المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الفلسطيني تائه والانتفاضة تأكل أبناءها !؟
 

المدى/ الثقافي

هذا الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية في عام (2002) تحت عنوان (أجيال الانتفاضة) من تأليف الاستاذة الجامعية الفرنسية ليتيسيا بوكاي، والتي عملت ايضاً صحفية مراسلة لجريدة لوموند الفرنسية. ويضم هذا المؤلف الذي أثار اهتمام كثير من الأوساط العلمية في الجامعات الأوروبية والامريكية ما استدعى ترجمته الى لغات عديدة منها الانكليزية والالمانية والكورية، يحوي محصلة تجارب المؤلفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام (1976) ومرآة لما شاهدته هناك وعايشته خصوصاً بالارتباط مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي دخلت التاريخ باسم (انتفاضة الاقصى).
لا شك في ان هذا الكتاب هو أول مؤلف يتعامل مع الآثار الاجتماعية للانتفاضة في طبقات الشعب الفلسطيني في ما يعرف باسم (أراضي 67) وكذلك في مختلف قطاعات المجتمع السياسية والاقتصادية والمنظومة الاخلاقية.. الخ، بصراحة مدهشة نحن في امس الحاجة اليها عند تعاملنا مع قضايانا كلها. فمع انه صدرت مؤلفات عديدة تتعامل مع الانتفاضة الفلسطينية الا اننا نظن ان هذا المؤلف استثنائي في اهميته لانه يسمي كثيراً من الاشياء بأسمائها، من دون مداورة.
لاشك في ان مدخل أي حركة سياسية تسعى لتحقيق اهدافها ناهيك عن حركة تحرر وطني تسعى الى تحرير اراضٍ وخلق مجتمع جديد على انقاض ماض ظالم، هو سعيها لمعرفة نقاط قوة العدو وضعفه، وفي الوقت نفسه مكامن قوتها وضعفها لكن من الامور التي ما عادت تثير عجبنا اطلاقاً، افتقار المكتبة العلمية العربية لأي مؤلف يتعامل مع الموضوع تعاملاً علمياً رزيناً وهو ما يقود بالضرورة الى عدم توافر أي مرجعية علمية تساعد في تقويم الماضي والحاضر، بهدف الاستعداد على نحو افضل لتحديات المستقبل. لذا فان هدف نشر هذا المؤلف في ترجمة عربية، بما يحويه من معلومات مهمة واشكالية، في قيام حوار علمي نقدي رزين يساعد في تجاوز الحاضر، المحزن والمؤلم حقاً، والتعامل العاقل مع التحديات، الحاضرة والمستقبلية، التي ما يرح اهل فلسطين، ومعهم العرب كلهم، يواجهونه منذ قيام الغرب الاستعماري بالانقضاض على مشروع محمد علي التنويري في مصر وسائر اقاليم المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر وهزيمته.
ان الانتكاسات المستمرة للحركة الوطنية الفلسطينية وتعرضها للهزائم المستمرة، لكن من دون نسيان أو حتى التقليل من انجازاتها المهمة، تستدعي من العلماء المتخصصين التعامل النقدي مع كل جوانب الصراع الذي لا نرى انه سينتهي ما دام الكيان الصهيوني العنصري قائماً في فلسطين، ولا شك انه حتى يتمكن الشعب الفلسطيني، ممثلاً بمختلف تنظيماته الوطنية ومعه والى جانبه كل العرب، من تحقيق مختلف أهدافه السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية .. الخ، عليه اجراء مراجعة ذاتية مستمرة وتأمل في كل مرحلة وعقب كل معركة، اياً كان شكلها، بهدف تجنب الاخطاء وتصحيح المسار، لكن من دون تحول النقد والنقد الذاتي الى جلد للذات يولد اليأس والاحباط، ومن ثم الهزيمة. ان مراجعة النفس باقصى درجات الصراحة بعيداً عن خداع الذات والاستفادة من مجمل تجارب الشعوب المناضلة إضافة الى التجربة الذاتية طبعاً، لا يمكن الا ان تسهم في تقصير درب آلامنا الذي طال.
الحقائق التي توردها المؤلفة في كتابها تؤكد، وان بطريق غير مباشر، حتمية انتصار المشروع الوطني الفلسطيني، وامتداده القومي العربي، ليس المشروع المقزم في كيان سياسي، الذي على صغره ووضاعته، لن تقوم له قائمة اصلاً، وانما في دولة فلسطين الديمقراطية حقاً، والعلمانية، لانه مشروع مساير للتاريخ والتطور الطبيعي للبشرية وليس ضدهما.


نعيم عبد مهلهل و3 كتب جديدة في شهر واحد

الكاتب والشاعر نعيم عبد مهلهل صدرت خلال شهر آذار الماضي 3 كتب في إبداعات مختلفة تعددت رؤاها وأشتغالاتها بين كتاب عن واحدة من أقدم الديانات التوحيدية في الكون وبين كتاب لهواجس القص التي اعتمدت على روح الميثولوجيا السومرية وعصرنة هواجسها البعيدة في زمن العولمة والحروب والأحتلالات وكتاب ثالث عن عالم الأهوار بكل موجداته الطبيعية والروحية والتاريخية .
*كتاب ( حين تطلق الحمائم بياضها ..رؤية وسياحة في المندائية النقية ) صدر عن الجمعيات المندائية في المهجر . وكتب مقدمته الفنان العراقي المغترب موسى الخميسي المقيم في روما . والكتاب عبارة عن رؤى ودراسات ونصوص نثرية تعتمد على هاجس البحث بشجن الغنوص والتصوف في عالم الطائفة المندائية المدهش ، عالم الضوء والبراءة والسحر والتقرب من أشيائنا العميقة عبر بوابة الأزل والسماء . وجميع فصول ونصوص الكتاب كان الكاتب قد نشرها في صحافة بلاده ( الزمان ، الصباح ، المدى ، بغداد ، الفرات ، مجلة آفاق مندائية ) . ونشر جميع نصوص الكتاب مسلسلا في الشبكة العالمية للانترنيت في
http://www.kitabat.com وبعض النصوص نشرت في http://www.rezgar.com و موقع الجمعيات المندائية في المهجر التي تبيع الكتاب وتسوقه على موقعها بسعر 10 $ للنسخة الواحدة وقد طبعت من الكتاب 3 آلاف نسخة . صمم غلاف الكتاب الفنان العراقي المغترب والمقيم في اسبانيا جودت حسيب .

* المجموعة القصصية ( فتاة حقل الرز ) مجموعة قصصية حوت ما نشره القاص خلال السنوات الست الماضية مع آخر كتبه القصصية التي صدرت عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق والموسومة ( حدائق الغرام السومرية ) عام 2000 .
وفتاة حقل الرز التي صدرت عن منشورات أور 2000 هي قصص لبوح الميثولوجيا وهي تؤرخ لزمن جديد عبر هاجس الموت والعشق والحلم . زمن تتراوج أشجانه بين أمل وضياع وافتراض بمسك خيوط الهاجس الإلهي القوي الذي يجعلنا نتغلب على كل خراب الأمس وما بعده لنزرع رغبة بحياة جديدة .
قصص الكتاب نشرت كلها في الصحافة العراقية وبعضها نشر في مجلة الموقف الأدبي السورية ومجلة الأقلام العراقية ومجلة مسارات .
طبعت المجموعة بألفي نسخة وتطلب نسخ الإهداء من الكاتب وعلى عنوانه الالكتروني
[email protected] وحملت صورة الغلاف لوحة الفنان العراقي المغترب والمقيم في لندن سعدي داود .

* كتاب ( الأهوار طبيعة ساحرة بين الأزل والأمل ) . رؤى تزاوج بين التأريخ
والأدب والطوبوغرافيا وقراءة المكان في جغرافية الميثولوجيا والطبيعة .
الكتاب صدر بألفي نسخة عن وزارة الموارد المائية العراقية ، وباثني عشر فصلاً ، تتنوع فيها عناوين قراءة المكان مابين كشف سحرية البيئة وبين نقل الواقع المؤلم بماضيه وحاضره وبين العودة لقراءة طلاسم المكان بشجنه السومري فيما كان الفصل الأخير قراءة لما كتب عن الاهوار وتأثير عوالمها على المبدع العراقي عبر تحليل الكثير من النصوص العراقية .
جميع فصول الكتاب نشرت متسلسلة على صفحات جريدة الزمان بطبعتيها الدولية والعراقية . ونشر الكتاب أيضا في موقع كتابات والحوار المتمدن وجريدة الذاكرة العراقية .
فيما حوت خاتمة الكتاب على كشاف نادر لصور فوتوغرافية بعدسة الكاتب البريطاني ماكسويل الذي ألف كتابا مدهشا عن عالم الاهوار منتصف الخمسينيات بعنوان ( قصبة في مهب الريح ).
صمم غلاف الكتاب الناقد السينمائي العراقي احمد ثامر جهاد .


وليم فوكنر
 

اعداد وترجمة
د: نجم عبد الله كاظم

صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة حديثاً كتاب جديد للناقد والمترجم العراقي د.نجم عبد الله كاظم تحت عنوان (وليم فوكنر في صخبه وعنفه) وهو مجموعة دراسات في تجربة فوكنرالروائية من خلال روايته (الصخب والعنف) اختارها المترجم لعدد من النقاد بينهم هوفمان (الموهبة الأصيلة) وبيديل (رؤية فوكنز للزمن) وهاكوبيان (العدمية في الصخب والعنف)، وتشابيل (البناء الكوميدي)، وحواران مع فوكنر للناقدين ميشيل كادين وفيدا ماركوفيتش وتقدمت الكتاب مقدمة وافية للمترجم عن ادب فوكنر ومكانته العالمية روائيا.


بشارعبد الله  في من يسكب الهـــواء في رئـــــــــــة القمر؟
 

منال الشيخ

ثمة صوت خفي ينبئنا من أول سطر في الرواية بأننا سنقرأ عملاً لا يشبه الرواية مصطلحا ومفهوما تعودناهما وان كان النص يحمل مصطلح ( رواية شعرية ). استرسال القراءة يوقف التلقي أمام نفس شعري أثيري المفعول. يرسم لخطى القراءة انقيادا نحو وجه آخر لا يشبه المألوف الكتابي ويمارس بذكاء وهدوء عملية تنويم مغناطيسي لمفاهيم ألفتها الذاكرة، وهو يتخطى حدود السرد، حدود الشعر، حدود الألم، حدود طبيعة الإنسان وجودا وأسبابا، ويتخطى محدوديته وانفراد آدم بمحبة الرب وامتداد مسيرة الخلف بوراثة جنة موعودة، وما يترتب عليها من تقبل مقتنيات الحياة الفانية والتعامل مع مفرداتها كما لو أنها عبء واجب على العبد، ويرفض في كثير من الأحيان تعيين صفة لازمة لحقيقة متوارثة، متعارف عليها :
(ملانا جيب حزيرانها بالموتى.. ووشمناها بلحظة مرارة ظلت تهرول خارج السياق)، أهو سياق حزيران؟ ربما إذ نعي أن حزيران يمثل للفلاحين والمستثمرين شهر خير ورزق متواصلين، لكننا نكتشفه في القراءة لحظة مرارة فالشاعر مغيب عن أجندتها، لا يندرج تحت قائمة منتشين لعرس حزيران.. وسيتماثل الشاعر بكتابته الى أضواء منتفعات الحاضر، كرم ثابت قابل للتعويض ببدائل، إنها حسرة التجربة، تجربة الرغبة (الفاحشة) في ضمير اليقين، ليبدأ بخلق أمزجة تتلاطم، أمزجة من معلمين وشخصيات فذة استرطبت التسطير على حساب انهدارها في قالب ألوهية؛ يحاول استعارة منتجات كانت شبه محرمة لكائنات تبحث عن جنة في غسق المجون، ومرة أخرى سيحاول مخاطبة الطوارئ مفردة مفردة وهي تظهر على منصة تجريبه وتغريبه:
-وصمون الجيش المقفى بالاجبان كلها سوى الـ(كيري) الذي كان يخدش حياء الآريات والفرسان في الربايا.
-    وغنجهن المسكوب داخل عبوات الرطانات من شربت فرات و مينو والقائمة تنفتح لتشمل...
ويزدنه بما يمكن الجوع من خلق بدائل ظاهرة للحظة النشوة :
-    .... لتشمل نقيع التمر ونقيع النسيان والتناسي..
وتباعا يحاول الشعر شد التلقي الى تيهه المترابط العصي على الانفصال عن جسد الروي، يباغت كل توقع يفترض ان يقام على حدية قراءة وتنبؤ بإحداثيات عرضه لأسطرات علمانية وكهنوتية، يجمع تناقضات خلف وراءها مشهدا، يضيق بالحكمة رأس مرابي الزمان، كأنه إعلان عن حد لا يعرفه مراوغون ومنفى آخر لم يلجا إليه لاجئ من قبل ولا من بعد .. تتابع آسر لفكر يتحرك في اللغة، وتماحك يساوي افتعال أزمة عرقية متناهية في هوية الرواية، وانتساب الشعر يجعل من الحدث مشهدا مليئا بمكابدات غريزية متواصلة تبلغ ذروتها في حمى فوهة الانفلاق، انفلاق صادم لواقع فارس دائم البحث عن قطبي عالمه؛ الرغبة والحقيقة ...
" وعلى بطونهن من الزنبق .. وعلى أفخاذهن من اللوتس وبين أوراكهن من النعناع والزعتر وعلى عصافيرهن من التو سيرام والليزر ... "
يعمد الشعر ويعمّد نبوءته التي انتشلته من سؤال الأبدية عن وجود الثمرة وأوراق التوت المنقشعة عن آنية لواقع مجتمعي حكمته المادة المنسلة من سلة حزيران، حكمته و بقيت مثل عقدة للشعر ولازمة تحثه على ترويض مخيلة المثقف عموما والمثقف العراقي على وجه الخصوص، يزجه في مكابدة دائمة وحوار دام مع آخر مقفل ومعمم بموانع تفكير وتحضر جراء حصار وكبت فكري وتمكين سلوك القسر على تهجير مفكرين وأدباء وعلماء إما الى خارج البلد أو الى كوامن النفس ...
لم يبق في الحضرة من أحد .. كلهم سافروا .. السعد والصلاح ومحمد الفاتح وأديبهم الوحيد....
ما يذهب إليه الشعر أيضا صب أسماء واقعية في قالب أسطوري، وربما تدويني لتاريخ يلجا بالمقابل الى ترميز شخصيات وأسماء لا يظهرها، ربما بسبب غيابها المجحف أو لاجتناب تساؤلات تشكيكية سيذكيها هذا الآخر.. بين بيت وبيت ترادف واقعة تاريخية من حياة الفرس تقوده الى أزمة النبوغ الأول وفضل شخصيات (حمارية) بحتة في نحت ذاته ورسم الخطة المحكمة لإيصاله الى عرش ما يقصده:-
- وظلت المشكلة الأكبر تضرب بأقدام ثقيلة وصارمة على ارض هواجسهم لتطلع ماء على نية العريف محمد جفال ..
ان حضور المعلم الدائم، الملازم لرحلة الفارس الى كوامن الروح توازي ظهور منظومة الرؤى المستوية التي تتنبأ بالتحاقه إلى طبقات المستحيل، السماوات السبع، واللجوء الى رحم الأرض لاستبطان مفهومي الفضيلة والرذيلة.. هو نفسه، هو يرشده ويلقنه تعاليم نواميس وقواميس، بيد واحدة يعقب وبالأخرى يمسح دم الندم والخضوع، كما لو انه يوزع نفسه على خشبة مسرح ليكون الفارس والمعلم والناطق باسم إلهه الآري ووجد الحبيبة المغيبة بوحها عن الظهور دفعة واحدة ليختمها في نهاية المطاف بالشاعر الذي رأى كل شيء:
- وصاح المعلم: فتحت كل شيء ورحلت أبقيتني معها..
- وأنت لماذا لم تخبريه كما أخبروك بان المبالغة بشحذ السكين تثلم حدها القاطع
- وأنتما معا ..لماذا لم تنتظرا حتى أقول لكما.. كما قال لي المعلمون الأربعة
- أنا العالم الذي تحسبين نفسك قادرة على تحسينه ولا تعرفين انك إذا حاولت فستحيلينني إلى خراب..
وللعقل تناقضات كبرى أيضا وتفاوتات في مستويات الإدراك الآني، وهذا يوحي بحلول ذاتي في ضمير ارتحالات مهادنة لشخصية فصلية، شخصية تديم البحث عن بدائل مقنعة لفهم شقه الآخر، القاصي، فهو به حاجة الى آدم وحواء والى معلم لا يشبه شيطانا مقتدرا، والى شاعر يمجد لحظة الوقوع في فخ البشرية، وفي امتهان العقل القادم من رحم الخطيئة، كل ما يتعلق بولادة وموت وبلوغ وضمور وجوع وتخمة، وكل ما قد تنتجه الاحتمالات من نقائض ومترادفات لأسماء تعلمها كلها في لحظة تلقين، بعيدا عن مسمع الملائكة وحضور الفضوليين؛ هو ينشئ بوصفه شاعرا، مسلته ثم يحفر عليها قوانينه الشعرية ويذيلها بملحق صغير، هذا الملحق هو إرادة السرد بشكل أو آخر، إرادة بديهية لا تقبل الانقسام الى عضتين.. عضة تمنح الشعر مجدا معلقا موبوء الخصائص، مفردات ومشاهد وصور لا أثيرية وانفعالات بربرية
بحث متواصل يغب فكرة ضائعة، والتي يعتقد الشاعر ان لا بأس ان تضيع الفكرة في عالم يضيع فيه كل شيء وعلى حد مستوى البحث فهو غير مقتنع بفكرة (ضياع الفكرة) أو تقبل ضياعها ..الأسئلة كثيرة تغص بسجالات وأجوبتها تصل مبتورة بسبب نفاد بطارية المريدين أو انشغال شبكة المحلقين في طابور التجسس العمودي نحو غياهب السماء.. هو بسماء .. هو ينتظرغيث الأجوبة في اشهر لا تكاد الغيوم تعرف طريقا لها الى سماء، هذا الرأس المحلى بأراجيز واحجيات، هو صنعها وهو قدمها مادة متعقلة الى فم قارئ.. هو مثل أي شاعر، وبتجسداته المتمثلة بفارس ومعلم وجوع وحصار يعلف ألم الخطيئة.. به حاجة الى تجسدات تجاري امتثاله لصور التكوين، الفارس به حاجة الى أميرة ضائعة في قصر ملوك قساة، ليطفئ رغبة سيفه الملتهب، المتلمظ إلى نحر وحدة تتأله على المعقول، والمعلم به حاجة الى حكمة تمتص غياب زيفه وإلى حلول ارثه في عبرة يقين، والجوع به حاجة الى (نبيلة عبيد) لتفند له استهلالات الحضارة والقذارة كلها، ولترسم أمامه منتجعا من ألقاب وجماجم، وهو كحمار عاقل يقرأ الأسفار ويفهمها به حاجة الى حمارة تقرأ أسفاره وتفهمها، وبين هذه التجسدات يحل الشعر/ الشاعر نفسه ليحل عقدة الآدمي الموازي لحكمة الله، ومن ثم ليختار خوض مقامرة دخوله الشرعي من بابه الأربعين ويسحب الشمس والقمر وينزلق الى معدة الغروب "
المرأة ملازمة شخصية، حيناً يراها جوزاء أو سيدة جداً وهي ببساطة حواء بلحمها وشحمها يريدها حواء دون مهادنات، دون سجال معتق بألم السؤال عن الرغبة الملحة في تكوير هذه العلاقة الى مصادفة عاطفية تصل حد الاشتعال ولو لم تمسسه نار، ويظل يردد أن الخلق بدأ بلعبة.. مسرح وشخوص قامت بالدور، وكاتب تهجأ الحروف الأولى لمشاهد ناجزة، وشاهد عيان توسد فرط الفجيعة بكل تناقضاته يدعوها للعب وبكل حضاراته، معولا على مستوى لغوي بسيط يتمظهر من خلاله صدقه على أفضلية اللعب، وشتان ما بين حزيران والصفر، هكذا يفكر وهو مدرك تماما خسارة الجولة للمرة الألف.
إنه حضور الغيب والتغيب بتجانس رهيب يعطي للنص قدرة إشعاعية لتأمل حكاية ومتابعتها بدون حكاية نكاية بسردية العمل.. عبورا بالأنبياء وأسرار السماوات وطبيعة الفلك والقمصان المقتدية وبحار ناضرة وصيادين مصابين بخشوع الفشل، مرورا بالفصول الدائخة والقبور الناطقة بحقيقة منقذ العالم وهذا الكم الرهيب من ارتجاليات لصفقات بين الأرض والسماء والحلول والأفول والمراباة والمجازاة والكر و الفر كل هذا يستوقفنا عند عمل نراه قريبا الى فكرة تفويت الفرصة على السرد الرتيب لصالح تسيد شعرية النهج، إذ ما معنى ان نقرأ كل هذا الوجل و هذه المهاترات الأليفة
- كنت تقول لي اسرجي نبض الجواد الجريء
- يا نظرتي العابرة حين تشطفين العواصف عن الأفق
إنها دعوة مفهوم الشعر إلى مسخ الملموس واستبداله بتجسدات يختارها بعناية، وصار عليه فيما بعد أن يمسخ الروح الرغبات التي تحرك من حوله المفاهيم، وإذا كان ادونيس قد اسرج دمه فهنا يسرج الشعر/الشاعر نبض الجواد وليس الجواد؛ صورة تفوق في تجريديتها فعل أدونيس لدم مادي ملموس بلون وطعم ورائحة، ترى أي مقدرة كونية محكومة بقوانين يمكن أن توكل إليها مهمة سرج النبض!
تتعدى الجناسات حدود المجاز والرمز المألوفة إلى قصد فعل مجاز يمسخ أفعال الواقع ويحتال على الطبيعة باستعارة أدواتها وتكليفها (هو) بما يرتضيه له نَفَسَه الشعري ليختم حواراته المتلاطمة في ضوئها بغيبيات الصوت والصورة وباختزال لحظة في قرن تدفق

بريد بين قبرين:

ثمة فرق بين خطاب يتجاذبه طرفان موجودان عند خط شرعي كوني مرسوم للقائهما وبين خطاب يتجاذبه تجسدان حال دون حلولهما في المادة محكمة الصنع فجابا في ثنايا اللماذات والسنوات واستلم كل نصيبه من المعرفة بمصير الآخر وصار الواحد يخاطب الأوحد والأوحد يتجزأ الى أمة في خلد مراسل ينقل التقارير والتصوير عبر استمكانات حلمية وتوقعية في آن واحد. في الأول نلمس تواتراً وبراهين لفرضيات وتوصلا لنتائج غائرة في آنية اللحظة....أما الثاني فهو نافذة واحدة، وهي هنا مطلة على قبريهما، حيث لا ساعات ناقلة لبرهنة الزمن ولا حجرات مهيأة لتلمس كعب الإفاقة ويبقى الشاعر مع أسئلته وأجوبته تائها في موج نشيد ألفه هو هو من قرارةِ وِرد معتزل للتكهن:
(الى حيث الأفواه مزمومة
بانتظار أن تحط النقاط إلى القبل )
وعلى شطر المواجهة المرتجلة بين الذات والأنات يتقمص تجسده الخامس باختراق محراب حواء والنبش في مستويات رقيها وإيصالها الى حد يحيلها قطرة قدره المزدانة بعبثيات خطأ وصواب، فيما تغفل هي ( فيه هو ) عن المتلصصين الغرباء الذين سلخوها من جلد ضميره، لتصير محض فكرة مستعرة فوق الضمائر الأخيرة كلها. يرتقي بالحوار ليصل حد همس ملائكة، وأحيانا حد نجوى شياطين. كم كبير من عتاب وعقاب وموت قاس ورغبة فائرة في فم إحداهن دون المختارة، ودائماً ثمة لحظة لم تأت رغم المكابدات واسالات حقائق وردية وبيض على معتركات اليأس.. رفقاؤه كثر يستمد منهم هذه الاستهلالات الانشطارية والمنفلقة في غيب الشعر، وهمه يصير موشورا يبصر عالما بألوان لم ترد على ذاكرة الطبيعة بعد، حارقة أبديته ويفترضها ان تكون معهودة.. القبور أنواع وأحجام وربما اختار هو قبرا لم تحفره حضارة ولم يبنه فرعونيون.. قبر صنعته له آلهته المتوسدة حتمية وجود ارتضائها لنفسه منفى مليئا برغبات وآلام وجوار حسان مسلمات لجنونه الغيبي، وكان مهما لديه ان يكون هذا الخطاب وهذا الحوار (فلاشيا) يضاهي النفخ في حوصلة العمر، ويخترق من جديد هذا الكائن القابع المسمى بـ(دودي) فهو كأي مجنون يحب امتهان الموت مع امرأة وعلى كتف امرأة وفي رحم امرأة حيث الحسرة لخبرة متاهاتها المعلقة من جسر في اللازمكان، ويخترق أيضا هذه الاستعارات الخلابة الباحثة مع القراءة عن مجون كلمات وهرطقة مفردات وانفلات فكرة مسوغة لاحتكامه على مفاتيح أسرارها وخلاصها من حزيرانات ومقابر جاهزة، وجاهزة للتحليق بالحبيبة الى تضوع منتهى وخلاص تراءى لها /له خلاصا.. وينتهي كما بدأ وحيدا أمام حيرة الرؤيا واختطاف غفلته المترفة آلاما وأوهاما تجناها في غفلة من حواء..
********

القسم الثاني
عبد آبق وقسيسة وسيدة

بشار عبد الله رص مكعبات حِرائه واعتكف داخل فجوة تغريب ليخرج إلى جاهلية الكتابة بشعرية متعشقة ببحث كلكامشي عن حقيقة الوجود وعن حزنه على انكيدو وعن غارقة بالمجون والحروب والغدر والوفاء لأبطال طروادة الذين ختموا كف الآلهة بخيار رحيل ...
هو لم يرحل، أراده صرحا قائما على أحجار زاوية ثلاثة (السؤال واللغز والاحتمال ) وخارج كل هذا وذاك وجد مدخراته الحسية تنقاد دون شك نحو أيائل قسيسة قبلت ان تكون اليد المصفقة لرقصة مذبوح في محراب سيدة، كانت رفضت ان تكون نصف اليد الأخرى .. هو نفسه هو .. يظهر بتجسداته من جديد عبدا آبقا وقسيسة وسيدة .. لكل شكل رأس حكمة ولهذا هو على رأس القائمة ولكل شكل استناد أول ولهذا القسيسة في المرتبة الثانية وتأتي السيدة في المرتبة الثالثة لأن لكل شكل انفلات ضلع اعوج، وربما أصبحت مرثيتها أقوى بكثير برحيلها وقبول أن يعزف غرباء على أوتار دمها، دمها المغترب، فيما ينبع تهجد تبعية القسيسة له من فرط إيمانها بعبودية الشاعر.. وهذا ما لم تعه السيدة في دروسه الرغبوية لانبلاج عصر جديد، أراد بناءه من هرم مغاربي ومشارقي دون الجنوب .. ويظل العراف والعرافة والكاهن والزاهد والملائكة وإبليس واليوم والغد والليل وكل ما يتخللها من طفح قسري كل ذلك يظل ثابتا على ألم العزوف عن مقتنيات مستبيحة لعلمي اللاهوت والتاروت، إنه مراسل حربي عتيد بين الوهم والحقيقة، بين الموت والحياة، بين سَجل الملائكة وغياب نطق البئر.. هو يسأل وهو يجيب، ولكن عن ماذا ؟؟؟
- من شرق السؤال إلى حدود الأجوبة
- ومر السؤال عبر نفق الظهيرة فأيقظ الأسئلة المتهالكة على النبع المطمور
- وعندما التفت ليطرح عليها السؤال الخالد, لم يجد غير صرة معقودة في مكانها
- توالت عليه قوافل الأسئلة الغفيرة من كل صوب، كان السؤال بوزن الأرض ملحا..لا جواب...


الأحتفاء بالشعر على الطريقة البوذية
 

نعيم عبد مهلهل

ليس للشعر وطن رغم أنه أكثر بقعة في الكون تحتوي على خرائط لتضاريس لا تحصى ورغم هذا تشعر أن كائنا كالشعر ربما آتى في لحظة بدء كوني من كوكب أخر ليسكن الأرض ويرينا شجن أن يرتقي المرء بوجوده إلى مكان آخر غير هذا المكان المحصور بين قطبين، قطب في الجنوب وقطب في الشمال .
يأتي الشعر عندما نصاب باستباق ما لحقيقة أن نكون تحت تأثير خد مشفرة الرغبة للتلاوة وليس القول، وتراهم ( أي الشعراء ) ينساقون لنمط معين من شعور لا يتجانس مع الرابط الحياتي ، أي إنهم يهيمون بفضاءات تتحرر فيها احساسات الواقع لتبدو شيئا آخر فيه من الهلوسة والارتقاء بالمكان والكلمة الشيء الكثير ، إنهم يتلون الموسيقى من الأفئدة فيما يتلو الموسيقيون الموسيقى من آلات متعددة ولهذا كانت روح الشعر تبدو مثل هيجان الجسد حين تتحرر من ذاكرة اللحظة لتنصب كلمات وبحور على الورق ومتى تنتهي مودة التواصل بين الرغبة البعيدة واللحظة الأرضية تنتهي القصيدة إلى خاتمة قد يدخل عليها فيما بعد تصحيح وتعديل وحذف وإضافة لكن لحظة التوهج والخلق الحقيقي مرت ولن تعود ..
أفكر ببوذا ..وبوذا يفكر بي . وما بيني وبينه كالذي بين صفاء النبع والمشاعر الغامضة . أنه يفكر بكونية الشعر وأنا أفكر بكونية الرغيف والرصاصة وما بيننا يبدأ بسؤال أجابته تبدأ (كن معه وتعلم من حركة أجفانه).
وما بعد ذلك فلكل مسار محطة يتكئ عليها بعد رحلة التعب ، ورحلتي مشتغلة بهيام اللحظة ومستعيرة شغاف فم الأنثى وساعية لتكوين إمضاءات الوصل على جسد الجملة ، فما يقوله الصامت يردده ألف لسان . تلك رؤية بوذا للعالم مستنارة بالإشارة ومستندة إلى أزل من ميتافيزيقيا الميكانيك : (ما يدور يتحول في الآخر إلى موج بحور)..
أقف عند تلك الرؤية ، أتخيل فيها ما يمكن أن يحل بنا لو أن الأرض لم تحو الفلاسفة والقديسين والأنبياء . سنكون يبابا ، يشتبك فينا هوس المنجنيق وفوهات المدافع فيما لا يدخل الشعر موائد الصفاء ولحظة السكر أو انطلاق ما في الذات من الشجن اللوعة إلى رمش يتغازل مكرا مع حزمة ضوء تحت شفتي أمرأه جميلة. ومودة شعر لا تمل حتى بإنجاب الأنبياء مادام القول الكريم يقول ( أن من البيان لسحرا ) ..
وعلى أديم الكلمة المشعة كيراعة تتحرك رغبة القول في إنسانيتنا ونحاول أن نجد مدركا لما نقوله فنلوذ بالصفاء الذي يمتلكه الآخر ومنهم العزيز بوذا . والبوذية أحد غنوصيات وصوفيات العالم القائمة على تجريد الذات من كل محفزات وأشكال دنيويتها ، إنها التعالي والذهاب إلى عالم لاذرة تراب فيه تجبرك على مسح العوالق ولاصدى كلمة مشوشة تحتاج إلى تفسير ، إنها روح مدورة وتتحرك في محيط سديم من التأمل وقراءة لأفكار أخرى . وماهي الأفكار الأخرى : أنها (خليط من لذة نصنعها بإيعاز من غيب لانراه ولكننا نحسه يتحرك بين أصابعنا وفي خفقان قلوبنا ، وفي نومنا نراه مثل فلاح البستان قادم إلينا بسلة الثمر). لهذا فأنه قائم على لحظة التأمل بقدرة حسه ولاأثر للجسد أو القوة ، ما تمنحه لنا طاقتة الروحية هو ما تمنحه السماء البعيدة لمن يختار هذا المنهج ، ذلك أنك حين تود تنشئة الذائقة على سياحة الذهن ورقته عليك أن تنزع جسدا وتلبس آخر وهو ما تسعى إليه الصوفية تماما وما يفكر به الراقد تحت ظل نخلة المنى ينتظر تدفق موسيقى الزمن الذي أمامه وفي رجاء أسطوري يتمنى أن تسكت كل البلابل ويبقى الذي يتمناه وحده مغردا في سياحة العاطفة وصناعة الكلمة وتأويل الحلم إلى افتراض وجوده هائما وسابحا في ذاكرة الشعر التي نلبسها بياض الثوب وبياض النية وبياض التصور .
وعلى هاجس الزمن تنتظم هواجسنا ويقول الشعر أشياءه بهدوء حتى كأنه يتمالك شجن التواصل بين ماتريد وما لايصل أليك من جمل تمانع ان تولد في خاطرتك كما تمانع الغيمة منح الحقل الظمآن المطر ولهذا يفكر البوذي في كل أزمنة هذا الخلق أن يستقر مع نفسه بعيدا حتى يفعل شيئا ، أنه يلوذ بالحكمة لكي لا ينشغل بقساوة الوقت وجروح الدقائق وعليه أن يهزم كل رغبتة لأمتلاك مايقربه من شهوة الحاجة ، لذا هو يلوذ بالمطلق المتعالي ولاحاجة له في الماديات ويرينا هذا المقطع النثري الرائع الذي كتبه طاغور صورة من صور هذا التعالي والنأي عن المادة وعدم الأنشغال بها :
( كان الكاهن الكبير يسير مع تلميذه بمحاذاة النهر، وكان يملك سوارين من الجوهر عندما سقط أحدهما في النهر ، فذعر التلميذ وأراد أن يستخرج السوار وسأل معلمه : في أي مكان من النهر سقط السوار. فماكان من الكاهن الكبير إلا أن رمى السوار الاخر في النهر وقال : حيث سقط هذا).
كذا خلق في نفي الهاجس المادي الى ماوراء حياتنا يدعونا الى الأعتقاد بأن صناعة الشعر يمستويات عالية ممكنة في ظل طقوس من التسامي الصافي ويرينا أيضا ان صناعة الحكمة تلقي في حتمية الحركة الزمنية مع صناعة الشعر وهذا توفر في الصفاء البوذي الذي يقاد برغبة الدائم على المدام ، أي أن اللقيا تتحقق من التقاء المرادفات وليس من تناقضاتها وفي هذا شكل مستعاد للصورة الفارابية القائلة:
( ماتعطيه الموسيقى لن يخالف تحت أي ظرف مايعطيه الشعر . )
من هكذا وعي بقيت فيما ملكت من وعي في مرحلة عمرية متقدمة أتصور ان الخيال لن ينطق إلا عندما يتكئ على فلسفة وقربت بتصوري رغبتي بأن اكتشف لحظة التوهج من خلال عزلة واغماضة جفن فلم احصل على المنى فتساءلت وكيف يحصل البوذي عليها ، فكان الرد : ان مجرد قراءة مدونة لتعاليم بوذا مثلاً لاتفعل شيئا ، عليك ان ترتدي الثوب وتذهب الى الغابة بنفسك وتعيش ثلث عمرك تمضغ ورق الشاي الأخضر وتنتبه الى خرير ماء النبع القريب منك وفي الليل تتأمل مافي السماء من موجودات وتتعلم مصافحة النجوم .
ضحكت فلقد كانت أصوات الحافلات وصفارات القطارات وزعيق أناث الجيران واخبار الحروب وانقطاع الدروب تملأ مكاني ، فقلت : مالبوذا لبوذا ، ومالي حطام كلمات يدعوها النقاد بقصيدة قالت شيئا من العاطفة وتحدثت عن جسامة مايحدث .
وبهذا انا لم اصل القصد وما أحتفي به ليس سوى سراب قصيدة ، أما الحقيقي فهو معهم ، وحدهم يمتلكون الحق بأمساك الكرة البلورية التي ترينا مصائرنا التي ذهبت والتي ستأتي بعد حين.
في البوذية يشع معنى الكلام بدلالة تأمل صاحبه ، انها ديانة لطقس الأحتفاء برؤية البعيد ، وهي تصنع متعة الوحدة بلحظة تقرير حال متلبسها ، ولهذا يطلق عليها انها واحدة من الطقوس الضوئية التي يغمرنا فيها ضوء عزلة المكان بضوضاء الزمن فنحصل على مانريد من خلال تشييد رغبة لانفتعلها بل نتمناها وبعد ذلك نسعى الى صناعتها وعندما يكمتل نرى الغياب مرسوما تحت أجفان قعدته الحجرية حيث تتحرك موجودات المكان كلها في حين تقف أزمنته في بؤرة من التركيز على شيئ لايراه سواه وبهذا تكون القدرة على الكشف قدرة موجودة ولكنها مصنوعة بمعجزة .
يسعى الصوفي الى كشف ماهية غاية . الشعر يفعل ذلك أيضا . يحاول صانع المخيلة ان يلف الأثنين ببردة واحدة وعندما يفعل تأتي مخاضة المزج . كرة متوهجة من افعال وتأملات لاتحصى هي نتاج قدرتنا على احياء مانريده ولذلك يصل الجسد والذاكرة الى حد من حدود الأختراع وهو ما اتقنه المتصوفة ايضا في منازعاتهم بين المادة وهيام الروح فكانوا يقولون : (أدراكه يأتي بالحس . والحس عزلة) .
نص آخر يشتغل بمغايرة الحس وأنتشار التنويع وسطوع التفاعل ومزج الأزمنة بآنية التخيل :
( لقد رأيته يدخل في نظرتي ويبكي
ما الذي أفعله وقد ضيع أيامه حين نسي عد أصابعه
ولكني سأقول له أشرق مرة اخرى
بأن تشعل بضربة حصاتي جمر الكلمات التي في قلبك
وقتها ستعود جملة المسرة التي ضاعت منك )
يعدوا هذا الشعر ليكون متوافقا مع حاجة الآخر لمخلص بعد خيبة ما صنعها سهو اللحظة وعدم القدرة على الأنتباه لفعل اليوم وكأنه يعيد صدى الهايكو الصيني القائل:
( لقد أضاع القمر إشراقته بسبب مزاحه الطويل مع غيمة )
إن هكذا فعل يجعل الكيان الحسي يسبح في متاهة عدم التركيز ، فينسى حتى عد الأصابع ، وعليه فأن المنقذ قد يأتي من ذات العاطفة ومن ذات المشاعر ، آخر فينا يكون كاهنا أو حبيبا او صديقا وربما بوذا نفسه من تدخل ليعيد للذهن توازنه ويرينا طريق الأصابع التي نسينا أرقامها ، فتعود المسرة والكلمات المشتعلة .
ندرك مع الشعر توازنات خليقتنا ، اليوم المعيش، طقس المجامعة ، الشراب في مائدة ، لحظة التدوين ، الدرس والمجادلة ( أفعال شتى نجمعها في كيس اليوم ونطلق عليها أصطلاحا وجودياً يسمى الحياة ) ، ولايمكن ان نثبت التصور الآتي في هكذا موازنة والقائل ( هل الشعر يصنع الحياة ، أم إن الحياة تصنع الشعر؟). إن معضلة كهذه تصنع في التصور ديمومة للكشف والعيش وتظل الأجابة عالقة كما شأن ولادة البيضة ، وتلك الديمومة باقية منذ الأزل المحفز القوي لكل المنتج الأنساني ، لهذا نصل الى أن ماندركه من الشعر هو ذاته الذي ندركه من الحياة فنصل الى حدود لاينفلت فيها الذهن ولايتشتت التصور وإن الذي يجعلنا قادرين على صناعة الحدس بجلسة منفردة هو ذاته الذي يدفعنا الى صنع اليوم الحياتي بالطريقة التي نراها مناسبة ولهذا ترى البوذية اليوم على إنه سلوك شعري أفضل تعامل له يأتي بالتأمل والتأمل من هواجس الشعر بل أكثر قدراته التحفيزية بعد عاطفتي الحب والجوع، وبهذا يغيب التساؤل : من صنع من ؟
فنصبح في لجة المعيش والمنتج وتراتيل الصلاة الصامتة تلك التي تغيب في ذاكرة الصانع الذي يهوى بتفرد روحه وسباحة جسده في تخيل الممكن سموا وتعاليا عن المحيط المليء بالكثير من مدنسات المادة ومغرياتها . لهذا تنظر البوذية إلى الشكل على انه زوال الآن فيما الخلود للروح أبداً وكذلك بقية الديانات .
ينتج العقل البوذي زمنا لاينتهي بحدود الرغبة للوقوف والقناعة ، فالديمومة هي ازمنة تذهب وتأتي بحسابات العقل الباطن ، وما نتخيله ينبغي صنعه ، وما نصنعه ينبغي أن نتلذذ بحسيته وآلامه وسعادته ومنتجه وإلا علينا أن نرمي أنفسنا في النهر ونتخلص من عجزنا . أن العقل هو بدء الحركة المقصودة ، ومايريده البوذي يشابه مايريده المتصوف ( القصد ) . واجمل المقاصد تلك التي تصنعها القصائد ، لأن الشعر هو بيت لمدرك لايأتي بمال او بأمر سلطوي إنما هو وليد رؤية الرائي إلى مقامه وهو آت من حاجة نجهلها وشعور محشور بفعله الخفي الذي فينا ، لهذا مايأتي يكون ، وما يكون يقدس ، ومايقدس يتسامى ، وما يتسامى يبلغ مرتبة النور .
لحظتها يكون الشعور بخلق القصيدة قد تم وهذا يجعلنا لانتيه في ضجيج اليوم بل نبقى معزولين في زاوية الراحة وهي نفس الزاوية التي ركن إليها بطل رواية هيرمان هيسه (سدهارتا) .
إن سلطة الروح تتوسع في لحظة وجود الشعر ، وهي لن تحتاج الى تفعيل حين نحسن الأمساك بها لأننا من خلالها نستطيع ان نذهب أنى نشاء ومتى تحقق الوصول كانت المتعة شاسعة وكبيرة ولم يعد للألم مكان وعلينا أن لانخشى حتى السير على الجمر الملتهب لأن أمتلاك اللحظة الشعرية وإطلاقها يمحو كل ردود الأفعال ولايصبح فينا سوى محفز واحد هو ذاته الذي يبصر فينا تعالي اللحظة وترديد الأناشيد لغيبوبة الداخل وهو ماكان يدخل فيه المتصوفة وأصحاب الطرائق وقول رابعة العدوية ( نحن روحان حللنا بدنا ) هو تأكيد هكذا إنسجام وإتمام إتحاد غيبوبة اثنين هو ذاته طريق الصوفية.
تبقى المحصلة واحدة في كل الأحوال، وتبقى رغبة الإفصاح لاتتاح إلا عن طريق هكذا طقوس، ويبقى الكشف الشعري جزءاً من حالة صنع الوقيعة في ضجة الوقائع . لكن الثابت في القراءة على مستوى التاريخ والفلسفة والمعاصرة أن الصناعة الشعرية ستبقى والى الأبد هي صناعة روحية وكذا تنظر البوذية إلى الأمر.


أنصـــــاف حلــــــول

ريم أبو عيد
شاعرة من مصر


1

ما أُسمي هذا الشعور
الذي يعتريني
حين يكون الحضور غياباً
و الغياب حضوراً
حين يصرخ الحرف
مني يقول دعيني
لأعلن رحيلي و موتي
فوق هذي السطور
حين أسمع صوت الماضي
من الآتي يناديني
فيقف الزمان بي
و عقارب الساعة
مازالت تدور
2

كيف أحيا موتي الأزلي
أصارع موج البحر
و أُسمى قاتلاً
ونا المقتول
كيف يصبح حلمي الشرعي
مستحيلاًفي زمان القهر
و يغدو لا معقولاً
و ترتدي أيام العمر
لونا أحاديا
هو اللون الرمادي
ليرسم إنهزامي
و يعلن إنقسامي
لأذعن لواقع الأمر
و أقبل أنصاف الحلول


(الامير الصغير) لسانت اكزوبيري ستون سنة من الشباب الابدي
 

دومينيك شابرول - باريس

ستون سنة مرت على ولادة "الامير الصغير"، ستون عاما من الشباب الابدي لهذه الشخصية الصغيرة الفريدة من ابتكار الكاتب والطيار الفرنسي انطوان دو سانت اكزوبيري، جال خلالها العالم باسره وغزا عددا هائلا من البلدان واللغات.
وان كانت قصة "الامير الصغير" نشرت في فرنسا في نيسان 1946، الا ان عمره الحقيقي يزيد عن ستين عاما اذ كانت مغامراته نشرت قبل ثلاث سنوات بالانكليزية والفرنسية في الولايات المتحدة الى حيث كان الكاتب لجأ قبل ان يستأنف المعركة ضد المحتل الالماني.
وتتصدر قصة "الامير الصغير" حتى
يومنا هذا الكتب الفرنسية الاكثر مبيعا في العالم.
وقد بيعت منها ثمانون مليون نسخة بينها 11 مليونا في فرنسا وحدها، كما ترجمت الى حوالى 160 لغة ولغة محكية بينها الامازيغية. واحصى البان سوريزييه المسؤول عن اعمال سانت اكزوبيري في دار غاليمار الفرنسية للنشر ما بين اربعمئة وخمسمئة طبعة مختلفة لها.
ويعكس هذا الانتشار الكبير نجاحا عالميا منقطع النظير لكتاب كان اشبه بوصية اخيرة لرجل مر بمعاناة كبيرة اذ عايش الكثير من المحن وتعرض للعديد من الحوادث في طائرته وعرف حياة عاطفية معقدة.
ولدت فكرة الامير الصغير في صيف 1942عندما رسم سانت اكزوبيري على عجل قامة صبي صغير اشقر على غطاء طاولة في احد مطاعم نيويورك، فاقترح عليه الناشر الاميركي يوجين رينال الذي كان يتناول الغداء معه ان يجعل منه بطل قصة للاطفال.
وكان سانت اكزوبيري آنذاك وهو في الثانية والاربعين من العمر نموذجا للكاتب المغامر اذ كان من رواد الجو في وقت كان الطيران محفوفا بالمخاطر وقد صدرت له روايتا "البريد الجنوبي" (كورييه سود) عام 1928و"رحلة ليلية" (فول دو نوي) عام 1931 حققتا شهرة كبيرة، واصبح مع صدور روايته الاخيرة "ارض البشر" (تير دي زوم) عام 1939احد الفرنسيين الاكثر شهرة في الولايات المتحدة.
غير انه كان ايضا يعاني من الوحدة والسوداوية ومنبوذا من العديد من مواطنيه المقيمين مثله في المنفى.
وحتى يتمكن من كتابة "الامير الصغير"، عاد الكاتب الى ذكريات طفولته وغاص في هذا العالم السحري الذي تطغى فيه الاحلام على الواقع واستغرق به الامر ست سنوات لانجاز نصه واكثر من ثلاثة اشهر لنشره.
وصدر الكتاب في السادس في نيسان1943 عن دار "رينال اند هيتشكوك" الاميركية ولم ينشر في فرنسا الا في نيسان1946 بعد انتهاء الحرب وقد اصدرته دار غاليمار مرفقا ب"رسوم مائية بريشة الكاتب".
ويمكن قراءة القصة على عدة مستويات اذ قصد سانت اكزوبيري التوجه فيها الى الاطفال والبالغين في آن، معتبرا كما كتب بتلك البساطة التي تميز اسلوبه ان "كل البالغين كانوا في بادئ الامر اطفالا".
وتنطوي القصة على عناصر كثيرة استمدها الكاتب من حياته ويعتقد الاختصاصيون ان مغامرات "الامير الصغير" كانت تراود مخيلته منذ سنوات.
ولقيت القصة نجاحا هائلا لما تتضمنه من تعاليم ورسائل اخوة وصداقة وحب تتلاءم مع جميع الثقافات، عبر عنها الكاتب باسلوب بالغ الشاعرية.
وبعد اسبوع على صدور "الامير الصغير" في الولايات المتحدة، غادر سانت اكزوبيري في 13 نيسان 1934 الى شمال افريقيا واختفى في 31 تموز 1944 وهو يقود طائرته من طراز "بي 38 لايتنينغ" في مهمة في عرض مرسيليا.
وتحتفل فرنسا بالذكرى الستين لولادة "الامير الصغير" باصدار عدد من الكتب والمؤلفات وتنظيم معارض وتظاهرات.


قــــــراءات  .. الطـــــــــب الاجتمـــــاعي
 

ترجمة/ عادل العامل

(ليست هناك فلسفة يمكنها أبداً أن تحل محل الشعر، الا ان الشعر يمكنه ان يحل محل الفلسلفة، شريطة ان لا يصف العالم فقط، بالطبع، وانما يفسره أيضاً..)
وقال شاعر ليتوانيا الكبير أدوارداس ميزيلتيس أموراً نفيسه كثيرة مثل هذا، أقتطفنا بعضاً منها وقدمناه في حلقات، أما هذه المرة فإنه يتحدث عن (الطب الاجتماعي) وبه نختتم هذه المقتطفات.
***
منذ الطفولة تمثلت الفكر الثوري الذي رفرف ذات يوم فوق ضاحيتنا العمالية، وكنت، دائماً، اعتقد بأن نهر الحياة لن يقف ساكناً، ولا بأستطاعتي أنا الوقوف ساكناً، وكلما أسرع التيار كان النهر أنظف وأسرع في جريانه نحو البحر.
ومنذ سنوات شبابي أصبحت الممارسة الثورية، بالنسبة لي، قاعدةً للحياة أيضاً، ولا تحتاج هذه الممارسة الى قفازات الترف او قفازات غندور، وكانت تقارن دائماً بمكافحة الكسل والتراخي، فهناك في أساس كل الثورات ممارسة خشنة.
فلنعتز بأثمن شيء في هذا العالم-الجذور، لنتذكر الفروع دائماً، لكن علينا في المقام الاول ان نوقر الجذور، فحتى عندما نبدع نموذجاً حديثاً وفقاً لمثال جديد، فإننا نختبر الجذور-علم الاعراق البشرية، الفولكلور، كنوز اللغة، فقبل زمنٍ طويل، طويل، لقرون خلت، وضع شعراء مجهولون، محاربون مجهولون، كل شيء في الوصية القومية ووجهوها إلينا، إلى الاجيال القادمة، وتكمن أصول النماذج الحديثة جداً هناك-في الجذور القومية وهي تتضمن ايضاً كامل المعلومات التي يتطلبها الابداع.
وبوسعنا ان نكتشف اي مقدار من الدوافع الابتكارية في التقاليد القومية، ما عليك الا ان تنظر اليها بتركيز وتدرسها، بالطبع، وهذا علم ايضاً.
وكلما كانت الجذور أقوى، كان تاج النبتة اكثر اخضراراً، والابدي يثبت على مر العصور، فإذا ما أردنا ان نستمر في الحياة، ما علينا الا ان نعتز بالقيم الثابتة.
إنني ضد (فلسفة الاشياء)، لان المتعصبين لها يفتقرون الى الاحساس بالمعيار ويمتلكون شهياتٍ نهمةً، وما عبادة الاشياء او النزعة الاستهلاكية (الجارفة) سوى طغينة
absolutization للغرائز الانانية، فالإنسان لا يدرك، لا يعرف اللحظة التي عليه ان يتوقف عندها، وبالتالي، فإن الغرائز أيضاً تحتاج الى السيطرة او الضبط، ونحن لا نعيش في فراغ ولايمكننا ان نستغني عن الاشياء الحيوية، غير ان (فلسفة الاشياء) و (النزعة الاستهلاكية) هما الجانب الاخر من العملة، والإنسان الذي يستعبده شيء، ربما هو أشد المرضى آبتلاءً في سجل (الطب الاجتماعي).
ليس هناك من شيءٍ أكثر قيمةً في الحياة من الحياة نفسها، هذه حقيقة أولية، وفي الواقع عارية، الا ان الامر قد يستغرق العمر كله ليدرك احدهم هذه البديهية، ومع هذا، فمن المؤسف أني التقيت عدداً من الناس، العارفين بهذا الى حدٍ ما، لم يتعلموا هذه الحقيقة، او انهم فقط لم يكن لديهم الميل للتأمل في مثل هذه الأمور.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة