الحدث الاقتصادي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

وقائع طاولة المدى المستديرة في كردستان .. الطاولة الثالثة: الاقتصاد العراقي وتحديات المستقبل - البحث الثاني
 

*د. باتع خليفة هلال الكبيسي
* خبير اقتصادي في وزارة التخطيط والتعاون الانمائي

كانت اسرة طاولة المدى المستديرة تتفاعل في انجاز مفردات جلساتها بين الجمع الحاشد من المتخصصين بالشأن الاقتصادي الذين تجمعوا في كردستان مع جمع مماثل من تدريسيي كليات الادارة والاقتصاد والمعنيين بالفعاليات الاقتصادية في الإقليم، وضمن مفردات الجلسة الثالثة للطاولة والتي اتخذت من موضوعة (الاقتصاد العراقي وتحديات المستقبل) عنواناً لها كان الخبير الاقتصادي المغترب الدكتور كاظم حبيب قد قدم البحث الاول، تلاه الدكتور باتع خليفة هلال الخبير الاقتصادي في وزارة التخطيط والتعاون الانمائي في بحثه الموسوم (الاقتصاد العراقي وتحديات المستقبل) والذي جاء فيه
الفصل الاول
الاختلالات الهيكلية : هيمنة القطاع النفطي مقابل تضاؤل القطاعات الإنتاجية السلعية الأخرى

بالرغم من امتلاك العراق ثاني اكبر احتياطي للنفط في العالم واحتياطياً كبيراً من الغاز والمياه الوفيرة وتاريخاً عريقاً من العناية الصحية والتعليم الى جانب كونه دولة جميع مؤشرات التنمية فيها قاتمة وكئيبة ، وهناك خليط محفوف بالمخاطر من المؤشرات المنخفضة والاعتمادية الكثيفة على النفط واعداد كبيرة من الشبان العاطلين عن العمل .
    ان المحرك الرئيسي للعودة الى الوضع الطبيعي هو قطاع النفط الذي يشكل نسبة (70%) من إجمالي الناتج القومي وأكثر من (98%) من الصادرات وعوائد الحكومة . حيث يعتبر نشاط حفر واستصلاح الابار واستخراج النفط والغاز من الانشطة الرئيسية لهذا القطاع والمصدر الرئيسي لدخل البلد حيث بلغ انتاج النفط الخام (730) مليون برميل عام 2004 بمعدل يومي قدره (2) مليون برميل في حين بلغ انتاج النفط الخام (342) مليون برميل في النصف الاول من سنة 2005 بمعدل (1.9) مليون برميل صدر منه (562) مليون برميل بمعدل تصدير يومي (1.5) مليون برميل سنة 2004 و (275) مليون برميل خلال النصف الاول من سنة 2005 بمعدل تصدير يومي (1.4) مليون برميل . اما المجهز للمصافي والكهرباء فقد كان (161) مليون برميل سنة 2004 و (77) مليون برميل في النصف الاول من سنة 2005 وقد بلغت القيمة المضافة الاجمالية التي حققها قطاع النفط الخام (30945.5) مليار دينار وبنسبة مساهمة قدرها (63.9%) من اجمالي الناتج المحلي لسنة 2004 ، وتشير هذه النسبة الى اهمية دور هذا النشاط في الحياة الاقتصادية للعراق وتاثير ذلك النشاط على الانشطة الاخرى . فاذا ما علمنا ان صادرات النفط الخام تشكل نسبة (98%) من اجمالي صادرات العراق في سنة 2004 من هنا يمكننا التعرف على دور هذه الثروة في العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي وتاثيرها الواضح في مفردات الميزان التجاري حيث ان قدرة العراق على الاستيراد في تغطية بقية مفردات ميزان المدفوعات الجارية وذلك لنقص مصادر الإيرادات الاخرى للميزان .
    اما على المستوى الداخلي فان نسبة كبيرة من ايرادات الموازنة العامة للدولة (الجارية والاستثمارية ) تعتمد على ايرادات النفط خصوصا في سنة 2003 وما بعدها ومن المتوقع ان تستمر الحالة خلال السنوات القادمة حيث شكلت ايرادات النفط نسبة (97.8%) و (88%) خلال السنوات 2004 و 2005 من إيرادات الموازنة العامة على التوالي .وهذا يعني ان قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة كالصحة والتعليم والأمن وحتى قراراتها الاستثمارية تعتمد بدرجة كبيرة على ايرادات الثروة النفطية نتيجة لضعف مصادر الايرادات الاخرى كرسوم الكمارك والضرائب على الدخل والثروة وغيرها .
    ان الاساس القوي للنمو الاقتصادي في اقتصاد يتميز بوفرة كبيرة في الموارد الطبيعية (النفط والغاز) كما في اعلاه يتطلب وجود اقتصاد متنوع وذلك للاسباب التالية :-
1-    ان هذا التنوع سيوفر حماية للاقتصاد ضد الظاهرة الطبيعية ، وتحدث هذه الظاهرة عندما يؤدي استغلال الموارد الطبيعية كالنفط مثلا وزيادة الصادرات فيها الى رفع قيمة العملة المحلية مما يجعل الصناعة الوطنية اقل قدرة على المنافسة ونتيجة لذلك ترتفع الاستيرادات وتنخفض الصادرات من المنتجات غير الطبيعية .
2-    ان الصناعة النفطية معروفة بتقلباتها ومن ثم فان التذبذبات الكبيرة في الأسعار التي تحدث بين حين واخر تجعل من التخطيط عملية صعبة ويمكن ان تحرف بنمو الاقتصاد العراقي عن التوقعات الموضوعة له . ان تحويل بنية الاقتصاد العراقي من خلال إعطاء دور اكبر للقطاع الزراعي الذي يتعرض الى دورات تختلف عن تلك التي يتعرض لها قطاع النفط سيقلل من تأثيرات الهزات التي يحدثها النفط على الاقتصاد العراقي .
3-    ان تنويع مصادر الدخل يتعلق بالبطالة التي تمثل مشكلة رئيسية في العراق . ومع ذلك فان القطاع المهيمن على الاقتصاد وهو النفط هو قطاع يتميز بكثافة راس المال ومن ثم فان تطوير القطاعين الزراعي والصناعي التحويلي واللذين يتميزان بكثافة العمل في اغلب المجالات يمكن ان يساعدا في خلق فرص العمل بصورة مباشرة من خلال الزراعة وصيد الأسماك وسلسلة العرض المرتبطة بتجهيز المنتجات الزراعية الى الأسواق وكذلك من خلال الوظائف التي توفرها الصناعة الزراعية .
ان هذه النتيجة تؤكد حقيقة خطورة الاعتماد على مصدر واحد للتنمية ، وتبعا لذلك فان هناك إجماعاً على ان العراق بحاجة الى إحداث تحولات في بنيته الاقتصادية لتنويع مصادر النمو والدخل ، وهذا يتطلب استراتيجيات وإصلاحات اقتصادية لتحقيق ما يلي :-
1-    الانتقال من الاعتماد على قطاع النفط الى أنشطة اقتصادية سلعية أخرى ، وذلك بخلق تشابك قطاعي بين هذه الأنشطة والتأكيد على الصناعات التي تعتمد على مستلزمات الإنتاج المحلية المتوفرة والتي يمكن المنافسة بمنتوجاتها مع السلع المستوردة من الخارج .
2-    خلق منافسة بين القطاعين العام والخاص من اجل قيادة الاقتصاد للقطاع الذي يسود ومن ثم التوجه الى الانتقال لاقتصاد السوق .
3-    تشجيـع استراتيجيـة التصدير للتقليل من عجز الميزان التجاري تجاه العالم الخارجي .
ان تنويع مصادر النمو والدخل من خلال اتباع سياسات الاصلاح الاقتصادي وبشكل خاص تحرير التجارة الخارجية ، وتوسيع الاستثمار الخاص وبضمنه الاستثمارالاجنبي حيث يلعب هذان العاملان دورا اساسيا في تنويع مصادر النمو الاقتصادي والتي تتطلب توسيع وتحرير الخدمات الاساسية كخدمات النقل والاتصالات والخدمات المالية وخدمات البنى التحتية والسياحة والتي تعتبر من المجالات الاساسية لتوسيع التجارة كما يتطلب ايجاد المناخ الاستثماري الملائم لتحفيز الاستثمار الخاص واستحداث التغييرات المؤسسية واعادة الهيكلية والتي تشكل هي الاخرى عاملا اساسيا في تحديث الامكانيات الاقتصادية وتنشيطها على المديين المتوسط والبعيد .
الفصل الثاني
التحديات الستراتيجية التي يواجهها الاقتصاد العراقي واسباب نشوئها

هناك جملة من التحديات تقف حائلا في طريق الاقتصاد العراقي يعود معظمها الى تراكمات في الاخطاء والانحرافات التي ادت بدورها الى تحديد الاختلالات الهيكلية وعدم بلورة نظام اقتصادي سليم واضح المعالم مما افقد العراق امكانية وجود افق ستراتيجي بعيد المدى يمكن ان يتم السير في ضوئه في احداث النهوض الاقتصادي ، لذلك اقتصرت معظم المعالجات والسياسات الاقتصادية على اليات اطفاء الحرائق المرحلية دون الولوج الى حل جذري للمعلومات القائمة بل يتم اللجوء الى ترحيل المشاكل من مرحلة الى اخرى لاحقة لها وهكذا دواليك مما افقد البلد الامكانية في تراكم ما هو جيد بل اقتصر التراكم على ما هو سيئ وبالتالي تم تحديد الممارسات الخاطئة خصوصا في المجال الاقتصادي وكان التخبط هو السائد ، حيث يتم في فترة وجيزة الانتقال من فلسفة الى اخرى على حساب العواطف والمزايدات السياسية كما شاهدنا ذلك في مهزلة التاميم في عام 1964 والمزايدات الاشتراكية على الشيوعية بعد عام 1970 الى حد توريط الدولة في متاهات الجزئيات لحركة الاقتصاد العراقي ويمكن ابراز هذه المشاكل والمعضلات المتآصلة بما يلي :-
اولا : الجوانب السياسية وتشمل الحروب والحصار الاقتصادي :
لقد واجه الاقتصاد العراقي العديد من التحديات في السابق بسبب الحروب التي خاضها النظام السابق الى جانب الحصار الاقتصادي الشامل الذي فرض على العراق طوال ثلاثة عشر عامـا مـن قبل الامم المتحدة انذاك نتيجة ما يلي :-
1-    السياسات الخاطئة التي اتبعها النظام السابق اقليميا ودوليا .
2-    الادارة المركزية للاقتصاد العراقي التي ادت الى سوء توجيه واستخدام الاموال العامة .
3-    زج العراق بثلاث حروب مكلفة وابقاؤه تحت الحصار مما حرم العراق من اهم مصادر ايراداته النفطية .
4-    الاعمال العدائية والتخريب والسرقة والحرق التي اعقبت الحرب الاخيرة قد زادت من الاضرار بالاقتصاد العراقي وحالت دون استعادة عافيته .
ان هذه الاسباب قد خلقت تركة ثقيلة تمثلت بما يلي :-
1-    عزلة العراق اقليميا ودوليا .
2-    اثقال كاهل العراق بديون ضخمة لا يمكن للاقتصاد العراقي تحملها .
3-    اشاعة حالة الفقر بحيث تحولت غالبية افراد الشعب الى تحت مستوى خط الفقر .
4-    تدمير البنى التحتية الحيوية والخدمات العامة .
5-    انكماش دور القطاع الخاص .
6-    تعويق النظام المصرفي العراقي .
لذا بات على العراق لمواجهة هذه التحديات تضافر الجهود خاصة المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية لتمكينه من الانطلاق نحو المستقبل الأفضل بوجود :-
1-    بناء المؤسسات الديمقراطية .
2-    انهاء العزلة السياسية التي فرضها النظام السابق بعد سنوات من المقاطعة والحصار الاقتصادي ودخول العراق مجددا ساحة العلاقات الاقتصادية الدولية .
3-    الانفتاح على اقتصاديات العالم .
4-    اتباع سياسة مالية جديدة مسؤولة .

ثانيا : الجوانب الاقتصادية :
    اما فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والتي تترابط بالجوانب السياسية في اعلاه فيمكن تحديد ابرز التوجيهات الاقتصادية المؤثرة في الجانب السياسي بالنواحي التالية :-
1-    تدهور هائل في البنية التحتية ولا يزال الاقتصاد العراقي يعاني من هذا التدهور .
2-    تهميش دور القطاع الخاص .
3-    تراجع كبير في معدلات النمو الاقتصادي .
4-    تراجع كبير في المستوى المعيشي للسكان .
5-    معدلات كبيرة من البطالة .
6-    معدلات تضخم عالية جدا .
7-    توسيع كبير في الانفاق لايتناسب مع حجم الايرادات مما ادى الى حدوث فجوة كبيرة تمثلت بعجز واضح في الموازنة .
8-    فساد مالي واقتصادي واداري واسع امتد الى جميع جوانب المياه الاقتصادية في العراق .
9-    نظام مركزي شامل خلق تهميشاً لفئات وقطاعات واسعة من المجتمع .
ان مواجهة هذه التحديات والخروج من المأزق الذي يحيط بالاقتصاد العراقي يتطلب سياسة تنموية شاملة وعملية إصلاح واسعة تمتد إلى مجالات عديدة اقتصادية وغير اقتصادية تستند الى عدد من الإجراءات ويمكن تحديد البعض منها بما يلي :-
1-    رفع معدلات الادخار .
2-    تقوية التشابكات القطاعية خاصة القطاع الصناعي مع بقية القطاعات .
3-    مراعاة العدالة في توزيع الدخل لصالح الفئات الاكثر فقرا .
4-    تنمية القطاع المصرفي .
5-    توسيع المشاركة الديمقراطية لجميع فئات المجتمع .
6-    تعزيز التنمية البشرية بما يؤدي الى رفع قدرات الافراد وتوسيع الخيارات امامهم للمشاركة الحقيقية في الانشطة الاقتصادية المختلفة .
7-    معالجة الاختلالات الهيكلية التي عانى منها الاقتصاد العراقي طويلا من خلال الاهتمام بالقطاعات السلعية .
8-    الاهتمام بالتنمية الريفية ( المشاريع الحرفية ) .
مما تقدم يمكن تحديد ابرز المتغيرات الاقتصادية الاساسية التي تواجه وتقف في مسيرة الاقتصاد العراقي والتي تحد من قدرته على النمو والتطور خاصة ونحن نعرف ان المواطن واجه وسيواجه اعباء مالية ومعاشية جديدة كانت تتحملها الميزانية العامة للدولة من خلال قيام الحكومة بالغاء الدعم عن بعض السلع والخدمات والحاجات الاساسية لحياة المواطن اليومية خاصة المشتقات النفطية ورفع الدعم عن البطاقة التموينية والكهرباء والماء تدريجيا . وهذا ان دل على شيء فانه يدل على تغيير السياسة الاقتصادية والإيديولوجية التي كانت تتبناها الدولة لعقود طويلة وفيما يلي اهم التحديات والتي هي :-
1: جماح ظاهرة التضخم .
2: معدلات بطالة عالية .
3: سلبيات الادارة المالية .
4: تأهيل وتشغيل المشاريع الحكومية .
5: استشراء ظاهرة الفساد الاداري والمالي والاقتصادي.
6: تفاقم ظاهرة المديونية الخارجية.
7: تعزيز وتوسيع دور القطاع الخاص .
1- جماح ظاهرة التضخم :
    لقد عانى الاقتصاد العراقي ولا يزال يعاني من اثار ظاهرة التضخم واثارها السلبية ومنذ عام 1990 لغاية الوقت الحاضر ، حيث غطت هذه الاثار على المظاهر الايجابية المصاحبة لارتفاع الاسعار . فمن خلال استقرار المؤشرات وبيانات التضخم بشكل عام واتجاهات الارقام القياسية لاسعار المستهلك بشكل خاص في عام 2005 يمكن القول ان واقع حال الاسواق العراقية وحركة الاسعار فيها سوف تستمر بذات الطابع الذي كان سائدا طوال الفترة السابقة حيث ستعاني الاسواق من تذبذب وعدم استقرار المستوى العام لاسعار المستهلك ، فضلا عن ذلك يعاني الاقتصاد العراقي من مشاكل متعددة ومختلفة تقف حائلا دون التنبؤ بشكل سليم مما ستكون عليه الاسعار خلال النصف الاول من عام 2006 وفي مقدمة هذه المشاكل ما يلي :-
1-    الحالة الامنية غير المستقرة وانعكاساتها على الوضع الاقتصادي بشكل عام .
2-    تأثير الارتفاع في الاسعار للمواد المستوردة خاصة ان الطلب مازال يعتمد بشكل كبير على الاستيرادات .
3-    حالة الترقب لسوق النفط والذي يشهد تزايدا في الطلب والاسعار .
4-    التوقعات بشأن السير في طريق الاصلاح الاقتصادي خاصة ما يتعلق بتحرير الاسعار وخفض او رفع الدعم .
5-    مدى دقة البيانات المعتمدة في احتساب الارقام القياسية وشمولها وتمثيلها للظاهرة . اذ يواجه هذا الرقم تحدياً كبيراً بسبب عملية احتسابه والقائمة على اعتماد سنة اساس بعيدة هي عام 1993 والتي قد لا تعكس المتغيرات التي شهدها انفاق الفرد وتطور دخله بشكل خاص من خلال السنوات القليلة الماضية . وبافتراض استمرار الارتفاع بهذه المؤشرات خلال ما تبقى في النصف الاول لعام 2006 ، فضلا عن الارتفاع في اسعار الاستيرادات بسبب ارتفاع اسعار النفط في الاسواق الدولية وثبات سعر صرف الدينار العراقي ازاء الدولار مما يؤدي الى تزايد معدل التضخم ولدى الرجوع الى البيانات التاريخية الخاصة بالارقام القياسية لاسعار المستهلك للنصف الثاني من عام 2005 يتوقع بان الاسعار عموما سوف تتجه نحو الارتفاع وعدم الاستقرار خاصة ان للتضخم جملة من الاثار السيئة التي تضر بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية مما يعرقل تحقيق الاستقرار النقدي والسعري وتفشي ظاهرة البطالة بالاضافة الى وقود طاقات انتاجية عاطلة ينتج عنها ما يلي :-
أ-    ان للتضخم تأثيراً سلبياً على المدخرات الطوعية .
ب-    ان التضخم يؤدي الى تدهور سعر الصرف للعملة المحلية تتجه للارتفاع المستمر في الاسعار من جانب الجهات الانتاجية .
ج-    ان التضخم يؤدي الى اضعاف ثقة الافراد بعملتهم الوطنية الامر الذي ينجم عنه تزايد قوى الاستهلاك وتفضيل النقود الاجنبية .
د-    ان التضخم يؤدي الى استحالة حساب التكاليف الحقيقية المستقبلية للمشروعات ولهذا فهو يعرقل عمليات التخطيط والتنفيذ .
هـ- ان التضخم يفاقم من عجز ميزان المدفوعات لانه يعوق الصادرات ويشجع على زيادة الاستيرادات لما يسببه في تغير للاسعار النسبية للمنتجات المحلية والمستوردة .
2- معدلات البطالة العالية :
تعتبر ظاهرة البطالة في العراق من المواضيع المهمة باعتبارها تشكل مشكلة أساسية جاءت نتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية . وقد تعمقت في الفترة الاخيرة بعد سقوط النظام السابق واصبحت ظاهرة لا يمكن تجاهلها او تركها لاليات سوق العمل الحرة حيث ان ارتفاع معدلات البطالة يمثل احد الوسائل الدالة على تدهور الوضع الاقتصادي ، كما ان تزايدها يعني ببساطة نمو القوى العاملة بمعدل يفوق معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي .
لقد اظهرت نتائج مسح التشغيل والبطالة الذي قام به الجهاز المركزي للاحصاء خلال الاعوام 2003 ، 2004 ، 2005 ان معدلات البطالة الفعلية لكلا الجنسين قد بلغت بحدود (28.1%) ، (26.8%) و (31.3%) على التوالي في عموم محافظات العراق باستثناء منطقة كردستان للحكم الذاتي ، وهذا يشير الى التراجع الكبير في مستوى النشاط الاقتصادي نظرا للظروف والاحداث التي مر بها الاقتصاد العراقي متمثلا بعمليات النهب والتخريب التي حدثت في عام 2003 وما بعدها . ان ارتفاع معدلات البطالة التامة والناقصة لكلا الجنسين يقارب من (57.4%) وهذا يعتبر تحدياً للاقتصاد العراقي . وللتدليل على هذا التحدي نشير هنا الى ان معامل مرونة نمو العمل يتراوح بين (0.2-0.3) فاذا افترضنا ان اعداد القوى تزداد بمعدل (3%) سنويا تقريبا فان معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي ينبغي ان يتراوح بين (10%) الى (15%) سنويا لغرض استيعاب الايدي العاملة الجديدة وهذا المعدل يتطلب استثمارات تتراوح بين (40% الى 60%) وهذا الحجم في الاستثمارات لا يمكن تحقيقه في ظل الاوضاع الاقتصادية الراهنة من عدم استتباب الامن والاستقرار . وفيما يلي ابرز العوامل التي ادت الى تفاقم ظاهرة البطالة في الاقتصاد العراقي والتي هي :-
1.    انخفاض الموارد المالية والضريبية للدولة مع اعتماد النمو في الناتج المحلي الاجمالي على نموالاستيرادات النفطية المتحققة في انتاج النفط الخام وتصديره الى الخارج والتي لا يوظف منها الا نسبة بسيطة قد لاتتجاوز تشغيل (1%) من القوى العاملة .
2.    عدم وجود خطة مدروسة واجراءات فعلية مؤثرة تجاه البطالة باستثناء برامج التشغيل المؤقتة التي باتت تستنفد بعض موارد المنح مع استحداث درجات وظيفية محددة في النشاطات والدوائر الحكومية كالقطاع الصحي وقطاع التربية والتعليم العالي .
3.    لقد اتسمت الفترة بين 2003-2005 بعدم الاستقرار في الجانب الأمني والسياسي والاقتصادي بالإضافة الى تلكؤ برامج إعادة الاعمار وتضرر عدد من المشاريع الصناعية والخدمية قد أثرت سلبا على حركة الاقتصاد العراقي مما ادى الى محدودية فرص العمل .
4.    محدودية فرص العمل نتيجة لتردد القطاع الخاص عن الاستثمار خاصة ان القطاع الخاص يعتبر الأكثر قدرة على خلق الوظائف الجديدة من القطاع الحكومي .
5.    الصعوبات المتعلقة بالحصول على العملة الأجنبية لاستيراد متطلبات المدخلات الإنتاجية الأولية والوسيطة للمشاريع الإنتاجية المتوقفة عن العمل قد زاد من حدة مشكلة البطالة .
6.    ان النقص الحاد في المدخلات الأساسية قد عمق مشكلة البطالة وعلى الأخص تلك المتعلقة بقطاع الإمدادات الاساسية للمنشآت الاقتصادية كالوقود والماء والكهرباء والنقل وما ترتب عليه من صعوبات في هذا المجال .
3- سلبيات الادارة المالية :
يعد الإهمال المتعمد من النظام السابق للسياسة المالية واضحا فقد سعى العراق ممثلا بوزارة المالية الى إتباع سياسة مالية مسؤولة في اعداد موازنة عام 2004 و 2005 تستند الى اتباع قاعدة التوازن ، وعند ظهور عجز فلا بد ان يكون مؤقتاً وغير دائمي يمكن ادامته وتمويله من مصادر معروفة مسبقا دون اللجوء الى القروض والطبع النقدي ، كذلك الاخذ بعين الاعتبار التوازن بين الاستهلاك والاستثمار ومعدلات الدين للناتج القومي وقدرة الاقتصاد العراقي على خدمة هذا الدين .
    لقد صدرت موازنة عام 2004 و 2005 معتمدة الى حد كبير على مصدر واحد لتمويلها وهو الايرادات النفطية . لذلك يسعى العراق الى تنويع إيراداته وتجنب الاعتماد على مصدر واحد لتمويل الموازنة فقد تم :-
•    بناء نظام ضريبي فعال يتسم بالبساطة والشفافية ويوازن بين تخفيف العبء الضريبي لتشجيع الاستثمار وادامة ايراد جيد ومستقر لتمويل الموازنة فقد تم من ناحية تخفيف نسبة الضريبة على المدخولات الى (15%) كحد اعلى من ناحية وتوسيع القاعدة الضريبية بحيث شملت مدخولات العاملين في الدولة وتقليل الاستثناءات .
•    دراسة امكانية استحداث ضريبة المبيعات او القيمة المضافة التي تتسم بالشمولية والقاعدة العريضة لهذه الموازنة بموارد اضافية .
•    دراسة التدرج في تخفيف دعم الاسعار للسلع والمنتجات وخاصة اسعار المنتجات النفطية والطاقة لتوفير موارد لتمويل الموازنة من ناحية وترشيد استخدامها وعدم تسوية الاسعار .
4-تأهيل وتشغيل المشاريع الحكومية :
لقد بات من الضروري اصلاح وتاهيل المشاريع الحكومية التي تحولت من قائد للعملية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الى عبء على الميزانية العامة للدولة فمنشآت ومؤسسات القطاع العام اصبحت في اغلبيتها خاسرة نتيجة لانخفاض الجودة في السلع المنتجة مقارنة بالسلع المستوردة اضافة الى كونها تتصف بضعف القدرة التنافسية للسلع ، خاصة ان العراق يمتلك ما يقارب (192) مشروعا مملوكا للدولة يعمل فيها ما مجموعه (500000) عامل وان قوة العمل هذه تعيل جزءا مهما من السكان . وبعد احداث نيسان من عام 2003 عانى الكثير من المشاريع من عمليات السلب والنهب والتدمير ، وان اغلب هذه المشاريع اصبحت خارج الخدمة معطلة ويمكن تصنيف هذه المشاريع الى مجموعتين هما :-
1.    المؤسسات والمنشآت والشركات التي باتت تشكل عبئا ماليا على الدولة فمن المفروض اما ان تصفى او ان تندمج مع بعضها البعض لتكوين وحدات متكاملة ذات جدوى اقتصادية وفنية بهدف تحقيق كفاءة الاداء الاقتصادي المطلوب .
2.    تحديد المؤسسات والمنشآت والشركات التي تعتمد على المستلزمات الإنتاجية من المواد الأولية المحلية والتي يزداد الطلب على منتجاتها مثل المنتجات الزراعية والمنتجات البتروكيمياوية والأسمدة والسمنت والبلاستك حيث يتم تأجيرها او بيع الخاسر منها بعد تأهيلها ويمكن تنفيذه عبر تشكيل لجان في الوزارات المعنية لتدقيق حساباتها والبت فيها من جهة إبقائها او تصفيتها . ان القصد في سياسة البيع او التأجير هو اعادة النظر في السياسات المتعلقة بملكية الدولة للمرافق العامة والوسائل الإنتاجية والخدمية وكذلك في التشريعات المنظمة لها واسلوب تنفيذ المشروعات من قبل الدولة او من قبل القطاع الخاص .
ان الاسباب الموجبة لتاجير او بيع المشاريع الحكومية من منظور اقتصادي يمكن تحديدها بالاتي :-
أ-    رفع كفاءة المشروعات الاقتصادية وزيادة انتاجيتها وقدرتها التنافسية .
ب-    الاسهام في تشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والدولية بتوفير مناخ استثماري جاذب لها.
ج-    تحفيز الادخارات الخاصة وتوجيهها نحو الاستثمار الطويل المدى تعزيزا لسوق رأس المال المحلي والاقتصاد القومي .
د-    تخفيف العبء المالي عن الخزينة العامة للدولة بوقف التزاماتها بتقديم المساعدات والقروض للمشاريع المتعثرة والخاسرة .
هـ- ادارة المشاريع الاقتصادية العامة باساليب حديثة بما في ذلك استخدام التقنية المتطورة بهدف تمكين هذه المشاريع من ايجاد اسواق مستقرة ومنح اسواق جديدة من خلال قدراتها على المنافسة في الاسواق العالمية .
5- استشراء ظاهرة الفساد الإداري والمالي والاقتصادي :
يمتلك العراق موارد اقتصادية وثروة نفطية هائلة يمكن ان تكون عرضة لامكانية السلب والنهب الحكوميين وكشكل من اشكال الفساد الاقتصادي الكبير وهو ما يجري على نطاق الاعمال او النخب السياسية وتاثيرها على السوق من خلال المناورة واستخدام الاساليب غير السليمة وغير المشروعة بغية الحصول على العقود (مثل عقود المشتريات والمقاولات والتأديات الخارجية وغيرها ) اضافة الى استخدام المحسوبية والمنسوبية للحصول على معاملة تفضيلية في مجال الاعمال والتهرب الضريبي . ان الشعب العراقي يمتلك الحق لمعرفة ما يدور في العراق من قبل الحكومات المتعاقبة وقوات الاحتلال وتنظيماتها وامورها المالية وما يرتبط بها من امور ما خفى منها اكثر من ظهر والتي نراها ونحسها على مرآى ومسمع العالم والتي تتمحور بالاتي :-
1.    صيانة وتطوير المال العام وكيفية التصرف به حيث نفترض وجود سلطة مركزية واحدة تعنى بشؤون المال العام وكيفية تطويره والتصرف به لمصلحة عموم المجتمع .
2.    انهيار الهيكل التنظيمي للدولة تحت ظروف الاحتلال ومنذ نيسان 2003 فان الهيكل التنظيمي قد انهار وبدأت عملية انحلال دون احلال للمرافق العامة وكيفية ادارتها المال العام والتصرف به حيث وجدت قنوات عديدة لتسلم هذا المال من عائدات النفط التي يفترض ان تدخل في خزائن الدولة حيث وجد ان هناك فجوة واسعة بين ما تم التعهد به وما تم انفاقه بطريقة او باخرى .
3.    عدم وجود خطة اقتصادية للدولة : ان انعدام وجود متابعة لخطط اعمال الوزارات نتيجة لعدم وجود خطة اقتصادية عامة ادى الى الانفراد في تنفيذ المشاريع بعيدا عن معايير مقررة رسميا وهو ما يؤدي الى عدم وجود متابعة في الية صرف المبالغ على المشاريع المنفذة والابتعاد عن المحاسبة المالية وقواعدها وجدوى المشاريع المقترحة وهو ما ادى بالنتيجة وخلال السنوات المنصرمة الى انعدام تأهيل وبناء البنى التحتية او ظهور مشاريع جديدة منفذة يقابلها مصاريف مالية ضخمة .
4.    اعتماد الدولة على خبرات محلية واجنبية غير مؤهلة لقيادة وتنظيم مسيرة الاقتصاد العراقي وربطها بانظمة وقوانين اجرية غير مناسبة تشكل نسبة عالية من موارد الخزينة اضافة الى ما يترتب على ذلك من مخصصات تفوق اضعاف هذه الاجور وغالبا ما يكون تواجدهم خارج الدولة اكثر من ايام العمل المعروفة في الداخل .
5- محدودية دور اجهزة الرقابة المالية متمثلة بضعف دور ديوان الرقابة المالية ، وعدم وجود دعم من الدولة لاليات متابعة اساليب صرف الموازنات للوزارات وفقا للاصول المعتمدة ادى الى عدم وضوح الحقائق وانعدام الشفافية .
6-    الفساد الاقتصادي هو ظاهرة معكوسة للفساد الاداري والمالي حيث ان استفحال الفساد باشكاله الثلاثة ادى الى احجام الدول المتقدمة عن تنفيذ مشاريعها في الداخل .
7-    عدم استتباب الامن ادى الى عدم الاستقرار كون ان العراق أصبح ساحة حرب على الإرهاب ونتيجة للفساد الاقتصادي المستشري في أجهزة الدولة فقد أدى ذلك إلى تصاعد وتيرة العنف وفقدان الأمن ،اذ كما هو متعارف عليه ان التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة .
6- تفاقم ظاهرة المديونية الخارجية :
يشكل الدين الخارجي على العراق والبالغ بين (150-170) مليار دولار من التحديات المهمة للسياسة الاقتصادية العراقية لان عبء الدين الخارجي الذي خلفه النظام السابق جسيم للاقتصاد العراقي تحميله وخدمته ويعيق الجهود التي تبذل لانطلاقته واستعادة عافيته لذلك يسعى العراق بجدية وبالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية وبالأخص (صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، نادي باريس ، نادي لندن) وكذلك الجهود التي بذلها السيد جيمس بيكر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق للحصول على تخفيضات جوهرية لهذه الديون في جانب الدول الدائنة .
    لقد أعرب العديد من بلدان العالم الدائنة عن نيتها للتعاون والتفاوض لإجراء تخفيض كبير على ديونها الى مستويات يمكن للاقتصاد العراقي ديمومتها وخدمتها دون ان تعيق تحقيق معدلات نمو اقتصادي عالٍ ومستمر ، ان العراق مستمر في تجميع البيانات المتعلقة بديونه والمستندات الموثقة لها وقد استعان بشركة محاسبية عالمية لاجراء الفحص والمطالعة مع الدائنين تمهيدا للجلوس مع نادي باريس ولندن للمرحلة الثانية .
    7- تعزيز وتوسيع دور القطاع الخاص :
    ان من اولويات السياسة الاقتصادية العراقية في الوقت الحاضر هو تفعيل وتوسيع دور القطاع الخاص باعتباره احدى الوسائل الفعالة لتفعيل الاقتصاد العراقي وتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص التشغيل وقد اتخذت خطوات عديدة في هذا الاتجاه منها :-
تعديل قانون الشركات العراقي لتسهيل تأسيس الشركات بتبسيط اجراءات تسجيلها وتنظيم اعمالها .
ايجاد اسس مالية تعمل بصورة جيدة وكفوءة في مجال الاستثمار ، فان هذه البيئة تتمثل في قيام شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص ومشاركة المخاطر بينهما وان تدار من قبل هؤلاء القادرين على ذلك
نتيجة للتردد والخوف لدى القطاع الخاص يتوجب على الحكومة ان تطبق سياسات تتصف بالمصداقية وان تعمل كل ما هو ممكن لتقليل مخاطر الاعمال ، لذا يتطلب توظيف استثمارات في رأس المال المادي والبشري .
اصلاح النظام الضريبي وتخفيض الضريبة على المدخولات مما سيترك حصة اكبر من دخل الوحدات الاقتصادية لديها لاستثمارها في مشاريع جديدة وتوسيع المشاريع القائمة .
تشجيع المصارف التجارية الحكومية والخاصة على توسيع منح التسهيلات الائتمانية والقروض بالعملة المحلية والاجنبية لتوسيع نشاطات وفعاليات المشاريع الخاصة .
السعي لدى المؤسسات المالية الدولية لحثها على تقديم القروض والمساعدات لدعم مشاريع القطاع الخاص .
اعادة النظر في دور القطاع العام الذي توسع بشكل كبير خلال العقود الثلاثة السابقة رغم ما تعانيه الشركات العامة من ضعف وعدم كفاءة في ادارة واستخدام الاموال العامة وتتداول عدة افكار للتعامل مع الشركات العامة بعد اعادة تأهيلها بما يخدم الاقتصاد العراقي وتفعيل القطاع الخاص .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة