المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مخطوطة الألم للشاعر كريم شغيدل .. يقظة الشعر في الحنين للأسطورة (1-3)

ناجح المعموري

انشغلت به منذ قراءة اول نص شعري له في بداية التسعينيات واستمررت متابعا له بشغف واعجاب، ومما عمق علاقتي معه شاعرا نصوصه التي استثمر فيها الاسطورة وملحمة جلجامش، ووجدت فيه صوتا مغايرا ومختلفا عن حشد الشعراء انذاك ويوما بعد اخر تكرس اهتمامي كقارئ له ومتابع لمنجزه الشعري، وتفرده وسط اسراب كثيرة ظهرت واياه، حتى التقيته بعد زمن طويل من المتابعة وساعد في الحوار معه على معرفة الشاعر فيه بشكل جيد/ وكنت استمع لقصائده غير المنشورة والتي لم تجد فرصتها انذاك.
مخطوطة الالم تفضي عبر عنونتها لمرحلة معروفة وتاريخ عاش الشاعر تفاصيله شعريا وبصوت هادئ ومتميز/ واستطاع ان يؤسس قاموسا شعريا خاصا به، وهو وحده القادر على تحويل اليومي إلى شعري، اعتمادا على وعيه الفني العالي لمفرداته وكيفية الاختيار الدقيق وانتاج نسق فني تميز به وانفرد عن غيره، كما انه استطاع من خلال قاموسه ان يقترح علاقة جيدة مع المتلقي، لانه يعرف وبوعي ممتاز بأن المعنى الراشح عن النص الفني وظيفة خاصة بالشاعر لانه المعني بخلق نمط من العلاقة الاتصالية المشيدة على حقائق النص وطاقته العالية المشحونة بالتشظي، والاشارة إلى وحدة كامنة في مشاهد الحياة اليومية الحاضرة والتي سرعان ما تتحول إلى ماض، يظل مبرقا وضاغطا عليه بأصرار، وتطرق الشاعر كريم شغيدل في اختياراته القاموسية المحسوبة له، وهي يوميات قريبة من المرويات التبادلية بين الناس، الا انه قادر على تفخيخها بالدهشة وانفتاح الرؤية واتساع الفضاء الدلالي فيها، هو اكثر من غيره معرفة للابتكار الذي يوحي احيانا بما يشبه الفطرية، البساطة، الشفافية، هذه كلها مغذية لنصه الشعري الغريب والقريب للمتلقي. والشاعر لم يتمرد على ابتكار المعاني فقط كما قال " جيروم ماكفن".. بل ذهب بعيدا إلى مساحة التمرد على الالفاظ لتجاوز المعنى والدلالة واغدق عليها نوعا من الايقاع الفريد المتأتي من سعة النص وزحمته بالصور الفنية، وهيمنة التكرر فيه، وحيازة خاصيات فنية معروفة من الشعر العراقي القديم واصوله المبكرة، وهذا الملمح هو الذي اضفى على نصوصه الابتكار والبساطة والعمق، والاقتراب اكثر فأكثر من منطقة الابتكار الذي جعل من نصوصه فضاء مفتوحا على احتمالات عديدة، وفرتها المتوازيات في النص والتكرار والمفارقة الطرية، كلها تفاعلت في نصه الشعري وأسست مركزا فنيا مميزا لها، اخترقت تماما اللغة العرفية، المألوفة والمتعارف عليها وصاغ نصا مبتكرا ببساطته وقوته ومساحة تأثيره في المتلقي.
انا وحبيبتي
والحمامة
كنا نتبادل السموات
في ذكرى اليأس
ولم يكتف كريم شغيدل بالحدود الذاتية للنص الشعري التي تسيدت بل تمرد اكثر على المفردات ناور فيما بينها حقق مقدرة ممتازة في الاستبدال اللفظي/ لكنه استبدال عنيف ينطوي على دراما عالية وكأنه اختصر المأساة الشخصية التي لوح بها والقائمة بين الشاعر وحبيبته والحمامة أجرى عليها استبدالا ماهرا ليرسم فضاء الدم العراقي.
مازلنا نتعقب جرح السحابة
مذ فككوا السماء
حتى سواد المطر
نركض
ونركض
ونركض
على شفرة احزاننا
انا وحبيبتي
والوطن
شحن الاستبدال قوة النص بالمأساة واعلان التمرد. وتحول الوطن بديلا للحمامة لكنه لم يلغها لانه صار فضاء لها، ولكن هل اتسع هذا الفضاء / الوطن للحمامة؟ وهل استطاع الوطن ان يكون فضاء امنا؟ هذا الاستبدال كثيرا ما تكرر في نصوص الشاعر من اجل الوصول إلى وظيفة درامية داخل النص، تقربه احيانا إلى النص الغنائي ويطفح بها ويصير بعضا وكلا في احيان منها، ويستمر مجال الاستبدال بقوته لدى الشاعر لتحقق من خلاله بلاغة وفرها التكرار المألوف انذاك في مرحلة التسعينيات، عندما انفتحت التجربة الشعرية الجديدة على الاصول الشعرية الخاصة بحضارات الشرق القديم، والافادة منها لاحتوائها على عناصر شعرية عالية،مضافا إلى التطويع الذكي للاطراس الاسطورية واعادة صياغتها، كي تتحاور مع الاسطورة اليومية التي صاغتها فضاءات الوطن عبر امتحانات صعبة وكثيرة أنها/ التاريخي / الاجتماعي/ الاخلاقي، هذه كلها تشكل وحدة البناء الطرسي في نسق النص الشعري لدى كريم شغيدل، الذي وعى التاريخ لابوصفه زمنا، وانما باعتباره طاقة مدمرة يخترقها الشعري ويداهم التاريخ ومهابته المتقشرة في نص المبدع، التاريخ في نصوصه صدمات، وخلخلة، تفكيك للسائد، وطرد للمركز الثقافي الكاذب حتى يتمكن شغيدل من اعادة الاعتبار للهامش الاجتماعي الذي الغته الحروب والمتاعب والمجاعات،لذا تبدّى التاريخ في نصوصه احتجاجات وصراخ للمهمشين.
لن ابيع النافذة/ يتدفق منه الضياع/ ليشتري عوقا/ ويبيع الكرسي/ ليشتري عكازا/ لعالم يبيع المدفأة / وداعا. ينطوي هذا النص على ما تميز به الشاعر من علاقة حميمة مع اليومي/ والاجتماعي/ والاخلاقي، ولعب بقدرته على ترحيل الاجتماعي إلى فضاء الشعرية العالية، التي ابقت على اليومي الذي عاشه الناس وعرفه الجميع. ولايكتفي كريم بالمرويات والشواهد بل اندفع بحماس اكثر للمخيّال ويطوعه من اجل الابتكار الخاص والمميز، لكنه لايفسح له المجال واسعا ومنفردا به بل يجاوره مع اليومي ايضا وهذه ملاحظة فنية مهمة بالنسبة لتجربة الشاعر وكأنه يلوح لنا بأن اليومي مفتاح جوهري للمخيال، منشط له، ومحرك للكامن فيه، ولحظة صعوده يبتدئ اليومي متوهجا بالتمامات التخييل.
يسألونك عن الشجرة / قل: هي ضيفة النهر/ والبرق خلخال الشتاء/ يسألونك عن الألم/ قل: يا ظلامي/ لا تتفقد النهار الذي اغرق الثكنات/ الأب يسألك عن الدواء/ ألام تسألك عن الذكريات/ الزوجة تسألك عن الطحين/الأبناء يسألونك عن الإرث/ الأخت تفقد الذاكرة/ وتسألك عن رسائل الموتى/أكلما سألوك عن الحرية/ ركضت نحو النافذة / وألقيت بالخطوات إلى الشارع.
هذا النص مختلف عن نصوصه الشعرية الأخرى، لكن مساحة الاختلاف لا تلغي التماثل في مخطوطة الألم، واختلافه متأت من التتالي في الأسئلة، و صعود أجوبة مختلفة، صعود بسيط ويكمن اليومي الثقيل/ الضاغط على العائلة فيه، لكنه يختصره بالآخر. كل الأسئلة بسؤال واحد وتتكدس الأجوبة عبر جواب واحد يحتوي الهموم كلها: أكلما سألوك عن الحرية
ركضت نحو النافذة
وألقيت بالخطوات إلى الشارع
ظل هذا النص الاحتجاجي يمور بالكثير، والأسئلة متواترة والأجوبة صاغت أحلاما، الكثير منها معطل، وتتداخل في النص أسئلة لا معقولة، هي الحاحات الشعر والأجوبة غرائبية، لكنهما معا اللامعقول والغرائبي يدنوان نحو يوميات كريم شغيدل المشحونة باللعنة والقسوة والاحتجاج:
ادر ظهرك وامض / لو سئلت عن اللذة / قل: هي دمي الأزرق/ لاتتلفت / وإذا سئلت عن اللافتة، لاتتلفت أنت لست بحاجة إلى يد تصفق/ ولا إلى يد تصفع أو تصافح / أنت بحاجة إلى يد/ تلوح...
الطرسية اليسوعية واضحة في هذا نص المعني بالحياتي، لكن الحرية صارت مركز النص اليومي فيه، نص عن المحبة والسلام، نص عن الغائب الذي بحاجة إلى درس الشعري وضرورة ان تكون له يد، لاتصفق ولاتصفع، وانما مكرسة للتلويح.. وتنفتح هذه الخاتمة على احتمال ان تكون التلويحة للغائب، او الذي سيغيب، ويختار مكانا بعيدا او منفى،او هي تلويحة للمغادر إلى مكان ما، في الداخل، ومع كل احتمالات الدلالة تظل التلويحة اشارة للتأخي والبقاء، وهي واحدة من علامات المحبة ومقاومة الاندثار الحاصل في الاجتماعي،هذا الموات الذي اصاب الحياة وهيمن عليها يبتدئ بالمخيّال الطفولي في واحدة من اهم ماكتب الشاعر وهي "قراءة وحساب" حيث ينحرف النص نحو ملفوظات الطفولة، المتوازنة بالتراتب المحكموم بالتكرار الجميل، المتدفق بالأحزان والمشاكل التي اختصرت حياة كاملة،باحثة عن شخص مثل اتانو بشتم قادر على الإنقاذ وتخليص الناس من طوفان مدمر، وانطوى النص على قدرة في التركيب والتوالد المنسجم ببقاء واستمرارية المعنى المتراكم، حتى صاغت المهارة طوفاناً غنائياً، لعب دورا في بلورة فضاء شعري مكون من أفضية عديدة، ليست محكومة بالاختلاف / التضاد وانما ظلت متمركزة حول وحدة مفتوحة كالسماء بتنوعها وغنى الدلالة وقوتها وشحناتها الشعرية المتفجرة كالنيازك، كأنها تفجير كل ما هو موجود،وإلغاء الثابت، من اجل شيء او اشياء جديدة ومفقودة،وفي لحظة النص التي يجد فيها كريم شغيدل هدوءا في المخيال الطفولي، يستعين بالطرسية الأسطورية التي لم تكن بعيدة كلغة منسية مشابهة للغة الأطفال، ويأخذها،ويعيد الاشتغال عليها، بحيث يتوحد يسوع مع الكل، يسوع العراقي الذي كان ساعيا نحو دمار كلي يقوده طوفان، ويعيد تمثيل دور اتانو بشتم تلميذ صغير في مدرسة خاصة بالأطفال، وكأنه أوكل مهمة الآتي بالطفولة ومخيالها القادر على خلق الأحلام والرموز، وأتضح فضاء الأسطورة، في خاتمة النص وإنحاز رمز الحمامة إلى دلالة غير التي اشرنا إليها في نص "قصيدة الحب" الحمامة في "قراءة وحساب " هي الطوفان الذي أنكره التلميذ على معلميه وتلاميذ المدرسة.. هو لم يرسم الطوفان لكنه منح الحمامة دورا على الورقة.


فولكلور عالمي: إيقاع (الباياو)ومكانته في الموسيقى الشعبية البرازيلية


ترجمة / عادل العامل
لابد لنا في الأول من التعريف بليوناردو لوسيني، ضيف لقائنا الصحفي هذا، فهو مدرس وملحن برازيلي يواصل الدراسة وإعداد بحث في الفولكلور البرازيلي. وقد ولد في ريو دي جانيرو. وهو يعزف مع فرقته، أوريجيم، التي تتخصص في عزف الجاز البرازيلي في مدينة واشنطن. وكان قد عمل في البرازيل مع فرق شهيرة مثل (نو إيم بينغو راغوا)، و(بولا مورا) و(أوركيسترا ري ميوزيكا برازيليا).
وقد شاركنا مؤخراً، كما قالت مارييتا بيري، محررة هذا اللقاء، في ورشة عمل موسيقية بإدارة لوسيني، حيث شرح لنا الكثير من إيقاعات الجزء الشمالي الشرقي من البرازيل، وبوجه خاص (الباياو
baiao)، وتأثيره على إيقاعات أفضل شهرة مثل (فورو forro)، وهي معلومات رأينا أن نتشارك بها مع القراء.
*ما هو الباياو وأين يبدأ أصله؟
- الباياو إيقاع وإن لم يكن معروفاً جيداً خارج البرازيل، فإن له تاثيراً هائلاً على الكثير من الموسيقى البرازيلية الحديثة. والباياو والآلاتي التلقيدي شكل موسيقي قائم على رقصة قديمة مسلسلة الحركات أو رقصة قاعة ذات أصل أوروبي. ويمكننا أن نستخدم سيرا
Ceara، ولاية شمالية شرقية في البرازيل، كنقطة مرجعية لأصل هذا الشكل، ولو أنه تطور وظهر عبر معظم المنطقة الشمالية الشرقية. ففي هذه المنطقة، كانت تعزف هذا الشكل فرق محلية تحيي حفلاتهه في الصالونات والمناسبات الخاصة والاحتفالات المختلفة. وكانت الآلة الأصلية لهذه الفرق واحد أو اثنان من البيفانو pifano – فلوت (آلة نفخ) صغير منحوت باليد من الخيزران وزابومبا Zabumba – طبلة كبرى وآلات نقر أخر ثانوية. وقد أصبح هذا التكوين الآلاتي قياسياً في أداء الباياو الآلاتي التلقيدي.
*حسن، وما هي المميزات الإيقاعية، والنغمية، والتآلفية الرئيسة للباياو؟
- النموذج الإيقاعي تحدده طبلة الزابومبا، التي لها غشاءان جلديان من الجهتين. ويتم العزف عليها بمضرب من جهة لإحداث نغمة جهيرة طليقة، وبعصا من الجهة الأخرى لإحداث صوت منقور أعلى. وتضرب العصا عند الحافة.
وألحان الباياو التقليدي قائمة على نغمة خفيضة ليدية
Lydian من الدرجة السابعة، وهي درجة مستمدة من تناغم فلوت البيفانو، الذي يمتلك درجة رابعة نافرة وسابعة مسطحة. وتركيب النغمات المتآلفة chare مستند إلى نغمات درجة سابعة غالبة. وفي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، فإن تناغمات مثل "أوه باياو" للويز غونزاغا جعلت هذه النغمات المتآلفة مقياساً في موسيقى الباياو.
*فمتى إذن ألفت أغاني الباياو الأولى؟
- كما حصل في معظم البلدان الأمريكية اللاتينية، يؤشر لتطور الموسيقى الشعبية والفولكلورية بحلول الراديو في الأربعينيات. ولذلك، يمكننا أن نتحدث عن طورين مختلفين للباياو
قبل الراديو وبعده. فقبل الراديو، كان الباياو بشكل رئيس تقليدياً، وآلاتياً، ومحلياً جداً. فجلب الراديو الحضور المديني ثم التجاري للباياو، وقد أصبح شعبياً في كامل البلاد للمرة الأولى.
*ماذا لديك تقوله عن وضع الباياو اليوم؟
- الباياو في وقتنا الحاضر أكثر شعبية في شمال شرقي البرازيل مما في المدن الجنوبية مثل ريو دي جانيرو أو ساو باولو حيث السامبا هي الأكثر بروزاً. وعلى كل حال، فإن وفرة من الناس قد هاجرت، في السنوات القليلة الماضية، إلى مراكز مدينية مثل ريو وساو باولو بحثاً عن أعمال أفضل. وهم يجلبون معهم تقاليدهم الموسيقية، الأمر الذي يجعل من السهل أن تجد فرقة باياو صغيرة (زابومبا، أكورديون، أصوات ملفوظة وأحياناً جهيرة) تعزف في العطلات الأسبوعية في أماكن عامة مثل (الفيرا دي ساو كريتوفاو) في ريو دي جانيرو أو (براسا دا سي) في ساوباولو، أو حتى في نواد ليلية.
كما إن باياو معلم شعبي اليوم في الموسيقى الآلاتية المعاصرة في البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية، مع فنانين مثل جو هندرسون، وتشيك كوريا، وهيرميتو باسكول الذين يستخدمون هذا الإيقاع البرازيلي المثير في أداءاتهم وتسجيلاتهم الموسيقية. وهكذا فإن الباياو حي وجزء مهم في موسيقانا الشعبية اليوم.


فردوس الحيوان .. فرانز مارك ..الفنان الذي يرى الحيوان أكثر جمالاً ونقاءً
 

آنا غريت جروسكوبف
ترجمة: قاسم مطر التميمي

جلس القرفصاء تحت شجرة ظليلة. كان عارياً مثلها، يلعب مع قرد وغزال وبقرة وثعلب. يصنعون رؤيا كلية لإنسجام سعيد بين الانسان والحيوان والطبيعة. قبل سنتين من قيام الحرب العالمية الأولى بدأ (فرانز مارك) مع صديقه (أوغست ماكه) يرسمان _ مارك يرسم الحيوان وماكه يرسم الانسان. اللوحة الوحيدة التي اشتركا في رسمها كان ارتفاعها أربعة أمتار وعرضها متران، أطلقا عليها أسم (الفردوس). وهي اللوحة التي يسعى أليها الكثيرون.
كتب (هاينرش فون كلايست): (الفردوس مغلقة بالرتاج والملاك خلفنا. علينا أن نقوم برحلة حول العالم ونرى ما إذا كانت ستفتح في مكان ما من خلفنا.) الرسام (بول جوجان) سافر حتى تاهيتي. وما بحث عنه في البحار الجنوبية، وجده فنانو دريسدن (الجسر) وصديقاتهم بالقرب من بحيرة موريتسبورغ: الفردوس المفقود، حسي وحيوي، عارٍ ونشوان.
فرانز مارك، ابن مدينة ميونيخ، على العكس من ذلك - أراد أن يكون قسيساً، درس فقه اللغة مدّة قصيرة قبل أن يصبح رساماً
لم يرحل إلى الخارج وإنما رحل إلى الداخل. أسقط أحلامه الفردوسية على الحيوان: (وجدت الانسان منذ وقت مبكر كائناً (قبيحاً) وبدا لي الحيوان أكثر جمالاً ونقاءً.).
درس أستاذ الفن في (بريمز) حياة الحيوان في حديقة حيوانات ميونيخ وفي الأرياف البافارية. وقد تحرر ولكن بمشقة بالغة من وطأة الرسم التقليدي الذي تعلمه في أكاديمية الفنون في ميونيخ سنة 1900. كان يهرب دائماً من (صخب المدينة) إلى الريف. في صيف 1906 صحبته امرأتان؛ (ماري شنور) و (ماريّا فرانك)، كلاهما رسامتان تعرف عليهما في ميونيخ. في سنة 1907 تزوج من (ماري شنور) التي تكبره بأحد عشر عاماً، وصحبت معها طفلاً غير شرعي إلى الحياة الزوجية التي لم تتم: ففي ليلة الزفاف سافر(مارك) بقطار الليل إلى باريس تاركاً زوجته لدى أحد الأصدقاء.
في عاصمة الفن القائمة على نهر السين سحرته لوحات (جوجان)
Gauguin كما سحرته لوحات (فان كوخ) Van Gogh. ومن رسالة له إلى بنت الصيرفي الشقراء (ماريا فرانك) أصبحت زوجته الثانية فيما بعد كتب الرجل الذي كان في السابعة والعشرين من عمره: (قطعة بسيطة من الطبيعة هنا المدخل إلى رسم كل ما نفتقد وكل ما نشتاق إلى رسمه. وهذا هو الأجدر حقاً.) في الرسم يسعى إلى التحرر من مخاوفه. يقول مارك: (لاينقذني إلاّ جمال اللوحة.) واستغرق وقتاً طويلاً حتى وجد عملاً، وجده (جميلاً). وبجزعٍ واستياءٍ من نفسه مزّق بعض لوحاته، حتى استرد ثقته بنفسه من خلال صداقته وتعاونه مع (فاسلي كاندنسكي). هذا الفنان الروسي الذي يعيش في ميونيخ رسم أول صورة تجريدية بالألوان المائية سنة 1910 وكتب في مقالة له (حول الفكر في الفن). كلا الرجلين خططا تقويماً أطلقا عليه (الفارس الأزرق).صار صيغة لأفكار فنية جديدة، وملتقى للصيغ (التي تنمو وتتطور بفعل ضرورات داخلية) على يد فنانين فطريين، فنانين كالأطفال، سواء كانوا في القرون الوسطى أم في القرن العشرين، في الهند أم في بافاريا.
وقبل أن يظهر أول
وآخر- إصدار للتقويم عرضت في ميونيخ سنة 1911 ولأول مرة لوحة (الفارس الأزرق) لِ (كاندنسكي) و(مارك) والمناضلين معهم. يبحثون عن أعمال فنانين، عن (دلائل متوهجة لعصرٍ جديد.)
الدلائل وضعها (مارك) بألوان متوهجة لحيواناته. الانسان بالنسبة له كائن مريب باعتباره متحكماً ومستغلاً للطبيعة. والتقدم التقني عنده ليس موضع ثقة: (السكك الحديدية
ابتكار عامي مبتذل. والطائرة هل بوسعها أن تخدم العقل بأي شكل من الأشكال؟) مارك رسم صوراً مضادة. الحيوانات عنده شاهدة على وحدة المخلوقات بالكون، وهو ما يمكن أن يكون مجرد حلم بالنسبة للإنسان: (غزلان و أبقار، خنازير وذئاب، قطط برية وقطط أليفة، كلاب وحمير، دببة وعصافير، ثعالب وخيول. طالما رسم الخيول راقصة متحركة وضخمة مكدسة، حمراء وصفراء وزرقاء. الزرقة، لون (الفارس الأزرق) وهي بالنسبة لـ (مارك) مبدأ رجالي، مُرّ وروحاني).
وشكل على اللوحة الخام (الشاشة) أجساد خيول مؤخراتها مكتنزة، كثيرة الانحناءات. وفي سعيه النهم من أجل شكل جديد فصل الحيوانات اكثر فأكثر عن نموذج الطبيعة، وساقها نحو الإبهام. اقتادته في غضون سنتين اثنتين من (الخيول الحمر
–1911) إلى الصورة المعمارية المعقدة (للإسطبلات –1913) وانتهاءً بالأشكال (اللاعبة) أو (المحاربة). كتب يقول: (لا توجد موضوعات ولا توجد ألوان في الفن بل تعبير فقط.).
كيف لهذا التعبيري أن يغير الحيوانات ولا يثير الإعجاب إلاّ لدى الأقلية فقط. الشاعر الوجداني (راينر ماريا ريلكه) سمى لوحات مارك (المؤثرة). أما بالنسبة إلى (الزا لاسكر
شولر) فـ (فرانز مارك)(إنجيلي كبير). لقد رسم الكاتبة بألوان مائية على بطاقات بريدية PostKarten، وزين بصوره ديوان شعرها (التآخي) الذي تتصدره الأبيات التالية:
(ستسقط في حجري نجمة كبيرة
…..
نريد أن نوقظ الليل.
نصلي في لغات.
كأنها مقتطعة من قيثارة.)
معظم أصدقاء الفن وأصدقاء الحيوان هزّوا رؤوسهم باستياء بلغ حدّ العداء لرسومات (مارك)، حتى أولئك الذين وجدوا في الحصان الأزرق قرباً من نموذج الطبيعة، انفجروا غيظاً، من صورة البقرة التي رسمها (مارك) صفراء ذهبية وطاغية تخطت نهر (آلم)
Alm بقفزة جبارة. هذه اللوحة كما ذكر كاندنسكي فيما بعد واجهت ازدراء الجمهور على نحو غير مسبوق، فكان العاملون في المعرض الأول (للفارس الأزرق) الذي أقيم في ميونيخ ينظفون اللوحة ليلة بعد أخرى من البصاق الذي لطخها، باعتبارها نموذجاً يتحدى الفن.
رسم (مارك) أعماله المتحدية في (قمامة معزولة فواحة). استأجر داراً مع زوجته (ماريا) قرب الخطاط (نيجل) في (زندل دورف) أحد أرياف بافاريا العليا، ووضع حاملة رسمه فوق صومعة واطئة وبدأ يجرب رسم الأشكال المكعبة، كما في لوحته (النمر
– 1912) وهو لون جديد في الرسم ابتدعه في فرنسا التكعيبيان (بابلو بيكاسو) Pablo Picasso و (جورج بروك) Georges Braque.
قال كاندنسكي فيما بعد يصف صديقه: (لم تصدر عنه حركات سريعة ولم يفقد في الساعات الحرجة هدوءه وتوازنه النفسي.).
اشترى (مارك) سنة 1914 منزلاً ذا حديقة في قرية صغيرة تعرف بأسم (ريد). وعند أطراف الغابة أستمال اليه غزالين كانا يأكلان من يديه ويعدوان حواليه) يقول كاندنسكي: (كان يحبهما كحبه لأولاده.). في هذه البيئة الممتعة أبدع (مارك) لوحة (غزالة في غابة): حيوانة أم حمراء اللون وعنز أزرق وحمل رمادي بلون الأرض، لوحة تشبه نافذة زجاجية لكنيسة مبنية على الطراز القوطي. لوحة ترمز إلى السلام.
وبعد أيام من ذلك تندلع الحرب، ويصبح (مارك) جندياً احتياطياً في كتيبة المدفعية الملكية البافارية. جندياً تضم حقيبته الميدانية كتاباً واحداً: أنجيل مرقص. كان يحدث أصدقاءه عن الحرب بحماسة بالغة ويحلم بـ (تحول فكري) وظنّ أنّ أوربا التي تحكمها المادية ستحصل في الحرب على فرصة لتطهير نفسها تطهيراً كبيراً.
الجحيم، الجانب المظلم من الفردوس، قلما وضعها (مارك) في الصورة. في سنة 1913 رسم كارثة طبيعية، ظهرت فيها الخيول والخنازير البرية والذئاب وغزال أزرق يشرئب بعنقه
استعداداً للموت. أطلق على اللوحة اسم (مصير الحيوانات). وعندما أرسل له أحد أصدقائه نسخة منها بحجم البطاقة البريدية إلى الجبهة، شعر(مارك) بالذهول والاضطراب وكتب إلى زوجته: (إنه يشبه التشاؤم من هذه الحرب.)
(أرنست لودنيج كرشنر) صور نفسه سنة 1915 جنديا بذراع مقطوعة وينزف دماً. (إرش هيكل) حفر على الخشب صورة لـ (جريحين). (ماكس بيكمان) رسم (بيت الموتى). (اميل نولده) رسم (الرقود في القبر). أما (مارك) فعلى العكس من ذلك. لقد خطط بقلم الرصاص (كتاب تخطيطات من الجبهة) تصميماته تدعو إلى عالم جديد.
في أعياد السنة الجديدة 1916 بعث (مارك) من جبهة القتال ببطاقة تهنئة إلى زوجته تمنى لها فيها أن تنعم بعيد سعيد: (ثمّ نعود ثانية لنرقص الفالس القديم) وبعد شهرين من ذلك سقط (مارك) قتيلاً، نتيجة انفجار مخزن للذخيرة قرب (فردون). وتسلم (باول كلي)
Paul Klee برقية تحمل اليه نبأ وفاة صديقهِ.وبنفس اليوم تلقى أمراً بالالتحاق بالجبهة، فشعر كأنه نائب عن (مارك)، ونائب عن صديقهِ القتيل عندما أصلح (كلي) سنة 1917 (صورة الكارثة) هذه التي تضررت جزئياً إثر احتراق مخزن يعود لإحدى المصانع المنتجة للذخيرة.
الفارس الأزرق (فرانز مارك) باعتباره فارساً سقط في جبهة القتال، صيغ بعد موته، أقرب ما يكون إلى شكل أسطوري، خصوصاً من قبل الفنانين والأدباء والمؤلفين في ميونيخ وبرلين، الذين روّجوا منذ وقت مبكر للمدرسة التعبيرية في الفن.وتوطدت شهرة (فرانز مارك) بعد ذلك أيضاً في أوساط المتاحف الألمانية.
في سنة 1919 اشترى المتحف الوطني البرليني لوحته (برج الخيول الزرق) التي أبدعها سنة 1913. في ريف خيالي مع قوس قزح. بنى (مارك) برجاً من أربعة خيول ورسم على الحصان الأمامي هلالا ونجمة
رمزا للانسجام بين المخلوقات والكون. وبعد ثمانية عشر عاما، خلال عاصفة الفن النازية، استبعدت من المتاحف الألمانية مائة وثلاثون لوحة من أعمال (مارك) ونقلت لوحة (برج الخيول الزرق) إلى (معرض الفضائح للفن الفاسد) الذي أقيم في ميونيخ. ولم تعرض مدة طويلة، وشوهدت اللوحة في برلين سنة 1945 وفقدت منذ ذلك الوقت.
(كرشنر) كان في الثامنة والخمسين عندما أصابته اطلاقة في قلبه، و(كلي) مات عندما بلغ الستين. كلاهما عاش زمنا طويلا ليرى شيوع أعماله الفنية وانتشارها أما (مارك) فقد ترك عندما سقط قتيلا في السادسة والثلاثين من عمره أعمالا غير كافية: 250 لوحة زيتية والكثير من الصور بالألوان المائية والتخطيطات، ورسم أيضا بطاقات بريدية وصورا زجاجية ومنحوتات وبعض الأعمال البلاستيكية. وقد احترق قسم من أعماله في الحرب العالمية الثانية أو اختفى: (في لوحاتي التي لم أرسمها تكمن ارادة حياتي كلها.) من رسالة له إلى أمه بعثها لها من جبهة القتال، قبل مصرعه بشهرين

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة