تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الضياع في حفر الباطن - هستيريا - (الورقة التاسعة)

عبد الكريم العبيدي

يفر من قبضتي كل شيء، عدا ذلك الاحساس المتذبذب واليتيم بانني مازلت حياً، وانني مستمر بالانطفاء، خارج ارادتي، في تلك الرمال المضطربة دائماً والمحتجة دائماً على تطفلي وعلى انتمائي اللامشروع لوحشية تلك البقاع الحمر التي عجزتُ فعلاً عن ترويضها.
***

انا على يقين الان ان اشياء عديدة مازلت اجهلها فرت هي الاخرى من دون ان اشعر بها، حتى ذلك الاحساس المزعوم الذي اوهمني بفزاعة غير مرئية كان قد فر هو الآخر. ولكنني كنت ومازلت اكذب. وعزائي هو لانني لم ادرك بعد اسرار تلك القدرة الخفية التي تمسكت بها طويلاً، ومازلت ازعم انها حافظت على تضليلي بذلك الاحساس الذي ربما كان كذبة هو ايضاً.
كنت دائماً اردد: انقضى يوم آخر. وكنت اعرف انه تصريح بائس ولكنه مناسب. وهو رد صريح، ان لم يكن يخرج من فمي، فسيدلي به السكوت
الذي قد يعني الرضا بعيد انطفاء موجات الجوع و الخيبة، ولربما ايضاً اراه في يديَّ الملوثتين حين تسحب الاغطية الممزقة و تضعها على رأسي... سآوي الى النوم، اعني العزلة المؤقتة، وهذا هو الشعور الذي تكرر مراراً، وربما كان يعني ان اللعبة انتهت، وانني سانشغل بعد معجزة الاكل والشرب بتفاصيلي المؤجلة والتي تسربت هي الاخرى لاحقاً.. صدقوني، لقد كنا صناديق فارغة!
ولكن هل كان ذلك الاحساس
ان وجد يوفر لي شيئاً من ادميتي؟ هل كان يؤثث فراغاً آخذاً بالاتساع، بات يفصلني عن الحياة والموت؟ كنت كثيراً ما اتساءل امام صديقي "الاشتر" عن مبررات احساسنا بأي شيء. ولكنه كان يهشم هذه الصحوة مراراً، وكان يرد باقتضاب وبواقعية: "إمّشي عليك العباس، ما تفكني من هاي الفلسفات وتروح تلملي حَطْبات!؟"
لم يعد لذلك الاحساس معنى. بات ملفاً قديماً اذن، ولكنني حرصت على الاحتفاظ به واخفائه رغم انه كان كذبة او أي شيء آخر...
وحين كنت اتخلص من تلك الصحوة برد قاس من الاشتر، اشرع بممارسة واجباتي باتقان.. ازيح بكفي او بنفخة من فمي اكواماً من الذباب الميت في ماء الحاوية ثم املأ القوطية بالماء واسكبه على الطحين في قعر الخوذة وابدأ بعجنه.. يعود الاشتر من مكتب قلم السرية محملاً باوراق رسمية وسجلات واغلفة يضعها في داخل تنكة ويضرم بها النار، وحالما يسخن سطح التنكة الجانبي يأخذ العجينة ويفرشها على سطحها ثم يقلبها بعد ذلك فتكون النار قد انطفأت.
يرفع الاشتر بصعوبة ذلك الرغيف الوحيد ويقسمه الى نصفين فنلتهمهما بصمت وسط رائحة الدخان التي امتلأ بها الملجأ.
واجب آخر، كنت امقته كثيراً، واتمنى ان لا يقترب موعده ابداً. فبعد ساعات ثقيلة من الارق، أُلامس اغفاءة قصيرة واحسب انني سانام اخيراً ولكن الاشتر يحرمني منها بنداءات صاخبة يطلقها بارتباك وهو يزف لي بشرى وصول سيارة مقطورة الماء اخيراً الى سريتنا.. استيقظ فزعاً ثم احمل الحاوية واخرج معه باتجاه "التنكر" الذي اختفى بين عشرت الجنود...
عدا هذه الواجبات الثنائية لا يقاسمني الاشتر ضياعي ولا يحاورني، ولكنه كثيراً ما كان يسألني من حين لآخر: هل تقع الحرب؟... كنت أومئ له برأسي مردداً: نعم، حتماً، لابد ان تقع فيظل يُحدق في وجهي صامتاً ويترك لتصوراته فرصة التكهن بنهايته.. احياناً اجده صامتاً، تتلبسه الحيرة، فاتركه يقلب مصيره بهدوء، ولكنه سرعان ما يفاجئني بسؤال مريب: "ايه، شتظن يفلان، ننجى منهه هالمرة!؟"... قليلاً ما كان الاشتر يبدو لي جاداً، شديد الحرص على حياته. وتلك حالة نادرة، كان يبدو خلالها و كأنه مثقل بديون كثيرة. كان يتركني لوحدي في الليل ثم يعود مصعوقاً باخبار الحرب: "يقال ان الحرب ستقع قريباً.. كل النداءات والمساعي فشلت.. التصريحات حادة.. سيندلع القتال في اية لحظة.."
كنت اصغي اليه بانتباه، واقرِّب اصابعي من انفي بين حين وآخر، لاشم رائحة التبغ من اصفرار سبابتي، بينما كان هو يدخن عدداً من اعقاب السكائر التي جمعها من قرب بهو الضباط.
قلت له: ان كانت لديك نية في الهروب فلا تتأخر.. لم يجب، ظل كما هو شبحاً يتقرفص عند باب الملجأ في تلك الليلة المظلمة.
لم اكن اعرف اسباب التحاق الاشتر الى الجيش وهو ابن الهور. ولم اشغل بالي بحالة التردد التي يبديها كلما دعوته الى الهروب. وفي ليلة حصل فيها الاشتر على اربع سكائر لف وعاد فرحاً الى الملجأ، افشى لي اول مرة، احد اسراره، قال لي: ان عائلته فقدت جاموسة، وبعد اكثر من شهر عُثر عليها عند شخص ينتمي الى قبيلة اخرى، وحين طالبت اسرته باعادتها جوبهت بالرفض فحدث نزاع بين القبيلتين، كانت ضحيته الاولى اباه الذي قتله شخص يدعى "اصحين". وبالمقابل قتلت قبيلة الاشتر عم القاتل تم تدارك النزاع نوعاً ما "وشدوا راية العباس" ولكن الاجواء ظلت متوترة خصوصاً ان الكل كان يطالب الاشتر بالثأر. وقبل حدوث غزو الكويت بشهور، تمكن الاشتر من قتل "اصحين" قاتل ابيه مع اثنين من ابنائه ثم لاذ بالفرار، ورغم تسوية النزاع وارضاء قبيلة صحين بدية كبيرة، إلا ان الاشتر لم يشعر بالامان ومازال يعتقد انه سيقتل في يوم ما...
بعدما انهى الاشتر حكايته، كان كل منا قد دس عقب سيكارته الثانية بالرمال.
*
في نهار اليوم التالي استيقظت قبيل الغروب، لم اجد الاشتر كالعادة فجلست عند باب الملجأ ورحت اراقب قرص الشمس الدموي وهو يختفي رويدا..
كانت الصحراء هادئة وكئيبة، وكانت رمالها تتلوى باشعة الشمس الغاربة، وفجأة دوى، اول مرة صوت عيارات نارية كثيف في مقر السرية، صلية طويلة و متقطعة رجت ملاجئ الفصائل القريبة و احدثت رعباً في وجوه الجنود الذين تناسلوا من ملاجئهم وهرولوا باتجاه المقر.
لم اكترث كثيراً بالامر رغم انه افسد عليَّ متعة الغروب، ولكنني شعرت بالضجر والضيق من قضاء ليلة باردة اخرى في ذلك الملجأ البائس.
وضعت البطانية على رأسي وتقرفصت في زاوية الملجأ بينما غزا الظلام كل شيء ولم اعد ارى سواه، سمعت اصوات خربشة الفئران في الاكياس الفارغة، كانت جائعة مثلي على ما يبدو، وكانت تتقافز معتقدة ان الملجأ بات فارغاً.
كانت تلك الفئران هي انيسي في المساءات الباردة، اتلذذ باقترابها من قدمي و ملامستها لاصابعي. وكنت الهو معها في لعبة الكر والفر، وفي محاولاتها العديدة لسرقة قطعة خبز صغيرة اضعها قريباً من قدمي.. الفئران في الصحراء تبدي حذراً وعناداّ اكثر من فئران المدن، وكنت اراها مسلية ووديعة، ربما لانني لم اكن اخشى على شيء من وجودها معي.
داهمني النعاس، وربما نمت قليلاً قبل ان اسمع نداء احد الجنود الذي كان يبحث عني، خرجت متثاقلاً واستقبلته على مضض، ولكنه دنا مني بسرعة وهمس في اذني: "صاحبك مالك اطلق النار على عدد من الجنود. والحمد لله لم يصب احد باذى، ثم اصابته موجة من الصرع. هو الان بخير. ولكن عليك ان تحذر منه.. لا تدعه قريباً من بندقيتك. ولا تغضبه، لقد عدت به اليك بناءاً على طلبه، وتم تسوية الامر."...
بدا لي الاشتر، اول مرة في تلك الليلة الباردة، وقد غدا شبحاً مخيفاً.. القيته بهدوء وبحذر على بطانيته القذرة ثم فركت جبهته باصابعي وتركته ينام.. ومنذ تلك الليلة بدأتُ اتعاطف معه كثيراً واحاول ان اخفف عنه متاعبه، لقد احببته فعلاً، واحسب انه تعلق بي كثيراً وظل يكيل لي المدح طوال فترة صحبتنا الطارئة.. ذات ليلة قال وهو يصفني بانفعال: "انت ليرة رشيدي من الاولي"...
لم يكن الاشتر خطراً جداً، او اكثر خطورة منا، ولكن الصحراء لا يمكن ان تكون فريسة سهلة، ولابد لها ان تغضب، وربما كان الاشتر، بكل ما يحمله من الغاز اولى ضحاياها. لقد ظهرت حالات مرضية عديدة بعد ذلك، وكان بعضها اشد خطورة من حالة الاشتر، ولها اعراض غامضة سرعان ما انتشرت بين الجنود، ومازلت اذكر تعليقاً ساخناً للاشتر نفسه كان قد ادلى به ذات يوم معللاً اسباب سلسلة من الخصومات وحالات الهستيريا التي حدثت خلال ساعة واحدة في اكثر من ملجأ. قال: "اليوم شنهي طركاعة، ذابين اعزيزة بحفر الباطن؟ مصايب الله، تعال ليه واحدهم صاير بارود!". كانت تلك الـ "اعزيزة" هي وصف فطري لضياعنا ولاحساسنا باللاجدوى منه، وكانت تعني التوحش و الغربة و الحرمان الذي احالنا الى مخلوقات بارودية تطلق الرصاص على بعضها البعض وتهدد باستخدام السلاح والعصي "والبوريات" في اية لحظة.. وكثيراً ما حصلت خلافات على ماء المقطورة وادت الى نشوب نزاعات عنيفة ودموية، ولن انسى وجوهاً عديدة غطتها الدماء بسبب خلاف على صمونة او حفنة من الطحين. وغالباً ما كانت تتطور مثل تلك النزاعات وتتحول الى معارك جماعية يتم فيها اطلاق الرصاص بالجملة وتستخدم فيها السكاكين والحراب والقصع الى جانب المعاول والمجارف "والهيامة" وكان بعض الجنود يستنجد بابناء عمومته او محافظته فتحدث معارك دموية طاحنة يتدخل فيها ضباط الفوج بحذر شديد متخلين تماماً عن حالات العنجهية والانفة والتسلط التي اشتهروا بها.
بعض النزاعات كانت تدور بين ضابط وجندي او بين عريف الفصيل واحد افراد الربايا وغالباً ما تكون اسبابها هي العصيان وعدم تنفيذ "الرجاء" الذي يأتي خجولاً ومرتبكاً في اغلب الاحيان.
ثمة حالات من الجنون والهستيريا حصلت لجنود الفوج، وكان اشهر ضحاياها هو نائب العريف كريم الملقب بـ "اكريم شماعية" الذي اعتكف في حفرة طوال فترة تواجدنا في تلك الرمال و تحول الى مخلوق بشع بعدما طال شعر رأسه الاشعث واختفت ملامح وجهه بشعر لحيته الكث.
وهناك ضحية اخرى تظهر في الليل فقط، كان شبحاً مخيفاً ونتنا يختفي في النهارات داخل حفرة وحده ثم يخرج في الليل ويظل يتجول بين الملاجئ مردداً عبارات غامضة مثل: "قدر.. مقدر.. قدريا.. قدرا".. او "بب بب بو.. بب بب بو". كان معرفاً لدى افراد الفوج الذين اتفقوا على تسميته "بالطنطل" بسبب طقسه المللي الذي كان يمارسه يومياً.
ضحايا اخرى عديدة مثل "صالح حلاوة" الذي كان سريع الغضب والانفعال وسريع التحول منه الى البشاشة والقهقهة.. وهناك "نزار الضّراط" الذي كان يُخرج من دبره انواع الاصوات القبيحة مقابل عقب سيكارة او قطعة صمون!
حالات اخرى شاعت بين جنود الفوج مثل الكآبة والانطواء واليأس الشديد والهوس وعاهات نفسية عديدة. وكثيراً ما كنت اتساءل: من يطعم هؤلاء ويسقيهم؟ وظل الاشتر يجيبني على الدوام: "اهل الرحم جثيرين" ويبدو انه كان مصيباً في اجابته.
الاشتر لم ينجو من كنية صحراوية اشتهر بها سراً.. اطلق عليه "مالك صرعة" ولكن اغلب الجنود كانوا يتحاشون اطلاقها عليه اثناء وجوده خشية ان يثور عليهم او يطلق الرصاص بجنون كما فعلها سابقاً. ولكن الكثير من افراد سريتي، في الاقل كان يتابع حالتي الغامضة التي لم تخل من الجنون، من دون ان يتعرف على سرها. ففي نهارات عديدة كنت اترك السرية و اتوغل في الصحراء وحدي باحثاً عن تلك الانواع النادرة و الغريبة من الحصى المدفونة في الرمال. وكنت اجمع، على مدى ساعات عديدة الكثير منها واعود فرحاً الى الملجأ. ثم ابدأ بمطالعتها بهدوء ومن ثم تصنيفها الى مجموعات تتقارب في اشكالها واحجامها والوانها. وكنت اندهش من بعض تلك الحصيات المنحوتة باتقان والمشابه لملامح وجوه واجساد بشرية وحيوانية.
كانت تلك هي لعبتي الصحراوية الوحيدة في نهارات الضياع. اما في المساءات فكثيراً ما كنت اتلهف لسماع اخبار الحرب القادمة من مذياع قريب الاشتر وجماعته. كان يدعونا من حين لآخر فاجلس لصق المذياع واقرأ بحذر شديد كل التصريحات والمقابلات والبيانات فاشعر ان الحرب تقترب. وان زلزالاً مدمراً ينتظر هذه الرمال والمخلوقات المختبئة فيها.. كنت اسمع اول مرة شتائم وكلمات نابية يطلقها قريب الاشتر ورفاقه على رموز النظام وقادة الفيالق والفرق، بينما صار شائعاً. يوماً بعد آخر سماع عبارات التذمر والسخرية من مقولات رأس النظام وتصريحاته. لقد طغت حالات التذمر واليأس على احاديث الجنود ولم يعد الواحد منهم يخشى على مصيره او يحذر من الآخر، كانت موجة هستيرية عارمة توحد احاديث الجنود وسلوكهم اليومي...
كنا نعود الى الملجأ في ساعة متأخرة من الليل احياناً، وكان الاشتر يسألني بالحاح لمعرفة اخبار الهجوم المرتقب فارد عليه باقتضاب: باتت الحرب قريبة.. ولكن الحرب كانت اقرب مما نتصور، كانت قريبة جداً وظهرت ملامحها الصارخة الاولى في ليلة ساكنة، ولكنها خلعت سكونها فجأة و تحولت الى اعنف ليلة صاروخية بعدما مزقت ظلامها الموحش حيتان طائرة، حلقت على ارتفاع منخفض وعبرت قطعاتنا بسلام باتجاه بغداد والمدن والقرى التي كان سكانها قبل ساعات يستمعون الى آخر النشرات الاخبارية المليئة بالوعود والتهديدات والتحذيرات.. لقد مضى هذا الفاصل الى الابد، وبدأت الحرب.


الطائفة والطائفي
 

مفيد الصافي
اجتمع روبرت فيسك مرة مع صحفيين عراقيين، كانوا ينظمون دورة في فن الصحافة في مدينة الكاظمية قبل عامين. وهذا الرجل - لمن لم يعرفه - هو صحفي وكاتب معروف بتعاطفه مع قضايا الشعوب، ومتخصص بشؤون الشرق الأوسط في صحيفة الانديبندنت . وفي أثناء إلقاء المحاضرة، اعترض عليه بعضهم قائلا لماذا تصنفنا طائفيا ؟ وتحولت المحاضرة إلى شيء آخر. ان هذه الحادثة ومثلها الكثير تؤكد ان الشخصية العراقية ترفض هذه التصنيفات الطائفية، لان الوعي العراقي في أعماقه لا يميل إليها.
وربما لان الوعي السليم يدرك ان المشتركات بين ألوان الطيف العراقي اكثر من ان تحصى ولكنها تختفي من عقول المتعصبين الذين يركزون على القضايا (القلقة) لان ثمة خللا في شخصياتهم. الم تنكشف كل محاولات الإرهاب الذي يحاول إيقاف عجلة تشكيل الدولة حتى إلى ابسط العراقيين، ؟ حتى أكاد اجزم إن كل ما ارتكب من جرائم وسوف يرتكب سيكون هدفها الحقيقي سياسيا وسياسيا فقط، رغم كل التضليل الإعلامي الذي تمارسه دوائر إعلامية عربية وأجنبية، او يحاول بعض الساسة ان يستفيد منه!!الم يثبت التاريخ بان (الحساسيات) إنما خلقها الحكام المنتفعون وليس عامة الناس ؟ ربما كان هناك اصطفاف طائفي بين الساسة فقط وهو أمر يبررونه هم في لعبة السياسة؟ ولكن هذه الأمور تتوقف في الشارع، وفي تداخلات المجتمع العميقة. ان الانتماء إلى الطائفة ليس عيبا ولكن العيب ان تلغي مساحات المشتركات الكثيرة من نفسك.وان لا تحترم الآخرين وما يؤمنون به، فالدين لله والوطن للجميع. فما أقبح الوعي اذا دخل الدائرة الضيقة للتعصب البغيض، ناهيك عن أن يتحول إلى فعل. وربما تواجه في حياتك أشخاصا حصل عندهم بعض التشويش ولكن هؤلاء لا يمثلون الوعي السليم وهم بحاجة الى علاج نفسي!!، لان هؤلاء يجهلون أن على السفينة أن تصل إلى بر الأمان وهي تحمل الجميع.
كثير من الأدلة والوقائع تبين أن العراقي لا يحب أن يحصر شخصيته باسم طائفته، لأنه لا يحب أن يتقوقع ضد الآخر، ولأنه يدرك في أعماق نفسه ان الانعزال والكراهية تدمران الذات أولا قبل كل شيء. ومن يحمل بعضها يعلم انه لا يستطيع أن يعيش بها وهي لا تخدمه. ان التسامح والمحبة أحاسيس جميلة علينا أن نعمقها لإزالة كل ما علق من ترسبات خاطئة. ولكن لتخرج الأفكار على السطح بهدوء حتى يمكن علاجها.
أتوقع في السنوات القادمة ان يختفي كل ذلك بعد ان يدرك الجميع إن الحياة تحتاج إلى كل الألوان.. فالحياة لا تحب الا المتسامحين ولا تتقبل المتعصبين الذين يعزلون أنفسهم عن الآخرين وبذلك يكونون أول الخاسرين.


"مقبرة الأحياء" في مدينة ضحايا حروب الطاغية

  • رئيس نادي "الذرى" انذروه بالطرد من داره لانه يعرض مشاكل المعوقين على الصحافة!
  • عوائل المعوقين مهددة بالطرد والحصول على الأدوية حلم بعيد المنال


بغداد/ابو مهند الامين
تصوير/ نهاد العزاوي

خلفت الحروب التي خاضها النظام السابق مئات الآلاف من المعوقين يعاني معظمهم ازمات اقتصادية ونفسية واجتماعية، بسبب الاهمال الذي عانوه طويلاً..

بعد سقوط النظام توقع المعوقون ان تلتفت اليهم مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدنية لمعالجة اوضاعهم المتردية، غير ان هذا الامر لم يحصل..
(المدى) زارت اكبر مجمعين في بغداد هما (الذرى) في البياع و(الشموخ) في الزعفرانية يحتوي كل منهما على 150 داراً..
ظروف صعبة ورواتب بائسة
السيد رياض اسماعيل خلف رئيس منظمة رعاية المعوقين تحدث لنا عن الظروف الصعبة التي يعانيها المعوقون في هذين المجمعين قائلاً: ان المعوقين يسكنون في هذه الدور من (15) عاماً، لكنهم قلقون على مستقبلهم و يخشون ان تتعرض عوائلهم الى الطرد فيما اذا توفي رب العائلة المعوق، ولقد حدث ان قامت الحكومة باخلاء الدور التي تسكنها عائلة المعوق عند وفاته في زمن النظام السابق، ولذلك فان هذه المشكلة تمثل هاجساً يقض مضاجع المعوقين وهمهم الاول الحصول على ضمان لعوائلهم من التشرد بعد مماتهم اذ ان المعوّق اذا توفي فان الدولة تلزم عائلته بإخلاء الدار بعد شهر من وفاته وهذا اجراء مخالف للقوانين الدولية التي تؤكد الاهتمام بالمعوق. كما انه اجراء يبتعد كل البعد عن الانسانية.
* هل شملتكم الزيادات التي حصل عليها الموظفون؟
- نعم ولكن نسبة الزيادة ضئيلة اذا ما قورنت برواتب الموظفين حالياً اذ ان المعوق كان يتسلم شهرياً (30) الف دينار قبل السقوط وبعد سقوط النظام صار يتقاضى (160) الف دينار بينما نجد ان الموظف الذي كان يتسلم راتباً مقداره (10) آلاف دينار قبل السقوط صار يتقاضى راتباً مقداره (500) الف دينار ولاحظ الفرق في نسبة الزيادة.
معاناة المعينة
* وماذا بشأن المعينة؟
- معينة المعوق غالباً ما تكون زوجته حيث انها تعاني معاناة شديدة جراء الخدمة التي تقوم بها على مدار اليوم، الا ان الدولة لم تنصفها فمثلاً ان راتبها كان (50) الف دينار قبل السقوط واصبح (75) الف دينار بعد السقوط أي ان نسبة الزيادة ضئيلة جداً. كما انها تعاني معاناة شديدة في اثناء مراجعتها لتسلم راتبها من المصرف بسبب آلية الصرف البطيئة، اضافة الى وجوب احضار الكثير من المستمسكات معها في اثناء المراجعة. ولذلك نقترح ان تكون لدى المعينة هوية تراجع المصرف بها. ويطالبن باحتساب خدمتهن لاغراض التقاعد.
ان جميع المعوقين يعيشون حالات نفسية سيئة جداً وغالبيتهم مصابون بالكآبة ومنهم من فقد الامل في الحياة والاكثر ايلاماً لهم انهم فقدوا القدرة على الانجاب. لذلك يسمّي المعوقون مدينتهم بـ (مقبرة الاحياء) لانهم يعيشون بلا امل.
مستوصف بلا ادوية
* ماذا بشأن الخدمات التي تقدمها المدينة للمعوق؟
- الخدمات رديئة وبائسة الا ان مراجعات منظمة رعاية المعوقين المتحدة المتكررة الى المسؤولين اثمرت عن رجوع بعض الخدمات ومنها المستوصف الصحي والدواء المجاني. الا ان الخدمات الصحية ليست جيدة اذ يضطر المعوق الى شراء الدواء من خارج المدينة لان اغلب الادوية غير متوفر. كما انه يضطر الى شراء الاجهزة التي يحتاجها المعوق دائماً مثل : الفولي والفلاش (الكوندوم) وكيس الادرار.
ويطالب المعوقون وزارة الصحة بمد المستوصف الصحي بالادوية. وتهيئة الكراسي المتحركة والعكازات واللوازم الاخرى.
منظمة بلا دعم
* هل تتلقى المنظمة دعماً من الدولة او المنظمات الانسانية؟
- لايوجد دعم مادي من الدولة نهائياً. اما المنظمات الانسانية فدعمها قليل جداً اذ لم نتلق الدعم الا من منظمة هيئة الاعمال الخيرية الاماراتية التي جهزت المنظمة مشكورة بـ (36) كرسياً متحركاً مع (20) حجلة و(75) عكازة.
ممارسات رياضية
اكثر اعضاء منظمة رعاية المعوقين نشاطاً هو السيد عدنان الحلفي رئيس نادي (الذرى) الذي وفَّر بعض الاجهزة الرياضية في مدينة (الذرى) من خلال مراجعاته للمسؤولين في وزارة الشباب والرياضة، فهناك قاعة لكرة الطاولة (المنضدة) وقاعة اخرى لرفع الاثقال. يقول الحلفي: اجريت الكثير من اللقاءات مع الصحف وشرحت الواقع المأساوي الذ    ي نعيشه الا ان ذلك لا يعجب المسؤولين لذلك ترى ان اضبارتي فيها (17) نسخة من الصحف التي التقيت معها والغرض من ذلك لتكون دليل اثبات ضدي! وقد انذرت مرتين بإخراجي من المدينة بسبب تلك اللقاءات.
لاتوجد جهة تحتضن المعوقين
قبل سقوط النظام كانت هيئة رعاية المعوقين التابعة فنياً الى وزراة الدفاع وادارياً الى ديوان الرئاسة وقد حُلّت هذه الهيئة بعد السقوط. لذلك فان المعوقين يناشدون الحكومة اعادة هيئة رعاية المعوقين الى العمل، لتكون مسؤولة مباشرة عن المعوقين.
مطالب مشروعة
واوجز رئيس المنظمة مطالب المعوقين بما يلي:
1-    ضرورة تأمين المعالجة الطبية للمعوقين.
2-    مفاتحة الوزارات لتوفير فرص عمل للمعوقين.
3-    توفير الاجهزة الحديثة للمعوقين مثل الحاسوب والانترنت وجهاز (برايل) ليستطيع الكفيف معرفة ما يجري من خلاله.
4-    انشاء صندوق لتعويض المعوقين كونهم ضحايا الحروب والسياسات الوحشية للنظام السابق.
5-    تفعيل القوانين التي تحمي المعوق للدفاع عن حقوقه.
6-    دعم المعوقين المؤهلين لانشاء مشاريع صغيرة ذات جدوى اقتصادية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة