ومشاعرها الغامضة، وعلاقتها المَرَضية مع ماضيها الذهبي البعيد، فهي لا تستطيع أن تتصالح مع سنها الذي لم يعد ملائما لمغازلات الرجال. هذا الرفض للتأقلم مع تيار الزمن الذي يذهب بنضارتها، يقود السيدة ستون إلى ممارسات لا تتناسب مع عمرها. تقيم علاقة غرام، غير متكافئة، مع الشاب الإيطالي الوسيم باولو الذي يواجهها، في اغلب الحوارات، بحقيقة مرة "أنتِ شديدة الاعتزاز بمجدك وثرائك، وصورك في مجلات الموضة، وزوجك الهش الذي خلف لك ملايينه..."، ملمحا، بذلك، إلى أن هذا اصبح وهما ولن يعود.
في السنوات الماضية البعيدة عن هذا الربيع البارد في روما، "لم تكن السيدة ستون مضطرة لأن تتعرف إلى حقائق غير سارة عن نفسها، كانت منشغلة دائماً في عملها وفي تكوين نفسها كشخصية اجتماعية ومسرحية مهمة بحيث لم يتح لها الوقت، حتى وإن توفر لديها الدافع، لتفحص المبررات المستترة في قلبها". لكن فشلها في دور جولييت أتى كالارتطام...حينئذ فقط أدركت أنها كانت تنطلق إلى الأمام وعيناها محكمتا الإغلاق، دون أن تنتبه إلى الزمن العصي على التقدير، الذي لم يتحرك بخطى مسالمة معها بل كان غادرا يعمل ضدها، وأخيرا قابلها وقبض عليها وسط انطلاقها محدثا ارتطاما مهشما".
هذا الارتطام المدوي لم ينقذها من الهواجس المؤلمة، ومن الكبرياء الغائب، رغم غيابها الملموس عن مسرح الحياة العامة كغياب اسمها عن واجهات المسارح المضاءة. ومع أن تواقيع الزمن القاسية تحفر على ملامح وجهها بصماتها البارزة، لكنها لا تستطيع أن تمنعها من أن تتذكر طفولتها الرقيقة في ولاية فيرجينيا الأمريكية، والشهرة التي حققتها على خشبات المسارح، وصفحات الجرائد. "الذاكرة الضعيفة هي مصدر ارتياح عظيم"، كما يقول ويليامز، لكن ما تعاني منه السيدة ستون هو ذاكرتها المتوقدة التي لا تني تعود بها إلى تلك السنوات بنوع من الحنين المدمر. هي تعرف ذلك لكنها تعرف أيضا بأن الواقع اشد إيلاما مما تتخيل، فقد أصبحت الآن ـ حسب وصف الرواية ـ "كقماش الخيمة الذي ينهار ليغدو كومة من الثنايا الرخوة دون وجود العمود الداعم لها". هي التي كانت تسبي القلوب، فيما مضى، بإيماءة سريعة،عابرة من عينيها البنفسجيتين.
ينجح ويليامز في رسم السمات الذهنية والنفسية للسيدة ستون، وهو إذ ينأى بنفسه عن كل ما يعيق سلاسة السرد، فان مهارته تتبدى في وصف الحالة النفسية لها، والقدرة على قراءة مخاوفها، ورغباتها. ولأن صاحب "فجأة، في الصيف الفائت"، عاش في الوسط المسرحي والسينمائي الأمريكي ويعرف الكثير من خفاياه، وأسراره، فانه في هذا العمل، الذي يتمحور حول شخصية ممثلة مسرحية، يوظف الكثير من تلك المعارف منتقدا الحياة في عالم المسرح "لا مجال للعثور على أقل قدر من العاطفة في مكائدها. إنها مرآة تعكس عمل الطبيعة حيث الفرد يطرد بلا رحمة..".
قد تكمن مقولة الرواية هنا، فرغم أن الكاتب، وبالتالي القارئ، لا يتعاطف مع السيدة ستون التي يظهرها ويليامز شخصية متغطرسة، أنانية، وذات سطوة، غير أن حقيقة أخرى تظهر، بصورة لا واعية، وهي الظلم الذي لحق بهذه الممثلة الكبيرة، والمصير المأساوي الذي آلت إليه، فهي أسهمت في تطوير المسرح في بلادها، عبر تجسيدها أدواراً مهمة، ومتميزة، وكانت قديرة ومحترمة طالما كانت قادرة على جذب الجمهور وجني الأرباح لمنتجي المسرحيات، لكنها، الآن، غدت منسية، تعيش عزلة خانقة، بعد أن فقدت القدرة على استقطاب الجمهور. هنا نعثر على انتقاد للعقليات التي تسعى إلى الربح، وتنسى بسرعة أولئك الذين صنعوا النجاح، ومنهم السيدة ستون الغارقة، الآن، بعد رصيد مسرحي متألق، في ربيع روما البارد والحزين.
تكشف هذه الرواية عن العوالم الخاصة التي يتناولها ويليامز في أعماله، فهو يسلط الضوء غالبا على تلك الجوانب المهملة والمنسية في حياة الإنسان، ويسعى إلى إبراز شخصيات تعاني من أزمات نفسية قاهرة، ولاشك في أن ويليامز يستوحي هذا العالم القاسي، من تفاصيل الحياة البائسة التي عاشها في مراحل حياته الأولى. إنه يعبر عما يجول في نفسه، ويحاول أن يدون تجاربه وخبراته في الحياة الصاخبة التي عاشها، وقد دفع ثمنا باهظا نتيجة آرائه ومواقفه الحاسمة، فقد كان على استعداد لأن يساوم حول كل شيء إلا مسألة الكتابة.


في معرض عفيفة لعيبي..تباشير ضوء يغمر المشهد

خالد خضير الصالحي

نعتقد اولا بأمكانية استعارة مفهوم (الايقاع) من ادبيات متعددة وأقربها الى انفسنا شخصيا لعبة الشطرنج، ونعني بالايقاع سرعة تحولات مجرى اللعب بين المراحل الثلاث لدست الشطرنج (=المباراة): الافتتاح، والوسط، والنهاية، كما نعتقده مفهوما يحمل طابعا ارسطيا للتتابع النصّي، وبيولوجيا كذلك، اضافة لمدلولاته المعروفة، لنؤكد انه هنا سيشكل لدينا ما يشبه القانون الذي نضع له صيغة مدرسية مبسطة فنزعم انه يمثل (سرعة الازاحة في اسلوب الرسام)، وبذلك يمكن القول ، استنادا الى قانون الايقاع هذا، فأن ايقاع تحولات بيكاسو كان سريعا ، بينما كان الاخرون يعانون من (ثبات ايقاعي)، اي بتعبير اخر من (جمود اسلوبي)، وهو امر وقع فيه فنانون عراقيون كثر؛ فلم تكن لوحاتهم سوى نسخة مكررة من لوحة واحدة طوال سنوات ، وكان اهم نموذج في ذهننا الان: سعدي الكعبي وعامر العبيدي وسالم الدباغ، بينما يقف على النقيض من هؤلاء الرسام ضياء العزاوي نموذجا لفنان متنوع ومتسارع الايقاع الاسلوبي.
لم يكن اهتمام الرسامة عفيفة لعيبي بقضية الايقاع ضعيفا، بل يمكن اعتباره مختلفا، فلا يمكن مثلا ايجاد لوحتين متشابهتين لها كما هو الحال مع الفنانين الذين يستنسخون انفسهم؛ لذا فهي لم تشغل نفسها ببحوث تجريبية كالتي انشغل بها اولئك التجريبيون الذين حاولوا تفجير امكانات (المادة) التعبيرية كشفيق النواب او محمد الشمري او هناء مال الله الذين تشكل الخامات قلقا دائبا لهم يستخرجون منها ما يسميه الناقد شاكر لعيبي (وحدة داخلية)، كما لم تكرس نفسها لبحوث تحاول تحقيق ازاحة في نسق الرسم الاكاديمي الذي تمارسه كما يفعل الرسام فيصل لعيبي مثلا، فاكتفت بتقليدية مادة التعبير: بالخامات والالوان ورفض الكولاجية مطلقا واقتنعت بازاحة بسيطة في قوانين الاشكال، ونقصد بها قبول التطابق مع المشخص باكبر قدر يحفظ درجة من الاسلوب الشخصي، فكانت اقل (الاكاديميين) مغامرة شكلا وتقنية لونية، ولكنها نقلت مركز الثقل في تحريك ايقاع تحولات التجربة الى عوالم الداخل حيث تظهر شخوصها احتداما داخليا رغم مظهرها الوديع الذي يبدو منسجما مع انسجام طريقة انجاز تلك الشخوص، الا ان المظاهر كانت خداعة في اوقات كثيرة، فتلك الكائنات البريئة نتاج واقع قاس وغير متوازن ، وهي تحمل الاما منه وعقدا لا حدود لها.
كنا نتابع تجربة عفيفة لعيبي منذ سنوات، وكان ايقاع تحولاتها يبدو للاخرين وئيدا ؛ بينما كنا نلمسه وهو يمر كالسحاب بطيئا، ولكنه محسوس للمتابع الدؤوب، فكانت اخر تحولات ايقاع تجربتها في المعرض الاخير الذي سيقام في هولندا في كاليري
De Tee Pauwen في النصف الثاني من شباط الجاري، وفيه تكرس جهدها لاحداث تحول في التواصل الداخلي مع شخوصها، فتحاول ان تخفف من عزلة اولئك الشخوص ووحشتهم وهم يجدون انفسهم يخوضون في : مياه موحلة، وظلام ثقيل، واجواء محزنة مخيبة، فاذا تلك الشخوص تجد الحوادث وقد انقشعت ؛ فبدات تجد اسبابا للتواصل مع المحيط من خلال عنصرين اساسيين: اولهما، محاولتها التواصل مع المتلقي من خلال نظرات المشاركة الانسانية بعد ان كانت عمياء تتلمس طريقها بصعوبة، فاذا هي الان تسترق النظرات الى المتلقي، فتتطلع اليه بحنو يحمل في طياته دعوة للتصالح مع العالم الخارجي الذي ، هو الاخر شهد تحوله الاساس الثاني، حينما انحسر الظلام عن اللقطة، واكتسحها الضوء لاول مرة منذ سنوات طوال، وكأن المشهد لقطة من مسرحية، غمر المسرحَ فيها فيض من الاضاءة الباطنية الشفيفة فانعكست على كائناتها التي تبدو الان وكأنها تقبل على تغيير جوهري في (ايقاع) حياتها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة