المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الانثروبولوجـــي الحــــاج جلال آل أحمد في مكــــة  (3-3)
 

عبد الجبار الرفاعي
كان الدكتور علي شريعتي شديد الاعجاب برحلة جلال هذه، وكان يأمل ان يرافقه مرة أخرى الى الحج سنة 1969، لكن آل احمد التحق بالرفيق الاعلى قبل ان تتحقق امنية صديقه شريعتي، وعندما ذهب الاخير للحج في ذلك العام، كان يقول: "ان اطياف آل احمد ما لبثت ترافقني في كل مكان كنا نؤدي المناسك معا، لكن لا ادري لماذا وجدته في السعي اكثر حضوراً من اي مكان آخر.
ان اشعة حضوره ظلت ساطعة. كنت اسمع صوت اقدامه، كان يهرول مسرعا. كنت اتحسس زفير انفاسه كزفير انفاس عاشق كنت اهرول مع جموع الناس، غير اني كنت اعانقه حيثما اذهب. ما انفك يهرول معي اراه كالصخرة المتدحرجة من جبل الصفا هكذا اندمج مع البشر، كنت اسمعه واراه كالحلاج، حيثما كان يضرب رأسه بعمود الاسمنت، وهو يصرخ بالناس: انما اضربه لصلابته وعصيانه. لماذا رأيته في السعي اكثر من اي مشعر اخر؟ لانه تفاعل في حجه بالسعي اشد من اي منسك سواه، هكذا قرأته في رحلته الى الحج. اظن ان عمره يشبه السعي، كان كالعطشان الذي يلهث وراء الماء لاسماعيل الظامئ في الصحراء كان عدوه في الصحراء بمثابة السعي..". كتب آل احمد يوم السبت الموافق 18/4/1964، في يومياته، وصفا للسعي بين الصفا والمروة، وهو يؤدي هذا النسك، قائلا: ان "ذوبان الفرد في الجماعة اتراه اقصى غايات التجمع الغفير، وهذه الرحلة؟ عشرة الاف انسان، وربما عشرون ألفا يمارسون شعيرة واحدة، في آن واحد هل يمكنك ان تفكر بنفسك وسط هذا الانعتاق الجماعي الهائل، فتعمل شيئا بمفردك؟ التيار يجتاحك ويأخذك اخذا وبيلا، هل حدث ان كنت وسط جماعة من الناس مذعورة وهي تهرب من شيء ما؟ ضع كلمة "منعتقة" مكان كلمة "مذعورة" في الجملة السابقة، وضع "حائرة" بدل "تهرب" او ضع مكانها كلمة "لائذ". انت مسلوب الارادة مئة بالمئة، وسط هذا البحر العاصف من البشر تنسلخ كلمة "الفرد" هناك عن كل معانيها ومدلولاتها، ولا يبقى فارق بين الالفين والعشرة الاف.. ووجدتني لا استطيع المواصلة، اجهشت بالبكاء، وهربت وعن لي ان البسطامي أخطأ؟ فاحشا، اذ لم يلق نفسه تحت ارجل هؤلاء السعاة، او على الاقل من ان يلقي انانيته تحت اقدامهم حتى الطواف، لا يثير مثل هذه المشاعر، والهياج الروحي).
ثم يقارن جلال بين تجليات الروح حالة السعي والطواف، وما يمكن ان يستلهمه الانسان من ممارسة كل واحدة من هاتين الشعيرتين، فيكتب: "في الطواف حول البيت تسير مع الناس باكتاف متلاصقة باتجاه ما، تدور معهم حول شيء معين، اي ان ثمة هدفا فيه ونظاما. وانت نقطة في دائرة عظيمة تجول حول مركزها، فانت اذن متصل بمنظومة معينة، ولست منعتقا متروكا لحالك، والاهم من ذلك انك لا تواجه احدا هناك. تلاصق عواتق الاخرين، ولا تنظر في وجوههم، فلا تبصر الانعتاق والهيام إلا في التدافع والتلاحم، او تسمعه مما تلهج به الالسنة لكنك في السعي تذهب وتجيء، حائرا كحيرة هاجر، ليس ثمة هدف او جهة .. الحاج عند السعي يختزل الى قدمين وعينين ذاهلة، ساهمة تهرب من نفسها، وتهيم هنا وهناك. العيون يومئذ ليست عيونا، انها ضمائر عارية، او هي ضمائر جلست على اعتاب العيون، تنظر اوامر الفرار، وهل يتسنى النظر في هذه العيون لآكثر من ثانية؟! كنت اظن
الى اليوم انه لا يمكن التحديق في الشمس فقط، لكنني اكتشفت الان تعذر ذلك مع بحر العيون الساعية ايضا، ولذت بالفرار بعد شوطين فقط من الذهاب والاياب، يتجلى لك بكل وضوح اية لانهاية صنعتها من هذا الصفر، وذلك حينما تكون متفائلا، وقد شرعت لتوك، وإلا سترى نفسك اقل حتى من الصفر، حيال هذه اللانهاية، كقشة في البحر، بحر من البشر، بل ذرة هباء في الفضاء". ويردف آل احمد موضحا ما استولى عليه من ذهول، وتوتر وانفعال، في المسعى، "اقول بصراحة: شعرت كأني اقترب من الجنون، لفني شوق عارم ان ارطم رأسي بأول عمود اسمنتي ، وافجره. لا اطيق السعي إلا اذا كنت مكفوف البصر".
انتخبنا هذا النموذج من كتاب جلال، ليطلع القارئ على اسلوبه في تحليل مناسك الحج، واستجلاء فلسفة هذه العبادة، التي تؤديها افواج غفيرة من المسلمين كل عام، باختلاف اعراقهم، ولغاتهم، وبلدانهم، لكنهم يتوحدون في اداء المناسك.
ومع ان آل احمد لم يتوسع في الحديث عن الاثار المعنوية والاخلاقية للحج، غير انه بث مجموعة افكار مهمة في سياق حديثة عن الايام التي امضاها في عرفات، والمشعر الحرام، ومنى، كذلك اهتم بوصف حالته، وحالات من صحبهم من الحجاج، والذين التقاهم حال اداء المناسك، واطلع على اشواقهم الروحية، ومواجيدهم وابتهالاتهم، ولا يبدو آل احمد متفائلا بسبب عدم استيعاب الكثير من الحجاج للابعاد العميقة لهذه التجربة الروحية، ذلك ان الامية والجهل وقتئذ لدى اعداد كثيرة من الحجاج وعدم توفرهم على ثقافة شرعية مناسبة، واستغراقهم في الاطار الشكلي للطقوس، حجبهم عن وعي اهداف المناسك، وادراك مقاصد الحج، واستلهام الاثار التربوية المهمة للمشاعر المشرفة.
التباس العنوان
تبرز براعة آل احمد وموهبته البيانية، في قدرته الفائقة على ابتكار عناوين فريدة لكتبه، بحيث تغدو هذه العناوين بعد ذيوع الكتب التي تحملها في مرحلة لاحقة وكأنها لافئات فكرية وايديولوجية وهو ما نلاحظه بجلاء في كتابه "غرب زدكي" "نزعة التغريب" فما برح هذا العنوان ان تحول الى مصطلح واسع التداول، في الادبيات المدونة بالفارسية، بعد صدور كتاب جلال.
وكعادته انتخب عنوانا اثيرا ليومياته التي دونها في رحلته الى الحج، فوسمها بـ "خسي در ميقات" و"خس كما في معاجم اللغة الفارسية تعني" (تبناً، او علفاً جافاً، او شوكة، او نتفة تافهة من الخشب او حشائش جافة مضمحلة وتستخدم مجازا بمعنى حقير، ووضيع) ويقابلها بالانجليزية
Small Chip of wood.
اما الياء في (خسي) فهي للتنكير، تنكير الاسم واخراجه من كونه معرفة إلى معنى شائع في جنس، كما في "رجل" وبعد مطالعة الكتاب وجدنا آل احمد يشير بكلمة "خسي" في عنوان كتابه الى حالة اضمحلال، وتلاشي "الانا" وذوبانها، حال اداء المناسك، كما صرح بذلك في مواضع متعددة من مذكراته. فوقع اختيارنا على كلمة "قشة" العربية، وهي كلمة تتضمن المعنى الموازي لكلمة "خسي" الفارسية، مضافا الى انها تتضمن المداليل التي تفصح عنها يوميات جلال.
ولا نعلم لو كان المؤلف حيا هل يوافقنا على هذا العنوان بالعربية، لكننا نحسب ان "قشة في الميقات" عنوان غير مستهلك، لانه يستخدم للمرة الاولى في تسمية كتاب في ادب الرحلة الى الحج، وربما في عناوين الكتب العربية، ولعل ذلك يرضي آل احمد ، وهو الاديب المعروف بالنفور من العناوين المكرورة المبتذلة.
موقع رحلة آل احمد في ادب الرحلة الى الحج المدون بالفارسية:
ان رحلة جلال الى الحج تظل في ذروة الاثار المدونة باللغة الفارسية في هذا الحقل، وهي تتوافر على الكثير مما يتسم به نص آل احمد ، حسب وصف زوجته الدكتورة سيمين دانشور، من انه نص "مشبوب"، دقيق، ناقم، متطرف، عنيف، صريح، حميم، تنزيهي، مثير، مكثف بصورة برقيات". ومقارب لذلك وصف الدكتور علي شريعتي، بانه نص "حاد، موجز، ساخر، صريح، انساني، عفوي، جريء، عميق، فاضح، متين، جزمي، احادي، تقريري".
وهي خصائص ربما تبدو متنافرة لكن نجد معظمها في كتاب "قشة في الميقات" ولذلك فان عباراته التي صاغها على شكل برقيات، وجملاته الموجزة المكثفة، قد تبدو مفككة عند نقلها الى اللغة العربية، لكن حرصت الترجمة على اشباعها بادوات الربط، ليظهر النص منسجما متمامسكا.
ومن الاثار المهمة في ادب الرحلة الى الحج باللغة الفارسية كتاب "موعد مع ابراهيم" للدكتور علي شريعتي، وهو كتاب يقع في ستمائة صفحة، ويضم ما كتبه شريعتي في سفرته الاولى الى الحج، سنة 1970، وسفرته الثانية والاخيرة، سنة 1971 القسم الاول يتضمن محاضراته في الرحلة الاولى، وهو عبارة عن اربع محاضرات متوالية القاها في حسينية الارشاد في طهران بعد عودته من الحج تحت عنوان (موعد مع ابراهيم).
اما الرحلة الثانية فهي تتألف من احدى عشرة محاضرة القاها شريعتي في المدينة المنورة، ومكة المكرمة، والمشاعر المشرفة، وهي تتمحور حول: (المدينة المنورة كمحطة للهجرة، والحضارة كنتيجة منطقية للهجرة، ورؤية تحليلية لفلسفة مناسك الحج، ودراسة في السيرة النبوية من الولادة الى البعثة... وغير ذلك).
كذلك القى المهندس مهدي بازركان محاضرة في عيد الاضحى سنة 1959 بعنوان "بيت الناس" تكلم فيها عن الاثار الاجتماعية للحج، ودور المناسك في توطيد اواصر الوحدة بين المسلمين، وبناء اسس الامن والسلام، وهي افكار استلهمها من الايات القرآنية الكريمة، في ضوء رحلته الى الحج قبل هذا التاريخ بثماني سنوات، اي في عام 1951. هذه اهم الكتابات الحديثة المدونة بالفارسية في ادب الرحلة الى الحج، وتظل رحلة آل احمد متميزة، لانها الوحيدة التي تتكون من يوميات سجل فيها مؤلفها مشاهداته، وانطباعاته، وهواجسه، وتطلعاته، وآماله، وانفعالاته وهو يتنقل بين البقاع المقدسة، ويتعاطى مع رفاق السفر، ومع مختلف الناس القادمين من شتى المواطن الى الحج.


الفن وانفصاله عن البيئة
 

ا. د. عقيل مهدي يوسف

عرف الفن في تاريخه حالات من عدم الاستقرار والتقلب تتولد من استراتيجية فنية او شكل فني يتحدى نفسه وحدود تعريفه وسعي الى زعزعتها.

وعن لوحة تانجو يصرح (جونز) "لقد اردت ان اوحي بوجود علاقة جسدية نشطة بين المشاهد واللوحات. ففي لوحة تانجو كان على المتفرج ان يقترب من اللوحة بدرجة ما حتى يستطيع ان يدير مفتاح صندوق الموسيقى، وكان هذا الاقتراب لا يمكنه من رؤية الشكل الخارجي للصورة".
واما بشأن كيت مانهايم فانها ممثلة في عروض المخرج فورمان منذ عام 1971
حتى اواخر الثمانينيات (كان اداؤها جسديا كما تقول يتميز بالقطع الدائم لاستمرارية الحركة وتدفقها وبالسعي الدؤوب الواعي "لمعارضة الحركة الطبيعية للجسد).
وكذلك تركز على حضورها (الشخصي) كمؤدية بدلا من التركيز على (الدور) او الحالة النفسية للشخصية والجو النفسي للمشهد عقلها ينفصل عن النص وتتالق من خلال هذه التقنيات كما تقول: (احاول ان احتفظ بنفسي في حالة عدم توازن ان احتفظ بنفسي في حالة تجعلني اشعر بالدهشة دائما ازاء ما افعل او ما يحدث حولي).
اي ان المشاهد بشاهد اولا وثانيا يرى نفسه وهو يشاهد (تلقيا فعالاً).
فالشكل اذن ليس وعاء (للمضمون) بل قاعدة لتوليد الخطوة التالية المحتملة وفي هذا يكمن الموضوع (اي في تلك الخطوة التالية التي يفرضها الشكل او يمهد لحدوثها) فما جرت العادة على تسميته بالمضمون او الموضوع ليس سوى ذريعة للبدء في عملية التفاوض بشأن المعنى وهذه العملية هي الموضوع الحقيقي للعمل).
اي ان دلالة الشكل والموضوع هي امر اعتباطي تعسفي يخضع للعرف والتقاليد فالشكل والموضوع لا يجسدان اي معنى في (ذاتهما) بل هما مجرد (وسائل) للتوصل الى (اتفاق) بشأن معنى العمل.
وكان فورمان، يسمي مسرحه بـ (مسرح الهستيرية والوجودية) المميزة لعروضه وهي عروض تعارض فكرة العمق.
عروض تنتهي الى مذهب (الحد الادنى في الفن)!! (او تشبهه) في مقاومتها لاي سعي لاختراق سطح العمل، واحباطها أي محاولة لتفسير بنائها او نسق توالي احداثها، او انماطها الشكلية، او صورها وهي في هذا تفصح عن معارضة جذرية للرغبة في (التعمق) واكتشاف (مركز) للعمل نفهم من خلاله العناصر المنوعة التي يشتمل عليها، ويرى (فورمان) ان فكرة (العمق) هذه تخص خرافة كبرى.
ويحسبها فورمان اقصى ضروب المراوغة، وتتصل بالطبع بفكرة المركز ومن ثم علينا (باللامركزية) و (الازاحة) ولنسمح (للفكرة) بان تطفو من الاعماق وتستقر على السطح والمشاهد هو الذي يعي فعل المشاهدة.
وتعتبر سوزان لانجر، الفن "شكلاً فصيحاً" يتخطى العناصر المنفردة التي تكونه يتحقق من خلال الافصاح من عناصره المادية التي تعلن عن وجود ويترتب على هذا: (ان العمل الفني في اعمق معانيه يظهر الى الوجود في اللحظة التي (ينفصل) فيها عن العناصر المادية التي يعتمد عليها في وجوده ويطرح نفسه كـ "وهم" او "شيء مصنوع" ).
وتحسب الوهم، الذي يؤسس كيان العمل الفني، ليس مجرد حصيلة تنظيم معين لعدد من المواد في نسق جمالي ممتع ، بل انه "النتيجة" التي يسفر عنها هذا الترتيب، وهو شيء "يبدعه" الفنان بالمعنى الحرفي للكلمة ولا يعثر عليه في الواقع.
اذن العمل الفني يقوم في اساسه على (التجريد) الذي يحتل مركز القلب فيه، اي على انفصاله عن "البيئة" المادية المحيطة به بل وعن الكيان "المادي" الذي لايمكن ان يحقق وجوده إلا من خلاله.
وهكذا ترى لانجر، ان كل عمل فني حقيقي يبدو هكذا منفصلا عن بيئته الحياتية ويعطي لاول وهلة انطباعا باختلافه عن الواقع
انطباعا بان ثمة وهماً يغلف الشيء المادي او الحدث او المقولة او التدفق الصوتي الذي يتكون منه العمل).
اذن : "التجريد" هو شرط اساسي لوجود الفن.


قـــــــراءات  .. الستراتيج والتكتيك (المادة الرابعة )
 

ترجمة/ عادل العامل
"ليست هناك فلسفة يمكنها ابدا ان تحل محل الشعر، إلا ان الشعر يمكنه ان يحل محل الفلسفة، شريطة ان لا يصف العالم فقط ، بالطبع، وانما يفسره ايضا.."
هذا ما ورد على لسان الشاعر الليتواني البارز أدوارداس ميزيليتيس (المولود عام 1919) في كتابه "الشعر والاعتزاز بالجذور" وفي هذه الحلقة الرابعة من المقتطفات يحدثنا الشاعر عن الستراتيج والتكتيك.
لكل عهد نصيبه من المتاعب والاهتمامات وما اسرع ما يتم حل هذه حتى تظهر اخر جديدة. وهي في الغالب، اكثر جدية وحيوية حتى، وسيكون جيلي غير قادر على تصحيح بعض الامور الشاذة.
فالخطط، التي انتظرناها بشوق كبير وحلمنا بها كتلك الاحلام الحقيقية بفعل رومانسيتنا الساذجة، لم تصبح واقعا. واذا كنا قد بقينا اولئك الرومانسيين الذين اعتدنا ان نكونهم، فذلك فقط بالمعنى الاعم للكلمة. فالحياة، وممارستها القلقة، لا تعير اعتبارا للعواطف خاصة الرومانسية منها، وهي تتطلب فهما واقعيا متزنا للواقع. والفهم الواقع يعني، فوق كل شيء دراسة عملية ذرائعية على نحو ملموس لكل ما يحيط بنا، كالاستطلاع في زمن الحرب.
ان اي فعل يتضمن التكتيك والستراتيج معاً. وفي اي تحرك لا تنسى ايا منهما فالمشهد المقعر للافق، الحنين الى اللون الازرق لزهرة من الزهور المثال الاعلى لزمردة صافية كقطرة ماء
كل هذا يكمن في عالم الستراتيج.
وان للتكتيك صفاته المميزة بشكل اصغر
الصبر المرونة، الاحتراس، لكن من دون تكتيك ليس هناك ستراتيج، فالتكتيك علم تطبيق او ممارسة الستراتيج في ظروف تاريخية حية ملموسة. انه علم كل يوم مفرد، يتحدى النموذج الستراتيجي بشكل متكرر. فافعل كل ما تستطيع فعله اليوم من دون ان تضعه على الرف. وما لا تستطيع فعله اليوم حاول ان تفعله في اليوم التالي، لكن لا تنس ما كنت قد اجلته.
ان الانسان الجديد، فوق كل شيء مبتكر
في جميع مجالات الحياة، في جميع الحالات، في جميع النواحي. ذلك هو السبب في تصنيفه كجديد، وعلى كل حال، فان الاشياء لا تتشكل جيدة على نحو متساو بالنسبة للجميع فالبعض يتشبث بالحياة تشبثه بعرف حصان وهو ينخسه ويعدو به نحو الهدف الكبير. آخرون يمشون اليه بخطى بطيئة. وسيستغرقون بالطبع زمنا اكثر للوصول اليه.
ويكافح المبتكرون للتغلب على الكسل، لنقل جمهرة "المشاة" معهم، لتسريع تقدمهم واحيانا ينجحون، لكنهم في احيان اخر يسقطون عن ظهور جيادهم النافرة وتدق اعناقهم. وهذا لا يوقف التقدم. هكذا كان الأمر دائماً وسوف يظل كذلك.
اننا نحيا على عتبة عصر فضائي نووي جديد. غير ان العهد القديم لم يمض بعد. والواقع اننا نحيا حيث تلتقي فترتان من الزمن في حيز ضيق وهش متداخل يمكن ان يتناثر بسهولة الى اجزاء منفصلة. ويشبه ذلك اناسا مساقين على طوف جليدي تحطم منفصلا عن قارة ولم يصل بعد الى قارة اخرى. فهل سيكون هنالك، يا ترى حريق هائل حرارته اضعاف حرارة الشمس بالف او مليون مرة فيذوب هذا الطوف ويتلاشى؟! وواضح للجميع ما يعني هذا للجنس البشري، كما اظن.
لقد صيغت النفس البشرية، نموذج التفكير والاخلاقيات، بفعل محفزات ذات مفاهيم قديمة، إلا انها ايضا موضوع لفعل الجديد. وهذا هو الامر الوحيد الذي يمكنه ان يساعد الناس المحشورين على طوف الجليد العائم هذا للبقاء احياءً والدخول في قطاع جديد من متاهة العالم المحيرة.


آلام الحـــــــــــــــلاج
 

مهدي النجار
أيةُ نعمة هذا الخطاب النبوي التاسيسي حين تفجر كالنور أو الضياء أو كالشعلة المقدسة ألهب صدور الناس بالإيمان الطوعي، إيمان من القلب وبمحض الإرادة، خاليا من الاكراهات والقيود وليس مفروضا من السلطة، إيمان يركز على مطلق الله وتعاليه ولا يهتم إطلاقا بالاعتبارات الدنيوية والتوسع على حساب الاخرين، كان محط أنظار المقهورين والمعذبين الذين همشتهم حياة الاستبداد الوثني وأذلتهم طموحات وشراهات الملاكين فالتفوا بقوة حول النبي (ص) حامل ذاك النداء المتوهج وتلك الشعلة السماوية التي أنارت للعباد طريقا جديدا، مدهشا لم يألفوه من قبل، لذا قالت قريش للرسول عليه الصلاة والسلام: اتباعكَ من هؤلاء الموالي، كبلال وعَمارٍ وصُهَيب، خيرٌ من ُقصي بن كلاب وعبد مناف وهاشم وعبِد شمس؟! فقال:"نعم والله لئن كانوا قليلاً ليكثُرنَّ، ولئن كانوا وضعاءَ ليَشرُفُنَّ حتى يصيروا نجوماً يُهتدى بهم ويُقتدى"السيرة لابن هشام/ج1 ص284.
ليس غريباً ذلك الجواب المذهل، الصاعق بوجه كتلة استبدادية أرادت للبلاد والعباد ان تكون تحت هيمنتها وبيد سلطانها، وليس عجيباً أيضاً أن تتفجر تلك الإجابة من فم النبي (ص) الذي قال هو عن نفسه:"لقد رَعْيتُ غُنيماتِ أهل مكَّةَ لهم بالقراريط"السيرة /ج1. هذا ما يميز الخطاب النبوي، الخطاب التاسيسي الأول الذي لا هدف له إلا فتح الروح على مطلق الله وتحريرها من الاغتصابات والهوان، تحريرها دون قيود ودون حدود، لذا كان خوف الله الشرط الأول لإسلام أولئك الأوائل الاجلاء وهو المستوى الروحي التنزيهي الذي لا يلوث نفسه أبداً بأعراض الحياة الدنيا ومآربها وشهواتها.
اندفع الشيخ الحلاج(الحسين بن المنصور) باتجاه ذاك المستوى، باتجاه ذاك الوهج، دفع بكل روحه لان تسبح هنيئاً مريئاً في بحر الإسلام التنزيهي في اندفاعة حرة خلاقة جسد من خلالها صورة القلق الإنساني، صورة البحث، وكان عقله مشوشا دائما بتشابك المسائل فانطلق في طرق غير مرسومة، لا يعلم ما هو ذلك السحر الذي يشده، كان يعرف إن هناك محطة وحيدة حسب: هي الله. وقد عبر عن الإله بشكل افضل حين قال: إن ابتداءه لا ينتهي أبداً،يقول عنه عبد الرحمن بدوي في كتابه تاريخ التصوف:"إن الحلاج مثل جانبا من اخصب جوانب الحياة الروحية في الإسلام لان آلامه كانت تعميقا للعقيدة وانتصارا للروح أو كما يرى د.أبو العلا عفيفي (وهو من اشهر دارسي التصوف المعاصرين في القرن العشرين : كان الحلاج من أروع الصفحات التي تتجلى فيها روحانية الإسلام، كان بحد ذاته ثورة روحانية في الإسلام. هذا المؤمن المتصوف حقاً كان حالة فريدة في التاريخ (وخاصة تاريخ التصوف) لم تكن حالة انزوائية، بعيدة عن الدائرة الاجتماعية وصراعاتها، بل كانت في لب هذه الدائرة وبمواجهة حادة وصارمة مع رموز الطغيان والاستبداد التي انتهكت مضامين الروح التاسيسي للإسلام، الرموز التي اقتنصت السلطة عنوة وتحولت إلى أنظمة استعبادية قاهرة، من لحظة الاقتناص هذه بدأت تشعر (الأنظمة) بحاجة ماسة إلى مشروعية تبرر ما حصل فجاءت بالفقهاء وجندتهم لكي يبلوروا منظومة تشريعية كاملة للتبرير والتسويغ وإضفاء الشرعية على ضعاف الشرعية أو من لا شرعية لهم.
انتفضت روح الشيخ الحلاج وهاجت، بدا يؤسس لعودة حقيقية للدين الاسلامي، أو بالأحرى تيارا روحيا صافيا ينبع من ذاك الدين الإسلامي في لحظات توهجه النبوية الأولى، لحظات نقائه وابتعاده عن الشوائب و المآرب الدنيوية، بعثر الشيخ أوراق فقهاء السلطان الإمبراطوري وقلب البساط على رؤوسهم، أراد أن يُطهر الروح من التزوير والتزييف والارتهانات النفعية، أراد أن يحل الحق، المطلق، الله في أفئدة الناس وبين ضلوعهم، وقد اعتقد الشيح:"أن العارفَ من الله بمنزلة شُعاع الشمس، فيها بدا واليها يعودُ، ومنها يستمدُّ ضوءَه".
اعتقد الشيخ بعدم قدرته على الإفلات من المتاه الأرضي، رأى إن الأمر يتعلق بالنفس، هذه الأمارة بالسوء، تكمن فيها الخطيئة ويصدر عنها الإثم فراح يستجير ويستغيث:"خلصوني منها
خلصوني منها!"وعن طريق المجاهدة وتصفية الذات صنع له أجنحة روحانية أتاحت له أن يحلق، كان يرى أن لا مخرج له إلا عبر السماء، على أساس إن جميع الدروب الأرضية مسدودة في وجهه، أراد أن يحلق عاليا جدا نحو التلبس بالحقيقة المطلقة، معولا كثيرا على قواه، بدا هذا التحليق الصوفي يُقلق الدولة ويرعبها، يزعج راحتها ويزعزع أركانها وأنظمتها الفكرية وتقاليدها السلالية الشمولية، عندئذ سارعت لراب المأزق فهيأت له محكمة فقهية أخرجت قضاتها من جلباب السلطة الواسع، قضاة لا رحمة في قلوبهم ولا شفقة فأفتوا باعدامه، وعندما احضروا الحلاج إلى باب الطاق ببغداد لتنفيذ الإعدام به تجمع الناس هناك فصار يقرا الآيات القرآنية، كما يذكر ابن كثير في البداية والنهايةج11: وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد ويتحدث بجمل بليغة. فأوثقوه ثم ضربوه ألف سوط ثم قطعت يداه وقطعت رجلاه ويقال انه كان يردد مع كل سوط أحدٌ أحدْ. ثم قطعوا رأسه واحرقوا جثته والقوا رمادها في دجلة، أما رأسه فقد نصب يومين على الجسر ببغداد ثم حمل إلى خراسان وطيف به هناك ليراه الناس، ونودي في بغداد بان لا تشترى كتب الحلاج ولا تباع وكان ذلك في آخر سنة309 هجرية/922 ميلادية.
لقد كانت آلام الحلاج تعبيراً مأساوياً عن فترة هشة، رديئة،زاخرة بالانتهاكات والفواجع المفزعة من فترات التاريخ الإسلامي، وظاهرة من ظواهر مجتمع راكد يعاني من الإنجراح السياسي، مجتمع مغلق ومستسلم لمشاعر العجز والانقهار أمام الطبيعة واللقمة والسلطة.


من أكون في هذه السنة؟
 

أحمد سعداوي
 


سأكون سائق الملكة العجوز
حين تذهب لشراء الخضار والسمك،
أو حين تنسى ـ لخرفها ـ
فتهتف في مظاهرة
تنادي بأسقاط الملكية.


سأكون صديق البطل دائماً
حيث ثقل الحقيقة وضوؤها
يلقى عليه وحده،
فأملك بذلك حرية الدخول والخروج
غير المضر
من الحكايات.


ساكون الجندي المحنط
بملابسه القاتمة،
ذلك الذي قتلته
كي احمي نفسي في ديزفول.
سأكونه الان
كي اعوض شبابه الفاني
بما تبقى من حياتي.


لن اكون الشجرة الملعونة
ولا من مسها.
لن اكون الشيطان
بالطبع.
لكني سأكون
صاحب هذه الحكاية.


سأكون بستانياً
في غير بستانه،
وكاتباً في غير كراسه،
ونائماً في أسرة زوجات الآخرين،
الخالية من الزوجات
والمليئة بروائح الاخرين.
سأكون المؤذن
في غير مسجده
والمصلي في الليل،
سأكون مصباحاً بعيداً ليس إلا..
وليس نجمة.


سأكون هيكلاً من الشيكولاتا
وليس رجلاً نحيفاً فحسب.
قطعة سجق كبيرة وشهية
شراباً مسكراً سأكون
وليس مطراً بمذاق منطقي.


سأغدو ملابس العيد
التي تلبس طوال السنة،
سأغدو جورباً ملوناً
في رجل فتاة،
لا في رجل موظف حكومي،
ربطة عنق ورقية
تحترق
في اروقة الدولة.
سترة شتوية
من شباك صيادين،
قبعة رأس منسوجةٍ
من ذيل حصان.
قفازاً يمسك بالغيوم
ولا يفقه اليد التي فيه.


سأكون الماء في الاسبوع
والعصا في السنة
والليل في الحائط
والفكرة في السرير
ولكني لن اكون
ذلك الرجل الذي ينتظر
سيارة الاجرة منذ الصباح.


سأكون الضابط المحاصر
في وزارة الدفاع
وليس البيان العسكري.
سأكون الطلاء السيئ
لجدران المدينة..
كي لا اكون الجدران نفسها.
واكون الحرب التي تنتهي
كل يوم
وليس التي تبدأ كل يوم.
سأكون جندياً ناجياً
لأن الحرب تأخذ القتلى فحسب.

10ـ
سأكون ارجوحة
حتى وإن لم يكن هنالك اطفال.
بالوناً
حتى وان لم يكن هنالك دبوس.
سأغدو مصيراً مؤجلاً
فهذا افضل
من [ اللامصير]
حبة اسبرين سأكون
فهذا افضل
من قبلة على الرأس.

11ـ
سأغدو خبزاً امام الكتب
وماءً أمام الكلمات
كهرباءً مديدة سأغدو
تبليطاً حالكاً كيوم ولدتني امي سأغدو
وظائف لأبناء الحروب
حشداً من المنظفين سأغدو
واشجاراً وطرقات
مدينة اخرى
ينعم فيها السياح بوقت جميل.

12ـ
سأكون عصفوراً بديناً
لا يرغب بالطيران
يعمل حارساً
لأعشاش الطيور
المهاجرة.


قــــــراءة  .. (أوراق بعيـــــدة عن دجلـــــــة) .. قصص انحازت للغة الشعر
 

كُليزار أنور

يكتب القاص محسن الرملي أوراقه البعيدة عن دجلة بلغة مميزة، خاصة جداً، هادئة، موحية، مؤلمة حد الجرح. لغة ثرية بتصوراتها الدقيقة، الحساسة، الشفافة.. أقرب ما تكون إلى الصور الشعرية.
عشر قصص اعتمدت الدقة في العبارة والأناة في اختيار اللفظ، والتكثيف الشديد للحظة والمحاولة الجادة في خلق اسلوب جديد خاص بنصوصه.
((ضَيم صِمِيّت وأهله)).
انها مهداة إلى روح القاص محمود جنداري.
صورة القروي"يسينين" مع صورة الشاعر"حسب الشيخ جعفر"مع صورة"الأب". كلها تشابكت لتنطق صمتاً أقوى من صرخة!
((وأخي لم يكن آخر المشنوقين ولا أولهم، ولكن هل ترك عندك أشعاراً أخيرة كتبها بدمه فتنقلها إليّ كما نقل حسب إليّ أشعار أخي يسينين؟ وإن بلّغك صَمته فبلغني إياه يا محمود)) ص 14.
((رَحّال ومهرتي جرحي)).
مهداة إلى صديق الرحلة.. الكاتب عبد الهادي سعدون.
عنوان القصة - ربما - مأخوذ من أُغنية معروفة للفنان كاظم الساهر.
تبدأ القصة من مدريد / 1988. في إحدى ساحاتها قبلَ المغادرة إلى الوطن. ينقل بصره بينَ مفردات المكان.. لا فرق إن كان للبشر أو للحجر!
بغداد / 89 - 90 - 91 - 92. عاد إلى بغداد بدون رغبة لأداء خدمة العلم. حينَ سألوه عن مدريد. أجابهم: الحرية في كل مكان. لك أن تحب وتنام في الشوارع.. وإذا رغبت، فاشتم حتى الوزير!
((ماتت الحرب الصغيرة وهي في عمر الزهور بعدَ أن أطفأت شمعتها الثامنة بالراجمات وجاءت أُمها تحمل الفرح الطاغي.. الطاغي والنصر المبين على العالمين، فَخَربّوا أحزمة دجلة وأبراج بغداد وزوارق البصرة، فأعدنا بناءها بأرغفةِ خبزنا)) ص 18.
عَمّان / 93 - 94. مرساة تقوده إلى مرساة.. تحولَ إلى سندباد.. لم يعد بإمكانه الاستقرار في الوطن. قصد عمّان ومنها ليبحر مرة أُخرى نحو (مدريد). لم يكن العراقي الوحيد الذي اتخذ منهج السندباد!
قبل سبع سنين غادرها.. وها هو يعود إليها، مازالت صورة تلك الساحة في فكره، مما محتها دخان القذائف.
في بغداد يسألونهُ عن مدريد.. وفي مدريد يسألونهُ عن بغداد ((بغداد تتغير كل يوم دون أن تغادر بغداديتها وتبغددها.. هي وردة بركانية أو امرأة من عَجب.. هي الحية التي حرقوا عليها جحرها لتغادرهُ فاحترق جلدها، فسلخَتهُ ولم تغادر، ومنذ ذلك التاريخ - آه يا تاريخ - اعتادت أن تنزع جلدها لتبدو جديدة كل صباح)) ص 19.
القصة بدأت في مدريد، وانتهت فيها أيضاً في نفس الساحة أمام نفس المنظر ونفس التمثال (تمثال كيخوته). مدريد لم تتغير.. الذي تغير.. نظرته إليها وإلى الوجود من حوله.. وحتى المفاهيم!
((أندلسـ
نـا..هم)).
إلى اللصوص من العرب في اسبانيا.
حكاية مهاجر عربي لا يصدق - إلى الآن - بأن أندلسنا أصبحت أندلسهم!
((لَبَن أربيل)).
إلى الأكراد.. مَن مات ومَن ينتظر.
إحدى أجمل قصص المجموعة. لِمَن الاعتذار.. لِـ"شيرين"أم لأربيل؟؟ خان الأوامر - عندما كانَ عسكرياً - ولم يرتكب قيدَ رصاصة ضدها، لم تطاوعهُ الأصابع.. لأنها مدينتها!
حسدتُ"شيرين"لاستحواذها ذلك الحب النبيل في عينيّ البطل. لكن، شيرين ذهبت إلى غير رجعة.. أخذها الأغـا! هل كانت"شيرين"رمزاً؟! أم اسماً لهُ واقع في أرض الوجود؟!
مازال إلى تلك اللحظة البعيدة.. وهو يقف على رأس جبل يحيطه البحر من جهـات
ثلاث في سان سباستيان / الباسك. يغطي وجهها أُفق السواحل! ويعيدهُ إلى أربيل / كردستان، شمال القلب المسربل دمه. كردستان التي يصفها بالجنة، لكنها جنة تجري من تحتها أنهار الدم!
((فمَن يوقف همسها في أُذنيّ؟ مَن يوقف النزيف في الذاكرة / في الروح / في الوطن..؟ مَن ينقذ الحزين من مطاردة العشق الأصيل ومَن يخلع الجرح عن جسد الجريح؟)) ص 24.
ويهتز الساحل بانفجارٍ قوي.. يهرب السائحون.. فـ (إيتا) تطالب باستقلال (الباسك). ويبقى وحدهُ على الجبل تحاصرهُ عيونها.. ويتساءل وهو ينزل الدرج الملتوي: لماذا عيونكِ والرصاص؟!
((إحدِيدابات)).
إلى المسحولين في شوارع نينوى على مَر العصور.
يتصف سرده - وفي أغلب قصصه - بوصفٍ خارجي"فوتوغرافي"للأمكنة! وهي مسألة ليستْ بالسهلة، فالقاص محسن الرملي يجيد الكتابة بالعين الثالثة!
((قررنا ترك هذهِ الدبابة بلا أسف ومغادرة هذهِ البلاد بأسف.. فهل غادرناها حقاً وها نحن نحملها بينَ أوراقنا وأضلاعنا في المنافي)) ص 29.
سطران كفيلان بترجمة الحكاية!
((غياب البصرة)).
لم يبقَ مكان - في العراق - لم يخلدهُ القاص في كتاباته.. إنهُ الوفاء!
يسأل عن النخيل في اسبانيا - شوقاً لنخيل البصرة - فيدلونهُ على قرطبة. يجوب دروبها مشياً على الأقدام إلى أن يهدهُ التعب، فيستظل تحت مسجد عبد الرحمن الداخل يتحسس أقدامه ((كيفَ وصلتَ بها إلى هنا يا عبد الرحمن؟ يا لأقدامكَ / أقدامنا التي ننساها إلا حين تُؤلمنا فندرك أنها هي التي كانت تحملنا، عليها نقف وبها ننطلق، ضممتها إليّ وخلعتُ حذائي والجوربين فصرختُ"البصرة".. كانَ اسمها مكتوباً على الأقدام.. عليها سأقف وبها سأنطلقُ إليها.)) ص 34.
((أنا الذي رأى.. وثائق)).
إلى كل المسجونين.. أعني كل البشر.
فلسفة رائعة! حقاً.. الوجود كلهُ من مبتدئهِ - في الرحم - إلى منتهاه - فـي القبـر
(سجن × سجن)! لكنها فلسفة مَن يضع نظارة سوداء على عينيه!
وسجن الحياة شيء.. والسجن كـ (اعتقال) شيء آخر!
استطاع القاص أن ينقل لنا رؤيته الشمولية والخاصة عبر حكايتِهِ.. حكايتُهُ.. حكايتهم!
((أوراق بعيدة عن دجلة)).
إلى الذين جاعوا وناموا على أرصفة المحطات في المنافي.
أوراق شاعر عراقي حزين اسمهُ"سعدي"! - عموماً يلجأ معشر القصاصين إلى المفارقة في اختيار أسماء أبطالهم، فيسمون الحزين سعيد والخائنة وفاء! - المهم.. سعدي بطل القصة هو مهندس عراقي يهاجر من بلد إلى آخر.. حتى انهُ يذهب إلى السنغال.. وبدل أن يعلم أطفالهم القرآن علمهم انشودة المطر!
قرر ترك الشعر لأنهُ استشعر بأن الوجود هو أول وآخر وأعظم قصيدة! إلى أن استقر بهِ الحال مؤقتاً في غرناطة عند ابن خالته الذي يعمل تاجراً للذهب.
وذات يوم يترك العمل دون أن يخبر أحداً إلى أي مكانٍ اتجه. لم يبقَ منهُ سوى سجل الحسابات الذي دوّن فيه خربشات. يأخذهُ الراوي - كاتب القصة - ويقرؤه في غرفته الضيقة بالكتب والدخان.. لم تكن خربشات، بل أشعار ضاقت بها أنفاس سعدي - أو - كاتب القصة!
***
ست قصص من مجموع عشر عليها إهداءات. الإهداء رسالة معنونة أو - ربما - تحية!
وأخيراً أقول:"أوراق بعيدة عن دجلة"لغة لها إيقاعها الموسيقي الخاص بها ويسيطر عليها النَفَس الدرامي البسيط الذي يرفض تلك الصور البلاغية التقليدية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*"أوراق بعيدة عن دجلة". مجموعة قصصية للقاص.. الدكتور محسن الرملي.. صادرة عن
دار أزمنة للنشر / عمّان / 1998 / الطبعة الثانية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة