الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

أول أيار....
عيد النضال من اجل مستقبل افضل لكادحي العالم
فاضل عباس البدراوي
مع بدايات الثورة الصناعية الكبرى التي ظهرت في اوربا اواسط القرن الثامن عشر، حيث استبدلت الآلة التي تد\ار بالبخار بدلاً من اليد في عملية الانتاج، حدثت نقلة نوعية كبيرة في العلاقات الانتاجية التي كانت تسود المجتمعات الأوروبية قبل عصر الصناعة إذ كانت العلاقات الإقطاعية وشبه الإقطاعية هي السائدة في تلكم المجتمعات بين سيد الارض مالكها من جهة والفلاح المعدم الذي لا يملك شبراً من الارض وهو الذي يحرثها ويزرعها ويسقيها ولا يحصل من جراء عمله سوى الفتات، عدا قلة قليلة من اغنياء الفلاحين الذي كانوا يمتلكون قطعاً صغيرة من الاراضي.
امام هذا التطور الهائل والقفزة النوعية في علاقات الانتاج التي بدأت بالتبلور عقب الثورة الصناعية الكبرى واخذت تسري في معظم البلدان الاوربية ووصلت إلى الولايات المتحدة، حيث تحول عدد كبير من العاملين في الحقل الزراعي إلى العمل في المنيفاكترات (المصانع الصغيرة). وهنا ظهر التباين في نوعية العمل الذي يؤديه الانسان، وحتمت هذه النقلة في العلاقات الانتاجية إلى نقلة نوعية أخرى في تفكير الانسان العامل خلف الآلة الجديدة، لأن طبيعة العمل الجديد توجب على العامل تلقي شيء من المعرفة إذ اضطر الرأسماليون من اصحاب المصانع إلى فسح المجال أمام العاملين في مصانعهم لتعلم القراءة والكتابة، وبذلك تسنى لهؤلاء العاملين من الاطلاع على بعض الأفكار والمفاهيم والتي تخص بصورة مباشرة حياتهم وتحثهم على المطالبة بتحسينها علاوة على تلقي المعلومات الفنية التي تخص طريقة أدائهم لعملهم بصورة أفضل فنياً. بدأت بواكير النضال الطبقي عند هؤلاء العمال، انطلاقاً من احساسهم بأنهم المنتجون الحقيقيون وأن الرأسماليين لا يهمهم سوى كسب المزيد من الارباح لتصب في جيوبهم وليقوموا بتوسيع مصانعهم دونما الالتفات إلى حياة العاملين الذين لما تمكنوا من جني هذه الارباح الطائلة، حيث كانت الاجور متدنية بشكل كبير واجور العامل لا يتعدى الكفاف الذي يسد رمقه ورمق عائلته لكي يتمكن من الاستمرار في العمل وكانت ساعات العمل تتجاوز الـ 16 ساعة يومياً، وأن التفاوت الكبير بين أجور العاملين المنتجين والارباح المتحققة نتيجة عملهم وخضوعهم إلى اقسى عملية استغلال، أدت إلى ظهور نظرية فائض القيمة المتأتية من الفرق بين اجور العمال والمصروفات الخاصة بالانتاج وبين الارباح الكبيرة التي كان يجنيها الرأسماليون، وبذلك أخذ يسري شعور بالوعي لدى العمال وذلك عبر تنامي الاحساس بمدى الظلم والحيف الذي يلحق بهم وأنهم لا يعاملون كبشر، مضافاً اليه مساهمة بعض المفكرين الثوريين في تلك الحقبة الزمنية والذين ساهموا من خلال كتاباتهم ودراساتهم في تثوير العمال وتحسيسهم بظروف الاستغلال التي يتعرضون لها وينيرون لهم دروب الكفاح من اجل نيل حقوقهم العادلة وفي مقدمتها تقليل ساعات العمل الى 8 ساعات يومياً وزيادة الاجور، إلا أن اصحاب العمل رفضوا الرضوخ إلى المطاليب العادلة لهؤلاء العمال من خلال المفاوضات مما حدا بالعمال إلى اللجوء إلى طرق اقوى من ذلك في النضال وهو اسلوب الاضراب عن العمل والتظاهرات السلمية، وهذا ما حدث بالضبط في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في مدينة شيكاغو الامريكية إذ اعلن اضراب عمالي واسع مع الخروج بمظاهرة سلمية لاسماع اصواتهم لاصحاب المصانع والسلطات الحكومية، وكذلك للرأي العام الامريكي وقد شاركت العديد من عوائل العمال في هذه التظاهرات مطالبين بتقليل ساعات العمل وزيادة الاجور، فبدلاً من الاستجابة لهذه المطاليب قام الرأسماليون وبتواطوءٍ من السلطات التي كانت تناصرهم بدس بعض المرتزقة في صفوف المتظاهرين وقام هؤلاء بأطلاق الرصاص وحدثت الفوضى وقتل عدد من العمال جراء ذلك، بعدها اتخذت السلطات هذا العمل الذي دبرته ذريعة للتنكيل بقادة العمال حيث بدأت السلطات الحكومية باعتقال قادة العمال وقدموا إلى محاكم صورية واحضروا شهود زور من عملائهم وحكموا على هؤلاء القادة بالاعدام ونفذ بهم الحكم ظلماً.
بعد مرور ثلاثة اعوام من تلكم الجريمة وبعد افتضاح امر هذه المؤامرة وضغوطات الرأي العام الامريكي اعيدت المحاكمة من جديد وظهرت براءة الذين اعدموا وتم تحقيق بعض المطاليب العمالية ومنها تقليل ساعات العمل. ومنذ ذلك الوقت ولحد الآن يحتفل عمال العالم بهذا اليوم الذي يعتبر بحق يوم اول انتصار يحققه العمال من اجل حياة افضل لهم، ويشاركهم في هذا الاحتفال ملايين الناس الذين يعترفون بفضل العمال في تطوير الانتاج والنهوض به نحو الافضل وخصوصاً إذا نالوا حقوقهم العادلة لأن شغيلة اليد والفكر هم البناة الحقيقيون للحياة الرغيدة بسواعدهم وعقولهم.
كان العمال العراقيون يحتفلون بهذا العيد حسب الظروف السياسية التي كانت تسود البلد وبمختلف الطرق، فبدأت احتفالات عمال العراق بيوم الاول من ايار ايام النظام الملكي حيث كانت الاحتفالات تجري بصورة شبه سرية فكان العمال النقابيون الواعون ينظمون السفرات لمجاميع من العمال إلى ضواحي المدن ويستغلون هذه السفرات بالحديث عن اول ايار ودلالاته في حياة العمال ويحثونهم على رص الصفوف والنضال من اجل حياة أفضل، وكذلك كانت تجري بعض اللقاءات في بيوت بعض العمال لهذا الغرض. إلا أن الاحتفال أخذ طابعاً كرنفالياً جماهيرياً رائعاً في اول عيد لايار بعد ثورة الرابع عشر من تموز التحررية، حيث اعلنت حكومة الثورة هذا اليوم عيداً رسمياً يحتفل به على نطاق العراق وعطلة رسمية لاول مرة في تاريخ العراق والمنطقة، وخرج مئات الآلاف من العمال وبمشاركة جماهيرية واسعة من قبل القطاعات الاخرى كالفلاحين والطلبة والشباب والمثقفين وكان الطريف في هذه الجماهيرية الكبرى هو مشاركة عدد كبير من رجال الاعمال والتجار والصناعيين للعمال في احتفالاتهم هذه، وكانت للمرأة العراقية دورها ايضاً وخصوصاً العاملات منهن، في المشاركة في هذه التظاهرات مع اخواتهن العاملات للاحتفال بيومهن الاغر، وكان يتقدم التظاهرة قادة الاتحاد العام لنقابات العمال المنتخبون من لدن العمال بكل حرية. إنها كانت حقاً كرنفالا تاريخيا صدحت فيه الاصوات بالاغاني وبالهتاف ورفعت الشعارات التي لم تؤكد فقط على المناسبة بل كانت تؤكد على التلاحم المصيري بين ابناء شعبنا بمختلف قومياته واديانه وطوائفه وفئاته الاجتماعية بعيداً عن كل ما يسيء إلى هذا الطيف الجميل.
بعد تسلط الدكتاتوريات على رقاب شعبنا اغتيلت معظم المكاسب التي تحققت للعمال وبقية ابناء الشعب من خلال نضالهم الطويل وتضحياتهم الجسام حتى وصل الامر بنظام البعث الفاشي المقبور إلى حد الغاء صفة العمال عن اقسام كبيرة من العاملين في القطاع العام وهم الشريحة الاهم من ابناء الطبقة العاملة، وذلك بسن قانون رجعي يحول هؤلاء إلى موظفين بغية حرمانهم من حقهم المشروع في التنظيم النقابي وكأنما تمنح وتلغى الصفة الطبقية عن طريق سن القوانين!
واليوم وبعد زوال الديكتاتورية الغاشمة ينبغي إعادة الحقوق المسلوبة من العمال على يد الديكتاتوريات إلى العمال بناة الحياة، وعلى العمال التكاتف والالتفاف حول نقاباتهم المجاهدة والممثلة الحقيقية لمصالحهم، وعلى هذه النقابات العمل بنكران ذات وبهمة العراقي المكافح لاصلاح ما خرب على يد الفاشية وتوجيه العمال وقيادتهم للدفاع عن مصالحهم المشروعة بالطرق الحضارية والمتقدمة والمشروعة التي طالما كان الرواد الاوائل يتبعونها ويحققون بها الانجازات الكبيرة.
سوف يبقى الاول من ايار عيداً لنضال الكادحين من اجل مستقبل افضل للبشرية جمعاء.
 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة