المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

التلفون الاخير له كان مع (المدى).. وثقته بها اثمرت تعاونا حتى اللحظة الاخيرة ..  ورحل الشاعر الكبير محمد الماغوط .. شاعر الرفض والتمرد والمعاناة

ابراهيم حاج عبدي - دمشق
شيعت دمشق، في موكب مهيب، يوم أمس الأربعاء جثمان الشاعر الكبير محمد الماغوط إلى مثواه الأخير في بلدته السلمية حيث ولد العام 1934، وبدأ، من هذه المدينة الصغيرة القابعة على تخوم الصحراء، رحلة من المعاناة والألم والشعر والرفض والحب والتشرد والصخب والحلم والأمل والحسرة...أمتدت لأكثر من سبعة عقود انتهت في هدأة منزله الدمشقي في حي المزرعة حيث توقف قلبه عن النبض ظهر يوم الاثنين في الثالث من شهر نيسان الجاري، بعد صراع طويل مع المرض واجهه الشاعر بالكتابة، دون أن يتخلى عن ممارسة عاداته اليومية، البسيطة: السيجارة لا تفارق الشفتين، والكأس رفيق دائم، فيما المسجلة تردد صوت فيروز الآسر في صورة مستمرة، خلاف يومه الأخير الذي كانت المسجلة تتلو فيه سورة يوسف بحسب ما روى ابن شقيقة الشاعر الطبيب محمد بدور الذي اشرف على صحة خاله في سنواته الأخيرة، وأضاف بانه رأى الشاعر، عندما عاد من دوامه، في جلسته المعتادة عقب سيجارة في اليد اليمنى، وسماعة الهاتف في اليد اليسرى لكن الحياة كانت قد فارقت الجسد المستقر على أريكة زرقاء معانقا الموت بهدوء وصمت أبدي.

وقد روى لي بندر عبد الحميد، مدير النشر في دار المدى، بانه اتصل بالشاعر الراحل في يوم رحيله ظهرا، فسمع في الطرف الآخر صوتا باردا منكسرا متقطعا، ضعيفا، فشعر عبد الحميد ان الشاعر منهك والافضل ان ينهي المكالمة ليعاود الاتصال به في وقت لاحق، غير ان السماعة لم تقفل في الطرف الآخر، وربما كان بندر هو آخر السامعين للصوت الذي هدر بالشعر والاحتجاج لعقود، استنادا إلى رواية الطبيب محمد بدور الذي قال بانه وجد السماعة في يد خاله الباردة بلا حراك. لقد هزم الموت أخيرا الشاعر الذي لم يكن ليروضه شيء في الحياة سوى هذا الموت الذي ترك في نفوس قرائه ومحبيه الحزن والألم.
يعتبر محمد الماغوط ظاهرة أدبية نادرة في مشهد الشعر العربي المعاصر، دخل محراب الشعر دون ديبلوماسية أو لباقة أدبية، تطفل منذ البداية على مائدة الكبار وراح يبحث وسط الصخب، والأضواء، والنجومية عن موطئ قدم. لم يكن يملك من شروط الانتساب إلى عالم "الانتلجنسيا" والنخب المكرسة سوى حزنه، وتبغه الرديء، وأحلامه الكبيرة، وقصيدة هشة، ضعيفة خافتة النبرة، لكنها جارحة، وواضحة...ولم يدر في خلد صاحب "الفرح ليس مهنتي" أن قصيدته، بصدقها، وتلقائيتها، وعفويتها ستحتل المكانة الأبرز، وستقلب المائدة على رؤوس الأسماء "المبجلة"، وستمنح لاسمه وهجا وحضورا لا يمكن إغفالهما لدى أي حديث يتناول قصيدة النثر العربية المعاصرة. لقد استطاع هذا الغجري الحالم، المسافر أبدا في دنيا الخيال أن يخط لنفسه مسارا شعريا متفردا، يقتات من الوجع، والوحدة، والحنين، والخوف، والترقب...ليصنع من هذه العناصر المؤلمة تاجا من الأماني، لقرائه، وللحالمين، مثله، بغد أجمل، فراح يدون الألم الإنساني دون ملل وكأنما الابتسام قليلا في وجه الكآبة والانكسار هو ذنب لم يشأ الشاعر أن يقترفه.
"مأساة محمد الماغوط انه ولد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الأوسط، ومنذ مجموعته الأولى (حزن في ضوء القمر) وهو يحاول إيجاد بعض الكوى أو توسيع ما بين قضبان النوافذ ليرى العالم ويتنسم بعض الحرية. وذروة هذه المأساة هي في إصراره على تغيير هذا الواقع وحيدا لا يملك من أسلحة التغيير إلا الشعر". بهذه التعابير المريرة قدمت الشاعرة الراحلة سنية صالح تعريفا لزوجها محمد الماغوط وهي بذلك لم تفلسف الأمور كثيرا، بل صاغت شهادة صادقة يمكن بالاستناد إليها تفسير طبيعة إبداع الماغوط منذ رأى النور في بلدته السلمية مرورا بمختلف المراحل التالية التي تمخضت عن رجل يأبى التصالح مع واقع مرير وأليم، بائس ومقهور، رافضا الولاء إلا لسلطة الإبداع، محاولا التبرئة من ذاكرة مفعمة بثقافة الجهل والقمع والاستلاب، باحثا وسط هذا الخراب عن امرأة مطوقة بالياسمين، عن حانة تمتص وجعه المقيم، عن "أرجوحة" منصوبة هناك في الأفق النائي تهدهد صباحات الطفولة البيضاء...وطالما أن هذه الأماني بعيدة المنال فلا غرو، إذن، من أن يطلق صيحة تحذيرية "سأخون وطني"، عنوان أحد كتبه.
إزاء هذا الواقع الرديء سعى الماغوط ولأكثر من نصف قرن ـ وهو عمر تجربته الإبداعية ـ إلى بناء عالم جميل، بالقصيدة، نقيض لما هو قائم، خال من الشرور والأوبئة والأمراض والتخلف والقمع والاضطهاد والسجون وأقبية التعذيب، ومليء بالزهور والفراشات والحب والقبلات، وذلك إيمانا من صاحب "غرفة بملايين الجدران" بما قاله الفيلسوف الألماني هايدجر: "البديل الخلاق للعالم الحقيقي المشوش، هو مملكة الشعر والروح".
ولئن وفق الماغوط وإلى حد بعيد في صياغة وتشكيل هذا العالم شعرا، بيد انه فشل، مع الحالمين مثله، في تحويل هذا الحلم إلى واقع، ولا يتأخر الماغوط في إظهار أسباب الفشل: "لقد أعطونا الأحذية واخذوا الطرقات / أعطونا البرلمانات واخذوا الحرية / أعطونا العطر والخواتم واخذوا الحب / أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد / أعطونا الثوار واخذوا الثورة..."، ولا يريد الماغوط حيال هذا الخراب الذي يجهض الأحلام ويغتال بهجة الحياة سوى "أسبوع واحد من الكرامة في كل عام كأسبوع النظافة، ويوم واحد من الحرية في كل عام كيوم المرور العالمي".
ورغم قصر الفترة التي قضاها الماغوط في السجن في الخمسينيات والتي لم تتجاوز السنة لكنها شكلت انعطافه حاسمة في حياته بل شكلت وشما أبديا وسمت روحه إذ لم يستطع رغم مرور السنوات التخلص من إرث تلك الفترة العصيبة التي يتحدث عنها الماغوط في أحد حواراته إذ يقول: "كان السجن المبكر هو بداية صحوة الشباب، وبدلا من أن أرى السماء رأيت الحذاء...وهذا ما أثّر على بقية حياتي"، مضيفا "والمثير أنني أنا الذي لم اكمل تعليمي، قد تعلمت كثيرا من السجن والسوط العربي بيد السجان. السجن والسوط كانا معلمي الأول، وجامعة العذاب الأبدية التي تخرجت منها إنسانا معذبا خائفا إلى الأبد...وصار الخوف يسكنني، وهرب مني الأمان لآخر لحظة من عمري. الآن حين يرن جرس الباب اشعر بالرعب، وحين يرن الهاتف أتوجس خوفا...معظم الأشياء التي احبها أو اشتهيها، وأحلم بها رأيتها من وراء القضبان: المرأة، الحرية، الأفق".
بهذه الروح المسكونة بالخوف، والانكسار كتب الماغوط أعماله الشعرية والمسرحية، ومنها "غرفة بملايين الجدران"، و"العصفور الأحدب"، و"سأخون وطني"، و"الأرجوحة"، و"خارج السرب"، و"سياف الزهور"، و"شرق عدن..غرب الله"...وغيرها، وهو في كل ما كتب ظل محافظا على تلك النبرة التهكمية الساخرة وعلى تلك النزعة الإنسانية التي تحتفي بالبسطاء والجياع والعراة"، مدونا آراءه في الحياة والطقوس التي يحبها والأماكن التي تركت لديه انطباعات جميلة لا يستطيع الزمن الثقيل إزالتها، وتجربة التسكع والتشرد في دمشق وبيروت، وعلاقته مع جماعة مجلة "شعر"، ورأيه في الشعر والشعراء والحب والمرأة والموت والوحدة، وقبل هذه وتلك تصويره المدهش والمؤثر للواقع العربي الرديء الذي لم يسلم، في يوم، من لسان الماغوط "السليط والصادق".
والواقع أن من قرأ إبداع الماغوط، وقارن ذلك مع سلوكه اليومي وطبيعته في الحياة سيدرك ان الماغوط هو من المبدعين القلائل الذين تماهوا مع تجربته الحياتية إلى أقصى حدود الصدق، فهو كان شاعرا آلف دائما بين القول والممارسة، وتمسك بمبادئه الخاصة التي آمن بها منذ أول سطر كتبه إلى آخر حرف خطه، فهو قد يساوم على أي شيء إلا الكتابة فلا مجال للمساومة فيها، وهو لم يكن يحب الشهرة والأضواء، فالفرح لم يكن مهنته "وكأن الشقاء أوكسجين آخر في الهواء" حسب تعبيره، ورغم الصداقة المديدة والوطيدة التي ربطته بفعل الكتابة إلا انه لم يكن يتوانى عن البوح بسر لا يكشفه سوى قلائل، إذ يعترف "ترعبني الورقة البيضاء، وكأنني أمام سيبيريا من الجليد".
كل ما خطه قلم الماغوط كان نابعا من تجربة الحياة الرحبة والغنية، بعيدا عن الاكاديميات والتنظير، فالماغوط على عكس الكثير من الكتاب والمبدعين لم يكن يحب التنظير، والنقد وقولبة الإبداع فهو لم يكتب سوى حزنه وهمومه وهواجسه وآلامه...ويفاجأ، من ثم، بأنه أحدث انقلابا في بنية القصيدة العربية التقليدية وإيقاعها وموسيقاها وتركيبتها فغدا واحدا من أبرز رواد قصيدة النثر العربية، وهو يقول في هذا السياق "ما يعنيني أن اكتب بصدق في عصر الكذب السابق واللاحق، واكتب بشجاعة في عصر الذعر السابق واللاحق، ومعركتي ليست وراء مكتب أو في حلقة نقاد أو وراء ميكروفون، معركتي في الحياة"، ويضيف "لم أجد نفسي في خيمة التنظيرات. أردت أن أبقى وفيا لتجربتي كما هي، ووفيا لأسلوبي الذي كتبت به قصائدي الأولى، إذ لم اكن مهتما بالشكل بل بالإحساس القادم من تجربة ما، ومعاناة ما، فليس في شعري رموز أو أسطورة، ولا اعتمد على تراث بعينه، فقط اعتمد على الصدق والبساطة". والواقع انه استطاع بهذا الصدق وتلك البساطة أن يرسم عالما ملونا قوامه الورق والمداد وجبل من الأحزان التي أثقلت روحه التي غادرت فضاء الكلمة الجارحة بعد أن خطت ديوانا أخيرا صدر قبل ايام عن دار المدى بدمشق بعنوان "البدوي الأحمر"، ليكون الديوان خاتمة المطاف لبدوي "أعلن العصيان على القبائل الجاهلية في السلمية ودمشق وبيروت، كان يرثي المدن المتصحرة، ولسان العرب، وأمراء الحروب والهزائم، والملالي المشعوذين، من المحيط إلى الخليج، ويرثي أصدقاءه الذين ماتوا، مثقلين بغبار السجون، ومنشورات حقوق التنفس..." كما يكتب بندر عبد الحميد على الغلاف الأخير للديوان.
والديوان الذي صدر مؤخرا جاء بعد عدة دواوين اصدرتها "المدى" للشاعر الراحل الذي خص الدار في السنوات الأخيرة بأعماله الجديدة، فأصدرت له "الأعمال الكاملة"، و"ساخون وطني"، و"خارج السرب"، و"شرق عدن..غرب الله" وغيرها...وصولا إلى الديوان الأخير "البدوي الأحمر"، وكانت دار المدى، ممثلة بصاحبها فخري كريم، تولي اهتماما خاصا بالشاعر وبأعماله، ولطالما احتفت به في اسابيعها الثقافية الثلاثة التي اقيمت في دمشق، وكانت حريصة على ان تصدر أعماله المقدمة للطبع، بأقصى سرعة ممكنة، وبشكل فني لائق، وجميل، وتقدم له كل المساعدة المتاحة، والواقع ان الشاعر، بدوره، كثيرا، ما أشاد بمطبوعات المدى، وكانت تربطه علاقة صداقة مع مختلف العاملين في الدار، ورغم مزاجيته وطبعه الحاد، أحيانا، الا انه كان مرنا في تعامله مع دار المدى، مقتنعا بان سمعتها في مجال الثقافة والنشر ترضي مكانته الشعرية السامقة، ومؤمنا بان هذه الحفاوة التي تبديها "المدى" تجاهه نابعة من المبادئ الاساسية لمشروعها الثقافي القائم على رعاية الابداع الخلاق فحسب، بمعزل عن أي أغراض أخرى قد تسعى اليها بعض دور النشر، وهذه الثقة المتبادلة بين الشاعر والدار أثمرت عن تعاون ودود امتد لسنوات لم تنته إلا مع رحيله الأخير الذي أشاع في الدار جوا من الحزن لن تبدده سوى أعمال الماغوط التي تملأ رفوف مكتبة المدى، والتي بها سيكون الماغوط حاضرا في العقول والوجدان، لأمد طويل.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة