تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

شيوخ التهريب والإرهاب والجريمة .. فنادق الصحراء تقدم لك الوقود والماء والمعلومات وأجور نقل الإرهابيين!

  • خطوط نقل التهريب أشخاصاَ وبضائع تمتد من أقصى الجزيرة العربية إلى عمق تركيا وسوريا وبالعكس

بغداد/صافي الياسري

من بين كثبان الرمل المتحركة والتلال وأطلال أسوار قاعدة الوليد الجوية الخربة.. أطل.. أشعث كاسراً باهت الصفرة يراقص تموجات الأرض واندياح أشعة الفجر من شقوق غيمة على أنيابه العاجية، فيما تقرص ريح الكوانين أذنيه الشاهقتين ويطول ظله من خلفه الجانب الآخر من لوحة السماء وهو يجارينا مراوداً سيارتنا المنطلقة إلى جانبه على حد خنجر فضي دس في كبد صحراء التنف تلتمع العينان في رأس ذلك الكائن الأسطوري مبهورتين بشهوة الصيد والطرد أو اللعب أو التحدي وفجأة توقف ورفع رأسه عالياً وعوى فيما أحاط بخار خفيف (بوزه) الذي رسم في الأفق نصف دائرة قزحية.. قلت ضاحكاً (كل ومل) فابتسم مرافقي وقال، لا كل ولا مل ولكن لهذا الأجرد حمى طاردتنا حتى ابتردت.
شيوخ للخير وشيوخ للتهريب والجريمة
ومع اصطفاف شجيرات العاقول من جديد على حرقة الرمل فرق سنام ترابي هنا وملء وهدة هناك في ربيع حفر بعد أن غاب عشرات السنين عن جمل أرض السواد، بكرت نوق الشيوخ تتهادى بعد أن جلبت قطاراً ندياً برائحة مكحول من الشرق أو السبع بيار وأبي الشامات من الغرب وإنما هي محطات بيد يحفر المطر أخاديده على أديمها ويطبه خف الجمل زهرته على خدها برفق مهما ثقل حمله خفيفاً لا يكاد يبين ما طبع، ما تلبث الصبا أن تغطيه بعباءة ذهبية من حبيبات الرمل فلا طمع لك بعد ذلك أن تقص أثره.. إلا إذا كنت خبيراً عريقاً وعندها عليك أن تلتزم خيطاً خاصاً تسلكه مواضع النجوم بموافقة سادة البيد الذين يحملون اليوم تسمية حديثة توضح طبيعة عملهم أكثر مما توضح انتماءهم وهويتهم العشائرية فسادة البيد اليوم هم شيوخ الإرهاب والتهريب.
شيوخ التسعينيات
وهي التسمية التي أطلقها العراقيون على تلك المجاميع من الشيوخ الذين ضربوا عرض الحائط بكل القيم والأعراف النبيلة التي اعتمدتها عشائر العراق وشيوخها الخيرون المشهود لهم بالوطنية ورفعة الأخلاق وكنا نحسب ان البادية ستبقى بمعزل عن الخراب الأخلاقي الذي أشاعه صدام، ولكن هيهات فقد أشاع سرطاناً مدمراً أصاب الكثيرين وإن بدرجات متفاوتة.
يخبرك صغار المهربين والأدلاء وأصحاب القوافل أنك لكي تمر عليك دفع الرسم والالتزام بالطاعة وإلا فعليك أن تتوقع في كل لحظة مواجهة المفاجآت وربما اطلع الرمل من ثناياه من يصرخ في وجهك
الحذيه يغازي لتنفقد الحمل والراحلة وحياتك ربما.
وتمتد البادية الغربية العراقية حتى غربي العراق فتتصل بالحدود الأردنية والسورية والسعودية، ابتداء من البوكمال السورية التي تقابلها القائم العراقية أو
حصيبة الغربية وتمتد حتى قيعان التنف ثم تتصل بحدود الأردن والمملكة العربية السعودية حتى منطقة الركعي وهي المنطقة التي تلتقي فيها حدود العراق بنجد في منتهى منطقة الحياد من الشرق وكانت تعرف بالبقلاوة أو الطوال كما يسميها البدو اليوم أو المخازن كما يسميها شيوخ التهريب وتمتد حتى الكويت شرقاً وهي بهذا الامتداد تحادد خمس محافظات (الأنبار، كربلاء، الديوانية، الناصرية، البصرة) وتقسم البادية إلى خمسة أقسام هي الوديان الحماد الحجرة الدبدبة الرحاب.
وتعد الوديان أوسع أقسامها وتمتد من الحدود السورية غرباً إلى وادي الخر شرقاً وترتادها عشائر عنزة السورية والعراقية وعشائر نجد والدليم وقسم من عشائر شمر ي موسم الربيع
أما لقسم الثاني الحماد فهي قفار موحشة وتمتد من جنوب تدمر وتوغل حتى صحراء النفوذ، وهي صميم البادية لا يجتازها إلا خبير ولا تغشاها العشائر إلا شتاءً وأعشابها قصيرة العمر سريعة الزوال، والقسم الثالث الحجرة وتطلق هذه التسمية على المنطقة المليئة بالصخور الحجارة وتمتد من وادي الخر إلى وادي السدير وفيها بعض التلال العالية كما توجد فيها بعض الكهوف التي يستغلها المهربون كمحطات استراحة واختفاء أما القسم الرابع الدبدبة فيمتد من الكويت إلى وادي الدير المعروف والدبدبة عبارة عن مجاميع من التلال والسهول والوديان والشعاب والكثبان الرملية الرخوة وتكثر فيها المراعي بعد هطول الأمطار ويرتادها الغنامة من الكويت والديوانية والناصرية والبصرة وقد احتجب عنها الكويتيون بعد تطور ظروفهم الاقتصادية وانقراض مهنة الرعي في دولتهم، إلا أن أرباح التهريب وانفتاح الحدود العراقية حرك العديد منهم ليشكلوا قوافل من السيارات المخصصة للاستخدام الصحراوي ووجدوا دعماً من لدن العشائر العراقية التي له امتدادات داخل الكويت.
أما الرحاب فهي خط العيون الذي لا يبعد عن شط العرب غرباً أكثر من 15 إلى 20 كلم ويعدها المهربون أسهل المناطق حركة إلا أنها لا تمنحهم كامل الأمان ولهذا يندر أن تجد فيها مخزناً أو محطة أو سوقاً خاصاً بهم وهم يسمونها (الممشة) ويسمون نقاط التوقف النادرة التي رتبوها فيما بينهم على هذه (الممشة) الفنادق أو الخانات وهي تسمية مجازية لمجاميع من الخيام التي يقوم ساكنوها وهم في الغالب من عشائر المنطقة بتقديم الخدمات الضرورية
المعلومات العلف الماء الوقود واحتياجات أخرى ولهم شفرة خاصة في الحديث والتعارف ودون ذلك يتعذر الاقتراب من هذه الفنادق ومنها قصر إبراهيم في البصرة وجليبة في ممشة الناصرية وعين حمود وعين صيد وعين الديك حتى منطقة الديوانية خان السادة في ممشة الديوانية وتل حجاري الرحبة والزعلة قرب الحياضية، ومن ممشة كربلاء المار بالاخيضر وشفاتة والرحالية وتل حزازه إلى خرائب تميل وقصر الجبر شمالاً لا تجد فندقاً سوى عين العصفورية لتنعطف بعد ذلك غرباً إلى قصر الخباز وعيون محيور وجلبان موسى فممشة الأنبار حتى دعامة الحدود العراقية السورية رقم (2) عند القائم حصيبة الغربية وكل هذه المناطق والمماشي هي في الحقيقة مناطق نفوذ يعاد ترتيبها من جديد فقد تهاوت أسماء لعدد من شيوخ العشائر القدامى وبرزت أسماء جديدة لها من يسندها من أصحاب الشأن الجدد ولكنهم مع ذلك ما زالوا يلقبون بذلك اللقب العتيد (شيوخ التسعينيات) وعلى الرغم من الأذى الذي الحقته الطائرات الأمريكية ودوريات قوات التحالف على امتداد الحدود الغربية وتسببت في انقطاع هذه التجارة بين هذه البلدان نهاراً فإن عبور الحدود ليلاً السرى عوض الكثير من خسائر المهربين وإذا كانت المخدرات والأسلحة والذخائر هي الأبرز بين المهربات فإن ثمة تجارة جديدة تبدو أكثر رواجاً هذه الايام، هي تجارة نقل الأشخاص وهم من جنسيات مختلفة وفي الأغلب من الإرهابيين ولكل سعره وتكلفته وتحدد حسب أهميته وخطورته وقدرته على الدعم وبعد المسافة وخطورة العبور إليها.
ولأن بعض شيوخ التهريب طردوا من مواقعهم القديمة قريباً من الحدود ولأن آخرين منهم لم يكفهم
السرى شهدت المنطقة نشاطاً إجرامياً خطراً فقد تعرضت الشاحنات السورية والأردنية والعراقية والتركية الداخلة إلى العراق إلى التسليب والاختطاف ولا تزال تشهد ذلك مناطق إبراهيم الخليل في الموصل وربيعة والوليد والقائم والرطبة وطريبيل على الطرق المؤدية إلى الرمادي وبغداد ومنطقة الكيلو 160، بينما تعبر الشاحنات والسيارات التي تحمل علامات خاصة لها علاقة بشيوخ التهريب بسهولة ويسر ودون أن يتعرض لها أحد.
خطوط التهريب
وتمتد خطوط نقل البضائع إلى كل دول الجوار دون استثناء ولا تقتصر على وسيلة دون أخرى ولا على عشرة دون غيرها ولا تسلك سبيلاً واحداً وفي الأمكان نقل شخص أو بضاعة من أقصى الجزيرة العربية إلى أعماق تركيا أو سوريا وبالعكس أما الأخطار والصعوبات فهي محسوبة ويتم تجاوزها بهذه الدرجة أو تلك من اليسر وبهذه الطريقة أو تلك.
أصباع المخابرات
كانت أجهزة مخابرات النظام المباد قد فرضت نوعاً من السيطرة النسبية على هذه التجارة لاستغلالها في بعض نواحي نشاطها ضمن اتفاقيات محددة مع عدد من شيوخ التهريب، وقد سهلت هذه الأجهزة نشاط هؤلاء وأعمالهم لتحولهم إلى سرطانات خطرة على الاقتصاد الوطني وهم على الإجمال من أولئك الشيوخ الذين أبدوا ولاءً مطلقاً للنظام السابق، أصبحوا بسببه أسياد تجارة تدر عليهم ما لا يمكن التفكير في تركه وعبر هذا الخط ارتبط الإرهاب بالتهريب فهم يقومون بأعمال التخريب والإرهاب لزعزعة الوضع في المنطقة وتسهيل حركتهم في التهريب عبر بث الرعب والخوف في المنطقة. وبرغم أن بعض هؤلاء الشيوخ يتعاونون مع قوات التحالف ويحصلون على عقود حماية المنشآت، إلا أنه تعاون انتهازي قائم على مبدأ الارتزاق وفقدان المعيار الأخلاقي في سلوكهم جعلهم يقفون مرة أخرى على خط في ميدان يتسابقون فيه للحصول على الامتيازات دون اعتبار للثمن المدفوع وهي نفس السلوكية التي حكمت علاقتهم بالنظام المباد هذا فضلاً على قلة الوفاء، وعلى امتداد مساحة شمال ووسط العراق بدءاً من الحدود السورية الأردنية حتى الحدود الإيرانية ينشط هؤلاء مستفيدين من صلة القربى والانتماء العشائري وكانوا في السابق يشاركون ذوي النفوذ والأجهزة الأمنية أرباحهم ونشاطهم أما اليوم فهم يعتمدون على أنفسهم باستخدام القوة والإرهاب.
وكان النظام قد ملأ هذه المنطقة بالمعسكرات والمعامل والقواعد الجوية ومخازن الذخيرة التي نهبها السكان المحليون عن آخرها وبدأوا يستخدمونها ويتاجرون بها.
كما إن المنطقة مليئة بالمزارع والاقطاعيات التي وزعت دون وجه حق على العديد من مسؤولي النظام وافراد عائلة الرئيس المخلوع وعشيرته وحاشيته وأزلامه فاتخذوها محطات استراحة، وأسكنوها أفراداً من عشائرهم والمقربين منهم ويستغل بعضها الآن كمراكز لإيواء الإرهابيين وتجهيزهم ورسم الخطط وتنفيذها ومراكز لصناعة الصواريخ والعبوات الناسفة وتفخيخ السيارات وصناعة الأحزمة الناسفة وتعبئة المخدرات وتسويقها.
ولا تزال المخازن السرية التي كانت منتشرة قريباً من جرف الصخر والاسكندرية واليوسفية جنوب غرب بغداد وحيث كانت مصانع منشآت بدر والقعقاع وحطين ومعمل 728 وغيرها تزود هؤلاء بالخبراء الذين يعرفون المواقع السرية للذخيرة.
ورش التفخيخ
وتشكل المزارع والبساتين تلك وهي مليئة بأشجار النخيل والحمضيات والأحراج أسواراً طبيعية لتغطية فعاليات الإرهاب والتهريب والجريمة وتعد منطقة الشريط الساحلي الممتدة من شمال بغداد
الكاظمية إلى الموصل واحدة من أهم وأوسع هذه المناطق في ممارسة نشاطات التهريب والإرهاب والجريمة.
ويروي سكانها من المتضررين من النظام المباد جملة قصص لا أدلة على صحتها لكنهم يرفضون نسبتها إليهم طافحة بحكايات مريرة عن الإرهاب والجريمة في المنطقة ويؤكدون أن قوات التحالف تملك معلومات أوسع عن عمليات إرهابية قامت بها عصابات في هذه المنطقة وطالت عوائل بأكملها مما دفع الآخرين إلى النزوح من مناطق سكناهم وبساتينهم بسبب الخلاف الطائفي والرعب الدائم. ويخبرنا البعض أن هذه البساتين بنيت داخلها سراديب لإيواء الإرهابيين وورشاً لتفخيخ السيارات وصناعة العبوات الناسفة وقد كشفت عمليات الدهم التي تقوم بها قوات الحلفاء العديد من مخازن السلاح والذخيرة والأشخاص، ومع نجاح قوات التحالف في ضم عدد من العشائر إلى جانبها تزايدت عمليات القتل والتهجير فكانت عمليات مدينة الصدر وحي العدل وجامع براثا وقد حصدت مئات القتلى في أسبوع واحد ومن المؤكد أن الممول والدافع هم شيوخ الإرهاب والتهريب والجريمة، وهم ليسوا بالضرورة شيوخ عشائر وإنما شيوخ مقاولات وارتزاق يشبهون شيوخ التسعينيات.
وسينتهي هؤلاء بانتهاء الأوضاع المضطربة في العراق ولن يصح إلا الصحيح.


نريـــد الأمــل كلـه
 

عامر القيسي

سقط الصنم في 9/4/2003 وسقطت معه مؤسسات الرعب والموت الجماعي السري وتهاوت أبواب أكبر سجن عرفه الجنس البشري.
27 مليون إنسان عراقي اصبحوا قادرين، بمن في ذلك البعثيون، على قول ما يشاؤون وفعل ما يشاؤون، وسقطت تابوات السلطة والقائد والمحرمات الصدامية، ولم يعد هنالك من يخاف على لسانه أن يقطع أو أن يقاد إلى أقرب مستشفى لتقطع إحدى أذنيه، وتحول كل العراق بعد هذا التاريخ، من وطن القائد إلى وطن الشعب، ومن أحادية فكرة الحزب الواحد إلى تعددية الأفكار والعقائد والأيديولوجيات. ومن سلطة القبضة الحديدية التي تسحق كل من يحاول أن "يلاويها" إلى وطن الحوار والمؤتمرات والنقاشات والاختلافات. وعادت الحياة للأقلام الصامتة في الداخل وغيرها العائدة من المنافي الإجبارية، وأيضاً لأقلام أرباع المداحين، وتخلصت المرأة العراقية من زنزانة "الماجدة" لتنطلق في فضاء تعدد المنظمات والجمعيات والـ25% السحرية في السلطة التشريعية ولتقف دون اشتراطات سلطوية في بداية درب حريتها الحقيقية.
لقد حصل كل ذلك، والكثير غيره، منذ لحظة سقوط الصنم. ولكن ماذا حصل بعد ذلك؟ ولماذا خفت بريق الفرحة الحلم، وأصبح من لم يدرك أهمية 9/4 في التاريخ العراقي المعاصر يتندر، ويحن لزمن الموت المنظم بدلاً من الموت العشوائي؟.
لقد أخفق الجميع في الحصول على درجة النجاح المطلوبة، الشعب والنخب السياسية والأمريكان في أول اختبار حقيقي لبناء عراق جديد، عراق القانون والديمقراطية والاستقرار!
الصدمة أو الزلزال أو الإنهيار، سمها ما شئت، قد أفقدت مكونات البناء الجديد بوصلة الطريق السليم، ففقدوا الاتزان والواقعية والرؤية الثاقبة. فلا الشعب العراقي كان مهيأً لمثل هذا السقوط السريع ولا النخب السياسية كانت تتوقع أن ينفتح أمامها فضاء الحرية بهذه المساحة، فضاعت فيها، أما الأمريكان فلم يصدقوا إنهم في ساحة الفردوس بعد ثلاثة أسابيع قضوها في نزهة حربية أو تمرين قتالي. وهم الذين وضعوا في حساباتهم (20) ألف جندي أمريكي كضحايا لمعركة بغداد التي توقعوا لها أن تدوم ستة أشهر من القتال المرير!!
الشعب العراقي ضاع في شوارع المدن باحثاً عن حصته من النفط!، واختلطت مع هذا الضياع، أعمال التخريب والتدمير لمؤسسات الدولة، وهو تدمير لا مصلحة فيه لمن يبحث عن حصته في هذا الوطن، وبسبب ضعف تواجد القوى السياسية داخلياً قبل السقوط
بسبب شراسة القمع وشموليته وجدت هذه القوى نفسها غير محمية من بعضها البعض، فاختارت طريق التمترس الطائفي لإعادة التوازن أو خلقه للسير حثيثاً نحو سلطة هلامية غائبة. وإذا ما كان "برايمر" صادقاً في مذكراته "سنتي في العراق" فإن أولى الخطايا التي مارسها العقل السياسي الأمريكي هي بناء عراق جديد على أسس المحاصصة الطائفية المقيتة وباعتبارها أفضل الموجود من الحلول وما زلنا ندفع تمن هذه الخطيئة، وبعد مرور ثلاث سنوات على خلقها وننوء بحمل نتائجها السلبية. هذا هو ثالوث الخطايا والأخطاء التي قادتنا إلى الوضع الذي نحن فيه الان.
فمن "كفر" عن خطيئته أو أخطائه؟
بقليل من الانصاف، نستطيع أن نقول دون مبالغة، أن الشعب العراقي، بمختلف ألوانه، قد "كفر" عن خطيئة الصدمة وأعاد لنفسه روحية التوازن إلى حد ما عندما اندفع "بحماس وطني أو وعي أو فتوى أو اصطفاف قومي أو طائفي" للمشاركة الفاعلة في العملية السياسية وإدامة زخمها وخرج متحدياً الإرهاب وقنواته، فأسس جمعية وطنية. مؤقتة واستفتى على دستور دائم وصنع مجلس نواب للسنوات الأربع القادمة. وبذلك قدم نموذجاً متقدماً بما لا يقاس للنخب السياسية، وللسياسة الأمريكية نفسها التي ما زالت تتخبط فيما ينبغي أن تفعله أو لا تفعله برغم وضوح أهدافها الستراتيجية.
الكرة الآن في ملعب فرق المجموعة الحديدية، وأمام هذه الفرق أسئلة تتوالى على لسان المواطن العادي.
لماذا السلطة أهم من المواطن؟
لماذا نكسب الحزب ونخسر الوطن؟
لماذا كرسي الوزارة أثمن من مصالح الشعب؟
وأخيراً..
إلى متى تستمر لعبة جر الحبل هذه؟
وبعيداً عن الشعارات التي اتخمت المواطن المسكين، فإن قراءة واقع العمل السياسي الحالي، تقول بوضوح، إن أولوية (الوطن
الشعب) لم تعد أولوية وإن مصالح حزبية وقومية وطائفية ضيقة، تلعب دوراً مهماً وحاسماً في رسم اللوحة السياسية العراقية. وللخروج من هذا النفق، هل ننتظر المعجزة؟
إذا كان الجواب بالإيجاب، فدعوني أقول أيها السادة أن المعجزة بيننا، على طاولة المتحاورين وبين ايديهم، فهل يدركها القادة الجدد للعراق الجديد.؟
ندرك جيداً عمق وتجذر المشكلات والأزمات التي يواجهها الجميع، وندرك أن أحداً بمفرده لا يمتلك العصا السحرية فيأتي علينا بـ"بابا نوئيل" ليوزع هدايا العيد، وندرك أن العمل شاق ويحتاج إلى أقصى درجات نكران الذات، وعلى ما اعتقد فإن المتحاورين يدركون دون أوهام إن فرصة بناء العراق إذا ضاعت سيخسر الجميع بما فيهم أصحاب النوايا الطيبة والرابح الوحيد، هم أعداء العراق والديمقراطية.
ومن بين كل هذه الإدراكات، أيها السادة، تنبثق المعجزة. معجزة تقول حقائقها، إن الكراسي لا تدوم ولا الامتيازات ما دامت صناديق الاقتراع ستكون هي الفيصل كل أربع سنوات.
يقول مثل يوناني "إذا فقد المرء الأمل فقد كل شيء" وإذا سألت مواطناً عادياً عن رؤيته للمستقبل لقال لك دون تردد "سيكون الحال أفضل" ولكن بنبرات الخيبة الحاضرة والإيمان بالمستقبل والتمسك بالأمل.
إذن..
لدينا ما تبقى من الفرصة
ولدينا ما تبقى من الخيبة
ولكننا نريد الأمل كله.


رحلة خطرة إلى السماوة .. أفكار كبيـرة في سيـارة صغيرة
 

بغداد/موسى جعفر السماوي

الطريق إلى السماوة يمر بمنطقة اللطيفية وهي جزء من منطقة واسعة أطلق عليها "مثلث الموت" ارتكبت فيها مئات الجرائم من قتل وذبح واغتصاب.

وحط الطير على رؤوسنا نحن الركاب الخمسة والسائق عندما بلغنا مشارف "المثلث" لكن أحدنا مزق الصمت بقوله: "بندقية واحدة اطلقت 15 طلقة استهدفت موكب صدام في ناحية الدجيل لم تقتل ولم تجرح لكن العقاب كان رهيباً حصيلته 148 إنساناً من مختلف الأعمار قضوا بين التعذيب والشنق واعتقال المئات من المسنين والأطفال والنساء طافوا بهم بين السجون ثم أسكنوهم في صحراء السماوة. ولم يكتفوا بما لحق بهم من تعذيب وإهانة بل راحوا يبتزونهم للتبرع بالذهب الذي لا أحد يعرف مصير الكميات الهائلة التي جمعت للمجهود الحربي وقد وصفها صدام بالمنجم". وقال آخر "وإرهابي يسفك دم العراقي ويخطف وينتصب بهدف تعطيل مسيرة شعب كامل ويبادر رجل الأمن مجازفاً بحياته ويلقي القبض عليه متلبساً ويعترف بجرائم اغتصاب وذبح وتفخيخ اقترفها وأودت بحياة عشرات العراقيين ويودع السجن برعاية منظمة حقوق الإنسان ومنظمة قانون العفو الدولية والصليب الأحمر والديمقراطية الأمريكية وتكتلات سياسية تطالب برفع ظلامته وبعد حين يدرج بقوائم المشتبه بهم ويطلق سراحه". وقال آخر "نحن عشرة مواطنين شباب أحلنا إلى المحكمة بتهم ملفقة وتافهة ولم يستغرق مثولنا أمام المحكمة وتلاوة قرار الاتهام وقرار الحكم الذي تضمن أحكاماً مختلفة سوى نصف ساعة. وفي الطريق إلى السجن شاهدنا بعثيين بلباسهم الزيتوني يلصقون على الجدران إعلانات مكتوباً عليها "الديمقراطية مصدر قوة للفرد وللمجتمع" الرئيس القائد".
وقال آخر "كيف تكون الحكومة جادة ومخلصة لتحقيق إعمار وإصلاح البنى التحتية الإنتاجية والخدمية وإعادة الحياة للاقتصاد الوطني المدمر والكفاءات العلمية الوطنية تغادر العراق طلباً للنجاة والرساميل الوطنية تهرب بصحبة مالكيها إلى الخارج وهما ركنان أساسيان لمساهمة القطاع الخاص الضرورية في البناء والازدهار الاقتصادي؟ يضاف إلى ذلك تصاعد الإرهاب والاتجار بالممنوعات والفساد الإداري والمالي وانخفاض الأداء الحكومي في دوائر ومؤسسات الدولة بسبب ضعف الكفاءة والنزاهة والوطنية مع اختراق إرهابي "خط مائل" لأجهزة مدنية وعكسرية مهمة. برغم ما يلقيه الوضع المأساوي من جور وظلم على كاهل المواطن فإن الحكومة لم تعط الرأي العام سوى آذاناً صما وهي ماضية باستماتة في العملية السياسية والمحاصصة حتى باتت الديمقراطية في نظر البسطاء من الناس تعني المنافسة على الكراسي.
ولم يخلو حديثنا من ذكر أهل بغداد "الواكعين بيهه" وهم يتحملون عبء التضحية وقال السائق "لقد اغفلتم قضية تشكيل الحكومة وهي على رأس أحداث الساعة المصيرية هل تحبون وجودها من عدمه؟".
توقفت السيارة في ناحية الحمزة الشرقي وغادرها بعد وداع حار المتحدثان الثاني والثالث. وفي ناحية الرميثة ودعنا المتحدث الأول. وصلنا محطتنا الأخيرة أشرت للسائق بالتوقف وعند توديعهما عرفت أن المتحدث الرابع كان من أهل ناحية الخضر. وفي الطريق إلى أهلي كنت أحدث نفسي أن بلادنا تعددية تلزمنا أن نقيم حوارات ذات مردود إيجابي يعزز مودتنا وثقتنا ووحدتنا وهذا يتحقق فقط عندما ننقل جلستنا إلى حضن وطننا الدافئ ونهجر البساط المهلهل للطائفية والعرقية والمناطقية والعشائرية وهي عوامل التناحر والتشرذم والتخلف.
أهل السماوة يسألونني عن أهل بغداد بلهفة من يتقصى أحوال عائلته وكان جوابي أنهم يكثرون من تلاوة الشهادة في العشي والإصباح وإينما يولون وجوههم مع إصرارهم على تصفية الإرهاب وبناء العراق الجديد. مكثت في السماوة خمسة أيام رائعة وجميلة بعثت في نفسي الطمأنينة والسرور ذكرتني بالأيام الأولى لثورة 14 تموز الخالدة فروع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الحركة الوطنية لأنصار السلم والتضامن أبواب مكاتبها مشرعة بلا حراسات ولا كتل خرسانية يمارس الناس فيها مختلف النشاطات والفعاليات السياسية بحرية وفي لقاءاتهم وفي مواقع أعمالهم يتبادلون التحيات بعبارات جميلة وطيبة مفعمة بالأمل بوجوه باسمة تشعر الناظر إليها بالحب والأمان.
نمت القيلولة والليل ملء جفوني في جو هادئ لا تعكر سكونه حركة طائرات الاستطلاع والاباتشي وهي تدور فوق المساكن ولا صوت إطلاق طائش أو انفجار الليل والنهار يتعاقبان بطبيعتهما لباساً ومعاشاً. والمحافظة بأسرها جاهزة لتلقي الإعمار والبناء وتنتظره بفارغ الصبر كما هو الحال في عموم المناطق الآمنة لكي تتخلص من البطالة وتدني مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار والتضخم التي باتت الأجور والرواتب برغم زيادتها عاجزة عن مجاراتها. وعند تجوالي في المدينة الجميلة بأخلاق أهلها عادت بي الذاكرة إلى عام 1936 يومها شهدت عمال البلدية يحفرون السواقي لتصريف المياه الثقيلة ومياه الأمطار هي نفسها ما زالت شبكتها تغطي طرقات المدينة وأزقتها ونفس مياهها الراكدة الآسنة تفوح منها الروائح الكريهة والأوبئة وتحميل الناس مشقة تنظيفها. ولا أحد يرى ما يعيق الحكومة في مباشرة الإعمار إلا غرقها في حسابات المحاصصة المتعددة مما أضعف قدرتها على الاضطلاع بمهام العملية الديمقراطية فابتعدت عن الشعب وتجاهلت إرادته وثقته بها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة