تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الورقة الخامسة: الضياع في حفر الباطن .. رتل صحراوي


عبد الكريم العبيدي

انت تنفصل ببطء مدعيا انك تتوغل في بدائية الرمال.. ها انت تدرك ان محاورة الصحراء تهبك سعة ارحب، وتجعلك تعيش لحظة اكتشافها لرطانتك.. لم تعد، بعد الان تتنكر لايما شيء، بل على العكس عدت الى عبوديتك الاولى بدرجة كافية تجعلك تتخطى لحظة انفصالك "الصناعي".. انت لست مجنوناً، انت الآن حر!..
باغتنا الضوء، جاء متأخراً من هناك، من عوالم اخرى انفصلت عنا وتشكلت من جديد على هامش غيابنا.. وحين تكرمت علينا بذلك الخيط الابيض والواهن، كانت تشعرنا بكل ذرة منه، اننا سنلتحق بها من دونما عقد ولا شراكة. فقط سندخل "القوة والقدر والانذار" في دفاتر الحروب التي لم تعد معنية بعد الان بسيارات الحانوت والقصعة والارزاق الجافة.
كنا شبه عاجزين عن ايّما استجابة شعورية. ولكن نفحة ما في اعماقنا كانت تدفعنا على استحياء باتجاه تلك العوالم القادمة من هناك، بينما انابنا باب السجن في ذلك الاستقبال الطارئ لتلك الحياة التي غمرتنا مصادفة.. ظل صريره المتقطع والصاخب يطلق صرخات وحشرجات استغاثة متأخرة جعلتنا نظن اننا فعلا نتناسل من يأسنا الجماعي في ذلك الصباح/ الملحق ـ الذي تنفس سهواً في معسكر الدريهمية..
تقلب بعضنا مثل الاسماك، بينما راح آخرون يزحفون على ايديهم وارجلهم.. دبيب غريب شهدته، ارضية السجن.. خنافس تدب ببطء، صراصر مسحوقة، اسراب من النمل الضال.. مخلوقات تذكرتها الحياة اخيرا فاتكأت على بعضها واستعانت بجدران السجن.. حشود كانت في طريقها الى الموت وها هي تتفكك وتتباعد لتغير من شكلها المضغوط والمتداخل وتعود الى صورتها الاولى.
عند الباب، وبحضور الضوء، كان كل منا يحدق في البساطيل المصبوغة اولاًُ ثم يرفع بصره ليستقبل لقطات الثياب المكوية والكروش والوجوه الحليقة فتعتصره مرة اخرى ثواني الاختناق اللانهائية التي عبرها اخيرا، وبدلاً من ان يتهاوى على خدر الاحساس بالولادة الجديدة، كان ثمة احساس آخر يهيئه لصدمة جديدة.
ـ خوش نقلة، ومكان زين، قال احد الضباط المجتمعين قرب باب الحافلة.
ـ اين؟ سأله احد الجنود، فاجاب:
ـ الى حفر الباطن!
ـ ولكن...
(ولكن كيف؟ ..أتذهب الى حفر الباطن بهذه الثياب؟ بلا امتعة ولا افرشة ولا حتى وداع!؟ .. اهناك جنود في هذا العالم تساق للدفاع عن اوطانها بهذه الوحشية؟ اهلنا، اهلنا الذين نهشهم انتظارنا طوال الاربع والعشرين ساعة، كيف سيمر عليهم هذا النهار.. والليلة القادمة، والنهارات، والآماسي، كيف سنموت بنظرهم؟!.
تساءل عدد من الجنود: عوائلنا، اهلنا، من يبلغهم؟ نحن قلقون عليهم ايضا.
رد عليهم ضابط التوجيه السياسي بغضب: أي اهل.. اية عوائل؟ وطنكم يتعرض للمخطط الامبريالي الصهيوني وتسألون عن اهل وعوائل؟ اصعدوا، بالحرام ترى افيّن حظكم هالساع..
بعض الضباط كانوا يحدقون في وجه "صاحبهم" بازدراء ولكن بصمت، وآخرون ابتعدوا عدة خطوات عن باب الحافلة، بينما بدأ رجال الانضباط يلوحون بعصيهم ويشيرون الى عدد من السيارات الواقفة قرب سجن الوحدة.
سرنا باتجاه الحافلات وفقا لاسمائنا التي كان يقرأها رأس عرفاء الوحدة بطريقة تثير السخرية، وكانت كل حافلة تملأ بالجنود تتقدم قليلا لتحل محلها حافلة اخرى.. كانت العملية تجري بفوضى واضحة.. وكان عدد من الجنود قد تمكن من الانفراد ببعض الضباط لمساومتهم على حذف اسمائهم من هذه "النقلة" مقابل ثمن(!) بينما كانت تطلق عبارات التندر والسخط من داخل الحافلات لمواساة انفسهم وهم يشاهدون اعدادهم تتناقص في ظل هذه الفوضى.. صاح بعضهم : "خلوها على اولاد الخايبة" واجابه آخر: "بالعافية على اللي ايجيب نقش".
ولكن ما ان شاهدني بعضهم وانا اكتب رسالة قصيرة الى اسرتي واسلمها الى احد الجنود الذين تمكنوا من الافلات من ذلك الرتل الصحراوي، حتى اندفع الكثير منهم الى البحث عن قصاصات ورق او عن صحف متطايرة ليكتبوا عليها رسائل الوداع الاخير ويسلموها الى الجنود الذين كانوا يتندرون عليهم قبل لحظات.. استغرقت تلك الفوضى زهاء اكثر من ساعتين، ثم ابتدأ الضياع من هناك من حافات البصرة، ليس بعيدا عن رائحة "الفتنة" واثار الجمل ومراقد الصحابة.
كان السائق البدين اكثرنا ضجرا وهو يقود سيارته الطويلة ويحدق في المرأة الداخلية من حين لاخر ليتفحص وجوه ركابه الطارئين، لم يتوقف للحظة عن التأوه واطلاق الحسرات على ذلك الصباح الذي أقتيد فيه، هو وحافلته الى معسكر الدريهمية لنقل تلك الحمولة الثقيلة في رتل صحراوي طويل باتجاه حفر الباطن.
انطفأت ملامح احياء الزبير فجأة.. اختفت الدريهمية وسوق العورة والزوبات وباعة نعال الجلد، ومضينا جنوبا في طريق صحراوي طويل تحيطه دائرة رملية حمراء لا نهائية، وتخيم عليها قبة زرقاء بدت هائلة..
لصقت وجهي بزجاج النافذة وشعرت بان انسلاخي المفروض عن تلك المدينة التي كانت تتعكسر في الثواني كان قاسيا. فقد ظل كل شيء هناك بلا حلول، واقتلعت منه انا الضائع والمتسرح والعاطل والمعدوم لاواجه مصيري وحدي رحلة ضياع مفاجئة ومليئة بالصدمات.
ظلت صور الصحراء تتعاقب وحدها الى الوراء . بينما ظل مصيرنا ينتسب ببلاهة الى قلق توزع على وجوهنا جميعا. لقد تحللت الان في اعماقنا صدمات القاء القبض والاحتجاز والترحيل، وها نحن نتهيأ لتضييف نكسات ما زالت مخبأة في ذلك الغبار الذي حجب الرؤيا وجعل السائق اكثر تذمراً، بل واكثر جنونا.
ـ سيطرة، صاح مساعد السائق بعد ان تأكد منها بصعوبة، فاحدث ذلك في نفوسنا رجة عنيفة.. ربما لانه ايقظ في اعماقنا قلق السيطرات المتراكم عبر سنين.
كنا نخشى السيطرات دائما، نخاف من الوانها الحمر ومن رجالها القساة، رغم ان الكثير منا كان يجتازها بكتب واجازات مزورة.
غير اننا الان لم نتوقف عند سيطرة بالمعنى القديم المترسب في رؤوسنا. بل عند حاجز وهمي يمثل فاصلة صحراوية مفترضة سرعان ما استطلعها ركاب المقاعد الخلفية واتخذوا قراراتهم الجريئة والمفاجئة.
ـ افلت، صاح احدهم فاحدث ما يشبه الشرارة بين الجنود الذين تمكن بعضهم من تحطيم زجاج النوافذ والقفز من خلالها بخفة عجيبة.. قفز اثنان، ثم ثلاثة، وخمسة وتبعهم آخرون واستطاعوا ان يخفوا انفسهم بين عشرات السيارات الواقفة وحشود الجنود والاهالي المتجمهرة هناك.
لم تكن سيطرة ابدا، كانت ساحة مكتظة بجموع غفيرة، عوائل تبحث عن ابنائها، جنود يشحذون، بعضهم يبحث عن وحدته العسكرية واخرون ضلوا الطريق وجاؤا ينشدون الماء والطعام، وهناك عربات ذاهبة الى الجبهة وآخر قادمة منها وثمة سيارات ارزاق ومقطورات ماء ومطابخ سفرية وحافلات.. وكان الحوار بين تلك الحشود يتم بالصراخ والاشارات الحارة وسط عاصفة رملية هوجاء.
اجرى مأمور الرحلة تعداداً سريعا ودوّن اسماء الهاربين بسرعة ثم امر السائق بالانطلاق ، بعد حوار صاخب جرى بينهما وتخللته الشتائم والتهديد، خصوصا من قبل المأمور الذي كثيرا ما مسك بمسدسه في فورة غضبه مهددا باطلاق النار عدنا ثانية الى رمال الصحراء ومشاهدها المكررة وعاد الجنود الى صمتهم وبدا بعضهم فرحا وهو يتمدد على طول المقعد ويهنأ بنوم مريح!
كان الطريق يتلوى كالافعى في ذلك النهار الذي بدأ ينكمش من حولنا.. رميت عقب سيكارتي الاخيرة وفوجئت بالعمارتلي وهو يتقدم نحوي ويتهيأ للجلوس الى جانبي.. لا ادري لماذا شعرت نحوه بالارتياح في تلك اللحظة، ولم اكن اعرف انه كان احد ركاب حافلتنا، ربما لانني لم اسمع صوته المميز الذي سيلازمني طوال فترة ضياعي.
كان هادئا على غير عادته، خلع كوفيته ورماها على كتفيه ثم فتح ازرار دشداشته ومد يده فاخرج صمونة يابسة من داخلها، قسمها الى نصفين بصعوبة وقدم لي واحدا منها.. لم اتقبله منه، ولكنه وضعه على فخذي باصرار مرددا: "خاب تكل، وين تلكه صمونه بهالزلك هاذ"..
كدت اضحك ولكنني انشغلت بطريقة تهشيمه الحادة لنصف الصمونة الآخر الذي راح يتناثر بين اسنانه الصفر الطويلة والحادة.
لم يحاورني في تلك الرحلة كثيرا، كان منهكا ويميل الى النوم السريع بين آونة واخرى.. وكنت اشعره برغبة ثابتة في العزلة، ولكني لم أبد انزعاجاً منه..
خفف السائق من سرعة السيارة كثيرا، ثم اوقفها على نحو مفاجئ.
ـ هذه سيطرة اخرى، وقال احد الجنود فشعرت بوخزة اخرى لا مفر منها، والتفت فجأة فشاهدت ثلاثة جنود منبطحين على سفح تل صغير ويقف على مقربة منهم ثلاثة اشخاص يرتدون بدلات زيتونية، وبيد كل منهم "كيبل طويل".
في البدء انهالوا على رؤوسهم ركلا باحذيتهم. ثم جلدوهم بالكيبلات بقسوة.. قال نائب الضابط الذي صعد الى سيارتنا وراح يدقق بكتاب التحاقنا:
افرارية، ولسوء حظهم وقعوا بايدي هذه المفرزة، ثم اضاف: "قشامر مدبروهه، هوه اللي ايزور كتب مأموريه بهلشكل؟!".
لم تنفع تلك التصريحات وان بدت لينة بتخفيف حالة الغضب التي وحدت جنود الحافلة، تجاه نائب الضابط وسيطرته ولم ينجو طبعا من الشتائم الثقيلة التي سمع بعضها من دون ادنى شك، وقبل ان ينزل فاجأه العماراتلي ـ مثلما فاجانا ايضا ـ بسؤال لا يخلو من التندر، قال : "بروح ابوك، رحمه لوالديك، ما تكلي وين صارت حفر الباطن، راح نصل للحجاز، شنهي الطركاعه؟".
ضحك اغلب الجنود بقوة، ان لم يكن جميعهم، وكانت ضحكتهم، بل قهقهتهم واضحة ومكشوفة الدوافع، ولم يجد نائب الضابط بُدا من النزول بسرعة والاكتفاء باجابة سريعة لم يفهمها احد!.
بدأ الضوء ينحسر سريعا، فتلونت رمال العاصفة بالالوان الاصفر فالبرتقالي فالاحمر. وحين داهم الظلام الصحراء على جانبي الطريق ، بدأنا نتحسس الرمال من دون ان نراها، فازدادت وحشتنا داخل الحافلة التي باتت جزءاً من خيمة الظلام الواسعة من حولنا.
كنت اراقب اضواء مصابيح السيارات التي كانت تقلنا وهي تتقافز في تلك العباءة السوداء التي كانت تضمنا، وكان شخير العمارتلي الذي وضع رأسه على كتفي يكشف لي عن بؤس مستديم طالما فشلت في تجاوزه او نسيانه.
توقفت الحافلة اخيراً قرب عدد من الملاجئ فشممت رائحة نهاية الرحلة وايقظت العمارتلي الذي بدا غير مكترث بهذه النهاية وفضل ان يستمر في نومه.
راقبت عدداً من الاشباح كانت تتحاور على ضوء مصباح يدوي قريباً من السيارة وايقنت من اشاراتهم الحادة ان جدلاً عنيفا يدور بينهم.
ايقضت العمارتلي بقوة هذه المرة، ونزلنا مع بقية الجنود فداهمنا برد الصحراء واحسسنا ان ليلة ثقيلة اخرى تنتظرنا في صحراء حفر الباطن.
سمعنا نباح كلب قرب احد الملاجئ، فتساءل العمارتلي: شنهي، اكلاب اهناه؟ .. فرد عليه جندي بدين كان يقف قرب السائق: هذا كلب السيد الامر!
سأله العمارتلي : انت شنهي اهناه؟ .. اجاب: انا؟ انا طباخ السيد الامر.
دنا منه العمارتلي متردداً، قال: "بعد اخوك، ولا اصميمينه ؟ متنه من الجوع".
لوى الطباخ رقبته الغليظة قال: "اهنايه ماكو ارزاق.. فد يوزعون طحين وعدس وهاي هيه".
سأله العمارتلي مرة اخرى: انت موش طباخ. ترضه غيرتك؟ احنه اخوتك".
ابتعد الطباخ مردداً: "هاي مشكلتك داد.. اهنايه كل واحد يحتار ابروحه.. اشكالولك، عندي مضيف حاتم طي؟".
ضرب العمارتلي كفا بكف وهو يردد:" بالحسين، ولكام هاي سالفتنه ما جرت على عبد مسلم ابد!!".
ظهر الشبح الذي كان يحاور السائق ومساعده كان مختليا بالسائق خلف احد الملاجئ، وحين اقترب منا عرفنا انه الضابط الخافر في مقر الوحدة، وكان ينوي ابقاءنا في الحافلات طوال تلك الليلة لعدم توفر ملاجئ في مقر اللواء.. ولكن السائقين ابدوا احتجاجهم مدعين ان مهمتهم قد انتهت وعليهم ان يعودوا قبل حلول الصباح وهذا ما اثار غضب الضابط الذي تمت تهدئته اخيرا خلف الملاجئ فعاد منتشيا وغير مبال بمصيرنا.
قال:" يوجد ملجأ واحد فقط.. دبروا حالكم، هذه الليلة وغدا سيتم توزيعكم على الافواج".
رفض الجنود هذا التوجيه المقتضب وهتفوا بقائمة طويلة من الطلبات، جاء في مقدمتها الحاجة لتناول وجبة طعام بعد نهار طويل ومقرف من السفر.
ولم يكتف الجنود بذلك بل احاطوا بالضابط من كل جانب وتعالت صيحاتهم وكاد بعضهم ان يضرب الضابط الذي ظل يدور حول نفسه محاولا التخلص من موجة الغضب التي بدأت تحاصره.
تناهت اصوات الجنود الغاضبة الى اسماع امر اللواء فامر على الفور بتعيين كيس من الصمون لتهدئة الموقفق، وسرعان ما هبط علينا ذلك الكيس مثل خروف مشوي فتلاقفته الايادي وتناثر الصمون فوق الرؤوس وتحت اقدام الجنود، ولم احصل منه الا على كسرة يابسة قدمها لي احد الجنود الذي لم اتعرف عليه اطلاقا.
كانت تلك "اللقمة الصعبة" هي احدى الهبات السماوية المميزة التي حصلت عليها طوال فترة ضياعي في رمال حفر الباطن.


برسم المنظمات الطلابية في الجامعات!
 

أ.د. محمد يونس

عرف الطالب العراقي عموما والجامعي بخاصة بالوعي السياسي العالي، والالتزام الوطني الكبير، والادب الاخلاقي السامي الى جانب التفوق العلمي المتميز. فكان ولا يزال الشعلة الاجتماعية التي تنير طريق الجماهير بنكران ذات مشهود ومشكور، طوال تاريخ العراق السياسي المعاصر.
مع مجيء حزب البعث الى السلطة، والذي كان هدفه هدم كل ما هو خير وشريف ومفيد من التقاليد العراقية الاصيلة الى جانب تدمير البلد برمته، اصطدمنا مع تصرفات مشينة من قبل البعض ـ وليس الكل ـ من الطلبة البعثيين للاسف الشديد.
للاستاذ مكانة شبه مقدسة لدى كل شعوب العالم قاطبة والشعب العراقي ابو الحضارات والامجاد، على وجه التحديد فهو المرشد، والموجه لها والاب، والاخ، والصديق المقرب الذي لا يماثله بالمكانة احد. لكن سياسة المقبور صدام مزقت الاساتذة العراقيين فقسمتهم الى بعثيين وغير بعثيين، ومن هذا المنطلق تحددت علاقة الادارة والطلبة البعثيين باساتذتهم مع التاكيد ثانية على ان معظم الطلبة البعثيين ـ الا النزر الفاشل القليل ـ كانوا على مستوى عالٍ من الخلق والالتزام.
لقد هالني ما سمعت عن اعتداء طلبة جامعيين على احد الاساتذة وفي قاعة الدرس. فهل هذا معقول؟ انني لا اصدق اذني وانا اسمع الخبر من اذاعة " العراق الحر" . ترى هل يمكن لطالب ان يمد يده على استاذه؟ مهما كانت تصرفات ذلك الاستاذ! وانا أرباً بالاستاذ العراقي عن التصرف السيئ. وهل انعدمت طرائق الاحتجاج والشكوى بالطرق الرسمية وغير الرسمية، المفتوحة الآن على مصراعيها امام المواطن العراقي؟
انني ارى في هذه الحادثة مؤشرا خطيراً لحركة تشويه مقصودة للاساءة لسمعة ومكانة الطالب العراقي العالية ونسف جسور العلاقة العلمية والانسانية بين الاستاذ والطالب وتدمير مكانة الجامعات العراقية بالكامل وهذا لا نرتضيه لانفسنا ولا نقبله مطلقاً في عراقنا.
واهيب بالطلبة العراقيين ـ الاوفياء الشرفاء ـ الحريصين على وطنهم وجامعاتهم على اختلاف مشاربهم وقناعاتهم، الوقوف بالمرصاد لكل من يحاول الاساءة الى وطننا الجريح، ورصد كل التحركات والممارسات التي تسيء الى سمعة الطالب العراقي الناصعة والمشرفة والتي تطعن الوطن في الصميم.
من واجب الجميع العمل يداً بيد لكي تبقى الجامعات العراقية عامرة بالبشر والطمأنينة لكل طالبي العلم على الاطلاق، وملتقى انسانياً رائعا لكل الطاقات الخلاقة المبدعة. ومناراً علمياً شامخاً يشع بنوره على المنطقة برمتها!


لكي تكون مراسلاً صحفياً .. تهيأ للهموم!

  • ما زال البعض منهم يعمل بالعقلية القديمة ومستعداً لتسلم "الاكراميات"!
     

كربلاء/ المدى

تبدو مهمة المراسل وكأنها عملية اصطياد الأخبار وإرسالها إلى جريدة أو تلفزيون أو إذاعة أو وكالة..هكذا هي نظرة الآخرين. والمشكلة التي يعاني منها المراسلون وخاصة مراسلي الصحف اليومية هي نظرة المحررين إليهم وكأنها نظرة فوقية لا يمكن للمراسل أن يصل فيها إلى مستوى المحرر الذي يعتمد أساسا على ما يصل إليه من نتاجات المراسلين إن كانت نتاجات خبرية أو تقريرية أو تحقيقية أو أي باب من أبواب الصحافة ولذلك تراه أي المراسل هو الأقل راتبا بين كل العاملين في المجال الاعلامي في العراق.
هل تبدو هذه النظرة صحيحة؟ وهل المراسل صائد أخبار يراها في الطريق أو لنقل يسمعها من مسؤول في هذه المحافظة أو تلك؟ وهل هو الحلقة الأضعف في الصحيفة؟ وهل مهمته لها وقت محدد كما يفعل الموظفون في الدوائر؟وهل مهمة المراسل الصحفي تحديدا تنتهي عند هذا الحد هو كتابة الخبر وإرساله عبر البريد الالكتروني؟
كل هذه القضايا وضعناها أمام بعض المراسلين ليجيبوا عليها وعلى الرغم من مواجهتنا لبعض الصعوبات من قبل بعض المراسلين لأنهم لا يستطيعون التحدث عن صحيفتهم مخافة الفصل أو الطرد أو التحول من موظف له راتب إلى مراسل على القطعة إلا إننا نكتشف بعض الصعوبات التي يلاقيها.
عمل متواصل
يقول احد المراسلين طالباًَ عدم ذكر اسمه:
ان المراسل هو الغائب الوحيد حتى عن حفلات التكريم ما دام الجميع أمام العين .. فهو عند مسؤولي الجريدة من النائمين في غرفهم والجالسين أمام أوراقهم ليكتبوا الأخبار والتحقيقات والاستطلاعات والتقارير والمقالات.. ويرسلها عبر البريد الالكتروني ثم يعود إلى بيته بعد العاشرة صباحا بلا خطر عليه ولا دوام ولا ساعات محددة ولا يرى مسؤوله الأعلى ليأمره بكتابة هذا الموضوع أو ذاك ..لا يحتاج إلى إجازة زمنية ليقضي معاملة له في هذه الدائرة أو تلك. هذه هي الصورة المرسومة عن المراسل .ولكن هل حقا هو هكذا؟.والحقيقة إن المراسل هو الجندي المجهول..فهو الذي يدور بين الدوائر تحت لهيب الشمس ويمشي عدة كيلومترات يوميا.. ويقابل مسؤولين بحجم الجهل مثلما يقابل مسؤولين بحجم المسؤولية.. يصطدم مع البعض ويصادق آخرين..وإذا ما كتب عن مسؤول فان النتائج ستكون وخيمة عليه لأنه تجاوز الخط الأحمر لهذا المسؤول الذي قد يكون منتميا إلى حزب قوي ويقف خلفه العشرات من واضعي المسدسات في احزمتهم.. وأوضح إن المراسل يبدأ دوامه من أول النهار ولا ينتهي بساعة محددة..يحضر اللقاءات والمؤتمرات ويدون على ورق يشتريه من جيبه الخاص ما يصرح به الآخرون ليقوم باعداد الموضوع وارساله إلى الجريدة جاهزة مصححة وكثيرا ما يقوم المراسل بتعديل حتى لغة المسؤول خاصة إذا ما كان هذا المسؤول من غير القادرين على الحديث.
العين الحيوية
يقول الصحفي والفنان المسرحي حسين رضا حسين مراسل إذاعة نوى وكان يعمل سابقا مراسلا لإحدى الصحف اليومية..أجد من المناسب القول هنا، إن المراسل الصحفي هو العين الحيوية للوسيلة التي يعمل فيها ، ، ومادته هي الأكثر اهتماما ، باعتباره يصف الأشياء بلحظة وقوعها، مما يعطي انطباعا بالتواصل مع الآخر في الكشف عن كل الموضوعات التي تمس حياة الناس، ويكفي إننا ندرك إن المراسلين قدموا حياتهم فداء لعملهم ، والمؤكد إن الساحة العراقية روت بدماء المراسلين لجنسيات متنوعة وهم ينقلون الحدث الدامي إلى العالم اجمع. ورغم المشاكل العديدة التي يعاني ويتعرض لها المراسل وأنا منهم إلا إنني أحبها واجدها تعطيني زخما متواصلا مع الآخر وخاصة في الأماكن المتوترة. المشاكل لدى المراسل متنوعة وخاصة مع مؤسسات الدولة .فما زالت هذه المؤسسات ترى في الإعلام كما كان سابقا أي بوقا للدولة، وإذا تعرضت الى انحرافات أو أخطاء هذه المؤسسة أو تلك فانك في أفضل الأحوال لا تحصل على الأخبار بشكل مباشر من هذه المؤسسة ، حينذاك عليك بالمداهنة ،ويؤكد رضا إن البعض من مدراء المؤسسات يقدمون ( الإكرامية)ولا أريد أن أقول رشوة كي تلمع صورة هذه المؤسسة ، لان الجميع يدرك الآن إن الإعلام هو سلطة مدنية حقيقية لها تأثير مباشر ضاغط ومنفتح للرأي العام باتجاه الحالات الخاطئة إضافة إلى متابعتها عبر أعلى المستويات، المشكلة الثانية إن المراسل الذي يعمل مع المؤسسات الإعلامية العراقية يكون مرتبه جدا ضعيف قياسا للذين يعملون لدى المؤسسات العربية والأجنبية وهذا يعطي أحيانا إشارة عند البعض بقبول (الإكرامية)، والكل يستميل المراسل لتلميع صورته عبر أعماله وانجازات مؤسسته التي يسورها الفساد الإداري. ويختتم رضا قوله..على أية حال أن المراسل يستحق كل التقدير والاحترام وهذا حاصل من قبل الجميع ولكننا نأمل أن يكون كذلك حتى في الحالات التي يوجه فيه المراسل انتقادا معينا ، بشرط طبعا أن يكون صادقا وحقيقيا .
المهنة الصعبة
الصحفي سلام محمد البناي مراسل جريدة المنارة التي تصدر في محافظة البصرة قال..يخطئ من يتصور إن مهمة المراسل الصحفي مهمة سهلة فهذه المهنة هي مهنة المتاعب كما يقولون والتي من واجب الصحفي فيها نقل الوقائع والحقائق بكل دقة لان الحياة تغيرت وأصبح الإعلام بصورة عامة مؤثرا في المجتمعات وذلك يحتاج من المراسل الصحفي جهدا متواصلا وصبراً وطاقة تحمل تستوعب الآخرين وعدم التذمر..ومن هنا تبدأ معاناة المراسل الصحفي وهي معاناة تبدأ عند مكان الحدث أو عند الدخول للدوائر ولقاء المسؤولين ولا تنتهي بطرح الأسئلة والحصول على المعلومات..ويضيف البناي..بعض مدراء الدوائر والمسؤولين يتصورون أن المراسل الصحفي إنما يجيء رغما عنه ولا حاجة لدعوته للحصول على الخبر من هذه الدائرة أو تلك لكثرة الصحف والمراسلين وتشابه الأخبار التي تنشر هنا وهناك فان بعض مسؤولي الدوائر لا يعيرون أهمية بإعطاء الأخبار للمراسل وأحيانا التملص من اللقاء.. أنا شخصيا حاولت عدة مرات أن التقي بمسؤول احدى الدوائر لأسأله واستوضح منه عن بعض الأمور التي تخص دائرته فكان يؤجلني عدة مرات إلى أن مللت وتركته لأني أحسست انه لايريد أن تسلط الأضواء على دائرته لسبب لا اعرفه وفعل ذلك مع غيري ..ويبين البناي صورة المراسل في عيون الناس وكأنه مع الأسف الشديد كما يقول إن بعض الناس يتصورون المراسل الصحفي على انه يبحث عن الشهرة والمال وامتيازات أخرى .. ويوضح البناي إلى إن المشكلة الكبيرة التي يصادفها اغلب المراسلين هي نظرة الصحيفة إليهم وكأن المراسل له وقت محدد للعمل متناسين أن المراسل يعمل حتى ساعة متأخرة من الليل لان عليه تحرير الخبر أو التحقيق أو الاستطلاع أو الحوار ومن ثم طباعته في مكاتب الانترنت ثم إرساله إلى صحيفته.. إضافة إلى انه لا دوام محدد للمراسل حتى في أوقات العطل الرسمية وهو في قلب الحدث دائما إذا ما كان هناك حدث في محافظته خاصة ان العراق الآن يمر بظروف صعبة تتطلب من المراسل أن يكون حاضرا مستطلعا ومحاورا ومجازفا ليخرج بخبر ربما لا يتعدى بضعة سطور.
قلة الراتب ورشوة الصحفي
الصحفي غانم عبد الزهرة قال..منذ عام 1988 عملت في الصحافة كمحرر ورئيس قسم ولكن بعد سقوط النظام وللظروف الأمنية التي يعيشها العراق عملت في عام 2005 كمراسل لجريدة القاصد عندها انكشفت لي الكثير من الحقائق والصعوبات التي لم أكن أدركها سابقا حين كنت أتصور أن عمل المراسل ينحصر في مهمة نقل الخبر فحسب..فقد تبين لي أن معاناة تواجه المراسل الصحفي إن كانت معاناة متأتية من الوسط الذي يعيش فيه أو في عملية التعاطي مع الصحيفة ذاتها وهيئة تحريرها ورؤساء أقسامها..لذلك تبدو هذه العلاقة غير متكافئة لوجود هذه النظرة على الرغم من إن من ضحوا في سبيل الحقيقة والكلمة الصادقة هم من المراسلين.ويضيف عبد الزهرة إن هناك تعاملا غير مهني لبعض المراسلين مع بعض مسؤولي الدوائر في نشر الأخبار أو التحقيقات أو الاستطلاعات والحوارات فقد اكتشفت إن الكثير منهم ارتضوا لأنفسهم إن ينغمسوا في عملية الارتزاق واخذ الرشوة وخاصة من الذين عملوا في زمن النظام السابق الذين تعودوا على فعل هذا الأمر والذين عادوا الآن لكثرة الصحف اليومية..وأضاف إن مديرا يرفض استقبال المراسلين لأنهم كما قال لي يريدون مبالغ من المال لقاء الخبر أو الحوار وأنا ارفض ذلك.. وهذا بكل تأكيد يؤثر في سمعة المراسلين الآخرين وربما هذا بسبب قلة الراتب الذي يتقاضاه المراسل.. إضافة إلى اعتماد بعض الصحف على مراسلين لا يملكون القدرة حتى على كتابة الخبر ولديهم ضعف في اللغة العربية أو لان هذا المراسل يرتضي العمل براتب قليل لقاء ظهور اسمه في الصحيفة ليحصل على هوية نقابة الصحفيين وهو يقوم بسرقة الأخبار المنشورة من صحف أخرى.ويؤكد عبد الزهرة إن معاناة المراسل الأخرى هي إن الكثير من الصحف لا تعطي للمراسل حقه من حيث الراتب بل إن بعض الصحف تتعمد عدم صرف الرواتب لهم وتنكث بوعودها للمراسلين لأنها تعتبر المراسل شخصية غير ضرورية.. لذلك فانا أدعو الصحف إلى أن تراعي وضع المراسل وتضع نصب عينها أهميته وقيمته في إمداد الصحيفة بالأخبار وهي تستكثر عليه حتى تزويده بجهاز تسجيل لتجنبه متاعب تكذيب نشر الخبر من قبل المصرح به إذا ما حدثت مشكلة له ولا بكاميرا وهي ابسط عوامل استمرارية العمل لأي مراسل وهو ما معمول به في اغلب صحف العالم.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة