مكتبة عالمية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

لا مزيـد من المحافظين الجـدُد

-كتاب أمريكا على مفترق الطرق:- (شرعية الديمقراطية والسلطة و المحافظين الجدُد)،
-تأليف فرانسيس فوكوياما
*مراجعة:بـــــــول بيرمــــان.
-ترجمة: هاجـــــــر العانــــــي

 

في شباط من عام 2004 حضر فرانسيس فوكوياما دعوة عشاء لكبار مفكري المحافظين الجدُد في واشنطن واستمع وهو مشدوه فيما كان المتحدث البارز، محرر العمود الصحفي تشارلز كروتهامر، يعزو " نجاحاً قاطعاً فعلياً " إلى جهود أمريكا في العراق فصفق الجمهور استحساناً وحماساً، فقد كان فوكوياما مشدوهاً إلى حد ما للاسباب الجليّة، ولكنه كان يشعر بذلك جزئيأً لسبب آخر كذلك وقد كان سبباً شخصياً كلياً، كما يوضح في الصفحات الافتتاحية من كتابه الجديد " أمريكا على مفترق الطرق "، فخلال سنوات مضت كان فوكوياما يشعر شعوراً عائلياً بين أولئك المحافظين الجدُد الذين يصفقون استحساناً، فقد اعتاد هو و كروتهامر على أن يتشاركوا في الكثير من الغريزة السياسية، اذ كان كروتهامر هو الذي كتب أعلى تعريف مبتهج بالكتاب على الغلاف الخلفي لتحفة فوكوياما لعام 1992 واصفاً اياه بأنه (" جريء وجليّ ومثير للاعجاب بشكل مـُـفـتـَـرى ") وهو كتابه المعنون " نهاية التأريخ والرجل الأخير ".
لكن ذلك كان آنذاك.
أما اليوم فقد قرر فوكوياما أن يستقيل من حركة المحافظين الجدُد
على الرغم من أسباب، كما يفسرها هو، قد تبدو غامضة غموضاً صبيانياً - فبتقديره ان مبادئ المحافظين الجدُد في نسختهم الاصلية تبقى سارية المفعول حتى الآن، ولكن المفكرين من زملائه السابقين قد حـّـرفوا منذ عهد قريب أفكارهم القديمة تحريفاً يدعو للاسف، وأعقبت ذلك أخطاءً شنيعة، وبوجود هذه الظروف يعتبر فوكوياما أن لا بديل لديه سوى المغادرة ونشر شكواه، فقد أنشأ صحيفة سياسية جديدة لتأكيد استقلاله لما بعد المحافظين الجدُد رغم أنه أعطى صحيفته اسماً، وهو (ذي أمريكان انترست)، (اسم) يستحضر خلسة ً أرواح صحف المحافظين الجدُد الاسطورية من الماضي (ذي بابلك انترست) ومن الوقت الحاضر (ذي ناشنال انترست)، فقط لإبقاء القراء يحزرون عن علاقته النهائية بعـُـرف المحافظين الجدُد.
وتبدو لي استقالته، بأية حال، حدثاً بارزاً بكل معنى الكلمة، فيما تجري هذه الامور، وذلك لأن فوكوياما، من بين مفكري المحافظين الجدُد كان بالتأكيد أوسعهم خيالاً وأكثرهم هزلاً في تفكيره وأكثرهم طموحاً، ثم ومن جديد هناك شئ ما بخصوص مغادرته قد يفسر مزاجاً أكثر ملاءمة بين المفكرين السياسيين الآن، وليس فقط على اليمين، حيث أنه في مناطق الليبرالية واليسار كذلك، قد وقف الكثير من الأشخاص بطريقة مماثلة في تلك الاوقات التي أعقبت 11/ أيلول لإتهام رفاقهم الأكبر سناً بالتخلي عن القضية وصـُـفـِـقـَـت الابواب وأعادت مجلة الأمة (ذي نيشن) تسمية نفسها بمجلة التطهير الاسبوعية (ذي ويكلي بيرج)، وفي هذه الأيام إذا كنت من أي نوع من المفكرين السياسيين على الاطلاق ولم تـُـصدر شجباً كاسحاً لأعز أصدقائك أو لم يعلّـقـك هؤلاء الاصدقاء من عمود المصباح
يا للعجب فقد فاتتك روح العصر بطريقة ما.
ويقدم فوكوياما صورة وصفية موجزة لمبادئ المحافظين الجدُد ومناشئها وبالرجوع إلى اليسار المناهض للشيوعيين في السيتي كولدج في الثلاثينات والاربعينيات للفلاسفة المحافظين (ليو شتراوس وآلان بلوم والبرت وولشتير) وفي جامعة شيكاغو في سنوات لاحقة، من هذه المصادر المتفاوتة استحدث المحافظون الجدُد في آخر الامر " مجموعة من المبادئ الملتحـِـمة " والتي، بعد أن تم تبنيها معاً، أنهت دافعهم في الشؤون الخارجية خلال ربع قرن الاخير، فقد أيدوا اعتقاداً مفاده أن الدول الديمقراطية تكون بطبيعتها مـُـحـِـبّـة ولا تشكـّـل تهديداً ولذا يتعين على أمريكا أن تجوب العالم مـُـنـشـِـئة ً الديمقراطية وحقوق الانسان أينما أمكن ذلك، ويعتقدون أن باستطاعة القوة الامريكية ان تخدم الغايات المعنوية، ويرتابون في جدوى القانون الدولي والمؤسسات الدولية، وقد كانوا نزّاعين إلى الشك حيال ما يـُـسمّى بـ " الهندسة الاجتماعية "
بخصوص الحكومة الكبيرة ومقدرتها على استحداث تغييرات اجتماعية ايجابية.
وهذه خلاصة فوكوياما، ويبدو ذلك لي ودياً أكثر مما ينبغي، حيث كيف اقترح المحافظون الجدُد إشباع رغبتهم الطموحة بمقارعة الاستبداد حول العالم مع بـُـغضهم الحذِ ر للهندسة الاجتماعية؟ ويشير فوكوياما إلى أنه خلال التسعينات انحرف المحافظون الجدُد في اتجاهات مـُـشـَرَّ بة بالروح العسكرية، والتي تصدمه كخطأ، أما مراقب أقل تعاطفاً فقد يتذكر ان فكر سياسة المحافظين الجدُد الخارجية قد انغمس منذ البدء في قصة متحجري القلوب
ومما يشكّل حالة استثنائية أنه قد يستطيع القليلون أن يلعبوا دوراً حاسماً في أحداث العالم - فقط لو كان بالامكان اطلاق العنان لوحشيتهم، وقصة متحجري القلوب هي التي قادت بعضاً من الجيل الاول من المحافظين الجدُد في السبعينات إلى مناصرة أكثر العصابات ارهاباً المعادية للشيوعية في أنغولا، وخلال العقد التالي، قادت المحافظين الجدُد إلى مناصرة بعض من العصابات المناهضة للحركة الشيوعية غير الجذابة جداً في أمريكا الوسطى أيضاً، وقادت محافظي ادارة ريغان الجدد إلى مستنقعات فضيحة ايران كونترا لأجل التوجه إلى مناصرة عصاباتهم. أليس هذا هو نفس الدافع الذي ألقى الضوء على المسألة المـُـحيّـرة بخصوص كيفية تمكن ادارة بوش لوقتنا الحاضر من أن تتدبّـر الجمع بين خطاب ديمقراطي مثير وسلسلة من الفضائح المتنافـرة التي تتضمن تعذيباً أمريكياً أي هذه المجموعة الغريبة للغاية والمـُـحبــِـطة للنفس من المثالية والقبضات الحديدية؟- ولكن على فوكوياما أن لا يوافق.
والانتقادات التي يقترحها بالفعل قاسية جداً، ففي عام 2002 توصـّـل فوكوياما إلى أن غزو العراق كان سيصبح مغامرة ذات نزاع طويل بشكل غير مقبول، ثم كان يتفرج برُعـب فيما تبنت الادارة سياسات غريبة الواحدة تلو الأخرى بحيث كانت مصممة على اطالة النزاع في المستقبل كما في الماضي، وقد قرر البيت الابيض تجاهل أية دروس مفيدة قد تكون ادارة كلنتون تعلـّـمتها في البوسنة وكوسوفو، وعلى أرض الواقع أنه مهما كان ما فعله بيل كلنتون
مثلاً ادارته لتدخل ناجح أراد جورج دبليو بوش ان يعمل عكسه، وكانت هناك الحماقة السياسية الممثلة في اعلان العزم على الهيمنة على العالم، وهلم جراً وكلها أدت بفوكوياما، وهو يهرش رأسه، إلى اقتراح تفسير نفسي.
فهو يقترح ان المحافظين الجدُد، بعد ان شهدوا انهيار الشيوعية منذ عهد بعيد، هم أناس يتعين عليهم النظر إلى الوراء إلى تلك الاحداث الضخمة على أنها تغيـّـر مؤات بنسبة واحد في الزيليون، كالفوز (باليانصيب)، وبدلاً من ذلك، انتهى المحافظون الجدُد، ضحايا نجاحهم، إلى الاعتقاد بأن انفجاراً داخلياً للشيوعية قد عكس أعمق قوانين التأريخ، التي تعمل في صالحهم وصالح أمريكا
انها صيغة للغطرسة - وهذه الملاحظة لاذعة وقد تبدو مميزة فقط لأن كتاب فوكوياما " نهاية التأريخ " بيـّـن أبلغ محاججة في العالم للاكتشاف بأنه في داخل انهيار الشيوعية يكمن أعمق قوانين التأريخ، وهو يصرّ في كتابه الجديد على أن " نهاية التأريخ " تعين عليها أن لا تقود أبداً أي شخص إلى تبني فكرة كهذه ولكن هذا يجعلني أعتقد فقط أن فوكوياما هو مفسِّـر غير جدير بالثقة تماماً لكتاباته هو.
يتساءل لماذا لم يقترح بوش تبريراً أكثر اقناعاً لغزو العراق
تبريراً لايستند فقط إلى خوف من أسلحة صدام (والذي كان يمكن تفسيره بطريقة لا تثير المخاوف التي لا موجب لها) ولا يستند فقط إلى محاججة لأجل حقوق الانسان وحب الخير والتي أثارها بوش بالفعل بعد مدة قصيرة - فأن محاججة قوية حقيقية، كما يراها فوكوياما، كانت ستلفـت الانتباه إلى المشاكل التي نشأت من تحفظ أمريكا مع صدام السابق للحرب، فالعقوبات التي قادتها أمريكا ضد العراق كانت العامل الوحيد الذي أبعده عن تصنيع أسلحته، وكانت العقوبات تتفـتت، وفي الوقت نفسه كانت توقظ الغضب الشديد ضد أمريكا عبر الشرق الأوسط على أساس أن أمريكا (قد كانت تساعد على انزال أذى رهيب بالشعب العراقي، وقد اتخذ الجنود مواقع في المنطقة للمساعدة على احتواء صدام وقد نجح هؤلاء الجنود في اغاظة أسامة بن لادن - وبالمختصر كان متعذراً الدفاع معنوياً وحتى سياسياً عن التحفظ مع صدام السابق للحرب، ولكن لم تكن هناك طريقة لإنهاء التحفظ بصرف النظر عن القضاء على دكتاتورية صدام.
والآن ألاحظ أنه في التأكيد على هذه المحاججة الستراتيجية بالاضافة إلى قضية حب الخير وحقوق الانسان، وفي الاشارة إلى دروس من البلقان، فأن فوكوياما قد اختصر طوعاً أو كرهاً بعض العناصر الرئيسية للوضع التدخلي التحرري للسنوات الثلاث الماضية، على الأقل في واحدة من نسخها، ففي حرب العراق كانت التدخلية التحررية هي الطريق الذي لم يتم اتباعه، بلا ريب، ولا كانت التدخلية التحررية هي موقفه، ومع ذلك يجب أن أقول، بعد قراءة كتابه، أنني لست على يقين كامل من ماهية الموقف الذي اتخذه، بصرف النظر عن تذكير الجميع بالخطو الوئيد تذكيراً واعياً، فقد بسـّـط فوكوياما الامر بالفعل بأنه، بعد شن الحروب هنا وهناك، كان يجب على الولايات المتحدة أن تضمن في النهاية، في أفغانستان والعراق على قدم المساواة، انبثاق حكومتين مضادتين للارهاب ومستقلتين.
يقترح فوكوياما سياسة خارجية لما بعد بوش والتي يسميها " الولسونية الواقعية " - وهو شعاره الجديد عوضاً عن مبادئ المحافظين الجدُد
فهو قلق لأنه وبسبب أخطاء بوش الشنيعة سيقوم الامريكان في اليمين واليسار بالتراجع إلى مقاومة بأسلوب كيسنجر لتشجيع القيم الديمقراطية وهي في النهاية أجندة سياسة خارجية أمريكية ثورية رغم أنه كان يرغب في أن يكون حذراً منها، وتبدو الامم المتحدة بالنسبة له غير قابلة للانقاذ وقد أُعطيت دور الدول غير الديمقراطية هناك - بيد أنه يعتقد أن تشكيلة من مؤسسات أخرى، تتألف تماماً من ديمقراطيات، قد تكون قادرة على تأسيس نسخة من الشرعية الدولية تكون أفضل وأحياناً يتوجب فرضها بالقوة، انه يريد تشجيع التنمية الاقتصادية في الدول الفقيرة أيضاً لو يمكن فقط ايجاد طريقة تتجنب تعبير " الهندسة الاجتماعية ".
ويعرض فوكوياما توصيات متينة بخصوص الكفاح ضد الارهاب، اذ يقول " ان الخطاب عن الحرب العالمية الرابعة والحرب على الارهاب يجب أن يتوقف "، وخطاب من هذا النوع، برأيه، يـُـفاقم معضلتنا الحالية وبشكل خطير جداً عن طريق " اقتراح بأن نضطلع بجزء كبير من العالمين العربي والإسلامي " وقد يكون على حق أيضاً، اعتماداً على هوية مـَـن يستخدم الخطاب، ثم مرة أخرى إني قلق من أن لغة فوكوياما الاثيرة قد تقلـّـص ورطتنا إلى حجم أصغر من أي وقت مضى، فهو يصور الكفاح الحالي على أنه " تمرد مضاد "
وهو كفاح قامت من خلاله، قبل حرب العراق، " بضعة آلآف حول العالم " بتهديد الولايات المتحدة - وأفترض أن في ذهنه نـُـخبة من بين 10000 إلى 20000 شخص يـُـقال أنهم مدربون في مخيمات بن لادن الأفغانية اضافة إلى آخرين لم يغادروا إطلاقا مقاطعات المهاجرين في أوربا الغربية، غير أن المجازر التي تعتزمها هذه النخبة قد فاقت دائماً أي شئ اعتزمته حالات تمرد أكثر تقليدية كما أقرّ فوكوياما بالفعل في بعض مقاطع الكتاب، هناك المشكلة المزعجة المتمثلة، كما علمنا، في أن الآلآف المعدودة من النخبة تبدو أنها تتمتع بقدرة لا متناهية على تجديد نفسها.
وهنا حيث قد يتمتع خطاب يشير إلى شئ أكبر من حملة نموذجية مضادة للتمرد بمـِـزية برغم كل شئ، فخطاب أكثر تكلـّـفاً يجذب انتباهنا، في الأقل، إلى خطر المذابح الهائلة، وخطاب أكثر تكلفاً قد يؤدي بنا إلى التفكير بخصوص مسائل أيديولوجية، لماذا يكون الكثيرون جداً توّ اقين للانضمام إلى نخبة الجهاد يين؟ إنهم توّ اقون إلى ذلك لأسباب ايديولوجية، تماماً كما في حالة الفاشيين واستبداديي الماضي الآخرين، فهؤلاء القوم سيندحرون فقط عندما يبدأ ظهور الاستنزاف على ايديولوجياتهم
مما يعني ان أي كفاح ضدهم ينبغي أن يكون، قبل كل شئ، معركة أفكار أي حملة لإقناع كل الحركات الجماهيرية حول العالم بالتخلي عن عقائدهم الحالية لصالح العقائد الأكثر تحرراً، أو هكذا يبدو الأمر لي.
ويسلـّـم فوكوياما بأن ايديولوجية الارهابيين في يومنا هذا، كما يصفها هو، " تدين بالكثير إلى الأفكار الغربية بالإضافة إلى الاسلام " وتروق لذات النوع من الناس الذين ربما قد تم، في أوقات سابقة، جرّهم إلى الشيوعية أو الفاشية، وحتى لو كان الأمر كذلك، فمن أجل كل الإبداع الرائع لخياله السياسي، كان في جعبته القليل ليقوله عن هذه الايديولوجية وحرب الأفكار، واني لأتساءل عن السبب.
وأعتقد ربما السبب هو أنه حينما كتب فوكوياما " نهاية التأريخ " كان متـّـبـِـعاً أفكار فردريك هيغل ويبقى كذلك حتى الآن، اذ أن مذهب هيغل هي فلسفة التأريخ التي تقول بأن كل مرحلة جديدة للتنمية البشرية هي تحسـّـن لما سبق حدوثه، وفي كتاب " أمريكا على مفترق الطرق " يصف فوكوياما هيغلية كتاب " نهاية التأريخ " كنسخة من نظرية " التجديد " جالباً نظرته المتفائلة للتقدم إلى عالم العلم الاجتماعي الحديث، ولكن المشكلة في نظرية التجديد كانت دائماً الميل إلى تركيز أغلب الاهتمام على مراحل التاريخ التقدمية تقدما ً مطـّرداً، كما حددته الأعمال الممكن التنبؤ بها والخاصة بعلوم الإجتماع أوالإقتصاد أوالنفس
لإنزال اللعبة الحرة للافكار والايديولوجيات التي لا يمكن التنبؤ بها إلى مرتبة أحداث العالم الهامشية.
ومع ذلك فما ساد القرن العشرين وما أغرقه في بحار الدماء كان بدقة اللعبة الحرة للافكار والايديولوجيات، التي لم يكن ممكناً انزالها كلياً إلى مرتبة أعمال علوم الإجتماع أوالإقتصاد أوالنفس أو أية فئات أخرى من العلم الاجتماعي، ومن وجهة نظري نحن نرى الآن القوة المستمرة لأيديولوجيات اسلوبها كأسلوب القرن العشرين
وهي الإيديولوجيات التي حرَّضت البعثيين و الإسلاميين الأكثر تطرفاً على ذبح الملايين من رفاقهم المسلمين في السنوات الخمس والعشرين الماضية بالإضافة إلى بضعة آلآف من غير المسلمين - و فوكوياما دائماً جدير بأن تقرأ له وكتابه الجديد يضم أفكاراً آمل أن يتبناها غير المحافظين في أمريكا، ولكن لا محاججاته القديمة ولا الجديدة تقدم تبصـّـراَ في هذه النقطة، التي تشكل أهم مشكلة من بين جميع المشاكل - ألا وهي مشكلة الإيديولوجيات القاتلة وكيفية مقاومتها.
عن النيويورك تايمز

* بول بيرمان كاتب في جامعة نيويورك ومؤلف كتاب " القوة والمثاليون: أو، ولع يوشكا فيشر وآثاره ".
الهوامش:
*الزيليون: عدد ضخم غير محدود
**الولسونية: نسبة ً إلى وودرو ولسون (1856- 1924) وهو زعيم الحزب الديمقراطي وكذلك الرئيس الثامن والعشرون للولايات المتحدة (1913- 1921)، في عهده دخل الامريكيون الحرب العالمية الاولى.
***هو جورج ولهلم فردريك هيغل (1770- 1831): فيلسوف ألماني صاحب (المنطق الجدلي الهيغلي).


كتـاب غيـّر حيـاتي
 

-بقلم:مارتن كاتل
-ترجمة: مروة وضاء

عن: الغارديان


من انقاض معركة ستالينغارد تخرج رواية (الحياة والمصير) التي غيرت حياتي انها (الحرب والسلام) الأخرى - لكن كاتبها لم يعش ليراها تنشر.

يبدو ان فاسيلي غروسمان يشق طريقه شيئا فشيئا الى وعي العالم الحديث. ا كان هذا الاسم يعني لك شيئا وخاصة ان كنت قد قرأت رواية "الحياة والمصير" فربما تشاركني الرأي بانها مجرد مسألة وقت قبل ان يعرف غروسمان كأحد اعظم كتاب القرن العشرين. وان كنت اليوم تسمع اسمه لاول مرة فانتبه اليه جيدا فلربما حياتك على وشك ان تتغير.
كل ما استطيع قوله هو ان حياتي تغيرت في اواخر السنة الماضية عندما سألني زميل من الغارديان ما إذا كنت قد قرأت "الحياة والمصير"؟. لم اكن قد قراتها ولم يكن اسم الكاتب يعني لي شيئا. يعتقد صديقي ان غروسمان كتب ما يضاهي رواية الحرب والسلام للقرن العشرين. وكما هي عادتي سررت بحديثه وبحثت في المكتبة ووجدت المجموعة الجديدة للمؤرخ انتوني بيفورز لاعمال غروسمان الصحفية وكتاب الكاتب في الحرب الا انه كان من الصعب الوصول الى الرواية.
اخيرا. وجدت نسخة من الحياة والمصير ولاكون اكثر دقة وجدت نسختين منها. قمت بشراء الاثنتين واعطيت واحدة الى ابني الاكبر قائلا له اني سمعت كلاما جيدا حول هذه الرواية وفكرت في انه قد يجدها مثيرة للاهتمام. ولم اعط الرواية حقها بهذا الوصف. وخلال مايقارب الشهر قمنا نحن الاثنين بالتهام صفحات الرواية ال880 متبادلين المقاطع المفضلة والملاحظات. ويبدو اني بهذه الطريقة اكتشفت بالصدفة وسيلة تقارب جيلية. لكن رواية الحياة والمصير هي كتاب يستحق الحديث عنه- كما اكتشف ذلك مينزيز كامبل المذهل عندما بدأت اتحدث الية بحماس عن رواية غروسمان في وسط جادة نورثمبرلاند.
ولد غروسمان في اوكرانيا عام 1905. وترعرع في ظل الاحتلال الالماني في الحرب العالمية الاولى والثورة البلشفية والحرب الأهلية الروسية. لكن احتلال الاتحاد السوفيتي في حزيران 1941 اعطى غروسمان البالغ فرصة ليشهد عن قرب الاحداث الحاسمة لاوربا القرن العشرين. تطوع غروسمان في المعركة وانتهى به الامر في احدى اكثر الوظائف تشويقا على الاطلاق مراسل لصحيفة الجيش الاحمر في ستالينغراد. ارسل خلال شتاء 1942-1943 تقريرا من حفر واقبية الخط الامامي حيث لف الروس المحاصرون المد وطوقوا قوات هتلر. جعلت من كتاباته علامة وطنية. بعد الاستسلام الالماني قام غروسمان بالسفر الى الغرب مع الجيش الاحمر مقدما اول شاهد عيان موثوق به من تريبلنكا. وفي عام 1945 كان غروسمان عند بوابة براندنبرغ وقت سقوط برلين.و قام بأخذ قطعة قرطاسية كتذكار من مخبأ هتلر.
كل ذلك يؤكد وضع غروسمان كشاهد رئيس لاحداث الحرب. ومن عام 1945 والى عام 1964 دخلت حياة غروسمان مرحلة خلاقة وغنية. حيث اصبح معارضاً يكتب الحقائق العميقة عن اولويات التجربة السوفيتية. وقد تجمعت كل تلك التجارب والضغوط الملحمية في ذروة خلاقة في اواخر الخمسينات في العمل الاكثر اهمية لغروسمان. صورت رواية الحياة والمصير في اجواء مشابهة لمعركة ستالينغراد- فالكثير من الحوادث الوصفية جاءت من هناك- ولكن بتطور الرواية تتلاشى المعركة لتصبح خلفية للرواية. ان موضوع الكتاب الحقيقي هو معاناة الروح الانسانية في وسط الضغط المتواصل للحرب المجردة والاحكام الاستبدادية للشيوعيين كما للفاشيين. وفيها فصول فضيعة وصفت بشكل مؤثر. ومع ذلك اذا كان من الممكن ان نلخص موضوع الرواية في كلمة واحدة رغم انها من الثراء الذي يجعل المحاولة عقيمة فتلك الكلمة ستكون الحرية. فهي رواية حول ما يعنيه ان تكون انسانا حرا.
لاعجب انه عندما قدمها للنشر في فترة الهدوء النسبية في سنوات كروشتشوف اخبره الكرملين انه لايمكن نشر تلك الرواية ولو بعد 200 سنة. فالاتحاد السوفيتي والحرية لايمكن ان يتعايشا. لكن رغم كل محاولات الكي جي بي لتدمير نسخ هذا العمل بقيت باعجوبة نسخة واحدة. نشرت اول نسخة للرواية في الغرب في عام 1980 وباللغة الانكليزية في عام 1985 واخيرا في الاتحاد السوفيتي في عام 1988.
ان اصداء الحرب والسلام واضحة ومن غير الممكن عدم ملاحظتها. مع ان الكاتب الذي كان يبدو انه ملهم غروسمان لم يكن تولستوي لكنه كان تشيكوف. (يمكن ان تتكيف رواية الحياة والمصير بشكل مذهل مع المرحلة, استمر, نيكولاس هنتر افعلها من اجل الوطن) كان هناك مقطع رائع يسمح فيه غروسمان لشخصية بالتوضيح لماذا كان تشيكوف يهمه. فمن المؤمنين القدماء مرورا بتولستوي الى لينين يوضح فيها غروسمان الانسانية الروسية التي كانت دائما قاسية وغير متسامحة وطائفية. وكما " تشيكوف قال: دعنا نضع الرب وكل تلك الافكار التقدمية الكبيرة جانباونبدأ بالانسان. دعنا نكون عطوفين ومهتمين بكيان الانسان من غير المهم ما اذا كان رجل دين او فلاحاً او صناعياً او متهماً في جزر الساكاليان او صبياً في مطعم... هذه هي الديمقراطية. ديمقراطية الشعب الروسي التي مازالت محتجزة."
نجد نفس هذه الروح في رواية الحياة والمصير. فهي رواية ملحمية لكنها عن الناس والوجه الذي يقدمونه للعالم والافكار المختلفة وراء هذه الوجوه والحاجة الى إبداء الرأي بحرية. وهي بالتأكيد رواية معارضة ومعادية للسوفيت. احداث جيدة قليلة تحدث لشخصياتها ولا يستطيع احد الهرب من مصيره وكما هو الحال مع تشيكوف لا شيء ابعد من العقلية الضيقة عن روحه.
تستمر ارادة الانسانية بالحصول على الحرية والعطف رغم هتلر وستالين. تنتهي الرواية في الغابة كما تبدأ الكوميديا الإلهية. حيث تتوقف شخصيتان ثانويتان تستمعان للصمت" يقول غروسمان في الصمت" يجب ان تسمع" رثاء الموتى وصخب الحياة" وهذا هو ما تحس به حين تكمل قراءة رواية القرن العشرين الممتازة هذه.

  • ولد فاسيلي غروسمان (1905-1964) في اوكرانيا. نشأ وترعرع مؤيدا ومناصرا للثورة الروسية عام 1917. كتب العديد من القصص القصيرة بينماك كان يدرس في جامعة موسكو، اثنى عليه مكسيم غورغي وميخائيل بولغاكوف. بسبب الاضطهاد الذي تعرض له، نشر القليل جداً من نتاجه الادبي اثناء حياته. بعد ان اكمل روايته "الحياة والمصير" في عام 1959، هاجمت المخابرات السوفيتية KGB شقته وصادرت مخططاته ودفاتره وآلته الكاتبة. توفي غروسمان عام 1964 غير عارف ان كانت روايته هذه ستنشر. الطبعة الانكليزية للرواية نفدت من الاسواق. ومن المقرر اصدار طبعة جديدة في منتصف شهر آيار القادم.


اصدارات جديدة .. الإمبراطورية العرضية .. إسرائيل ونشوء المستوطنات 1967-1977
 

المؤلف: غيرشوم غورنبرغ
بعد حرب عام 1967، حلق رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، ليفي اشكول، على متن طائرة مروحية فوق أراضي الضفة الغربية. وعندما كان اشكول ينظر إلى الأراضي التي احتلت في الحرب قال: المهر جميل، لكن ماذا سنفعل بالعروس؟ المهر كان الأرض الجميلة والغنية الحافلة بالذكريات التوراتية. العروس كان الشعب الفلسطيني الذي كان تعداده في الضفة الغربية قرابة مليون نسمة. وهذه الازدواجية المتناقضة لازمت إسرائيل منذ ذلك الحين. فهذا التوتر بين الجغرافية والديموغرافيا كان ملازماً للمسار السياسي الإسرائيلي طوال العقود الأربعة الماضية وهذا ما يفصله غورنبرغ، الصحفي الإسرائيلي الأمريكي المولد، بتقمص عاطفي نقدي في كتابة هذا الغني بالوثائق. أطروحة غورنبرغ بسيطة: إن سياسة إسرائيل الاستيطانية في أعقاب حرب 1967 لم تكن نتاج ستراتيجية مخطط لها أو مفكر بها. في الواقع إن إسرائيل لم تكن مستعدة تماماً للتعامل مع الأراضي التي احتلتها. ومثل أية حكومة أخرى تعيش في أزمات، فإن اشكول ورؤساء الوزراء اللاحقين كانوا يلعبون بالوقت ويصدرون قرارات صعبة، وبوجود جماعة صغيرة لكن مؤثرة وهي جماعة غوش ايمونيم (تحالف المؤمنين) وبرغم من بعض القيادات الإسرائيلية العلمانية، أرغمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على البدء في اسيتطان الأراضي المحتلة، وبالتالي خلقت وضعاً معقداً في الضفة الغربية ورثته الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة