المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الحكواتي عبد الستار ناصر

محمد الأحمد

في مجموعة القصص القصيرة (الحكواتي) الصادرة عن دار المدى 2006م، يضعنا الكتاب بمجموع قصصه التسع والعشرين، أمام مجمل المشهد القصصي العراقي الذي امتازت قصصه بتمكن القاص من صنعته، واستطاع أن يقول جاهرا بهذه القصص ما أراد الفنان القدير قوله، فـ(عبد الستار ناصر) حكاءٌ مقتدرٌ يحول الهذيانات إلى حكايات، والحكايات إلى هذيانات.. يعرف جنس القصة معرفة تامة، ويدغم الأوهام بالأحلام، والأحلام بالأوهام، يذهب بقارئه إلى عمق القصة التي يقصها له، يستدرجه بسرد واضح متين قوامه اللغة اليومية الشفافة، وعمقها فعل ثقافي راسخ، قد اتخذ موقفا حادا من الحياة وساستها، ويدرج على لسان إبطاله معينا لا ينضب من المعرفة الدقيقة بقضايا مجتمعه، فشخوصه مواطنون يقطنون محوره، وهي قد تعني احداً ما، وقد لا تعني أحداً بالمرة.. يلملم جراحه بها من بعد أن ضيعه المنفى في قفر المجهول، و أطلقه الخيال إلى جوف المعاني، (مشيت ذهابا، شرقا وشمالا، غربا وجنوبا، اقرأ عناوين مئات الكتب، أفتش عن اوسكار وايلد، ودينو بوتزاني، وهنري ترويا، ضاعت مني صورة دوريان جراي، وصحراء التتار، والميت الحي، ومنذ عشرين سنة مرت على أول قراءة لم اعثر ثانية على تلك الروايات التي جننت بها- ص89).. جاءت حكاياته نزوة لأجل الكتابة، كما حياته نزوة لأجل الكتابة، ورغبة لأجل أن يحرق بها بخوره التي تفوح حرمانه، وتفوح ما يرمي عليه البحر الغريب من بعد أن ربطه الحنين ببغداد، أزمنتها وأزماتها، مقاهيها ورجالاتها، حواريها ودكاكينها، كأنها حنين عَرِمْ يطوف المقهى البغدادي، البيت البغدادي، (الباص) البغدادي، أو الخطوة البغدادية. حروف تصف المستحيل الذي يبكي لهم بأنصاف قصص لأجل أن يبوح له بأنصاف حكاياتهم..
(عبد الستار ناصر) عالم من القص الجميل لا يعوزه إلا المواصلة في بناء الحكاية كقصة (قشرة جوز الهند- ص81) حيث بدأت بوصف رجل أنهكته الخمرة، وتركته حالماً يعيش في مكان موبوء يأتيه بلاغ لستلم ارثه من عمه بعد الحضور إلى محكمة الكاظمية، و(يحقق الحلم في أن يغسل حاضره و فروة رأسه في وقت واحد) وليس في القصة ما يصل إلى نتيجة حيث انتهت بالجملة التالية (تلك الليلة كانت أول مرة يرى الناس فيها، بينما الساعة تشير إلى الثامنة صباحا، رجلاً ينهق.)، ومن بعد أن تعمد تركها، كما أحبها، لكي تخبر عنه، لا هو الذي يخبر عنها. وتأكيدا بان القصة العراقية حضرت المشهد الإنساني كاملا، و بقيت ترتفع برموزها البليغة التي غالبا ما تضيف ابتكاراً، بكل جدية، وجرأة إلى القصة العربية عموماً، رغم المنافي التي تشتت فيها الأديب العراقي، بقيت القصة العراقية تمتاز بعمق أنساني كبير لا يتساوى على الإطلاق مع أقرانها من البشرية جمعاء، فكسبت القصة المكتوبة عن ذلك الجرح صدقا عالياً، جاء كشاهد عيان يدوّن ما نسيه المدوّن التاريخي، وكتب بحسية عالية مُدوَّنَةُ الحاضر عن مشهد الاستلاب الذي نخر الإنسان، وخلفه كالعصف المأكول تحت مسميات الخراب كالقومية وحروب الخليج ومن ثم الحصار الاقتصادي الذي هرس المثقف العراقي، تحت وطأة الجلاد، وحرم بحجته من أي كتاب جديد، من بعد أن بالغ النظام الحاكم آنذاك إمعانا بالإذلال، والإقصاء، وجد العراقي نفسه وقد تعقدت عليه إجراءات السفر يوما بعد آخر، واقتربت أمانيه من المستحيل، والكاتب الأديب بقي الأنموذج الرمز يطلّ من مرتفع شاهق لا يمكن حجبه. مثبتاً شهادته الواضحة رغم التعتيم القاهر المقدر على الألم العراقي الذي كان يقاسيه كل من بقي، ولم يهرب إلى المجهول. برغم محاولات كبحه بالتغاضي، أو بتتفيه مآربه. وقد جاءت القصة رديفاً لبقية الأجناس الأدبية كأداة بوح بارزة، وقد احتكمت على لغتها المشحونة بما يريد القاص، ونجده هنا أو هناك ارتقى إلى مصاف القصة العالمية، قد عرف أسرار اللعبة القصصية مثلا قصة (المطعم التركي)، حيث يكون البطل المحور هو نفسه القاتل والقتيل، وكما في قصة (المبدع الكبير) التي تناولت ثقافة الزيف والتهشيم، بكل موضوعية، وتبعتها قصة (بائع الجثث- ص75) التي أثارت أسئلة حتى دارت الدنيا على بطلها الذي بيعت جثته بـ(بلاش) من بعد أن كان يبيع كل جثة تمر بين يديه، ولان كاتبها قد نسجها باقتدار النساج الماهر الذي تفوق صنعته أحيانا لما يأتي في أحيان كثيرة، كما ذهب إليه مقصد الشاعر العربي الكبير ادونيس؛ (بدل أن يفهم الماضي بوصفه مجموعة من الاختبارات البشرية، خارج كل أسطرة وكل نمذجة، في أفق من الحرية والاستقصاء المعرفي، ومن التحليل والتفكيك والنقد في سبيل مزيد من التوكيد على الإبداعية الإنسانية المتنامية، يُحتضن على العكس، بصفته فضاء كمياً، ويُنقل من أسطورية مُغلقة، لكي يوضع في أسطورية أخرى مغلقة1). و(عبد الستار ناصر) حكاءٌ يتقن صنعته بمهارة عارف محنك، يبقى القارئ وراءه باحثا عما بدأ به القاص وهو يقود حكايته بخبرة إلى حيث يدري أو لا يدري، يمضي إلى المجهول مع حكايته، وكأن الحكاية هي التي تقوده، فالقارئ المتمرس في قراءة القصص يعرف بان الكاتب قد أضاع طريقه عن هدف قصته، وانقطع عن مواصلة كتابتها، واضعا لها نهاية غير مقنعة، ويتركها بين يدي القارئ، يقلب بها يمينا وشمالا، فيعيد قراءتها حتى يكتشف بأنها حكايات ناقصة قليلة الصبر، في بعض الأحيان، تشكو حتى من بعد إعادة قراءتها بان الحاكي هو الذي يتركها للقارئ، لأجل ان يجد فيها ما يمتعه، وقد لا يجد لها مخرجا، وثم يودعها لأجل أن يبتسم لما حصل عليه منها، ويقبل بما جاء فيها. مثلاً قصة (السيد الغراب) موضوعها بلا عمود حكائي، فلم تكن سوى محطة تذكر ليست إلا. وكانت مثل هذه القصص الغرائبية قد اعتمدتها التجربة القصصية العربية مثلما كتبها (نجيب محفوظ) في قصص (رأيت فيما يرى النائم) و(الشيطان يعظ). أما قصة (بياع البلابل- ص123) التي انتهت بـ(نحن لا نريد أن نعرف السبب الذي أعادك إلى هذا النوع من القصص، وحينها نطق الحجر.. قلت له وأنا ابتسم أمام الكاميرا: الجمهور عاوز كده). نجده قد بدأ بقصة أخرى، وأخرى أكثر إبداعا تنهض فوق التي سبقتها.. لأنه كاتب ثرٌّ معطاء، متواصل بحبه للفن القصصي العراقي فأغناه إبداعا، وببصمة هائلة. فلا عجب من حنينه الدائم واعترافه (أن أعود إلى وطني واجلس في مقهى الشابندر وارى أصدقائي حسين حسن وحمدي مخلف و رباح نوري واحمد خلف و عبد الخالق الركابي واسأل عن صحة الصديق المبدع محمد خضير, وأتمشى في شارع أبو نؤاس واكل السمك المسكوف- لقاء معه2).


قصائد بلا حدود
 

فرج الحطاب*

*شاعر عراقي يقيم في امريكا

 

نافذة

نافذة بلا جدار
و يدٌ تلوَّح ...
كل ما تبقى لطوافي القادم.......

أئمة

ابصر نورهم
فادور...
اعي ترتيلهم
فاحتجب...

حياة

ارفع رأسي
كشعلة نصب الحرية
واصغي لحياتي
القادمة...

طلقاء

بخيولهم النافرة
وفتيانهم المدللين
يلهثون خلف الذهب
طلقاء
تأريخيون
ورديون،
بملامح من دم،
وهيئة زئبقية...

لصوص

لا شيء تغيّر
اللصوص ثانية
يسرقون الجياع
وعند الصباح
يحصون غنائمهم
وينسون الوطن.........
لا شيء تغيّر
القتلة ذاتهم
يلهثون خلف دمي
ويحرقون احلامي
بقلوبهم المفخخة.......
ديمقراطيون،
علمانيون،
قوميون،
اسلاميون،
اميركيون،
وشعب ينتظر
على مائدة الانفجار....

الحسين

ضوؤك يوصلني اليك
اصغي لفجرك
فابصر الطريق.......

عند النهر تنام
فلا تحلم بالعطش
تحلق في فضاء
بلا جهات
فترى الرمل ينمو
لاعتناق الجسد،

مَنْ قال انك عطشان
وذا دمك يغرق خيلهم وسيوفهم،
ذهبوا
وما زال بك الذهب
يرفرف
والحمام ...


حينما يضحك الجمال ويبكي

باسم الأنصار*
*كاتب عراقي يقيم في الدنمارك

في عالم يخنق فيه الجمال كل يوم ، نصبح بحاجة الى مزيد من الجهد والبراعة والذكاء للحفاظ على الجمال، لان هذا الامر هو الكفيل باستمرار الحياة وديمومتها، فالقبح مستفحل في كوكبنا المهدد بالدمار والخراب الشامل كل يوم ، بل انه اصبح اكثر مطاطية وتمددا من المواد الطبيعية القابلة للتمدد والتوسع، لذا ليس امام الانسان ، وبالاخص الكائن الجمالي الذي يمتلك القدرة على خلق الجمال والحفاظ على ما خلق سابقا ، سوى اطلاق صرخاته الجمالية بوجوه القبح المتعددة ، حتى وان كانت الصرخة لاتتعدى سوى كلمات او نغمات او تشكيلات لونية وبصرية تستفز الذهن وتوقظ الاسئلة في اعماق المتلقي، وهي بوجهة نظرنا كفيلة بخلخلة السائد من الرؤى والمفاهيم وكفيلة بالتمرد على القبح المستبد آجلا ام عاجلا .
من هذا المنطلق ، ارتأى الفنان المبدع طارق هاشم ، اطلاق صرخاته وضحكاته وبكائه في عمله المسرحي (الضاحك الباكي) بوجه الكثير من التشوهات الانسانية والاخلاقية المنتشرة الآن.
والعمل من تأليف واخراج الفنان طارق هاشم ، ومن تمثيله ايضا وتمثيل مجموعة من الفنانين الاخرين وهم الفنانة البلغارية (انطوانيتا) والفنان (سرمد مكي البدري) واثنان من الهواة وهما (منال وتحسين).
لو قرأنا جميع مستويات العمل الفنية والفكرية والجمالية لتوصلنا الى قناعة مفادها ان طارق هاشم اراد ان يفتح نوافذ عديدة من جدران المنظومة المسرحية التي قدمها لنا ، من اجل ان يطل على اجناس فنية اخرى محايثة ومجاورة للفن المسرحي .
فقاعة العرض التي قدم فيها العمل المسرحي بالاساس ، هي قاعة فنون تشكيلية ، لذا استثمر طارق هاشم هوية القاعة في عمله واعطاها جزءا من حقها وذلك حينما عرض على جدرانها عشرات الصور الفوتوغرافية التي تؤرشف حياته الشخصية وحياة الكثير من معارفه واهله واصدقائه واحبته، مما جعل المتلقي الذي يدخل القاعة للوهلة الاولى يشعر بأنه في معرض فوتغرافي ليس غير، ولكن بعد التمعن في مقتنيات المكان سيجد المتلقي بأنه في وسط طقس فني مكون من اجناس فنية متعددة، فبالاضافة الى المعرض الفوتغرافي ، فاننا نجد ثلاثة اجهزة تلفزيونية متناثرة في ارجاء المكان تعرض اعمالا فنية مختلفة للفنان طارق هاشم، فالشاشة الاولى كانت تعرض سلسلة من الافلام الوثائقية التي اخرجها صاحب العمل سابقا للعديد من الفنانين والمبدعين العراقيين ، بحيث جعلنا مخرج العمل نشعر بأن هذه الشخصيات الفنية تمثل شخوص المسرحية المقدمة لنا، اما الشاشة الثانية ، فقد كانت تعرض مشهدا بصريا من دون حوار يجمع بين طارق هاشم والفنانة (انطوانيتا)، والمشهد يعاد على الشاشة طوال زمن العرض المسرحي ، وهو يضم امرأة تقوم بجز شعرها تماما بماكنة حلاقة بصمت ينطق بالكثير من الاسرار المحيرة ، ويساعدها رجل بهذه المهمة بين الفينة والاخرى، اما الشاشة الثالثة، فكانت تعرض تسجيلا لعمل مسرحي كان قد قدمه الفنان طارق هاشم في بغداد بعد ازالة الديكتاتورية المقبورة. كما احتوى المكان على جهاز مسجل كان يصدر صرخات وتأوهات حزينة وغاضبة مختلفة ، تشي للمتلقي بحجم الفاجعة التي تعيشها البشرية الآن.
ففي وسط هذه الاجواء قدم الفنان طارق هاشم رؤاه وتصوراته عن العالم، وفي الغالب كانت هذه الرؤى مستفزة ومثيرة للمتلقي، فالفنان طرح نفسه للجمهور على انه نبي، ولكنه استدرك وقال بأنه ليس كالانبياء الاخرين الذين يحترمهم . وهذا التقديم الشفهي ، جعلنا نفكر بقصدية الفنان من هذا الحوار المستفز . فطارق هاشم لم يقصد هنا بأنه نبي بالمعنى الديني المتعارف عليه ، وانما الذي قصده هو انه ملوث بداء الجمال كالكثير من الذين تلوثوا به . انه الرائي ( بالمفهوم الرمبوي ) . عاشق الحياة . ومجنون الجمال .
اذن ، فبطل العمل ، اراد ان يتلاعب بالمفردات اللغوية منذ البداية لغرض خلق السؤال باعماق المتلقي ، مثلما تلاعب بمكان العرض . فالعمل عبارة عن لعبة ذكية ، ارادت ان تكسر الكثير من المفاهيم والمسميات المتعارف عليها، ابتداء من مكان العرض وانتهاء بالكلمات .
المبدع ليس نبيا بالمفهوم النبوئي، وليس صاحب رسالة بالمفهوم الرسالي التقليدي ، وان اعتقد المبدع نفسه هكذا فأنه سيسقط في فخ التروليتاريا ، وهو ابعد مايكون عن ذلك . فالمبدع الحقيقي هو الرائي والكائن الجمالي الذي يرى الاشياء بشكل مختلف . وهو الذي يخلق الجمال من دون غرض مباشر ومن دون هدف يتضمن السعي الى تغيير العالم . وهو الذي يخلق الجمال لانه ابتلي به وليس لشيء آخر. والمبدع الحقيقي هو الذي يتعامل بجمالية اخاذة مع الاشياء لكي يحقق الكثير من الغايات التي لاتقال بالضرورة عبر العمل الابداعي، ولكن الطامة الكبرى هي حينما يقابل هذا الكائن الجمالي على الرغم من كل منجزه الخلاق بالصدود والنكران من قبل العالم، او حينما تقابل صرخاته الجمالية باللامبالاة وعدم الاهتمام من قبل الآخر ، فيشعر هذا الكائن المميز بالهزيمة والخسارة والانكسار في زمن لسنا فيه بحاجة الى مزيد من الخسارات والهزائم . هذه ثيمة العمل الاساسية التي اراد منجز العمل ابرازها للمتلقي، على الرغم من تلاعبه الشكلي واللغوي الذي حير العديد من المتلقين .
بطل العمل المسرحي ، استجدى الآخرين لكي يصدقوا نبوته (رسالته الجمالية بالمعنى الحقيقي)، وذلك لكثرة ماشعر به من اهمال واقصاء ، ودليله على هذا الاهمال هو الخراب المحيط بنا من كل جانب . واستجدى اعترافهم بما يود طرحه من آراء وافكار وتصورات ، ليس لانه مبدع او ماشابه ذلك، وانما لانه كائن بشري له كيانه وتاريخه وله الحق بان يعترف به الاخر كأنسان وليس كرقم في الحياة .
بالاضافة الى كل ذلك ، طرح العمل تصورات جريئة اخرى عن الاله والموت والبراءة . فبعد ان قدم البطل نفسه للجمهور بأنه (نبي ) بالصيغة المخادعة ، تحتم عليه ان يطرح تصوره للاله او بالاحرى لربه الخاص به . وهذا مافعله مخرج العمل ، حينما جسد صورة الاله بشاب ضخم يجلس على منصة جانبية ، وهو يمسك طبلا بين كفيه ، يعزف عليه ايقاعات ناشزة ومزعجة ومربكة لبطل العمل كلما اراد البطل اقناع الجمهور بأنه ( نبي ) ، وكأن ثمة رغبة غريبة لدى هذا الاله تود ان لايعرض النبي رسالته ( قيمه الجمالية ) الى الناس وهو مجرد عرض لها وليست محاولة اقناع الآخر بها . ولهذا كان يتخاذل النبي ويتوسل بالاله بين فترة واخرى لكي يعطيه الفرصة لايصال مايود ايصاله للجمهور ، واحيانا كان يشعر البطل بالغضب من ربه للسبب ذاته .
من جهة اخرى ، رأينا الموت وكاتم اسرار النبي يتجسد بشخصية الممثلة ( انطوانيتا ) التي جسدت دورها ببراعة، فكانت توحي بدورانها حول البطل بصمت طوال فترة العمل بظلال الشؤم والموت الذي يتربص بالانسان من كل حدب وصوب . وكانت مفرداتها النابية التي تطلقها بقسوة بين فترة واخرى بوجه البطل وهي كانت تطلق بلغات عديدة ومختلفة ، توحي احيانا بنبذ العالم للكائن الجمالي الخلاق . وهذا التشكيل المسرحي المميز كان اداة اخرى من ادوات مخرج العمل لايصال رؤاه وتصوراته عن حال العالم المتدهور المشغول بالحروب والعنف والاستغلال ، وتجسد ذلك خصوصا حينما ذرف البطل دموعه الحقيقية على قتل الاطفال بالمفخخات والتفجيرات الغبية التي باتت تمثل لغة القتلة الجديدة والوحيدة في التعامل مع مشاكلها الحياتية المختلفة . ولم يستطع الخادم الطيب والمطيع للنبي وهو الدور الذي جسده الفنان ( سرمد البدري ) بشفافية عالية ، ان يخفف من غلواء آلام البطل ومآسيه الكثيرة ، على الرغم من انه كان يعتني بالبطل في كل صغيرة وكبيرة . لماذا ؟ لان حاجة المبدع ورغباته كما عبرت عنه العلاقة بين البطل والخادم لاتتقولب او تتحدد بأطار الخدمة الانسانية البسيطة والمحدودة على الرغم من طيبتها وايجابيتها للكائن الجمالي . فهذا شرط انساني لابد من ان يتمتع به كل انسان وليس المبدع لوحده . وهذا الشرط جسده البطل من خلال ارتمائه باحضان امه اكثر من مرة وهي جالسة طوال زمن العرض بفسحة مكانية بارزة من فضاء العرض تقرأ كتابها المقدس بصمت ، وكأن العمل يود ان يقول لنا ان العالم بحاجة للعودة الى الطيبة والبراءة التي افتقدها بسبب كثرة حروبه ومشاكله الغبية . وكما سيبدو في نهاية العرض ان البطل انتصر لهذه الحاجة الانسانية الكبرى للخلاص من مشاكلنا المستعصية ، وذلك حينما حمل والدته ( الممثلة منال ) على ذراعيه بحنان وفير وخرج من القاعة تاركا الجمهور في حيرة وتساؤل عن كيفية العودة الى هذه الحاجة الانسانية الارقى . فالعمل لم يطرح حلولا جاهزة ومفصلة لحل الاشكاليات الانسانية ، بل هو اكتفى بطرح الاسئلة وبطرح حل عام لجذر المشكلة والذي تجسد بالعودة الى الطيبة والمحبة والبراءة . اما كيفية ايجاد الحلول بشكل تفصيلي ومنهجي وعلمي فهذه ليست من مهمة العمل الفني والادبي بشكل عام .
الشيء الاخر الذي لم يفت مخرج العمل ان يطرحه ، هو ان بطل العمل لم يظهر ذاته بانها الذات الجمالية او النبية الوحيدة في هذا الزمن وفي كل الازمان . فقد قام وبشكل ذكي فاجأ به الجمهور بسحب بعض الحضور الى قاعة العرض وقدمهم على انهم انبياء وذوات جمالية اخرى تحاول ان تعلق لوحات الحب والجمال على جدران الحياة . والطريف في الامر هو ان هذه الذوات المقحمة بمهارة في العرض لم تتوان عن التفاعل مع بطل العمل لابراز رؤى المخرج الفنية ، وخصوصا الشاعر المبدع ( نصيف الناصري ) الذي كان احد الحاضرين وصار بعدها احد ابطال العمل من خلال تلقائيته وعفويته التي فرشت الابتسامة والمرح على شفاه الجمهور ، والشيء الاهم في الامر هو ان البطل طالب الشاعر بان يلقي يعضا من نصوصه الشعرية وبعضا من رؤاه عن العالم امام الجمهور ، فلبى الشاعر هذا النداء بجمالية رائعة .
وهذا الامر هو الذي جعل الفنان طارق هاشم يتجرأ اكثر بسحب عدد اخر من الذوات النبية من بين الجمهور من امثال (الشاعر رحمن النجار الذي قرأ احد نصوصه الشعرية والشاعر زاهر الغافري الذي رفض لقب النبوة بمفارقة جميلة لم تخدش مسار العمل والكاتب باسم الانصار الذي قرأ مقطعا من نصه الطويل ترانيم بن آدم) وكل هذه المشاهد حصلت من دون ترتيب مسبق او من دون علم الكتاب بمشاركتهم بالمسرحية ، وهو شيء اضفى نوعا من الدهشة والمفاجأة على الجميع .
كما قام البطل بالاشارة الى ذات جمالية اخرى غيبها الموت منذ مدة وهي ذات الفنان المسرحي (كريم جثير) من خلال قراءته سطوراً قليلة من رسالة شخصية كان قد ارسلها الفنان الراحل الى الفنان طارق هاشم قبل سنوات طويلة . وهذا المشهد كان يرمز لكل الذوات الجمالية الراحلة ولم يعط حقها بالبروز والظهور بالشكل المطلوب حينها .
باختصار كان هذا الفعل المسرحي يود اظهار رغبة المخرج بأن المنجز الفني والادبي بشكل عام يجب ان يتجاوز التغني بالذات الفردية فقط . فزمن الشعراء المتغنين بذواتهم فقط قد رحل ويجب ان يرحل لان العالم اوسع من ان يحد بمقاس ذات واحدة . فالعرض اراد ان يقول لاضير في ان يتحدث المبدع عن ذاته وافعالها الجمالية في منجزه الابداعي ، ولكن الضير في أن يتأطر انجاز المبدع في ابراز ذاته فيه فقط . فمن المهم ان يتوسع مقاس الذات على مقاس وحجم العالم ، وهذا ماحاول الفنان طارق هاشم ابرازه في عمله المميز هذا ، والذي برأينا كان يستحق ان يظهر في ظرف مكاني وزماني افضل لكي يأخذ حقه من قبل الجمهور والنقاد .
العرض قدم في قاعة اور للفنون التشكيلية في مدينة مالمو السويدية . ويذكر ان المشرف العام على القاعة هو الفنان التشكيلي جعفر طاعون.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة