المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

صفحات من كتاب تحت الطبع.. أمــيـــــــرة بـابـلــيــــة: اكتشاف لسيرة ورصد لنجمة أشعت من سماء تلكيف إلى ثقافات الدنيا مخبأة في مدونات القرن التاسع عشر
 

تحرير: امل بورتر
خلال فترة مرض اصابني كانت لا تتوقف او تنقطع عن عيادتي وزيارتي، لذا لم يكن لعرفاني بجميلها هذا حدودا ،كنت مستعدة ان اضع حياتي كلها تقدمة لها، في يوم ما زارتني وحدثتني عن وضع مالي سوداوي مخجل.
حدثتني عن انها قد خسرت مبلغا ماليا ضخما خلال الثورة الفرنسية وطلبت اقتراض مبلغ اربعة الاف فرنك فرنسي، عند سماعي طلبها طار قلبي من الفرح كنت اتمنى احتضانها لطلبها الاقتراض مني، كنت في منتهى الغبطة لتمنحني فرصة ان اثبت لها اخلاصي وامتناني. ثقتي بها كانت عمياء اعتبرت ان الفلوس ستكون في امان في حوزتها كما وكانها معي.
وبعد فترة ليست بالطويلة زارتني مرة اخرى، وبدون مقدمات طلبت مني قرضا اخر الا انني لم اكن املك نقدا تحت تصرفي ، ولكن في الوقت نفسه وبكل صدق وصراحة الانسان الشرقي قلت لها بانني املك بعض المجوهرات الثمينة من الماس والتي استطيع ان اقدمها لها، كان هذا العرض مقبولا تماما منها وشكرتني على حناني كما وانني كنت سعيدة لمساعدتها.
وكما توقع الجميع فان صديقتي قد خدعتني، في الحقيقة لقد تصرفت بمجوهراتي واموالي وبعثرتها على مائدة الميسر، و لم تكتف ببعثرة كل ما املك بل الحقيقة انها اقترضت من احدى صديقاتي الاميرات مدعية لها بانني مريضة ولم استطع ان اذهب بنفسي لاقتراض المال ،بهذه الطريقة ابعدت مودة الكثير من الاصدقاء عني. كما وانها كانت تشير لي بانها ستترك لي عقارا عند وفاتها ولكن يبدو انها قد رهنت العقار عدة مرات بفائدة عالية مما جعلها تفقد حقها في ملكية ذلك العقار ولم تستطع ان تستعيد او تستفيد ولا (بارة) (
Para)واحدة من هذا العقار.
هذه واحدة من الحوادث التي قادني اليها سوء طالعي ربما استطيع ان اعزوها الى سوء الثقة ولكن كيف لي ان اتوقع مثل هذه النذالة من شخص حتى تلك اللحظة جعلني اعتبره صديقاً مخلصاً؟!
منذ طفولتي والوصية المقدسة التي انغرست في فكري والتي تقول (لا تصدر احكاما على احد كي لا يصدر احد احكاما عليك)، لذا كنت اعتبرها جريمة ان اسيء الظن بالناس وعلى الاخص بصديق عزيز.
لهذا دهشتي كانت عظيمة عندما كنت في روما التي تعتبر الينبوع الرئيسي للمسيحية سمعت حكمة تقول(لا تثق باحد حتى لو كان والدك).
الثقة التي جعلتني اقع ضحية المحتالين لابد من انها تعود الى خلل في ثقافتي،
ولكن يجب علي ان اعترف بصدق ان في امور مثل هذه فاني افضل بساطة الانسان الشرقي على مكر الانسان الاوربي. البدوي القادم من الصحراء دائما يلتزم بوعوده وربما قد يدعوه ذلك الى قتلك.
احتجت الى بعض الوقت للأقتناع بان الدوقة كانت فعلا تروم خداعي حيث بدات عيوني تتفتح لترى غدرها. نصحني اصدقائي للقيام باجراءات قضائية لأسترد اموالي ، اذ ان حقي في قضيتي واضح.
الحاكم ثمن موقفي في التعامل في هذا الصدد وحكم لصالحي ضد الدوقة ولكنني عندما اردت تنفيذ الحكم والحصول على ثمرته وجدت ان هذه السيدة قد حولت املاكها الى شخص آخر واختفت تماما.
اعود الى ايام طفولتي. كنت دائما افضل صحبة الذين يكبرونني سنا على من هم اقراني وفي مثل سني، وسعادتي كانت قصوى في صحبة جدتي التي عمرت وبلغت الرابعة بعد المائة، واتذكر قصصها الطويلة الممتعة المليئة بالاحداث التي تملؤني حبورا وبنفس الحبور اتذكر قصص جدى الرائعة والذي هو ايضا عمر طويلاً والقصص التي كان شاهداً على حوادثها خلال حياته الطويلة،.ولن انسى الشعور بالرعب وهو يحكي لي عن حصار نادر شاه لمدينة الموصل سنة 1743 والذي دام اياماً طويلة.
حكى لي جدى كيف ان الباشا الذي كان يحكم الموصل في ذلك الوقت، والذي كان ينظر بعين العطف الى المسيحيين، اصدر امرا يدعو السكان الى الابتهال الى الله كل حسب معتقده ،وكيف انه محاولة منهم لدرء غضب الله القديران طبقوا طريقة نينوى القديمة وبالتطوع باعلان واظهار التوبة والندم واماتتة النفس، وذلك بلبس الملابس الخشنة واهالة الرماد على الرؤوس.
تم الدفاع عن المدينة ببسالة متناهية اذ اصر سكانها على الموت لا على التسليم حتى النساء والاطفال بذلوا الجهود بهمة وحيوية. توالت الاعتداءات وحدثت الخروقات والفجوات ،ولكن المعتدي صد والفجوات ردمت وسدت خلال الليل.
غير ان الشاه كل ومل ،ارسل رسالة شديدة اللهجة وحازمة للباشا يقول فيها بانه قد تمكن من وضع لغم تحت سور المدينة ،وانه سيشعل النيران حالا لو لم تستسلم المدينة ولكن الباشا رفض ان يستسلم وفجر اللغم وقسم لا يستهان به من المدينة تم احراقه. فقد جدي عدداً من اشقائه خلال عملية الحصار المريعة هذه وكذلك خسر مكتبة ثمينة جدا بالاضافة الى بيوت وممتلكات اخرى.
تصرف المسيحيون بنخوة وشجاعة مما نال اعجاب الاتراك وبعد ان رأى نادر شاه ضرورة رفع الحصار حول مساره الى بغداد ولكن بعض الكنائس المسيحية كانت قد تدمرت الا ان الحكومة امرت باصلاحها على نفقتها.
من بين جميع افراد عائلتي كنت المفضلة عند جدتي لذا عند وفاتها اوصت لي بخلخالها(
khelkhal (الفضي المطعم (والكردان))(kirdan) التي كانت رائعة مزوقة بخيوط من اللؤلؤ والذهب و(kharanfel خرانفل) وهي زينة للأنف وقمر kamarوهو زنار من الجواهر والذهب كلها اثبات لمحبتها لقد حافظت عليها الى ان سرقت مني في حمام عام مع بقية الهدايا الثمينة التي اهداني اياها والدي.
والدتي انجبت ثمانية عشر طفلا لم يبق منهم سوى تسعة خمسة صبيان واربع بنات وبقيت انا اصغرهم اذ ان الصغرى توفيت وهي في العاشرة.
أختاي تزوجتا، والصغرى من الاثنتين كانت في منتهى الجمال النادر بشرتها رقيقة بيضاء، عيونها كبيرة سوداء ،شعرها طويل حريري حالك جسمها رشيق وعلى ابهى صورة ،وحضورها كان ملؤه العزة واللطف ولم تكن موهبتها باقل وهكذا كانت اختي الثانية الا انهما لم تحظيا بالثقافة الاوربية.
اسم اختي الثانية كان فريدة وفي سن الثانية عشرة تزوجت وانجبت صبيا وهي في الثالثة عشرة من العمر.
ابن اختي هذا كان المفضل لدي ،هذا الصغير الذي تعلم الصلاة الربانية وهو في الثالثة من العمر،وتعلم اصول المجاملة والثناء وهي الاسس الاولي في التربية الشرقية، وقبل ان يبلغ الرابعة تعلم القراءة.
عاشت اختي حتى بلغت الخامسة والثلاثين من العمر، وانجبت عدة اطفال ولكن هي وعائلتها كلهم قتلوا بالطاعون ،خلال ايام معدودات لم يبق اي فرد من تلك العائلة التي كانت يوما ما سعيدة، ووضع ختم الباشا على الباب لمنع عدوى المرض واعلانا بالخراب الذي حل بالداخل.
منذ سن الرابعة وحتى الحادية عشرة قضيتها ما بين بغداد والموصل ،في الموصل كنا نقضي ايام الصيف لتجنب حر بغداد الشديد الذي يعم مدينة الخلفاءالشهيرة هذه .
شدة حرارة الجو في بغداد تدفع الناس في اوقات منتصف النهار، حيث شدة الأشعة تكون في اوجها،الى الاحتماء وقضاء اوقاتهم في السرداب، وهو جزء من البيت يبنى تحت الارض، والذي نسبيا يبقى بارداً وارضيته ترش بالماء،و باستخدام مروحة كبيرة جدا تتحرك للأمام والخلف ويتحرك الهواء وتدار من قبل العبيد، ويبقى الناس الى موعد حلول المغرب حيث يصعدون الى السطوح للتمتع بالنسمات العذبة.
في موسم الحر هذا حيث تصل معدلات الحرارة الى 120 درجة، فان النساء يرتدين الملابس الحريرية او غلالة والبابوج(
babouches (اي النعال بدون جواريب، وفي الليل من العادات الشائعة النوم فوق السطوح وفي الهواء الطلق النساء والرجال في سطح ، والاطفال والخدم لهم سطحهم المنفصل.
قد تبدو هذه الممارسة غريبة على الاذن الاوربية، ولكنها شائعة بين النساء البغدايات، في شهر تموز وآب يبللن ملابسهن الحريرية بالماء البارد الذي يؤخذ الى السطوح ،ويحفظ باوعية من الجلد ليحافظ على برودته ويلبسنها بعد عصرها ،وتبقى مبللة تماما وتلتصق باجسادهن ثم يستلقين على الاسرة المصنوعة من سعف النخيل ليتمتعن بغفوة منعشة.
هذه الممارسة لن تحتمل في جو انكلترا، حيث يطغى الروماتزم المرض الذي لم يسمع به في تلك البلاد بلادنا حيث الشمس ابدية. في شهر تموز الاشخاص الذين يتطلب عملهم ان يكونوا في العراء يتعرضون لخطورة الاختناق بال(..ساميري ...
(2)samiri
ولقد ورد ذكرها في كثير من النصوص الادبية.
من عادة البغاددة الصحو مبكرا في الصباح اذ ما ان ترشق الشمس العيون المغمضة باشعتها حتى ينزل الجميع من السطوح، وكل واحد غنيا كان أم فقيراً رجلاً ام امرأة يحمل مفرشه (الدوشك)الى الاسفل لو ترك معرضا لاشعة الشمس لاحترق.
بغداد مشهورة ببهجتها ومرحها ، اهل بغداد يهيئون اربع وجبات طعام في اليوم. يبدءون يومهم بشرب القهوة السادة ثم تليها النرجيلة والفطور يبدا الساعة التاسعة صباحا بوجبة لذيذة من القيمر (هنا تشرح بالتفصيل ما هو القيمر) والتمر المطبوخ بالزبدة، وجبة الغداء تقدم الساعة الواحدة بعد الظهر.
نساء بغداد يلبسن غطاء للرأس خاصاً بهن وهوعبارة عن ازار (
izar) اسودوابيض او حجاب وهو منسوج في الموصل من الحرير والممزوج بالقطن، وينزل من الراس مغطيا القدمين، وبه بعض الشبه بغطاء الراس الاسباني المسمى (المانتيلا)مع عصابة تدور حول الراس من شعر الخيول تغطي الوجه تماما لتمنع معرفة شخصية مرتديتها، وبنفس الوقت وبطراز شرقي صرف تمنح المرأة الحرية لتمارس حب الاستطلاع وترضي فضولها.
خارج المنزل من الصعوبة معرفة منزلة المرأة مما ترتديه اذ ان الجميع الغنيات والفقيرات يلبسن الملابس الرصينة وغير زاهية الالوان ومتواضعة.
خلف الابواب المسألة تختلف تماما لأن ملابسهن من الحرير الطبيعي الغالي الثمن، مع مصوغات من الذهب واللؤلؤ المجوهرات ذات القيمة العالية والثمينة ترتديها النسوة باسراف وسخاء مترف.
ساكتفي بهذه الصفحات من كتاب الاميرة البابلية مع امنياتي للقارئ بان يتمتع بالكتاب كاملا حين صدوره القريب .

_____________
(2) هي ما يعرف برياح السموم التي تهب من الصحراء حاملة معها
كسراً من الحجارة والكثير من الرمال وتاتي على شكل عاصفة قوية


الغرفة المسرحية

 

أ.د. عقيل مهدي يوسف
جهزت غرف خاصة لخروج الممثلين ودخولهم بشكل يجعل المتفجرين يفهمون الانتقالات ما بين (البلاط) والمدينة والطبيعة سواء برموز ديكورية بسيطة في الغالب أو عن طريق (الحوار) الذي أجاد صنعه وتوظيفه إجادة عبقرية مشهودة. هكذا تحرك أبطال شكسبير في خضم مظاهر مختلفة، (هاملت) في (قلعته) و(لير) في (عاصفته) و(ماكبث) في (غابته) و(ارون) غابة أخرى في (حلم منتصف ليلة صيف)، وعندما تطور المعمار الى الشكل التقليدي، المعروف بمسرح (العلبة) وكأنه (صندوق) لفن الصور المتحركة في داخله، والتي تنطق بحواراتها وتقدم حياتها على مرأى ومسمع من المشاهد، ظهرت ضرورة الى اعتماد الحلول المعمارية والهندسية من خلال توظيف المساقط وخطوط التلاشي التي تتم من خلال المسطحات الراسية والمنظورات الهندسية لخلق تلك العلاقة المطلوبة جمالياً بين المتفرج والعرض.
وتحورت البناءات المعمارية وكأنها في القرن (الثامن عشر) جاءت نقيضاً لتلك الصالونات الفاخرة، التي تلقي فيها نصوص القرن السابع عشر لـكورني وراسين، بل هي استمرار ما حاول صنعه (موليير) من توظيف اماكن مفتوحة على الناس، ولا تخاطب الأرستقراطية والنبلاء والملك الشمس!! بل تخاطب الجمهور الريفي والاطراف بمثل ما تخاطب البرجوازيين النبلاء المحيطين بالملك.
كانت المعالجات المعمارية الجديدة قد ربطت في القرن (الثامن عشر) بين موضوعات (الدراما) وظهور الفرد البرجوازي العادي، معمار يربط ما بين سلوك الممثل على الخشبة تبعاً لعلاقاته مع الممثلين الاخرين. البعد المعماري اثر بدوره على طبيعة صياغة المشاهد وتصميمها بعد المنجزات التي تحققت في تطوير "الاضاءة" إذ حاول ادولف آبيا (1862- 1928) ان يبني معماراً خاصاً للعرض ايضاً على خلاف المشهد المرسوم المتعامد الخطوط، والارضية الافقية والممثل المتحرك، وكل هذه العناصر منسجمة، بحيث ركزت التجارب هذه على اعتبار الممثل (وحدة قياس للمنظور) على ارضية منجزة من منحدرات ومنبسطات تدعم الممثل وتوضح انتقالاته، وحاول (جوردن جريك) (1872- 1966) ان يركز- ايضا- على معمار العرض التشكيلي باستخدام اللون والخط والكتلة والضوء والايماءة، لا رغبة في محاكاة الواقع وانعكاساته، بل محاولة للخروج عن مطابقة الواقع باشكاله المعهودة بحثاً عن لغة مسرحية في فضاء تتحرك فيه المناظر، وتعلق فيه قطع ديكورية (رأسية) بغرض تحقيق منظر (اجمالي) غير واقعي وانتقل (المعمار) الى القرن (التاسع عشر) حيث برزت فكرة معمارية جديدة عند (أندرية انطوان) (1857- 1943) تتعلق بمفهوم (الغرفة) و(الجدار الرابع) المخلوع، وهذه النظرة الاطارية الجديدة عبر جدار يفترض انه موجود وان المتفرجين يطلون عبره على ما يجري على الخشبة الغرفة، بغرض تأكيد البعد الاجتماعي للبطل، بكل مفرداته اليومية، واكسسواراته التي يستخدمها، فاصبحت الدراما والعرض يسعيان الى مشابهة الإنسان بدمه ولحمه كما يقال- والابتعاد- عن الاسلوبية والطرازية التي عرف بها المسرح منذ مرحلة الاغريق القدامى حتى ظهور (اندرية انطوان) في مسارح فرنسا.


مشيت وحيداً في العالم

 

عبد العظيم فنجان
حين سقطت إنهار سقف العالم، ولم أتحطم
لكنني خسرت عزلتي.
صار مؤكداً ذلك.
صار مؤكداً انني قد عزلت عن العزلة،
لأنها حذفتني من ألعابها..

إنتزعت كما ماءٍ من قطرةٍ،
ولما دخلوا القطرة ووجدوني داخلها ألعب مع القطرة،
أغلقوا القطرة.
أيقنت أن حصتي من الفرح قد وصلت آخرها،
فشربت القطرة حتى آخر قطرةٍ، وغنيت:
كيف تفصل القطرة عن الماء؟!
أسكرني أني ماء لا يجد في صحنه قطرةً، فرقصت.
رقصت طويلاً،
حتى فاضت رقصتي عن الرقص، وفاض التنور، فرأيت القطرة قطراتٍ،
وفي كل قطرةٍ أنا الماء والقطرة،
لكنني، في ذروة الرقص، سقطت كما فانوس من برج،
ولدى ارتطامي بالليل سالت، على الإسفلت، حياتي.
أطبقت أجفاني على آخر قطرة دمعٍ،
أنني أدركت أن خواطري، هي الأخرى، قد انتهكت،
ثم
مشيت وحيداً، في العالم.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة