مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مقتطفات من كتاب(كوبرا 2) :القصة الخفية لغزو واحتلال العراق .. صدام كان مطمئناً من الاميركان.. ويخشى الجيش والانتفاضة الشعبية (1-3)
 

*بقلم : مايكل غوردون و برنارد اي ترينور
ترجمة : هاجر العاني

عن: النيويورك تايمز

فيما كانت الطائرات الحربية الامريكية تندفع كالبرق في السماء بعد اسبوعين من بدء الغزو، قاد الفريق رعد مجيد الحمداني سيارته الى بغداد لحضور اجتماع حاسم مع القادة العراقيين، وقد دافع عن وجهة نظره في طلب التعزيزات العسكرية لتقوية دفاعات العاصمة وفي السماح بنسف جسر نهر الفرات جنوب المدينة لأعاقة التقدم الامريكي.
لكن صدام حسين ومساعديه المقربين كانت لديهم أفكارهم عن كيفية خوض الحرب، ولأقتناع صدام بأن الخطر الرئيسي على حكومته كان يأتي من الداخل فقد سعى الى ابقاء جسور العراق سليمة ليتمكن من ارسال الجنود جنوباً اذا ما تمرد الشيعة.
أما الفريق الحمداني فقد حظي بالقليل في مسألة الجنود الاضافيين والسماح الضنين بنسف الجسر جاء بعد فوات الأوآن، اذ دمر العراقيون نصف مسافة الجسر فقط وسرعان ما بدأ الجنود الامريكيون بالتدفق عابرين الجسر.
وهذه الحادثة هي واحدة فقط من حوادث كثيرة ذكرَت في تقرير عسكري أمريكي سري وهناك ما ورد في وثائق أخرى وفي مقابلات، توضح كيف كان صدام مشغول البال بالتهديد القادم من داخل بلده بحيث عطـٌـل جيشه عن مقاومة التهديد القادم من خارج الحدود.
تشير الوثائق الى أنه وبسبب حذر صدام الدائم من الانقلابات وخوفه من الثورات، كان يرتاب ارتياباً عميقاً بآمري جيشه وجنوده.
لذا فقد اتخذ بنفسه قرارات حاسمة معتمداً على ولديه من أجل المشورة العسكرية وفرض اجراءات أمنية كان لها أثرها في تقييد جيشه وقد نفـٌـذ صدام ذلك بعدة طرق هي :
كان الدكتاتور العراقي متكتماً للغاية وأبقى المعلومات مستقلة عن بعضها البعض بحيث ذُهِـل آمرو الجيش الكبار حينما أخبرهم قبل 3 أشهر من الحرب بأنه لم تكن لديه أسلحة دمار شامل وقد هبطت معنوياتهم لأنهم كانوا يعتمدون على المخزون المخفي من الغاز السام أو الأسلحة الجرثومية لأجل الدفاع عن الأمة.
نصـٌـب في رئاسة الحرس الجمهوري الخاص، الذي عهد اليه حماية العاصمة، لواءً عـُـرِف عنه الادمان على الخمر وعدم الكفاءة، لأنه اعتـُـبـِـر موالياً في المقام الاول.
أدار صدام الحرب محلياً دون السماح للآمرين بتحريك الجنود من دون الحصول على اذن من بغداد مع قطع الاتصالات بين القادة العسكريين.
لم تكن عمليات الفدائيين مشتـَـرَكة مع قادة القوات التقليدية، ولم يسمح لفـِـرق الحرس الجمهوري بالاتصال بوحدات شقيقة مماثلة، ولم يتمكن الآمرون حتى من الحصول على خرائط دقيقة للمناطق القريبة من مطار بغداد لأن ذلك كان من شأنه تعيين مواقع قصور الرئيس العراقي.
والكثير من هذه المادة يتضمنها تاريخ سري أعده الجيش الامريكي حول كيفية خوض صدام وآمريه
لحربهم، وفيما كان المحللون الامريكيون يضعون أنفسهم موضع المؤرخين العسكريين، قاموا بأستجواب أكثر من 110 مسؤولين وضباط عراقيين، مستضيفين بعضهم على دعوات عشاء باذخة لأنتزاع أسرارهم ومستجوبين البعض الآخر في مركز احتجاز في مطار بغداد أو في سجن أبي غريب، اذ ينظر مسؤولو الولايات المتحدة العسكريون الى الروايات على أنها تتمتع بالمصداقية لأن العديد منها كانت متماثلة، وبالاضافة الى ذلك تمت مراجعة أكثر من 600 وثيقة عراقية تم الاستيلاء عليها.
وبعد فحص قيادة القوات المشتركة لنسخة غير سرية من الدراسة، سيتم نشرها قريباً، اذ تم اعداد نسخة سرية في نيسان من عام 2005 بعنوان " المنظور العراقي حول عملية حرية العراق، عمليات القتال
الكبرى "، حيث تشير الدراسة الى أن صدام أسقط من حساباته احتمال حدوث غزو أمريكي كامل.
أما طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء العراقي السابق، فقد قال لمستجوبيه " قبل أسابيع معدودة من الهجوم كان صدام لا يزال يعتقد أن الولايات المتحدة لن تستخدم القوات البرية بل واعتقد أنهم لن يشنوا حرباً برية لأنها ستكون مكلفة بالنسبة للامريكيين ".
ورغم الهزيمة المـُـحبـِـطة التي عانى منها جيش صدام ابان حرب الخليج في عام 1991، الا أن صدام لم يعتبر الولايات المتحدة بمثابة خصمه الرئيسي اذ كان خوفه الأكبر يتجلى في قيام انتفاضة شيعية كتلك التي زعزعت حكومته عقب حرب عام 1991.
من ناحية أخرى فأن قلقه بالنسبة للتهديدات القادمة من الداخل كان يتعارض مع جهود الدفاع ضد عدو خارجي، كما كان جلياً خلال استعـراض مجهول سابقاً لخطة عسكرية في عام 1995، فقد اقترح ضباط عراقيون ستراتيجية جديدة للدفاع عن الوطن مستنبطين الفكرة من اللعبة الروسية، وتماماً كما قامت روسيا بالتنازل عن بعض من أراضيها لدحر نابوليون ومن بعده حيش هتلر الغازي، سيقاوم العراقيون جيشاً غازياً عن طريق قيادة انسحاب قتالي وستكون العشائر العراقية المسلحة تسليحاً جيداً موازية ً للموالين الروس، وبهذا فأن التشكيلات المدرعة، وبضمنها الحرس الجمهوري، ستتولى القيام بدور أكثر تواضعاً.
غير أن صدام رفض النصيحة، فقد كان تسليح العشائر المحلية أمراً غاية في الخطورة بالنسبة لحكومته التي كانت تعيش في خوف من انتفاضة شيعية.
ففي حين أصاب الفتور التخطيط العسكري التقليدي، أدى تركيز صدام على التهديدات الى ابتكار جديد، وهو استحداث قوات الفدائيين شبه العسكرية، وهي مجهـٌـزة ببنادق كلاشنكوف وقاذفات قنابل محمولة وأسلحة صغيرة وكان أحد أدوارها الرئيسية حماية مقرات حزب البعث وصـدٌ الشيعة في حالة قيام عصيان الى أن تتمكن من سحقهم قوات عراقية مجهزة تجهيزاً أفضل بكثير.
ويذكر التقرير السري أن الفدائيين والقوات شبه العسكرية الاخرى
والتي كانت تحت سيطرة عدي الأبن الأكبر للرئيس العراقي كانوا اساسيين جداً لنجاة الحكومة بحيث أنهم " استنزفوا القوة البشرية " التي كان الجيش العراقي سيستخدمها بطريقة أخرى.
وكذلك كان صدام قلقا من جيرانه في الشرق، وكما هو حال ادارة بوش فقد ارتاب صدام في تطوير ايران لأسلحة نووية وأسلحة دمار شامل أخرى، اذ كان الجيش العراقي يقوم كل عام بتمرين تحت اسم مشفر هو الصقر الذهبي والذي يركز على الدفاع عن الحدود العراقية
الايرانية.
وكان يـُـنظـَـر الى الولايات المتحدة باعتبارها تهديداً بمستوى أقل، على الأغلب لأن صدام كان يؤمن بأن واشنطن لا تستطيع تقبل خسائر كبيرة في جنودها، ففي حرب عام 1991 لم يكن في نية الولايات المتحدة الاستيلاء على بغداد، اذ برر الرئيس جورج بوش الاب التحفظ بأنه تصرف حكيم لتجنب خبايا مأزق احتلال العراق، بيد أن صدام استنتج أن الولايات المتحدة كانت تخشى التكاليف العسكرية.
والقلق الرئيسي لصدام بخصوص ضربة عسكرية امريكية مـُـحتـَـمـَـلة كان يكمن في أنها قد تحث الشيعة على رفع السلاح بوجه حكومته، اذ قال عزيز لمستجوبيه " كان صدام قلقاً حيال حدوث الاضطرابات الداخلية بين العشائر قبل وقوع هجوم من الولايات المتحدة على بغداد أو أثناءه أو بعده "، فيما اعتقد أعضاء آخرون من دائرة المقربين من صدام أنه اذا ما هجم الامريكيون فأنهم لن يقوموا بأكثر من قيادة حملة قصف مكثف والاستيلاء على حقول النفط الجنوبية.
اجراءات لتجنب الحرب
ومع ذلك فقد قام صدام فعلاً بأتخاذ بعض الاجراءات لتجنب اندلاع الحرب، ففي حين كانت روسيا وألمانيا وفرنسا تقوم بمسكٍ دبلوماسية لتفادي نشوب الحرب رفض صدام مقترحات بتلغيم الخليج خشية استخدام ادارة بوش اجراءً كهذا ذريعة للقيام بهجوم عسكري، كما ذكرت دراسة قيادة القوات المشتركة.
وفي كانون الاول من عام 2002 أبلغ صدام آمري جيشه الكبار بأن العراق لم يكن يمتلك أسلحة غير تقليدية كالاسلحة انووية أو البايولوجية او الكيمياوية، طبقاً لما ذكرته ( جماعة مسح العراق )، وهي قوة مهام أنشأتها وكالة المخابرات المركزية الامريكية ( الـ
C.I.A. ) للتحقق مما حدث لبرامج أسلحة العراق، فقد أراد صدام لضباطه أن يعلموا أنهم لا يستطيعون الاعتماد على الغاز السام أو الأسلحة الجرثومية اذا اندلعت الحرب، وقد قال عزيز ان انكشاف أمر خلو الخزائن من تلك الأسلحة سبب هبوطاً حاداً في معنوياتهم.
ولضمان تجاوز العراق التفتيش الذي كان يقوم به مفتشو الاسلحة التابعون للامم المتحدة أمر صدام بمنحهم الأذن بالدخول الى المكان الذي يريدونه، وقد أمر بتدمير كل ما من شأنه ان يساعد على محو آثار الأسلحة غير التقليدية القديمة بحيث لا يكتشف المفتشون تلك الآثار وهي ليست شأناً تافهاً في بلد كان فيما مضى قد كدس ترسانة من الاسلحة الكيمياوية والعوامل البايولوجية وصواريخ سكود، هذا ما ذكره تقرير جماعة مسح العراق.
ومع ذلك لم يكن انصياع صدام كاملاً، فبيانات العراق الى الامم المتحدة لتغطية ما كان بحوزته من مخزون الاسلحة المحظورة وكيفية تخلصه منها كانت قديمة وذات ثغرات، وما كان صدام ليسمح لعلماء أسلحته بمغادرة البلد حيث يستطيع مسؤولو الامم المتحدة اجراء مقابلات معهم بعيداً عن تحكـٌـم الحكومة.
وسعياً وراء ردع ايران وكذلك الاعداء في داخل البلد، كان هدف الدكتاتور العراقي هو التعاون مع المفتشين بينما يبقي على بعض الغموض فيما يخص أسلحته غير التقليدية، وهي ستراتيجية أطلق عليها اللواء الحمداني
قائد الحرس الجمهوري تسمية " الردع بالارتياب " وذلك في مقابلة تلفزيونية.
وقد أدت تلك الستراتيجية الى فهم خاطئ مـُـتـَـبادَل، فعندما خاطب وزير الدولة كولن باول مجلس الامن في شباط من عام 2003 قدم اثباتاً يتكون من صور واتصالات تم التقاطها تـُـظهـِـر أن العراقيين كانوا مندفعين لتطهير مواقع الاسلحة المشتبه بها من الاسلحة، فجهود صدام لأزالة أية بقية من برامج الاسلحة غير التقليدية القديمة قد رآها الامريكيون بمثابة جهود لأخفاء الاسلحة، وهكذا فالأجراءات نفسها التي كانت الحكومة العراقية تتخذها لتقليل امكانية نشوب الحرب قد استـُـخدمت ضدها، مما زاد من أرجحية وقوع مواجهة عسكرية.
وقد تأثر حتى بعض المسؤولين العراقييين بتقديم باول للمعلومات، اذ اعتقد عبد التواب الملا حويش، الذي كان مشرفاً على الصناعة العسكرية للعراق، أنه كان على علم بكل أسرار الحكومة، غير أن مسؤولي ادارة بوش كانوا مـُـلـِـحـٌـين جداً بحيث يرتاب فيما اذا كان لدى العـراق أسلحة محـرٌ مة برغم كل شئ، وقد قال الملا حويش لمستجوبيه " لقد كنت أعلم الكثير ولكني تساءلت لماذا كان بوش يعتقد أننا كنا نمتلك هذه الاسلحة "، طبقاً لما جاء في تقرير جماعة مسح العراق.
الحماية من حدوث ثورة
وفيما كانت الحرب تقترب، اتخذ صدام اجراءات لأخماد أية انتفاضة، فتم نشر وحدات الفدائيين شبه العسكرية في أنحاء الجنوب حيث كانت هناك مخابئ لأسلحة صغيرة، كما قسـٌـم صدام العراق الى 3 قطاعات كان يقود كلاً منها أحد أعضاء دائرته المقربين منه، وكان القصد من ذلك التحرك مساعدة الحكومة على ابعاد التحديات عن حكمه وبضمنها الانتفاضة أو الشغب.
ومما يعكس ارتياب صدام بجيشه أنه تم نشر جنود الجيش النظامي قرب كردستان أو قرب الحدود الايرانية بعيداً عن العاصمة، وسـُـمـِـح للحرس الجمهوري الخاص فقط من الجيش العراقي أن يتواجد داخل بغداد، وتم فرض نظام تقييدات مما جعل من العسير على العسكريين العراقيين ممارسة قيادة الجيش.
أما سلطان هاشم أحمد الطائي وزير دفاع صدام الذي كان قد ميـٌـز نفسه خلال الحرب العراقية
الايرانية فقد كان يشغل منصباً مهماً مثلاً، ولكن كان لديه نفوذ ضئيل حيث قال لمستجوبيه " لقد أصبحت فعلياً مساعداً لقصي، أجمع المعلومات وأنقلها وحسب " في اشارة الى الأبن الأصغر لصدام.
ولحماية بغداد وقع اختيار صدام على العميد برزان عبد الغفور سليمان التكريتي وهو أحد اولاد عمومته المقربين لقيادة الحرس الجمهوري الخاص رغم أنه لم يكن يتمتع بخبرة ميدانية وكان قد رسب في كلية الأركان العسكرية ومعروف بأدمانه الخمر، وعند السؤال عن مهاراته العسكرية ضحك العميد الطائي ضحكة مجلجلة، ورغم ذلك كان رجال أمن صدام يراقبونه عن كثب وقد أخبر مستجوبيه في وقت لاحق أنه كان يضطلع بأخطر وظيفة في العراق وأكد " كانوا يراقبونك عند ذهابك الى الحمام ويستمعون لكل ما تقوله ويتنصتون على كل شئ ".
وحالما بدأت الحرب واجه القادة الميدانيون قيوداً كثيرة بضمنها حظر الاتصالات لتقليل فرص حدوث انقلاب، حيث قال آمر فيلق الحرس الجمهوري الاول لمستجوبيه " توجب علينا استخدام عناصر استطلاعاتنا الخاصة بنا لمعرفة مواقع تمركز الوحدات العـراقية الاخرى على جناح الجيش، ولم يـُـسمـَـح لنا بالاتصال بالوحدات الشقيقة المماثلة ".
وحتى حينما كان الامريكيون يتحركون بسرعة شمالا ً لم يقد ٌر صدام خطورة التهديد، ففي حين فاجأ الفدائيون قوات التحالف بمقاومتهم العنيفة وهجماتهم المفاجئة، كانت القوات التقليدية العراقية مهزومة.
وفي اجتماع عقد في الثاني من نيسان تنبأ اللواء الحمداني، آمر فيلق الحرس الجمهوري الثاني، تنبؤاً صحيحاً بأن الجيش الامريكي قد خطط أن يشق طريقه عبر ممر كربلاء بأتجاه بغداد. أما اللواء الطائي، وزير الدفاع العراقي، فلم يكن مقتنعاً وكانت حجته بأن الهجمة في الجنوب كانت خدعة وأن الهجوم الامريكي الرئيس قد يأتي من الغرب وربما بتحريض من اسرائيل، وفي ذلك اليوم أمر صدام الجيش بالاستعداد لهجمة أمريكية من الاردن.
فعلى سبيل الاسترضاء كرشوة تسلم اللواء الحمداني أحدى سرايا قوات العمليات الخاصة كتعزيزات وسـُـمـِـح له في النهاية بتدمير جسر نهر الفرات جنوب غرب بغداد ولكن كان الأوان قد فات.
وبحلول السادس من نيسان، وهو اليوم الذي أعقب أول هجوم لجيش الولايات المتحدة على بغداد، بدأ ما يسمى بسلسلة الرعد، وهومأزق صدام الباعث على اليأس، ( بدأ ) بالانهيار، ففي بيت آمن في حي المنصور ببغداد التقى بأفراد دائرته المقربين وطلب من عزيز أن يقرأ رسالة من ثماني صفحات.
ولم يـُـظهـِـر صدام أية انفعالات أثناء قراءة الرسالة ولكن عزيز أخبر مستجوبيه في وقت لاحق أنه بدا وكأن الرئيس العراقي رجل مهزوم وبدت الرسالة وكأنها وداع منه، لقد كان عهده يسير نحو نهايته.

وقد قال ضابط أركان أول في الحرس الجمهوري لمستجوبيه " لم نصدق أنهم كانوا سيقطعون الطريق بأتجاه بغداد، بل اعتقدنا أن التحالف سيتجه الى البصرة وربما العمارة وعندها تنتهي الحرب ".


* مايكل ر. غوردون هو كبير المراسلين العسكريين للنيويورك تايمز، وبرنارد اي ترينور فريق متقاعد من البحرية ومراسل عسكري سابق للصحف. هذه المقالة مستسقاة من كتابهما بعنوان " كوبرا 2 : القصة المـُـستـَـمدة من مصادر موثوقة عن غزو العراق واحتلاله " الذي اطلقته دار بانثيون يوم الثلاثاء الماضي.


خطوات نحو وحدة العراق

بقلم: دايفد اغنايتياس
ترجمة: مروة وضاء

عن: الواشنطن بوست

لم تصلنا مؤخرا من العراق غير الاخبار السيئة حيث عليك ان تقرص نفسك عندما يبدو ان شيئا جيدا على وشك الحدوث. لكن هناك اشارات واضحة هذا الاسبوع بان قادة العراق السياسيين بدأوا باتخاذ الخطوات التمهيدية الاولى باتجاه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي يمكن ان تقلب وضع البلاد المتهاوي.
لقد ادت الازمة التي تلت تفجيرالمسجد في سامراء في 22 شباط والتي كادت تدفع البلاد الى حرب اهلية شاملة الى تقارب الفئات السياسية. يظهر ان قادة البلاد السياسيين وهم في هذا الوضع الحرج بدأؤا بالادراك ان عليهم التفاهم فيما بينهم للحؤول دون تفكك العراق. ولحد الان يبدو انهم اختاروا الوحدة --او على الاقل الحديث عن الوحدة.
كانت النتيجة هذا الاسبوع هي سلسلة من الاجتماعات التي تضمنت كل الكتل السياسية الكبيرة في البلاد. والتي كان السفير الامريكي زلماي خليل زاد قد اقترحها قبل اسبوع حيث فكر ان على القادة السياسيين الاجتماع في الريف العراقي او في فندق بغداد والاستمرار بالاجتماع حتى يفرزوا حكومة جديدة.
ايد قادة الاحزاب مفاوضات "اصنع او اكسر" فورا رغم انهم قرروا ان يلتقوا على ارض بعضهم البعض. عقد الاجتماع الاول الذي حضره مايقارب ال24 زعيماً سياسياً في مقر الزعيم الكردي مسعود برزاني في بغداد وتلته جلسة عند الزعيم الشيعي عبد العزيز الحكيم واجتماع في منزل الرئيس العراقي جلال الطلباني. حضر خليل زاد جميع الاجتماعات حيث لعب دور الوسيط في نزاعات العمل.
اخبرني خليل في لقاء معه في مكتبه بعد جلسة الطالباني انه نتج عن الاجتماعات اتفاق مبدئي في نقطتين اساسيتين: الاولى: تأييد الاحزاب لفكرة حكومة موحدة تضم جميع الفئات الاساسية. والثانية: موافقة جميع الاحزاب على ان هذه الحكومة يجب ان تمتلك "لجنة أمن قومي عالية المستوى" تتضمن ممثلين من كل الأحزاب السياسية الرئيسية. فبالعمل الجماعي سيؤطر هذا الجسمِ الخطوط العامةَ الواسعةَ للسياسة الخاضعة للدستور العراقيِ.
نجحت محادثات هذا الاسبوع في تخطي الاصوات المعارضة لانشاء تحالف. قام الشهر الماضي الزعيم الشيعي الديني الاصولي مقتدى الصدر برفض اية حكومة تتضمن حزب اياد علاوي الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي امر بتصد عسكري للصدر وميليشيا جيش المهدي التابعة له حين كان رئيسا للوزراء. قال خليل لقد تم كسر هذا العائق لان الناس ادركوا انه اذا ما وضعت جهة ما خطوطاً حمراً فستحذو الجهات الاخرى حذوها " واضاف ان اجتماعات هذا الاسبوع "كانت من افضل الاجتماعات التي شهدتها بين العراقيين منذ وجودي هنا".
يظهر التأثير الجيد للسفير الامريكي في صداه عند قادة العراق السياسيين. اخبرني نائب الرئيس العراقي وممثل الحكيم وحزبة القوي المعروف بالمجلس الاعلى للثورة الاسلامية عادل عبد المهدي: "ان بيننا فهماً مشتركاً لمسائل اساسية -- كالحاجة للإجماع وللجنة أمن قومي. ما يجعلني واثقاً بأننا نعزز إحساس الفهم بين تيارات المجتمع المختلفة." وقال يجب أَن تكون رسالةَ الحكومة الجديدة: "لا أحد اكبر من القانون سواء منظمة بدر (ميليشيا المجلس الأعلى)او جيش المهدي أَو التمرد."
ان العقبة البارزة في طريق الوحدة هي الدور الذي تلعبه ايران. قال الحكيم فيما يخص هذه المسألة انه يحث ايران على التحدث مع الولايات المتحدة حول مستقبل العراق السياسي. وكان خليل نفسه يستكشف ما دعاه بال"قيود" لمثل هذا الحوار الامريكي
الايراني حول العراق.
نشأت احدى بوادر روح التوافق الجديدة (وايضا التسابق السياسي) عندما قمت بزيارة احمد الجلبي الذي تحالف السنة الماضية مع مقتدى الصدر ورئيس الوزراء ابراهيم الجعفري. كان الشيخ خلف العيان مع الجلبي في جلسة اللقاء مع الطالباني وهو احد كبار زعماء الحزب السني حيث يبدو ان الجلبي يبحث عن اقامة تحالفات مع قادة الاحزاب السنية معتقدا انهم سيكونون جزءا مهماً في الحكومة القادمة وان زعماء القبائل السنية مثل خلف يعملون على ايقاف زعيم القاعدة ابو مصعب الزرقاوي.
سينتقل الحديث السياسي العراقي الى مرحلة جديدة وصعبة فعلاً قريباً عندما يبدأ الزعماء بالمساومة على الذين سيتبوؤن مناصب علياَ في الحكومة الجديدةِ. يمكن لتلك المفاوضات ان تنسف الامال الهشة بالوحدة. لكن لا يشترط في حالة التغير ان يكون التشاؤم هو الرهان الصحيح على العراق.

 
 
 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة