الحدث الاقتصادي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

وقائع الجلسة الثالثة لطاولة (المدى) المستديرة بشأن:  اشكالية تداولات سوق الاوراق الماليـة .. القسم الاول

كتب محرر الشؤون الاقتصادية
تصوير:نهاد العزاوي

ضمن اجواء التدهور المريع في اسعار اسواق الاوراق المالية في بلدان الخليج العربي والاردن ومصر، وما انسحب من تلك الظاهرة الخطيرة على واقع تداولات الاسهم في البورصة العراقية، حيث كانت كما يبدو- توجهات مقصودة للتعتيم على هذه الحالة مما حمل سوق العراق للاوراق المالية ان يرفض - الاقرار بانهيار او حتى تدهور اسعار تلك الاسهم حين اعتبرها مجرد متغيرات هيكلية، رغم ان نشريات السوق تشير جهاراً الى تراجع معظم الاسهم ان لم نقل كلها بما يزيد على تسعين بالمئة في اسعارها السوقية، مقارنة مع اسعارها المنفذة لنهاية عام 2004 وحتى اواسط عام 2005.
تصدت طاولة (المدى) المستديرة لمناقشة تلك الظاهرة حيث اعدت اللجنة الاستشارية في القسم الاقتصادي تنظيم الجلسة الثالثة من الطاولة لتواجه اشكالية تراجع اسعار الاسهم في سوق العراق للاوراق المالية بشكل خطير وبما يزيد على ضعف مثيلاتها في المنطقة العربية حيث اثيرت هناك الزوبعة الكبيرة لما تعرض المستثمرون في تلك الاسواق من خسائر.
وفي صبيحة الثلاثاء، الرابع عشر من آذار الجاري احتشد جمع كبير من المتخصصين بالشؤون الاقتصادية والمعنيين بالمؤسسات ذات العلاقة باجهزة تداول الاسهم ومختلف الجهات المهتمة بالمشكلة. وكان منهم فريق عمل مثل هيئة الاوراق المالية، الجهة الحكومية المعنية بمراقبة اداء سوق الاسهم وممثل عن مفوضية النزاهة العامة ورئيس مجلس المحافظين والمدير التنفيذي لسوق الاوراق المالية، فضلاَ عن عدد من المدراء المفوضين للمصارف وشركات الاستثمار المالي وعدد اخر من كبار المستثمرين.
لقد حددت ادارة الطاولة برنامجاً للجلسة تضمن ثلاث اوراق عمل اعدها كل من السادة عبد الباقي رضا احد ابرز المواكبين لحركة تداولات الاسهم في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي وعضو الهيئة التي وضعت اول قانون لسوق عراقي للاوراق المالية عام 1990، وجعفر ياسين الخبير الاقتصادي بشؤون الاسهم و اياد سلمان يحيى نائب رئيس مجلس ادارة مصرف الائتمان، وقد تناول الاستاذ عبد الباقي رضا في بحثه الخلفية التاريخية غير الموثقة لاولى محاولات التداول بالاسهم مستعرضاً تواصلها حتى الوقت الراهن مقيماً اداءها وقد جاء في ورقة العمل التي قدمها.


قراءة في تداولات البورصة العراقية
 

عبد الباقي رضا

عند الحديث عن سوق الاوراق المالية لابد من التعريف بالسلعة او السلع التي يجري تداولها في هذا السوق، بشكل عام يجري تقسيم هذه السلع الى نوعين رئيسيين: أولهما يمثل حقوقاً ملكية في مشاريع ذات انشطة مختلفة تملكها اشخاص طبيعيون ومعنويون دون ان تكون بينهم بالضرورة علاقات من اي نوع. تأخذ هذه المشاريع شكلاً قانونياً اصطلح عليه تعبير (الشركة المساهمة) وهي التي امكن بواسطتها تأسيس المشاريع الكبيرة التي تطلبت رؤوس اموال تفوق الامكانات المالية للافراد. ان حقوق الملكية في هذه المشاريع تتمثل في وحدات صغيرة القيمة يسهل على الافراد تملك العدد الذي يتناسب وقدراتهم المالية كما يسهل تداولها باجراءات مبسطة. هذه الوحدات اصطلح على الواحدة منها تعبير (سهم)، ولست بصدد التوسع في شرح انواع السهم خاصة اننا في العراق اخترنا نوعا واحدا منها.
اما النوع الثاني الاقل اهمية في اسواق الاوراق المالية العربية خاصة فهو ما يمثل حقوقاً دائنية ويصطلح عليه تعبير (سند) تصدره الحكومات ومؤسساتها المختلفة وكذلك الشركات المساهمة. ونحن في العراق عرفنا السندات التي اصدرتها الحكومات ومؤسساتها اما الشركات المساهمة فلم يحدث مطلقاً ان اصدرت احداها مثل هذه السندات رغم ان ثلاثة من اصل اربعة قوانين للشركات طبقت في العراق الحديث سمحت للشركات المساهمة باصدار سندات قرض قابلة للتداول ونظمت شروط اصدارها.
اول قانون للاسهم عام 1939
ان الشركة المساهمة ككيان قانوني يمارس نشاطا اقتصادياً مشروعاً بهدف تحقيق ارباح، هي حديثة العهد في العراق نسبياً اذ جاءت احكامها بعد العهد العثماني في قانون الشركات الهندي الصادر عام 1913 والمنفذ في العراق عام 1919 بامر القائد العام للقوات البريطانية. هذا القانون ظل نافذاً حتى اواخر عام 1957 حين شرع اول قانون عراقي باسم (قانون الشركات التجارية) برقم 31 لسنة 1957. لا نعرف بشكل دقيق عدد الشركات التي اسست بموجب القانون الهندي ومن المؤكد انها لم تكن كثيرة ولم تكن برؤوس اموال كبيرة. نستدل على وجود مثل هذه الشركات من القانون المقتضب برقم 3 لسنة 1939 وباسم (قانون بيع وشراء الاسهم والسندات المالية) جاء هذا القانون بثلاث مواد فاعلة ومادتين احداهما تحدد تاريخ تنفيذه وثانيتهما تخول وزيري المالية والعدلية تنفيذه. يبدو ان هذه المبادرة اجهضت، كما اجهضت قبلها مبادرة قانون بورصة التجارة رقم 65 لسنة 1936، ربما لعدم وجود قاعدة واسعة من الاسهم والسندات تبرر قيام سوق نظامي للاوراق المالية، وظل تداول الاسهم يجري في نطاق ضيق غير منظم.
بوضع القانون رقم 31 موضع التنفيذ في 1/12/1957 نشطت حركة تأسيس الشركات.
المساهمة نتيجة التحولات الايجابية التي اعقبت الاتفاقات النفطية الجديدة بين الحكومة العراقية والشركات الاجنبية المستثمرة، ووضع وتنفيذ خطط الاعمار والتنمية التي تولى مجلس الاعمار تنفيذها باستثمار العوائد النفطية الكبيرة المخصصة للاعمار. ظهرت اثار هذه التحولات في ارتفاع دخول المواطنين وتحسن المستوى المعيشي، كما ظهرت بوادر مشجعة لوعي استثماري في اسهم الشركات مما شجع بعض رجال الاعمال على تاسيس مثل هذه الشركات.
قرارات التأميم لعام 1964 وأدت احلام القطاع الخاص
خلال الفترة بين تنفيذ هذا القانون و 14/7/1964 تأسس عدد لابأس به من الشركات المساهمة في قطاعات المصارف والتأمين والصناعة والتجارة ، فنشطت الى حد ما حركة تداول اسهمها بصورة مباشرة او بواسطة عدد محدود من الافراد امتهنوا مهنة الوساطة في بيع وشراء الاسهم بصورة بدائية ويحضرني في الان اسماء بعض هؤلاء لعلكم تتذكرون، او يتذكر بعضكم قرارات التأميم الشهيرة التي صدرت صبيحة 14/7/1964 وشملت جميع المصارف وشركات التأمين الخاصة واهم واكبر الشركات الصناعية والشبكة التجارية المساهمة الوحيدة. من مجموع 87 شركة شمل التأميم 32 شركة كانت نسبة رؤوس اموالها 75% من رؤوس اموال جميع الشركات المساهمة. جاءت قرارات التاميم ضربة قاصمة لنشاط القطاع الخاص الذي كان في بدء نهوضه بتأسيس الشركات المساهمة لممارسة مختلف الانشطة الاقتصادية. وكان من اثر هذه القرارات انهيار اول شركة عراقية للاستثمار المالي وكانت شركة محدودة، فقد شمل التاميم كل او معظم محفظتها من الاسهم.
من المعقول القول بان قرارات التاميم تسببت ايضاً في تأجيل اية مبادرة لتاسيس سوق نظامي للاوراق المالية رغم الاشارة التي كانت قد وردت في قانون الشركات رقم 31 لسنة 1957 الى احتمال تاسيس ما سمي (بالبورصة) لبيع اسهم المتخلفين عن تسديد اقساط قيمة الاسهم. ان انكماش عدد الاسهم القابلة للتداول والاحباط الذي اصاب المستثمرين والتوجهات الاشتراكية للنظام السائد حينذاك لم تكن لتشجع التفكير في خلق مؤسسة هي احد المعالم البارزة للنظام الاقتصادي الحر.
لاينكران فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت شهدت تأسيس العديد من الشركات المساهمة المختلطة، وقد تبنى قانون الشركات رقم 36 لسنة 1983 الملغى مصطلح (الشركة المختلطة) لاول مرة ووضع قواعد واحكاما لها ونشط المصرف الصناعي في هذا الاتجاه. ان التحول الرئيسي حصل في اواخر الثمانينيات حين قررت الحكومة تحويل بعض المشاريع الاقتصادية الانتاجية المملوكة للدولة الى القطاعين المختلط والخاص فاتخذ بعضها شكل الشركة المساهمة فتضاعف حجم الاسهم القابلة للتداول وتضاعف عدد المستثمرين وبدأ الخوف من شبح التاميم يتضاءل ويزول تدريجيا ويحل محله وعي استثماري حذر. ولعل جيلا جديدا من المستثمرين الذين لم يتضرروا بقرارات التاميم قد ظهر على الساحة الاقتصادية.
حيث اختفى الافراد الذين امتهنوا الوساطة في بيع وشراء الاسهم وانصرفوا الى مهن اخرى لكسب العيش بعد قرارات التاميم، بادر المصرف الصناعي الى تاسيس مكتب للتوسط في بيع وشراء اسهم الشركات المختلطة التي كان المصرف احد الاطراف الرئيسية في تاسيسها وتكوين مجالس اداراتها. ومع الثناء الذي يستحقه المصرف على هذه المبادرة لا يقلل من اهميتها القول بان عمل المكتب كان بدائيا غير منظم ولم يكن له نشاط فاعل في توسيع حركة تداول الاسهم الذي اقتصر على اسهم الشركات المختلطة.
وحين تقرر ربط المصرف الصناعي والمصارف الاختصاصية الاخرى بوزارة المالية في عام 1987 حاولت الوزارة تنظيم عمل المكتب وتفعيل نشاطه بشكل افضل.
التوجه نحو فتح سوق للاوراق المالية :
في نفس الفترة كلفت لجنة خاصة بوضع دراسة عن جدوى وامكانية تاسيس سوق للاوراق المالية اسوة بالاسواق القائمة في بعض الدول العربية.
استنادا الى احصائيات واقعية عن حجم الاسهم القابلة للتداول، وعوامل اخرى مشجعة انتهى تقرير اللجنة الى التوصية بتاسيس سوق للاوراق المالية. احيل تقرير اللجنة الى وزارة المالية لبيان الرأي فوجد تاييدا له ودعت الوزارة عددا من الاقتصاديين المعنيين بالموضوع الى ندوة عقدت في مكتبة جمعية الاقتصاديين العراقيين برئاسة وزير المالية.
تراوح عدد المحاضرين بين 20 و30 شخصاً ايد معظمهم فكرة تاسيس السوق ولم يخل الاجتماع من اصوات معارضة تصورت ان السوق لابد ان يكون بمستوى الاسواق المشهورة كسوقي لندن ونيويورك مثلا وان مقومات وخبرات وكفاءات ادارة مثل هذه الاسواق غير متوفرة في العراق وان قاعدة السلعة التي يراد تنظيم تداولها غير واسعة بما يكفي ويبرر قيام السوق.
كتبت الوزارة مؤيدة فكرة تاسيس السوق واقترحت كخطوة اولى تنظيم مهنة الوساطة واعدت مشروع قانون لهذا الغرض على غرار قانون الدلالة النافذ، غير ان رئاسة الجمهورية انذاك قررت تشكيل لجنة لوضع قانون لسوق الاوراق المالية يتضمن احكام تنظيم مهنة الوساطة ايضاً كان ذلك في اواخر عام 1989.
تشكلت اللجنة برئاسة نائب محافظ البنك المركزي العراقي يومذاك المرحوم عبد الواحد المخزومي وعضوية ممثلين من وزارة المالية وديوان الرقابة المالية ودائرة تسجيل الشركات وكان لي شرف تمثيل وزارة المالية حيث كنت من المتحمسين لتأسيس السوق منذ البدء خلال فترة عمل اللجنة التي استغرقت عدة اشهر حصل ان اوفدت الى البحرين والكويت والاردن ومصر فاطلعت على تجاربها في هذا المجال وحصلنا على قوانينها وانظمتها وتعليماتها في ادارة اسواقها، وقد استفادت اللجنة من التجارب الاخرى فائدة جمة في اعداد مشروع القانون الذي اختارت له اسم (قانون سوق بغداد للاوراق المالية).
جرت مناقشات مستفيضة وجادة وموضوعية لمشروع القانون في اللجان المختصة في المجلس الوطني السابق وجوبه بالمعارضة ممن ظن انه يشرع لنموذج مذموم لما عرف في الكويت (بسوق المناخ) غير ان المشروع نال تاييد غالبية اعضاء اللجان وصدرت توصيتها الى المجلس الوطني باقراره في وقت كانت طبول الحرب تصم الاذان. حاول بعض اعضاء المجلس ايقاف مناقشة المشروع في جلساته الثلاث التي عقدت في كانون الاول من عام 1990 بحجة وقوف البلد على ابواب حرب مدمرة غير ان اصوات المعارضة تلاشت وسط تاييد ساحق للمشروع الذي اقر وصدر برقم 24 لسنة 1992 ثم اصدرت وزارة المالية النظام الداخلي الاول لسوق بغداد في 9/3/1992 وافتتح السوق رسمياً في 13/4/1992 فبدا تاريخ حدث متميز لنشاط اقتصادي جديد.

وكان افتتاح السوق عام 1992
في اب 1991 اوفدت الى الاردن بهدف (التعارف والاطلاع على تشكيلات سوق عمان للاوراق المالية، واساليب العمل فيه والحصول على ما يمكن توفيره من لوائح وانظمة ومطبوعات وبحث امكانات التدريب) كما جاء في رسالة السيد وكيل الوزارة ورئيس مجلس ادارة السوق الى مدير عام سوق عمان. لقد رسم التقرير المفصل الذي قدمته بتاريخ 17/9/1991 اسس العمل في السوق الذي استمر حتى توقف نشاطه في 19/3/2003، وحين استأنف السوق نشاطه في 24/6/2004 وتحت اسم (سوق العراق للاوراق المالية) وفق القانون المؤقت رقم 74 الذي اصدرته سلطة الائتلاف المؤقتة، لم يجد القائمون على ادارته غير اتباع جميع الاسس والتعليمات والاساليب التي كانت متبعة في سوق بغداد وبنفس كوادره. ومن المؤسف ان لا يتردد القائمون على شؤون السوق في تجاهل وانكار ما ورثوا والتنكر له كما كانت المناسبة تفرض نفسها لاستذكار الخلفية المجيدة للسوق . واتذكر اني كتبت في 16/8/2004 الى الصديق المدير التنفيذي للسوق وهو من عاصر سوق بغداد منذ تأسيسه، تعليقا على كلمة له صدر بها اول اصدارات السوق مستغرباً خلو كلمته الافتتاحية من الاشارة الى ان السوق في هيكليته الجديدة ما هو إلا امتداد لسوق بغداد وانه لم ينبثق من فراغ و انه اعتمد نفس اسس العمل في سوق بغداد وانه حين تحدث عن (الفكرة) تجاهل انها ليست وليدة القانون الموقت، وحين تحدث عن (الواقع) فهو يعرف انه امتداد الماضي القريب واضفت ان التوثيق التاريخي الامين والمنصف كان يستوجب الاشارة الى (الخلفية) وعدم اغفال الماضي لاستكمال صورة (الفكرة والواقع) عنوان كلمته.
عودا الى قانون سوق بغداد أقول: ان اللجنة التي وضعت مشروعه لاحظت ان الاسواق المماثلة في المنطقة يرأس مجالس ادارتها وزراء المالية او التجارة والصناعة والاقتصاد فاختارت ان يرأس مجلس ادارة سوق بغداد وكيل وزارة المالية وليس الوزير لابعاد هذه المؤسسة عن اي تاثير سياسي ولاسباغ المهنية التامة عليها وهو ما حصل فعلاً اذ تراس المجلس طوال تاريخه تكنوقراطي مهني من الطراز الاول. واشهد انه لم يحاول املاء اية سياسة او فكرة على مجلس الادارة لا بصفته الشخصية ولا الوظيفية ولم يكن لاي من اعضاء المجلس، عدا ممثل الوسطاء، اية مصلحة في فعاليات السوق وكانت الحيادية التامة والموضوعية هي التي املت قرارات المجلس.
من غريب ما اتذكر ان الشخص الذي كلف من سلطة الائتلاف المؤقتة بمتابعة شؤون سوق الاوراق المالية والعمل على اعداد هيكليته الجديدة كان مقتنعا بان السوق مؤسسة حكومية خاضعة لوزارة المالية وارادة وزير المالية وبالتالي فهي غير مستقلة ولابد من (تحريرها) او (خصخصتها)!!.
للحق أقول: ان سوق بغداد للاوراق المالية كان مؤسسة غير حكومية بتاييد من مجلس شورى الدولة وان لم يكلف خزينة الدولة اي مبلغ وان سلفة التاسيس التي حصل عليها السوق من وزارة المالية بمبلغ مئة وخمسين الف دينار قد اعيدت اليها بعد وقت قصير وان وجود بعض المسؤولين الحكوميين في مجلس ادارته بحكم علاقة مؤسساتهم بحركة رأس المال ونشاط الشركة المدرجة فيه لم يسبغ اية صفة رسمية عليه، ويعرف الجميع ان اياً من قرارات المجلس لم يخضع لمصادقة وزارة المالية او اية جهة اخرى، وان تكوين المجلس كان يمثل كل الشرائح المعنية بنشاط السوق والشركات المدرجة فيه.
قانون غريب لسوق جديد يشرعه الاحتلال:
وهنا ينبغي ان اذكر ان القانون المؤقت رقم 74 جاء بهيكلية جديدة لسوق الاوراق المالية ذات كيانين مستقلين أحدهما هو (هيئة الاوراق المالية العراقية الموقتة) وهي هيئة حكومية تتكون من خمسة اعضاء رئيسها ونائبه متفرغان والاعضاء الثلاثة الاخرون غير متفرغين تمول نفقات الهيئة بالكامل من الميزانية العامة للدولة وفصل القانون واجبات الهيئة وصلاحياتها ومن الغريب ما ورد في الترجمة العربية الركيكة للقانون تخويل الهيئة صلاحية اصدار القوانين في امور معينة ورغم وضوح هذا الخطأ في الترجمة فان ادبيات الهيئة كررت الخطأ دون انتباه الى ان اصدار القوانين هو من اختصاصات السلطة التشريعية حصراً.
والكيان الثاني هو (سوق العراق للاوراق المالية) كبديل لسوق بغداد، ويدير السوق مجلس محافظين من تسعة اشخاص كلهم من القطاع الخاص ومعظمهم من الوسطاء وحدد القانون مصادر تمويل نشاطات السوق ومنها غرامات يفرضها على الاشخاص الخاضعين لاختصاصات ممن يرتكبون مخالفات للقانون وتعليمات السوق او الهيئة.
لست بصدد مناقشة احكام هذا القانون ذلك لان امر نفاذه اوشك على النهاية في 19/4/2006 وان لم يكن هذا بشكل لا يثير الشكوك غير ان ما يستحق القول هو الاعراب عن الامل في ان ياتي القانون الذي يجري العمل حاليا على اعداد مشروعه بصيغة واضحة ومفهومة ويؤسس لسوق يتصف حقا بما تتميز به اسواق الاوراق المالية في الدول المجاورة ويصار الى الاستفادة من تجارب تلك الاسواق التي تخضع لرقابة حازمة وفعالة توفر الحماية لجمهور المستثمرين والافصاح الوافي للبيانات والضمانات المالية الكافية للمتعاملين مع الشركات الخاصة للوساطة، وان لا تستأثر بادارة السوق جهة ذات مصالح ذاتية خاصة ان تكون اشمل تمثيلا للجهات ذات العلاقة بنشاط السوق.
قانون لسوق عراقي يناقش في عمان:
لقد بلغني ان مشروع القانون الجديد قد تهيأ فعلاًَ وان وفدا من الهيئة والسوق قصد عمان لمناقشة المشروع، وارجو ان لا يتبادر الى ذهن احد الاستفسار عن سبب مناقشة المشروع في عمان وليس في بغداد لاني مثلكم لا اعرف السبب، كما لا اعرف المرحلة التي بلغها المشروع ولا استطيع التكهن بالمدة التي يسستغرقها تشريعه في مجلس النواب الجديد ولا استبعد ان تطول اشهراً فتواجه فراغاً قانونياً وما ينجم عنه.
ومادمنا بانتظار مراحل تشريع قانون جديد فمن الحكمة والنضج الفكري والقانوني الركون إلى تقييم تجربة تنفيذ القانون المؤقت والهياكل التي استحدثت بموجبه وفي مقدمتها (هيئة الاوراق المالية). لقد اوشك عامان كاملان على الانقضاء من عمر هذه الهيئة ولم يلمس او يعرف المهتمون بشؤون الاوراق المالية اي انجاز منها في خدمة المستثمرين او تطوير السوق، او اي من المهام والصلاحيات التي اناطها القانون بالهيئة لتشعر بوجود الهيئة ونشاطها وتبرير النفقات الباهضة التي انفقت في تاسيسها ومدى ضرورة وجودها واستمرارها في المستقبل واستمرار تحمل الميزانية العامة لنفقات مماثلة ومتصاعدة قد تكون ابواب حرف اخرى احق بها.
ساكون ممتنا جدا وربما يشاركني اخرون، ان اسمع او أرى ما يقنعني بضرورة واهمية وفائدة استمرار الهيئة وما يمكن ان تخدم به حركة الاستثمار والاقتصاد الوطني أكثر من اي جهة اخرى. ان مجرد وجود هيئات مماثلة في الولايات المتحدة الامريكية اوغيرها من الدول العربية لا يكفي سبباً للمجاراة واستنساخ التجربة ولابد من مراعاة اختلاف الظروف وبيئة الاستثمار ومستوى الوعي الاستثماري وعمق التجربة وغيرها من العوامل.
اما سوق العراق للاوراق المالية الذي استأنف نشاطه باسم جديد كامتداد لسوق بغداد الرائد الذي كان المدرسة الفريدة التي تعلم فيها كل العاملين في سوق العراق من اداريين وتجني ووسطاء، وان لم يكونوا اوفياء له، فعلى الرغم من مضي اكثر من سنة ونصف السنة على نشاطه وتوفر الامكانات المالية الكبيرة لديه والحرية الواسعة التي تمتع بها الناءمون على ادارته فان احدا لايستطيع الادعاء بحصول اي تطور او تحسن حقيقيين ملموسين في اساليب العمل فيه وان احكام القانون قد وجدت طريقها للتنفيذ، وارجو ان لايدعي احد ان اصدار الشهادة الموقتة مطبوعة بدل كتابتها باليد هو انجاز باهر، ا وان الغاء سقوف حركة اسعار الاسهم (5% أو 10%) وتحرير الاسعار الذي تسبب في الانهيار الذي يئن تحت وطأته المستثمرون ولا من مغيث، هو امتياز لسوق العراق لا نظير له في معظم دول العالم المتقدمة في هذا المضمار التي ارتكبت خطأ جسيماً لا يغفر لها باخذها بمبدأ عدم تحرير الاسعار.
ان تجربتي سوق بغداد للاوراق المالية وقانونه، وهيئة الاوراق المالية وسوق العراق وقانونهما المؤقت، جديرتان بدراسة مقارنة مهنية موضوعية جادة تستهدف الوقوف على حسنات كل منهما وتشخيص المزايا الافضل فيهما ليصار الى الاستفادة منها في اجواء مشروع قانون نابع من تجربة محلية غير قصيرة وسترشد بتجارب دول اخرى اكثر تطوراً واعمق خبرة وذات بيئات استثمارية وثقافية واقتصادية مقاربة لما يميز مجتمعنا.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة