المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

روح مدينة الحديثة
 

طلال سالم الحديثي
قبل الحجارة والطين نهضت الأسماء في ذاكرة الانسان، هي أسماء كالأسماء لكنها شواخص ذات دلالات تمتد كالضوء وتنتشر كانتشاره، فيها يمتزج التأريخي بالشعري، المرئي باللامرئي، المحسوس بالغائب الخفي، الضوء بالظل، الممتلئ بالمجرد، المشع بالمنطفئ.. لكنها تبقى أسماء حاضنة للمعنى الذي لا ينطفئ كما ينطفئ العارض والواهن، أسماء ذات سرمدية ينتفي عندها العجب ويتورد في مطاويها الدوام. في البدء كانت الأسماء، وفي المنتهى تكون الأسماء ولهذا فقديمها جديد وجديدها قديم في رحم الزمان والمكان.
أين القديم إذن؟ ماعمره؟ ما صفته؟ ما مداه؟ أسئلة تتكاثر دون جواب، فالجواب ذائب في متاهات من الزمكانية لا يستطاع تحديدها فتبقى ذائبة مع الماء والهواء التي هي من أسرار الكون، الجديد يتقدمه عتيق والعتاقة هرم جديد كان جديداً إذ لا قديم بلا جديد، ولا جديد بدون قديم.. حلقات من اللانهائية يستحيل الوصول اليها مثلما يستحيل الوصول الى أولية الزمان.

يحمل كل اسم من أسمائها في اطوائه معنى الجدة والحداثة وإن تعدد اللفظ أو مال به اللسان الى هذه الصيغة او تلك فحينما عسكر فيها الملك الاشوري توكولتي ننورتا الثاني كان اسمها (حديدانو) أي الجديد، ولما كانت مدن الفرات التي غزاها الملك الآشوري هذا خاضعة لمملكة سوخو الارامية فإن القبائل الارامية كانت تضيف لفظ (تا) أو (آتا) أو (آثا) الى بعض أسماء المواقع لذلك فان كلمة (حديدانو) أصبحت (حديداتا، أو حديدثا أو حدثا). تحول اسم المدينة من (حديدانو) الى (حدثا) في زمن الاراميين والسريان واسمها هذا يعني (المدينة المجددة) او المحدثة او (الحديثة) وفي مخاض آخر إستقر اسمها (الحديثة) بعد أن سكنتها القبائل العربية واستوطنتها قبل الفتح الاسلامي وتمييزاً للأسم عن أسماء مدن أخرى بنفس التسمية أضاف المؤرخون والجغرافيون العرب صفات آخرى لتمييزها عن تلك المدن لذلك قالوا (حديثة الفرات) و (حديثة النورة) و (حديثة عانة) وبعيداً عن التأويل والتقويل قال عنها أسيدور بأنها (جزيرة الكنز) و (مدينة النور).
كتب التأريخ والرحلات والانساب دونت كثيراً من جزئيات المدينة، ولكن للأبناء تاريخ اخر يروونه من خلال معايشتهم، فقد قضوا أشطار الطفولة والصبا والشباب على ضفاف سواقيها وشطآنها ونهرها ونواعيرها وحقول قمحها وبساتين نخلها ورمانها.. كانت المدينة (قرية كبيرة) بيوتها من طين وطرقاتها عارية من الأسفلت، كانت ظلال النخيل وأفياء الأشجار على سواقيها مظلة الناس، وكانت سواقي النواعير تسقيهم بالماء كما تسقي ماشيتهم فهم لم يعرفوا (صنبور) الماء ولم يروا سوى ضوء الفوانيس في طرقات القرية الملتوية النحيفة الممتدة كالشرايين في جسد ناحل وكانت الصحراء تتربع على أكتاف القرية كالعملاق المحتضن صهوتها بأريحية.
كل ما في القرية لا يقود الى ذلك الأرث التأريخي الكبير الذي تسطره الكتب، وليس فيها منه سوى مقبرة وبضع قباب وأضرحة متهدمة يتوسل بها النسوة لنيل المراد عبر تلطيخها بالحناء، ليس ثمة ما يسمى بالسوق، بل هي بضاعة فقيرة من الخضر يفترش بها أصحابها طريق (الخان) المؤدي الى (السراي) حيث لم يعرف الناس من الحكومة إلا (السراي) فهو مقر مدير الناحية والقولجي، والبصونجي والشرطي، ومرابط بضعة أحصنة للشرطة.
قد لايذهب الى الخان إلا من أضطره الذهاب لشأن بطاقة التموين او مراجعة (الخستخانة) او لشراء حاجة من احد بضعة دكاكين مطلة على نهر الفرات هي أشبه بدكاكين العطارين او لعلها أصغر منها، وتظل جايخانة (التوثة) القريبة من السراي هي مأوى أنفار معدودين ينتظرون لهذا الشأن او ذاك، او من محبي (الدومنة) اللعبة الوحيدة التي يعرفها بعض الكهول.
بساطة الحياة في المدينة هي بساطة حياة القرية، وحيدة القرية سعيدة بشقائها وصبرها على شظف العيش، فكدح النهار المبكر الذي يتواءم يومياً قبل شروق الشمس حتى مغيبها لايسفر إلا عن سقي المزروعات التي هي عماد المأكل اليومي وحصاد القمح والعناية بالنخيل وهو ما يشكل ثلثي المعيشة بمؤونتها المتسمة بالبساطة والمؤدية الى القناعة، ولما دب دبيب النفط الى المحطة القريبة منها والتي بنتها شركة النفط البريطانية بالتعاون مع الحكومة العراقية إستوعبت متوسطي العمل من رجال المدينة فوجدوا رفاهة في العيش، وبدأت تمتد في حياتهم خيوط جديدة تحمل نسغاً من ألوان الحياة لم يألفوها، وكانت اولية الحياة بدأت تتفتح في ليل القرية ونهارها لتغذيها بمستحدثات لم يكن احد من أبنائها يحسب أنه يراها، إتسعت النوافذ واكتظ السوق وبنيت المدرسة واستعرض الطريق، وهدر هدير السيارات، ووجد ما يسمى بالسينما والمستوصف والكانتين، كان أولئك العاملون في محطة النفط يعودون الى بيوتهم على دراجاتهم الهوائية وفي قلوبهم إنبهار مما لم يروه ولم يسمعوا به، وصاروا رواة الأحاديث في تعاليل المساء التي إحتكرتها الجدات متحدثات عن (السعلوة) و (أحمد البروانة) و (الصجيع) و (فريج الاكرع). إن الذاكرة الشعبية التي إمتلأت بمخزون الحكايات الشعبية من ألف ليلة وغيرها بدأت تتسمع الى حكايات عن بشر قادم من قارات اخرى له صفات عجيبة وعنده تقاليد للعيش غريبة يفيض السمار كل ليلة بالحديث عنها حتى لكأنها تنافس ما ألفوه وأحبوه منذ نعومة الأظفار. إن المدنية كالصحة تحاصر العلة والمرض بسلاحها الخفي، فكلما إزدادت سعة إنتشارها تقلصت العلة وبقيت كالشبح المحاصر في الزوايا.
توردت الحياة بدبيب النفط، وحل الراديو ضيفاً ساحراً له أبجدية العجب ومثله نور الكهرباء، القوة السحرية الذائبة في أسلاك النحاس، وتحرض الناس على تعليم أبنائهم في المدرسة ومراجعة المستوصف والطموح الى السفر الى العاصمة بغداد التي لم يذهب اليها الا من سافر مع (الكروان) أو التجار للتبضع عبر الشخاتير او القوافل الراجلة، وولد قرب السراي مقر البريد فرن جرس لم يسمعوه من قبل واستمتعوا بحلاوة رنينة مثلما فرحوا بباصه الخشبي الذي صار بامكانهم ان يركبوه مسافرين الى هذه المدينة او تلك.. ولم يعودوا يفكرون بتلك المشقة التي يتركها ركوب الحمير ولا ذلك التشقق الجلدي بين أفخاذهم بسببه، بتؤدة بدأت القرية تنزع عنها أثوابها البالية ثوباً ثوباً لتتجمل بعطر الحديث مستلة منه جديد ذلك اللمعان العتيق الذي بناه ورثتها على مدى قرون موغلة في القدم، منذ كان اسمها الأول (حدثا) حتى اسمها الاخير (الحديثة).
حضارة الماء:
بين ماءين تقع (الحديثة)، ماء الفرات الذي يمتد في جسدها كالشرايين، وماء الصحراء المحيطة بها إحاطة السوار بالمعصم في عيونها وآبارها وواحاتها ووديانها، ومن يرى الصحراء يحسبها أرضاً بلقعاً، ومن يسبر غورها يجد في جنباتها ماءً كثيراً وحياة جارية كما تجري حياة البشر، يقول السير وليم ولكوكس: عندما إتجهت قبائل الجزيرة العربية الى الفرات تاركة وطنها الأصلي، كانت الواحة الأولى التي واجهتها هذه القبائل في طريقها هي البقعة الكائنة بين عانة وهيت، والفرات في هذه المنطقة يمر بسلسلة من الشلالات غير المنتظمة فمارسوا الزراعة، وكان هؤلاء المهاجرون مزودين بخبرة فنية في الري والزراعة التي مارسوها في وطنهم الاصلي ثم أستغلوا الامكانات التي وفرتها لهم البيئة النهرية الجديدة في تكوين حضارتهم من جديد في مستوطناتهم الجديدة ثم إضطرتهم الحاجة الى توسيع رقعة اراضيهم الزراعية بعد تكاثر عددهم، فأتقنوا هندسة الري المشتملة على شق الجداول السيحية ونقل المياه الى مسافات طويلة واستخدام العجلة، والطاقات المائية والحيوانية في تدويرها حتى أصبحت هذه المنطقة (جنة) غناء مليئة بالنخيل والاشجار، اضافة الى حقول الذرة والقطن والكروم، وكان المناخ والتربة هنا يصلحان بطبيعتها لنمو الأشجار المثمرة على إختلاف انواعها، ولهذا يرى السير وليم ولكوكس ان المنطقة المحصورة بين عانة-حديثة-هيت على نهر الفرات هي موقع جنة عدن التي اسسها العرب الجزريون، والتي نقلت اخبارها التوراة حيث جاءت اوصافها مطابقة لوضع المنطقة الممتدة من عانة الى هيت، فحدد موقع الجنة في أعلى دلتا الفرات حيث تبدأ تفرعات نهر الفرات إذ وصف العهد القديم الجنة بذكره ان نهر الفرات بعد ان يسقي الجنة يتفرع الى أربعة فروع هي فيشول وجيحون وحداقل والفرات، فيمثل الأول منخفض الحبانية وأبا دبس، ويمثل الثاني نهر الهندية الحالي، والثالث مجرى الصقلاوية القديم، أما الرابع فهو نهر الفرات أي المجرى القديم المعروف بنهر كوثي.
مداخل ومخارج:
ثلاثة طرق رئيسية تمر بالحديثة، إثنان منها بريان يمتدان بمحاذاة الفرات على جانبيه الأيمن والأيسر، والثالث نهري إذاً أنها جزيرة في وسط الفرات، وكان الطريقان البريان يربطان بلاد أكد وبابل ببلاد ماري ومدن الشام الأخرى وسواحل البحر الأبيض المتوسط وبلاد الأناضول، ويبدأ الطريق الأيمن من بلاد بابل وأكد الى مدينة الأنبار ثم يقطع الفرات ويسير بمحاذاته الى أن يصل مدينة هيت ويتجه غرباً وشمالاً حتى يصل الى (أولابس) التي يعتقد الآثاريون أنها موضع مدينة الحديثة الحالية والذي يدعى الان (عصية الراعي) او (المنارة)، ومن آثار هذا الموضع الأعمدة الحجرية المتناثرة فيه، ومن هنا يتفرع الطريق الى فرعين أحدهما يستمر بمحاذاة الفرات حتى يصل الى مفازة أم الخواشيج ثم الى كليمة والفحيمي وتلبس وعانه والنهية والفراض ثم القائم الأقصى، وبعدها يمر بالجابرية التي هي مدينة (خندانو) القديمة، ويصل بعدها الى مدينة ماري المعروفة حالياً بـ(تل الحريري) ثم الى قرقيسيا ودير الزور وجسر منبج، وينقسم من هنا الى فرعين أحدهما يتجه الى تدمر والآخر الى ملطية وحلب، أما الطريق الأيسر فيبدأ من جسر منبج نازلاً بمحاذاة الفرات الى الرقة ثم الى قرقيسيا ثم عانة وتلبس ثم المدن القديمة التي مواضعها الان في بيجان والزاوية ومهرة والسواري وجرعة ثم الحديثة، ويطلق عليه في هذه المنطقة اسم (درب الجيش) ثم يستمر نازلاً حتى (بركس ملكا) أي (فرضة الملك) التي من المحتمل ان تكون في موضع البغدادي حيث عبر الفرات القائد الروماني جوليان سنة (363م).
ثم يستمر الطريق الى تل أسود شمال شرق الرمادي وبعدها الى الأنبار، كما يمر بالحديثة فرع من الطريق الصحراوي الذي يبدأ من الحيرة عاصمة المناذرة متجهاً الى قصر الأخيضر ثم الى شفاثا-عين التمر-ثم الرحالية، ومنها يسير بمحاذاة الخندق العظيم الذي كان يأخذ الماء من الفرات من جنوب مدينة هيت الى الحيرة فكاظمة فالخليج العربي، وعندما يقترب الطريق من هيت يتجه الى كبيسة مباشرة ثم عكلة حوران فطاق أبو جاموس فوق مدينة عانه ثم الى تدمر، ومن منتصف المسافة تقريباً من عكلة حوران وشمال أبو جاموس يخرج فرع من هذا الطريق نازلاً الى الحديثة، إن التأريخ يحدثنا بأن طريق الفرات هو طريق هجرة سكان الجزيرة العربية الى بلاد الرافدين، وهو طريق الغزوات وقوافل التجارة.
وقد استقرت بعض القبائل العربية قبل الاسلام في السهل الخصيب بين عانه والحديثة وهيث كما ان سيدنا ابراهيم الخليل سلك هذا الطريق عند خروجه من أور الى حران، وكانت على إمتداد هذا الطريق مواضع معسكرات الملك الآشوري توكولتي نينورتا الثاني (889-884ق.م) عند مسيرته من سبار الى ماري ويرى موسيل ان المعسكر الخامس والعشرين كان في جزيرة السواري (سابريت القديمة) والمعسكر السادس والعشرون كان قرب (سورو-سوري) مقابل جزيرة تلبس-تلمش التي تبعد عن السواري مسافة (22)كم والمعسكر السابع والعشرين كان مقابل جزيرة عانات في أرض سوخي والتي تبعد نحو (16) كم عن سورو المذكورة، بينما ترى (المس بل) غير هذا الرأي في تحديد مواضع هذه المعسكرات إذ أنها ترى ان الموضع الخامس والعشرين هو مدينة الحديثة (موقع أولابس) وان الملك الآشوري هذا قد عبر الفرات من هيت (إيدو) سنة 885ق.م وإنه أمضى أربعة أيام ليقطع المسافة من موضع عبوره-مقابل هيت-الى موضع عسكر فيه بين حديدانو وسباريتوئري أنه عسكر بين الحديثة والسواري ثم واصل سفره الى مدينة عانه.
حوار الحجارة والأشجار:
بين مخلفات ذلك الانسان الوديع الذي هذبته وصقلته حضارة الماء ثمة حجارة ملغزة لاتفك مغاليقها كلمات بلا رابط وحروف فقدت الصلة بينها، وثمة أشجار لا تقول غير شيء واحد معلوم هو أنها من غرس فلان الفلاني الذي أدركه الآباء أباً عن أب وجداً عن جد، إنها شواخص إنسان كان هنا، عاش وخلف، وحرث، وزرع، وبنى، الى آخر الأفعال الدالة على الحياة.
في غرب مركز مدينة (الحديثة) وبالقرب من المنطقة السكنية الجديدة، هضاب جبلية تفصل بين المدينة وبين أراض فسيحة مستوية، تدعى المناة، وبالقرب منها توجد (عصية الراعي) وهي ثلاث أحجار منحوتة بشكل اسطواني، إحداها كانت لاتزال قائمة في مكانها قبل سنوات معدودة، وهي مرتفعة عن الأرض بمقدار مترين ومحيطها نحو 180سم أما الثالثة فتقع الى الشرق من الاسطوانتين، وتبعد عن الاسطوانة القائمة بمسافة (250) م، وعن الساقطة بنحو (50) م وهي ساقطة على الارض، وتقول (مس بل) أن هذا الموقع هو المحطة التي كانت تدعمها (أولابس) وقد شاهدت فيه أربعة أعمدة حجرية ملقاة على الأرض وعلى بعضها كتابة عربية مشوهة، ولكنها لم تستطع إلا قراءة بعض الكلمات منها، وتقول إن هذه الآثار تضيف لنا سنداً قوياً بأن الحديثة كانت إحدى المراحل القديمة باسم (أولابس) وهي المرحلة الخامسة والعشرون، وفي جدول المراحل في كتابها ص(110) ذكرت أن المرحلة الرابعة والعشرين هي مدينة عانة ومركزها جزيرة لباد، وبعد مسافة 12 فرسخاً قطعتها الرحالة على الحصان بـ(12) ساعة وصلت المرحلة الخامسة والعشرين وهي (أولابس) التي هي مدينة الحديثة، ثم بعد الحديثة بـ(16) فرسخاً قطعتها بـ(17) ساعة وصلت الى (إيزان بوليس) التي هي مدينة هيت، وهي المرحلة السادسة والعشرون علماً أن هذه المراحل سبق وعين مواضعها الجغرافي العربي (آسيدور الكرخي) من دولة ميسان، أما مواقعها الأثرية التي كشفت عنها آخر التنقيبات في منطقة حديثة منها: خرائب ترنانة، سورام الخواشيج، تل جنثة، خربة طرطاسية، خرائب جرنة، خرائب المرزوكية، خرايب الشيخ طايع، أسس عين السوسة، سور جرعة، كليمة، سور مهرة، السواري، حويجة ربان، خربة بن سلام، قلعة حديثة، الأبراج، منارة حديثة، عصية الراعي، قصر عين، ملواح، طيبة، خربة حميمة، قصر أم الطوس، بنية أم دلي، بنية أم غربة، بنية طويبة، تل جتيبة، تل المجبش، مقبرة شحمة، خربة بيت الأفرنجي، تل جديدة، عوناية، مقبرة بني داهر.
ومثلما تحدت الحجارة سهام الزمن وتقلباته تحدته الأشجار في هذه البقاع الرخية الهواء والتراب فشمخت لقرون ومنها الى يوم الناس هذا، فنخلة شرف التي يضرب بها المثل في الطول لا تطالها نخلة من نخيل العراق، وكانت تقع في بستان (شرف بن دهيثم) في حويجة الحديثة ومن يرتقيها يشاهد حويجة آلوس على مبعدة كيلو مترات، وقد عمرت هذه النخلة لمدة (224) سنة، ومثل هذه النخلة (توثة رجب) في صدر ناعور بستان الكبير، زرعها رجب بلك بن رستم الذي كان حياً سنة 1716م، وما زالت هذه الشجرة على قيد الحياة الى اليوم معمرة لأكثر من ثلاثة قرون.
السوق.. تساؤلات!:
يرتسم في الذهن تساؤل بعد أن تقطع بقدميك شارع النهر فلا تجد سوى بضعة دكاكين صغيرة ومقهيين في مدينة تقع على طريق هجرة سكان الجزيرة العربية الى بلاد الرافدين وطريق الغزوات وقوافل التجارة والتي استقرت فيها بعض القبائل العربية قبل الاسلام في السهل الخصيب بين عانة والحديثة. وكانت في مدينة الحديثة-في الجانب الشامي-تحديداً محطة لاستراحة القوافل التجارية المارة بها في طريقها من تدمر الى سبار وبابل وميسان وبالعكس.
وكانت هذه المحطة تدعى آنذاك (أولابس) ويشرف عليها برج عظيم يدعى (المنارة) الذي لا تزال قاعدته المستديرة ظاهرة للعيان على الهضبة المطلة على هذا الموقع، ولما جاء ابن بطوطة الى العراق في سنة 727هـ/ 1326م وزار الحديثة كتب في رحلته قائلاً: رحلت من بغداد فوصلت الى مدينة الأنبار ثم الى هيت ثم الى الحديثة ثم الى عانة، وهذه البلاد من أحسن البلاد وأخصبها والطريق فيما بينها كثير العمارة كأن الماشي فيه ماش في سوق من الأسواق.
ومما يرتبط بالسوق تلك (الشخاتير) المتنقلة عبر ماء الفرات ترسو عند شواطئ المدن لتبيع الجوز والزبيب والبهارات والمؤن لسكان تلك المدن، ولكن يبقى التساؤل قائماً لا يجيب عليه أحد، حتى أولئك الذين إمتد بهم العمر طويلاً لا يذكرون أن ثمة سوقاً في المدينة غير تلك الدكاكين الصغيرة القائمة اليوم مطلة بوجهها الشاحب على نهر باسم تقبله الشمس مرة في شروقها ومرة عند المغيب.
مراقد وأضرحة ومساجد:
لم يكن القصد من بناء المشاهد والترب الدفن أو تخليد من دفنوا تحتها فحسب، بل تعداه الى مقاصد أخرى كثيرة، فقد أوصى بعضهم بجعل تربته على الطريق لكي يترحم عليه الصادر والوارد، ومنهم من ألحق بتربته أماكن نزهة مؤنسة لا تخلو من الروعة والوقار، تنشرح لها الصدور وتنبسط لها السرائر، بعيدة عن كآبة ووحشة المقابر، ومنهم من ألحق بها مسجداً او مدرسة دينية أو رباطاً.
وفي الحديثة مجموعة من الأضرحة والقبور الأثرية أغلبها غير معروف لكونها خالية من أية كتابة تدلنا على أصحابها، والمأثورات الشعبية المتداولة عنها ربما تكون مغلوطة لانها قد تكون لأشخاص آخرين غير من تنسب اليهم، ونحن نعرف أن الحديثة مدينة قديمة جداً واقعة على الطريق العام المؤدي الى بلاد الشام كما انها واقعة على ضفتي الفرات، ولذلك فمن المحتمل أن تكون بعض هذه القبور لأشخاص ماتوا أثناء عودة جيش الأمام علي بن أبي طالب من صفين أو لأشخاص ذوي مكانة دينية رفيعة سكنوا الحديثة وماتوا فيها او لأشخاص مسافرين او لأمراء حكموا الحديثة وبنوا لأنفسهم مقامات وربطا ومساجد فدفنوا فيها بعد موتهم او شيدت لهم بعد وفاتهم، فزعم بعض الناس بمرور الزمان أن هذا القبر للسيد الفلاني وذاك الضريح للشيح الفلاني بقصد التكسب والعيش عن طريق الهدايا والنذور والأوقاف.
كما ان البعض من هذه القبور معروف أصحابها لمضي مدة غير طويلة على وفاتهم او لوجود ما يثبت هوية اصحابها ومنها قبة ضريح الشيخ حديد، قبة ضريح الأمام نجم الدين، قبة ضريح أولاد السيد أحمد الرفاعي، قبة ضريح عبد القادر الطيار، قبة ضريح الحاج مصطفى، قبة ضريح السيد علي، قبة ضريح الشيخ محمد، مقام خالد بن الوليد، وفي سهل المنارة بين الطريق العام وتل منارة الحديثة مجموعة من القبور والقباب منها: قبة عز الدين، السبعة المسافرة، قبة نور الدين، كما توجد في الحديثة قباب وقبور كثيرة منها: الامام حبيب النجار، الشيخ طايع، الشيخ عفان، الشيخ حسن، الشيخ خالد، الشيخ شاهر، الأمام الخضر، بنات الحسن، تكية بيت قرقاش. ومن المساجد نذكر: الجامع الكبير (نهاية حويجة الحديثة)، جامع علي الفارسي، جامع القلعة، جامع الخريزة، جامع عبد الرزاق المجيد العبد الله، جامع الرفاعي، جامع الشيخ حديد، أما المدارس الدينية فكانت ملحقة بالجوامع والأضرحة ومنها: مدرسة دينية في حويجة الحديثة مقابل بيت الحاج ياسين السيد محمد الخطاب.
مدرسة دينية ملحقة بالجامع الكبير في نهاية حويجة الحديثة.
مدرسة دينية ملحقة بجامع الشيخ حديد.
مدرسة دينية ملحقة بمرقد الامام نجم الدين ومثلها بمرقد الرفاعي ومرقد عز الدين وأخرى ملحقة بمرقد الطيار في آلوس.
نواعير الحديثة:
الناعور آلة خشبية إبتكرتها الأقوام الأكدية النازحة من الجزيرة الى ضفاف الفرات، ويرجع المؤرخون أصل تسمية الناعور الى الفعل (نعر) الذي هو صوت الناعور المنبعث عن إرتطامه بالماء، وصوت محوره (العابر) عند إحتكاكه بالسندان الذي هو مخدة خشبية من جذع التوت يدور عليها (العابر) الذي هو بمثابة محور الناعور أو القطب الذي تتركب عليه أعواد الناعور.
وهو صوت مموسق خفيف حزين، وصفه شاعر العتابة بالحنين فقال:
يحن ناعور جرعة ولها ذاري
وتوكد نار كلبي ولها ذاري
يالوماني مجلس ولها ذاري
يايوم فراكهم هد الصفا
وقد أحب الناس الناعور والتصقوا به لأنه يروي حقولهم ويطعمهم ثمارها كما إرتبطوا بالجرية (البناء الذي يدور فيه الناعور) إرتباطاً وجدانياً غناه الشعراء منهم واكثروا نظم الأشعار فيه، ويصنع النواعير نجارون محترفون ورثوا هذه الحرفة أباً عن جد وتولوا صيانتها على مر السنين، ويعتمد في صناعة النواعير على الخشب دون إدخال أية مادة معدنية كالمسامير مثلاً، وخشب جذع شجرة (التوت) خاصة، و(الجرية) هي البناء الضخم الذي يضم بين مقاطعه ناعوراً واحداً او مجموعة نواعير في آن واحد على قدر ما تتطلبه سعة الأرض الزراعية من مياه وهذا الكيان الشامخ على الشاطئ يشيد من مادتي الصخور والنورة (الكلس) التي تزداد صلابتها بتقادم السنين مادام الماء محيطاً بها.
ويتكون الناعور من (24) عوداً لكل عود سهم في الأرض، ويدور هذا الجهاز الخشبي المستدير- الدولاب
والذي يبلغ طول قطر دائرته ثمانية أمتار في الماء كما تدور دواليب الهواء في الفضاء، وعندما يغطس نصفه في تيار الماء (السيب) تمتلئ اكوازه بالماء، وتسمى هذه الأكواز (كواكة) ومفردها (كوك) وهي أوعية مستطيلة مصنوعة من الطين المفخور وعددها في الناعور (24) كوزاً.
وقد ورد ذكر الناعور في أشعار كثيرة قالها شعراء عديدون منهم أبو المعالي القائل:
رب ناعورة كان حبيباً    فارقته، فقد غدت تحكيني
أبداً هكذا تدور وتبكي    بدموع تجري وفرط حنيني
وقال الشيخ أحمد بن عبية:
وناعورة أنت فقلت لها إقصري    أنينك هذا زاد للقلب في الحزن
فقالت أنيني إذ ظننتك عاشقاً        ترق لحال الصب، قلت لها إني
وترتبط طواحين الماء بالنواعير ومنها عدة طواحين لاتزال آثار أبنيتها الحجرية قائمة لحد الان وسط الفرات في فرعه الجاري بين حويجة الحديثة وناحية البروانة، وقد أدركنا في شطر الشباب هذه الطواحين، وكانت لاتزال تطحن الحبوب عبر ناعور أصغر في حجمه من ناعور الماء، ونواعير الطواحين لاتركب عليه الأكواز وإنما مهمته تنحصر في تدوير الرحى.
عطر الماضي:
الرقم الطينية التي كشفت عنها التنقيبات في حوض الفرات الأعلى يفصح لسانها ببيان واضح لا يأتيه اللبس من أيما جهة بأن مدينة الحديثة كانت منذ القدم حاضنة للحضارة والثقافة والعلوم، وقد سجل عليها أولئك العرب الجزريون الذين استوطنوها لمحات من حياتهم ومعتقداتهم وعلومهم ومعاركهم، كما كانت فيها مدارس مهمة أيام الاراميين والسريان الذين استقروا فيها قبل الفتح الاسلامي، حتى ان الجغرافي الفرنسي (انفيل) الذي وصل العراق سنة 1779م قال: إن مدينة الحديثة كانت تدعى مدينة النور، وكانت تسمى بالسريانية (حدثا نورا) إلا أن البلدانيين العرب قالوا (حديثة النورة) فانصرف هذا الوصف الى كونها مشيدة بالنورة، والصحيح أنها (حديثة النورا) أي مدينة العلم والنور، وذلك لوجود معاهد علمية ومدارس دينية قديمة فيها.
وفي بداية الفتح الاسلامي شيد الجامع الكبير في الحديثة، وألحقت به مدرسة ريفية مهمة، ثم انشئت مدرسة دينية أخرى كبيرة في العصر العباسي الأخير مجاورة لضريح الشيخ نجم الدين، وأخرى ملحقة بضريح الشيخ عز الدين علماً ان الجامع الكبير يقع في نهاية حويجة الحديثة، وألحقت به مدرسة ريفية مهمة، ثم انشئت مدرسة دينية اخرى كبيرة في العصر العباسي الاخير مجاورة لضريح الشيخ نجم الدين، واخرى ملحقة بضريح الشيخ عز الدين علماً ان الجامع الكبير يقع في نهاية حويجة الحديثة، وإن ضريحي الشيخين المذكورين يقعان في الجانب الغربي على الطريق العام، لقد أنجبت الحديثة عدداً كبيراً من العلماء والاعلام منهم الأديب والشاعر والفقيه والقاضي والزاهد والخطاط، وكتب التأريخ والأدب والسير والأنساب حافلة بأسماء الكثير منهم: سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار أبو محمد الهروي الحدثاني، سعيد بن عبد الله الحدثاني، عبد الله بن محمد بن أبي ظاهر الحديثي، هلال بن ابراهيم بن علي بن شريف أبو البدر النميري الخزرجي الشاعر، أبو جعفر النفيس بن وهبان الحديثي، أبو نصر بن محمد الحديثي، أبو طالب روح بن الحديثي القاضي، أبو المعالي عبد الملك بن أبي طالب روح بن أحمد الحديثي، محمد بن روح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح الحديثي، الشيخ حسين بن نوح الحديثي، السيد طه الحديثي، الشاعر علي بن سالم بن محمد الحديثي، وذكر السمعاني بعضاً من علماء وفقهاء الحديثة منهم سويد بن سعيد الحدثاني، أبو عثمان سعيد بن عبد الله الحدثاني، مالك بن أنس الحدثاني، علي بن عبد الرحمن أبن نصر الحدثاني، أبو القاسم الحديثي، السيد العلوي ركن الدين الحديثي، نصر الله بن أحمد الحديثي، عماد الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن علي الحديثي، فخر الدين أبو اسحق أحمد بن محمد بن العباس الحديثي، السيد عبد اللطيف الحديثي، السيد محمد سعيد القاضي، الشيخ محمد بن جميل الحديثي، السيد خضر بن السيد درويش الحديثي، الشيخ عطاء الله الحديثي، السيد عبد الحميد الخطيب الحديثي (وهو من الخطاطين المشهورين) ومن الآلوسيين: المؤيد الآلوسي، محمد بن المؤيد الآلوسي، وأعقب هؤلاء عدد من الملالي علموا الأبجدية لجيل من ناس الحديثة من أبرزهم: عبد الرزاق أفندي، عباس الخلف، زويد، ياسين السالم.
جدلية الآن:
يبقى النهر في مجراه لكنه يمتلك رئتين جديدتين عبر السد المسمى باسمه، وبه يتجدد شبابه بعد ان اوشك على الهرم، وتتكاثر على ضفتيه الجسور التي قربت تلك الضفاف القاحلة لتؤول الى ضفاف سكنية تمتلئ بحشود الناس بعد أن يسر لهم ماء الشرب من الحنفية ونور الكهرباء وطرق المواصلات، القديم تجدد، والجديد إنتشر كوشاح أشعة الشمس الذهبية التي يلاصف تحت أضوائها بريق خوص النخيل وأشجار البرتقال. الماء والخضراء والفرح الطافح على وجوه عبرت جدب الليالي الكابية الى قوس قزح يطرز الأفق البازغ من سماء باسمة دائماً.
لقد حمل الابناء عطر الماضي وتدفقوا عبر بوابات الحياة الحديثة في مساربها ومنحنياتها، عطر الماضي يطرز المدينة بنجوم تزهر في آفاقها الرحبة لتشع طموحاً واصلاً بين الانترنيت والكومبيوتروبين بدالة البريد اليدوية التي كان رنينها يتناثر بين أصداء سوق شاحب، جدلية إذن بين عطر الماضي ونور الحاضر وتظل قائمة.
هامش:اعتمدت المقالة في مادتها التاريخية على كتاب (تاريخ الحديثة) للمرحوم فرحان أحمد البياتي، المطبوع في مطبعة أسعد ببغداد عام 1988، وعلى كتاب (صور من حياتنا الشعبية) لكاتب المقال المطبوع في مطبعة أسعد ببغداد عام 1968، وعلى أعداد متفرقة من مجلة التراث الشعبي.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة