تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

المرأة والحكومة القادمة : تفاؤل حذر ودعوة لحكومة وحدة وطنية قوية

  • د. ثريا البرزنجي: حكومة بعيداً عن المحاصصة الطائفية
  • د. هناء الصواف: البرنامج الحكومي اولاً قبل البحث عن اسماء الوزراء
  • زينب الاسدي: المهمة الاولى للحكومة الجديدة توفير الامن للمواطن
  • د. رواء المالكي: القضاء على الفساد الاداري ومتابعة حلقاته يساعد في انطلاق الاعمار الحقيقي

بغداد/صافي الياسري

المرأة والحكومة
للمرأة العراقية المستقلة في موقفها الخاص من تشكيل الحكومة العراقية وحين نعني المرأة العراقية المستقلة فذلك لاننا نعرف ان المرأة ذات الانتماء السياسي انما ينبع موقفها من موقف الكتلة السياسية التي تنتمي اليها ونحن هنا نريد معرفة موقف المرأة المستقلة وبخاصة من النخبة المثقفة والواعية وبعد ان حسمت ترشيحات المناصب الرئاسية ونواب الرئيس ورئيس الوزراء وبقي تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات تبدو عسيرة بين الكتل السياسية المشاركة في تشكيل البرلمان ذلك ان توزيع الحقائب الوزارية مازال خاضعاً كما يرى البعض لخلافات اساسية قد تطيل الامد المطلوب لتشكيل الحكومة وتحدد هويتها.

حكومة بلا محاصصة

تقول الدكتورة ثريا البرزنجي رئيسة منظمة سلام الاطفال انها تود ان ترى حكومة مشكلة بعيداً عن منطق المحاصصة الطائفية وان تأخذ في توزيع الحقائب الوزارية الروح الوطنية والبرنامج الوطني والكفاءة الشخصية والنزاهة والمقدرة الادارية وانها لا تفكر بالاسماء قدر تفكيرها بالبرنامج الذي تود ان تراه يأخذ بعين الاعتبار توفير الامن للمواطن العراقي اولاً ثم الاعمار والخدمات واعادة اللحمة الى صفوف العراقيين ونبذ الفرقة وتقديم الولاء للعراق والوحدة الوطنية.
الولاء للوطن
وترى الدكتورة سعدية حامد الخزرجي من جامعة الموصل، ان حسم الترشيحات للمواقع الرئاسية خطوة متقدمة لتشكيل الحكومة الجديدة وان كانت قد تمت على اسس تشم منها رائحة المحاصصة الطائفية وهي لا ترى فرقاً بين التكوين الشخصي الثقافي والعقائدي والبرنامج السياسي بالتالي بين رئيس الوزراء المنتهية ولايته الدكتور ابراهيم الجعفري ورئيس الوزراء المنتخب نوري المالكي لكنها اكدت ضرورة واهمية النقطة التي تحدث عنها المالكي في مؤتمره الصحفي الاول حول المليشيات وضرورة دمجها حسب استحقاقها النضالي بالمؤسسات العسكرية الحكومية على ان يكون ولاؤها الاول للوطن وليس للكتلة او الحركة او الحزب الذي تنتمي اليه وتضيف الدكتورة سعدية ان المحك هو التنفيذ الواقعي وليس الخطابات.
وحدة وطنية
وتقول الدكتورة هناء عبد الرزاق الصواف اختصاص علم النفس التربوي في تربية كركوك، انها تود ان ترى حكومة وحدة وطنية حقيقية دون ان يشارك فيها طرف اجنبي بهوية عراقية وانها كانت تتمنى ان تتوزع الحقائب الوزارية على شخصيات وطنية من التكنوقراط والاداريين الذين اثبتوا كفاءة أي انها تفضل تقديم اهل الخبرة على اهل الثقة وانها تولي البرنامج الحكومي اولوية مطلقة في نظرتها الى تشكيل الحكومة قبل الاسماء وتقدم الامن وضرورة استتبابه على ما عداه فالاعمار والخدمات ستتقدم لتحصيل حاصل اذا ما توفر الامن.
استحقاق وطني
الزميلة زينب الاسدي من نقابة الصحفيين العراقيين ترى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كافة اطياف الشعب العراقي وعلى اساس الاستحقاق الوطني والكفاءة وليس المحاصصة الطائفية وترى هي الاخرى ضرورة ان تأخذ الحكومة على عاتقها المهمة الاولى والملحة الا وهي مهمة توفير الامن للمواطن العراقي وتركز هي الاخرى على ضرورة ان يكون السلام بيد الحكومة وحسب وان تدمج المليشيات وفق شروط المواطنة بالمؤسسات العسكرية التابعة للدولة وترى الزميلة زينب ان حكومة السيد نوري المالكي ستكون امتداداً لحكومة الجعفري بسبب وحدة الانتماء العقائدي والتكوين الفكري والطموح السياسي الواحد.
القضاء على الفساد
اما الدكتورة رواء علي المالكي من جامعة بغداد اختصاص انثروبولوجي فترى ان هوية الحكومة الجديدة يجب ان تكون وطنية وان تبتعد عن منطق المحاصصة الطائفية والبرنامج الطائفي وبخاصة في حقائب الوزارات السيادية، وزارة الدفاع ووزارة الداخلية وتقترح ابقاء الوزيرين الحاليين في منصبيهما على اعتبار انهما تمكنا من معرفة الكثير من مفاتيح العمل في وزارتيهما وان تغييرهما قد لا ينفع مثل بقائهما لكنها في الوقت نفسه تقترح تصفية الخلافات بين الوزارتين والتنسيق بين دوائرهما لتوفير اهم حاجة بالعراق اليوم هي الحاجة الى الامن وتتحدث الدكتورة رواء عن مهمة اخرى ترى انها جديرة بان تشغل بال الحكومة الجديدة هي القضاء على الفساد الاداري ومتابعة حلقاته حتى ادق شعيراتها في دوائر الدولة التي استشرى فيها هذا الداء مما ادى الى قتل الكثير من المشاريع الاعمارية وتعطيل الخدمات الضرورية التي يحتاجها المواطن العراقي ويفتقدها اليوم وفي مقدمتها الطاقة (وقود
كهرباء).
الدكتورة سهيلة عبد الرحمن الراوي كلية العلوم السياسية ترى ان صفحة الحكومة لم تطو بانتخاب المرشحين للمراكز الرئاسية وانما بدأت مرحلة جديدة لتشاطر الحقائب الوزارية وان الوزارات السيادية ستثير مرة اخرى زوبعة وتعطل تشكيل الحكومة مدة اخرى من الزمن وانها لن تحسم الا على اساس طائفي وهذا ما يقلقها حسب تعبيرها وترى ان قرار دمج المليشيات بالمؤسسات العسكرية للدولة قرار ليس صائباً ذلك ان هذه المليشيات لن تتخلص من ولائها لمؤسسيها وتقترح حلها اولاً ثم ضم عناصرها افراداً الى المؤسسات العسكرية وليس افواجاً كما يجري التفكير به وبذلك لن يغمط حق المناضلين الذين كافحوا ايام النظام الدكتاتوري ولن تزرع في جسد المؤسسات العسكرية درنات سرطانية يمكن ان تستغل في وقت من الاوقات لمصلحة هذا الحزب او ذاك.
الاهم برنامج الحكومة
الدكتورة وفاء الدركزلي طبيبة نسائية في مدينة الطب، ترى ان اتمام الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزارة يبشر بخير وانه يمكن للكتل السياسية المتناحرة ان تلتقي عند الحد الادنى من التوافق لتشكيل حكومة وطنية والا فان البديل سيكون تشكيل حكومة انقاذ وطني كما تطالب المعارضة وهو امر ليس في صالح الكيانات السياسية التي حققت فوزاً انتخابياً ونالت استحقاقات انتخابية عالية، والدكتورة وفاء هي الاخرى تركز على برنامج الحكومة اكثر من تركيزها على الاسماء وتقترح هي الاخرى ان يكون السلاح بيد الحكومة وحدها وان تنضم عناصر المليشيات فرادى الى المؤسسات العسكرية.


الضياع في حفر الباطن .. ليــلـة البدايــة - (الورقة العاشرة)
 

عبد الكريم العبيدي

كان لابد لذلك الانتظار من معنى. وكان لابد لنا، نحن الذين قذف بنا في ذلك الهلاك من ان نحترق بنوع من ذلك

***
الدوي الهائل الذي هل فجأة هناك كان يشبه اصوات اكثر من مليون حيوان مفترس صرخ في آن واحد. دوي اثار الرعب وفتح دفاتر الحرب ونفث في قلوبنا رعباً لا نهائياً.. ذهل الجنود حقاً، واستيقظ من كان نائماً منهم، وانعقدت مئات الحوارات الصامتة بين العيون.. حوارات استكشافية قلقة تريد ان تصدق او تعزو في الاقل ذلك الدوي الصاخب الى مئات الطائرات المغيرة في ظلام دامس على ارتفاع ثلاثين قدماً.
لم تكن السنتنا قادرة حقاً على جر اثقف جملة شفهية من رؤوسنا واطلاقها بين مسامعنا. ولم يكن أي منا على استعداد ان يبقى وجهه رمزاً للشؤم مدى الحياة، ما ان يبادر بدحرجة حروف بشعة عن بداية حرب من عيار كوني ثقيل. ولكننا اتفقنا على ما يبدو، سمعياً على انهيار أي امل بعدم وقوعها. وباتت ليال الانتظار والمحن من فصول الحرب القديمة.. لقد "بـ..دأت الـ..حـ..رب" شئنا ام ابينا. وذلك الدوي المجنون هو اول زعقة من بوق الحياة والموت في آن...
الساعة 300
فجر السابع عشر من كانون الثاني، آه، من ينساها!؟. كانت كل الاذاعات على حالها، واصوات المذيعين مازالت هادئة، حوارات وقهقهات وطرائف. من كان يدري ان كل البرامج الاذاعية والتلفزيونية في العالم ستنقلب على رأسها وتتبعثر ثم تحترق؟. نحن، هناك سخرنا من كل راديوات العالم. سخرنا حقاً من احدث النشرات الاخبارية، فكل ما كنا نسمعه من احدث التقارير بات قديماً!. حتى التهديدات والوعيد والتكهنات الصحيحة والخاطئة استهلكت فجأة وتلاشت. كل العالم والاجرام السماوية بات قديماً بمجرد ان زحفت طائرات "ب 52" المزودة بقذائف كروز بالغة التطور من قواعد نانيه باركسديل في ولاية لويزيانا. لم يعد لاي خبر من معنى. حتى الاغاني بهتت وفقدت طعمها "القديم". كل شيء في هذا الكوكب صار قديماً طالما ان هليوكوبترات الجيش الامريكي وقوته الجوية هي فوق رؤوسنا الآن. آه، انها الحرب اذن.
كان اغلب الجنود نائمين. قليل منهم كان في نوبة حراسة. وربما لم يكن احد يقظاً في تلك الليلة الباردة. انا، قبل الساعة 300 كنت اتكئ على جدار الملجأ الرطب. وكان الاشتر قد عاد قبل قليل والتهم نصف صمونة يابسة ثم نام. لم يكن أي منا يفكر في ايما شيء او يميل الى أي سرحان تكون نهايته ملامسة ذكريات عن احبابه فيزداد تمزقاً. الكل كان يتجنب ذلك الاسترجاع المهلك ويحاول ان يلتصق بكآبته المقيتة. ومثلنا كان العالم كله يترقب اعظم معجزة لاطفاء نار الحرب القادمة. اما الآن فلم يعد لنا ولهم ولا للسماء سوى التفرج والانتظار، نحن جميعاً "اولاد الساعة 300". اولاد يوم البداية.. ولكن من كان يعلم بتلك الساعة اللعينة؟. من صنعها؟. من كان يعدو نحوها بثبات؟ شخوص واحداث قبل الساعة 300 كانت توقد نار الحرب ليس بعيداً عنا. وكانت تعرف اللحظة التي ترمي بها عود الثقاب على ضياعنا.. بوش وباول وآخرون، فرسان الساعة 300 وقتوا لتلك الساعة. الجنرال شوارتزكوف كان منشغلاً بحل مشاكل آخر دقائق ما قبل الحرب. وكان يتابع حوار "بيكر
عزيز" في جنيف. وقد وضع نفسه مبكراً في نوع من العد التنازلي. في الصباح كان يطالع خريطتنا المؤلفة من "38" ملصقاً يمثل كل واحد منها فرقة عراقية ويَضم "545" الف مقاتل و"4300" دبابة و"3100" مدفع.. يتخيل شوارتزكوف ايضاً خطوطنا الدفاعية وحقول الالغام ومصائد الدبابات والسواتر والاسلاك الشائكة والتحصينات على امتداد "175" ميلاً جنوب العراق. شوارتزكوف قبل الساعة 300 كان يفكر في مصيره مثلي. وكان يشعر كمن يقف الى طاولة المقامرة بالنرد، يرمي زهر النرد ويظل يتابع تقلبه في الهواء..
ولكن شوارتزكوف مثل غيره من كبار جنرالات الساعة 300 بعث برسالة رقيقة الى "بريندا" زوجته وودع فيها اولاده "سندي وجيسيكا وكريستيان". ثم كتب رسالة موجزة الى الجنود.. وفي الساعة "300" ادار الكولونيل بيل شريط اغنية "لي جرينوود" احتفاءاً بشن عملية عاصفة الصحراء.
كانت التقارير الاخبارية، قبل الساعة 300 تستطلع بشغف آخر الاستعدادات لاطلاق اولى طلقات العاصفة. طواقم تلقيم الاسلحة في مطارات السعودية والبحرين وقطر والامارات تحمل الطائرات الحربية بمئات الاطنان من القذائف الصاروخية والقنابل والصواريخ.. حاملات الطائرات الامريكية المتواجدة في الخليج والبحر الاحمر ابحرت الى الشمال لتضع العراق ضمن مدى طائراتها.. الطرادات والبارجة "ويسكو نسن" هيأت العشرات من قذائف "توماهوك" الصاروخية واستعدت منصات القذائف المدرعة للاطلاق.
في الساعة 300 تحول ضياعنا الى ارقام!. وبعدها توالت علينا عشرات المفردات الغريبة لاسماء آلة الحرب الكبرى.. تدمير اثنين من محطات الانذار الراداري المبكر قرب الحدود العراقية
السعودية. مقاتلات ستيلث ف-117 تنخر سماء ليل بغداد.. طائرات ف-117 تحيل العديد من المواقع الى دمار هائل.. اسراب من طائرات "أ-10" الهجومية تطلق قذائفها على مستودعات الامداد في كل خطوط الجبهة.. "2000" طلعة جوية مقررة في كل يوم.. قاذفات مقاتلة من طراز "ف-15" تدمر عدداً من الاهداف في صحراء حفر الباطن.. طائرات التورنيدو تهاجم مواقع في خط القتال الاول.. قاذفات وصواريخ توماهوك وموجات من الطائرات بالغة التطور تصنع صدمة الساعة 300.
بدأ الصباح يسرِّح اولى صفحاته ببطء، بينما راحت اسراب من الطائرات المقاتلة تكثف من طلعاتها في الصحراء وفي عمق الاراضي العراقية. كانت تصدر اصواتاً متباينة وصاخبة اثناء مرورها واثناء اطلاقها للصواريخ. وبدلاً من سماعنا لهذه الاصوات قبل ساعات. بدأنا نرى تلك الطائرات ونتابع مناوراتها وقصفها المستمر..
لم استمر طويلاً في السباحة في اهوال الصدمة فقد تلقيت رفسة عنيفة من اقدام "الاشتر" في خاصرتي، فالتفت نحوه وادركت انه اصيب بنوبة صرع حادة افقدته الوعي وراح يضرب جدار الملجأ بقبضته، استنجدت بالجنود ولكن لم يسمعني احد، فدوي الطائرات كان اعلى بكثير من توسلاتي. ولذلك جاهدت بمفردي للسيطرة عليه ومنعه من التحرك. كانت لحظات صعبة وعنيفة في ذلك الصباح السليب. وكنت اتجرع مراراتها عنوة واحاول ان ابدو متماسكاً وسط دوي الانفجارات وموجات الفزع التي كانت تعتصرني من حين لآخر.
بعد بركان الساعة 300 حدثت هزة عارمة في كل اذاعات العالم. هزة افقدت المذيعين صوابهم فراحوا يتلعثمون في قراءتهم وبدت اصواتهم اقرب الى الزعيق وهي محصورة بين حشرجات واختناقات عديدة وكان التقرير الخبري الواحد يستحدث بين دقيقة واخرى من كثرة الاخبار الكثيرة والمتضاربة.
كانت كل اذاعة تقطع آخر برامجها "السلمية" وتتحول فجأة الى اصوات الحرب واهوالها فغدت الاذاعات بعيد الساعة 300 اشبه بقاذفات اعلامية تطلق من كل الاتجاهات وفي الاتجاهات كافة.
لصقت الراديو باذني واطلقت العنان لمؤشره ليبحث عن اية نشرة اخبارية عاجلة فتاكد لي سقوط مئات الصواريخ والقنابل على العديد من المنشآت الحيوية. وان مؤسسات باكملها تحولت الى ركام.. كانت نشرات الانباء متخمة بالصفحة الاولى من ملف الحرب ومحجوزة لاخبارها الكارثية العاجلة وكانت تتحول بخفة عاجلة من اروقة مجلس الامن الى تصريحات المندوبين الدائميين ثم الى المؤتمرات الصحفية الطارئة والبيانات والردود السريعة والادانات والترحيب واخبار الكوارث والنكبات من داخل العاصمة بغداد.. ومن بين ذلك الحشد المتداخل والمرتبك من نيران ليلة البداية، التقطت صوت "صدام" من بعيد وهو يصف مشهد الدمار في ساعاته الاولى "لقد غدر الغادرون.. يا محلى النصر بعون الله!."
كان اكثر ما صدمني في تلك اللحظات هو سقوط العديد من الصواريخ والقنابل الذكية على الاحياء السكنية بطريق "الخطأ".. لقد عبدث لي تلك الاخبار طريقاً آخر للألم والموت البطيء.
لم يكن بامكاني فعل أي شيء وسط واقع يحترق امامي في موجات سريعة ومتعاقبة. ومثل هذا الاحساس يغدو جحيماً حقاً في رمال الصحراء الهائجة.. لقد كان في انتظاري اللامجدي للموت يرعبني بقوة، خصوصاً بعدما تهرأت احوالنا كثيراً وبتنا بلا طعام ولا ماء ولا امل. كانت كل الاشياء المحسوسة تضيق وتحيلنا الى مخلوقات عدمية هائجة.. وجوه مغبرة ولحى قذرة واجساد ينهشها القمل والجوع والظمأ داخل ذلك الصخب المجنون الذي كان يلتف حولنا ويحطمنا الواحد تلو الاخر.
هل كنا مخلوقات آدمية في تلك القسوة الجماعية؟. وهل كانت دقائق ما بعد الساعة 300 هي ذات الدقائق التي تهرب من اعمار الناس في امكنة اخرى؟. لماذا كنا ضحايا لكل المطاحن قبل وبعد بركان الساعة 300؟
كان صدام يطالبنا بالصمود بوجه "الجمع الكافر". وكان الكثير من الجنود يجيبونه بالسب والشتم والدعاء له بالموت. وكان بوش، من هناك يحثنا على الاستسلام او الهروب للنجاة بارواحنا وكان ضباطنا يتوسلون الينا بالاختباء وعدم استخدام السلاح واخفائه باكياس الرمل خشية ان تصطاده الطائرات فتحطمنا جميعاً! ومن داخل هذا الكابوس الدموي كنا نتمنى ان نتحول الى احجار او رمال تذروها الريح بعيداً عن ذلك المستنقع البشع.
كانت ساعات تلك الليلة بعمر الاعوام وكانت العقارب جامدة ومهشمة. لقد اختفى كل امل في اعماقي وشعرت انني انشطر الى نصفين. نصف صغير يذوب في الرمال وآخر ظل مشرعاً يرنو بمخيال قديم الى اسرته واحبابه هناك في العراق المحروق والمحطم.
اين زوجتي الآن؟ ماذا صنعت امي لترمم جسرها الحجري؟.. هل مازالت اسرتي بخير؟ كيف دقت الساعة 300 في مشاعرهم؟.. كانت ملايين الذئاب تعوي في ذلك الجزء المشرع والمتلهف لمعرفة اية نتفة ولو كانت تافهة او عديمة الجدوى.
ليل بغداد، بعد الساعة العاصفة كان هو الآخر يتصدع بسرعة. الكولونيل جيسي جونسون يزف بشرى تدمير عشرات المواقع داخل بغداد. اسراب من المقاتلات الفتاكة تدك العديد من الاهداف. طائرات ف-117 تصنع الجحيم في اجزاء كثيرة من بغداد انقطعت اتصالاتهم بعد تدمير ابنية البدالات الرئيسية وغدت بغداد بلا كهرباء بعد ان دمرت صواريخ توماهوك اغلب محطات الكهرباء.. القاذفات المقاتلة البريطانية من طراز "تورنادو" تدمر المطارات العراقية بينما شرعت النفاثات الفرنسية والايطالية بقصف مواقع الصورايخ.
في الساعة "415" تم تحطيم العديد من الاهداف. لا اتصالات متبادلة جوية عراقية، الجنرال "تشاك هورنر" يعلن من موقع قيادته في قبو قيادة القوة الجوية في الرياض ان الهجوم يسير سيراً حسناً ولا وجود لاية مقاومة فعلية من القوة الجوية العراقية ويجب ان لانعطي للعراقيين فرصة لالتقاط الانفاس من هول الصدمة المتولدة عن القصف المتواصل.
"شوارتزكوف" زف البشرى "لباول": لقد انجزنا "850" مهمة تم خلالها تدمير الكثير من الاهداف المدرجة على القائمة وعددها "240" هدفاً.. مسحنا قصر صدام. اشعلنا النار ببناية الاتصالات الهاتفية وسط بغداد. وتم تدمير المستودعات الواقعة تحت الارض. طائرات "ف-117" اسقطت في الموجة الاولى 55% فقط من قنابلها. وطائرات "5-111" اطلقت 75% من حمولاتها.
نجاحات باهرة اذن في تفكيك شبكة الدفاع العراقية بفعل تشويش الرادارات وقصفها وتدمير مراكز القيادة. لقد أُصيبت بالعمى!
مضاداتنا الارضية المحيطة بنا اشتركت في بادئ الامر. اطلقت نيرانها بكثافة ولكنها سكتت بعد دقائق واختفى الرماة مثل غيرهم ثم تم اخفاء المدافع وكأن الحرب قد انتهت.. ولكن عدداً من المراسلين ذكروا في تقارير اخبارية عاجلة ان سماء بغداد ملأى بصواريخ ارض
جو وقذائف المدفعية المضادة للطائرات وقد تم اسقاط طائرتين معاديتين بالفعل. كما تحدثت تقارير اخرى عن اشتراك عدد من الطائرات العراقية من نوع ميج وميراج في القتال الجوي وذكرت ان عشرات من الطائرات العراقية حلقت من قواعدها الجوية الا انها ظلت تدور ببرود لتتحاشى الاشتباك على ما يبدو مع المقاتلات الامريكية على امل الحفاظ على القوة الجوية والاشتراك بها لاحقاً. وبينما كانت تتحدث بعض التقارير الاخبارية عن اسقاط ست مقاتلات عراقية، كان الجيش الامريكي قد غير مواقعه استعداداً للهجوم البري، فعلى طول خط التابلاين وهو طريق مهجور يمتد غرباً الى الاردن انطلاقاً من صحراء حفر الباطن القريبة من الزاوية الجنوبية للكويت بدأت الشاحنات الثقيلة للفيلق "18" المحمول والفيلق السابع تنقل الامدادات والتجهيزات نحو الغرب.
كانت مثل تلك الاخبار تزيدنا رعباً بينما كشف الصباح عن اوجهنا التي غدت مصعوقة وبلا ملامح... لا يمكن لي ان اميز الآن وجهاً من وجوه الجنود. كلها كانت مستنسخة عن وجه واحد مترب، يختفي خلف لحية طويلة وشعر مبعثر مليء بالقمل، تنبعث منه روائح كريهة. اما الاجساد فقد كانت ذاوية ونحيلة، وسخة جداً، تند من كل زاوية فيها رائحة قذرة لاسبيل الى تحاشيها.
ولكن احوالنا لم تكتف بذلك النوع من السوء، بل كانت تتدهور بين دقيقة واخرى تحت مجاميع واسراب المئات من المقاتلات التي كانت تعبرنا بسهولة باتجاه بغداد.
وفي حوالي الساعة السابعة من صباح ما بعد الساعة 300 اهتزت بنا الارض، ارتجت وكأنها لن تعود الى استقرارها ابداً. سقطت سقوف الملاجئ وتبعثر اثاثها، اصطدمت رؤوس الجنود ببعضها البعض وتهاوت الاجساد على بعضها في زوايا الحفر والخنادق وسط موجات من الصراخ والاستغاثات.. حتى "الاشتر" الذي كان في غيبوبة، استيقظ فجأة واستعاد وعيه الكامل وراح يردد بسرعة "عليك يالعباس. عليك يالحسين. عليك يا داحي باب خيبر...".
كانت غارة جوية عنيفة ومفاجئة، اشتركت فيها عدد من المقاتلات، التي امطرت مواقعنا بوابل من القذائف مستهدفة الكثير من الدبابات والمدافع القريبة من ملاجئنا. وحين اخرجت رأسي بصعوبة من باب الملجأ صدمت بتحول الارض الرملية الحمراء الى سجادة متفحمة شديدة السواد، ومليئة بالمئات من الشظايا المسننة والصواعق وحطام الدبابات والعربات التي اشتعلت فيها النيران.
عدت الى الملجأ شبه محطم واسندت رأسي الى الجدار وودت ان ابكي ولكنني لم اعثر حتى على الدموع. لقد حولتني الصحراء الى لوح خشبي مهشم ربما لا يطفو على سطح الماء ولا تثبت فيه المسامير. لوح جمعه الضياع مع آلاف المخلوقات الخشبية التائهة في الرمال والعواصف...
ولكن هل ستنتهي مصائرنا عند الموت؟. لا، بدأنا نعتقد اننا نواجه عذاباً ابدياً، وان الموت هو طور فسيولوجي تمر به ارواحنا لتغيير ماهيتها فقط ثم تدخل في صراعات جديدة مع اهوال متغيرة وازلية. فلم يعد الآن للموت من معنى ازاء تلك الكوارث المتعاقبة التي لا نرى لها نهاية. اننا مخلوقات غريبة فقدت اشكالها وقيمها بعدما اطلقتها قوانين الحياة والموت معاً، وبات واقعنا غير معني بتلك الثوابت والمتغيرات المحسوسة او المتعلقة، ولم يعد يأبه بآلام الدنيا كلها طالما ان الالم بذاته هو الذي يسري الآن في عروقنا وليس ذلك السائل الاحمر الذي كنا نظنه دماً.....
يتبع

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة