المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عن معرض الرسام العراقي جسام خضر حسن.. تجريد يجسد الحلم الطويل بالحرية
 

آن فيربيرن*
ترجمة : حسن ناصر
*آن فيربن: شاعرة وإعلامية أسترالية معروفة، ولها العديد من الترجمات للشعر العراقي إلى اللغة الانجليزية.
استراليا خاص بالمدى
صالة ( MLC ) هي صالة صغيرة تطل على شارع هاريس في منطقة التيمو بسيدني لها باب لونه أحمر برّاق يحمل الرقم 449. في هذه الصالة مازال الفنان العراقي الاسترالي جسّام خضرحسن يعرض لوحاته منذ اسابيع عدة. ولد الفنان جسّام في العراق عام 1953 وتخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1979 ليحصل بعدها على الدبلوم العالي في الرسم من الأكاديمية نفسها عام 1982. أصبح بعدها عضوا في نقابة الفنانين العراقيين وكذلك في جمعية التشكيليين العراقيين. نال جائزتين عن اعماله وشهادة تقدير وأقام معارض في بغداد والأردن وشارك في معارض جماعية في الصين وايطاليا وقطر وبنغلادش بالأضافة الى معارضه في سيدني.
باعتباري رسامة ولدي شغف كبير بالفن أجد أن اعمال جسّام مثيرة بكل تأكيد بل ان لي الشرف في تسجيل كلمات قليلة عن اعماله بهذه المناسبة.
لقد زرت معرض الفنون ببغداد مرات عديدة في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي ورأيت الكثير من اللوحات كما تكوّنت لدي معرفة بالمستوى الراقي للأعمال المعروضة بدءاً من الأعمال الأثرية القديمة الى الأعمال الحديثة لفناني الإنطباعية التجريدية المعاصرين، واستطعت ان أعيد الى متحف الفن ببغداد لوحة رسمها الفنان العراقي الشهير جواد سليم اعطانياها السير روبرت درو وكلفني باعادتها الى المتحف هناك. وكان السير درو قد حصل على تلك اللوحة قبلذاك بسنوات عديدة بينما كان يقوم بمهمة تاسيس مدرسة الجراحين الحديثة ببغداد. كان مؤمنا بأن ذلك العمل الفني الرفيع يجب أن يعلق على جدران متحف بغداد.
تمثل أعمال جسّام بالنسبة لي رمزا قويا في استراليا النائية يعبّر عن العبقرية المبدعة لشعب مهد الحضارات، هذا الشعب الذي ندين له بمفهوم حضارتنا الغربية واتمنى من اعماقي أن يتم عرض لوحات جسّام في جميع انحاء بلادنا في المستقبل القريب.
تم تنفيذ جميع الأعمال المعروضة بالكريلك على الجنفاص وقد اذكت اللوحات في رأسي كلمات الفنان السويسري الشهير بول كلي (1803
-1882) لا يعيد الفن انتاج المرئي بل يصنع الرؤية.
هناك لوحة مميزة في رأيي تلك هي (فضاءات) التي تنتمي الى التجريد بشكل جلي بألوانها البراقة حيث تُظهر القوة النابضة والإثارة. كل لوحة من اللوحات في هذا المعرض هي تعبير تجريدي حر يبدو وكأنه ترميز للتوق الطويل نحو الحرية التي يحلم العراقيون بتحقيقها في وطنهم الأم. هناك خاصية حسية حميمة فيما يتعلق باللوحات ذات اللون الوردي التي تصور اجساد نساء المعبر عنها بأسلوب تجريدي ايضا.
هناك براءة موروثة في التجريد المتناسق وإن كان لا ينكشف الا للعين المدربة ولكنه يبدو كذكريات لكل ما حدث في حياة جسام. وهناك حس بالطفولة ايضا في لوحات سماها جسام (استرجاعات / فلاش باك). عنوان المعرض هو حالات انسانية وهذا بالضبط ما تسعى اللوحات العشرون الى التعبير عنه بهذه الأعمال المثيرة التي تم تنفيذها بخبرة عالية.


(الحمار) موضوعاً فنيا في معرض سوداني
 

وارد بدر السالم
قدم الفنان السوداني خالد حامد يوسف على إحدى صالات المجمع الثقافي في أبو ظبي معرضاً فنياً لافتاً للأنظار، حينما جعل من " الحمار" والعربة موضوعاً أساسياً في مجمل لوحاته التي شكّلت وحدة قروية من البيئة السودانية، وقد يكون من المفارقة أن يتقدم هذا الفنان بهذه الرؤية الجريئة، وهو يقدّم أعماله المائية بثقة تستحق الإنتباه..والفنان خالد يوسف ولد في أم درمان وتخرج في كلية الفنون الجميلة في الخرطوم وعمل في المؤسسة الوطنية للثقافة والفنون، وهو يدرّس الألوان المائية للأجانب وأعضاء السلك الديبلوماسي في الخرطوم.كما ساهم وشارك في معارض شخصية وجماعية من العام 1984 وحتى العام 2006..
يبدو الفنان السوداني خالد حامد يوسف أميناً للواقع الاجتماعي الذي يعيشه إلى درجة القناعة بأنه قادر على أن يجعل منه بؤرة مركزية تمتد من خلالها أكثر التفصيلات اليومية دقة؛ لتشكل المشهد الأوسع حضوراً في الذاكرة الشعبية السودانية؛ وقد يكون اختياره لموضوعة (العربة والحمار) ما يمكن أن يتميز به وهو يقدم عالماً مرئياً بلا رتوش إضافية ولا حساسيات لونية في محاولة منه أن يكون في صميم الواقع وأن ينبري من القاع بظواهره الجمالية التي يتمثلها بجدية وبُعد نظر وبريشة تعرف مسالكها إلى ذلك القاع، حيث الحمار المتعاشق مع الحياة السودانية إلى درجة الإندماج الكلي مع الإنسان، وحيث العربة: مصدر الرحيل الدائري في مساحة جغرافية مصممة على أساس واقع معروف وشاخص بكل ما هو مثير وإلى درجة الغرابة في كثير من الأحيان.وربما سيكتسب هذا الفنان لقب "الفنان الشعبي" وهو يقامر بالوصول إلى أكثر المناطق قسوة وبُعداً، حيث الإنسان لا يزال يعيش في غربة فردية بشكلها العام، لكنها غربة شخصية أيضاً إذا تمعّنا في تضاعيف المكونات الأساسية التي يلتقطها الفنان من تلك القضية المعتمة..
الحمار والعربة (الكارو) يلخصان فكرة الزمن الواقعي في القرية السودانية، كما يؤشران الكثير من المظاهر الاجتماعية التي حفلت بها أكثر من عشرين لوحة تماسكت في ألوانها المائية التي برع الفنان في استخدامها وهو يضرب في متون العزلة القروية ويلتقط شخصياته المغيّبة بمهارة صياد عارف أن طرائده تبدو لأول وهلة كأنها أشباح مارقة في فضاءات مفتوحة وغامضة، غير أنه سرعان ما يقترب منها أو تقترب منه في لحظة تنوير فنية تتقاسمها ألوانٌ بيئية وهي مائية في أغلبها وقليلٌ منها يُنفذ على الخيش والأقل من ذلك ما يستخدمه من (سبري) بخاخ لتثوير منطقة العتمة في موضوعته بأكثر الألوان شفافية وجمالاً.
أغلب عربات هذا الفنان كانت متجهة إلى الخلف، بما يشي بأنها في رحيل دائم، لكنه رحيل محكوم بعزلة ما ووحدة ما، وكل عرباته (الكارو) جسّمت الذائقة الشعبية في دورانها اليومي من خلال الوجوه الكثيرة التي أفصحت الألوان الباردة عن عزلتها وشبحيتها في بعض المواقف، ولا يمكن اعتبار (الحمار) المتكرر في المشهد الفني الذي قدمه الفنان خالد يوسف عابراً في تركيز اللوحة على جزئيات شعبية ومحلية؛ إنما (هو) ضمير يومي ورمز شعبي وموضوع أساسي في تشكيل المعرض، لا لمحاولة أنْسَنَتِهِ كما يميل البعض إلى ذلك لمنحه (هوية) أخرى تخرج عن منطق الهدف الفني؛ لكن التركيز عليه في كل العرض القائم كان هدفاً فنياً لذاته، تمكن منه الفنان حينما جعله لصيقاً للإنسان في كفاحه اليومي في مجاهل الحياة وفي قرية قد لا نعرف الشيء الكثير عنها، لكننا نستطيع أن نقول أنها قرية شاملة موضوعة في كل مكان في العالم العربي والأفريقي على وجه الخصوص، وهذه دالّة فنية ناجحة بمقياس الهدف الفني الذي سعى إليه الفنان.


من المكتبة العراقية
 

تشكيل ما قبل المعركة

شعر: علي الحسينان
عن دار أزمنة بالأردن صدر للشاعر البصري علي الحسينان ديوان شعره الأول (تشكيل ما قبل المعركة) عن سلسلة (إبداعات عربية) وقد جمع فيه عدة أبواب شعرية هي كتاب الطفوف كتاب الحالم كتاب التفاصيل الخاتمة وقد جاء في فاتحة كتاب التفاصيل قوله:
كل الأشياء من ورق
والريح وئيدة
كأن الشتاء لا يمكنه الحلول
فمن يعبث بهذه القلوب
المكتنزة كثمر التين
....
عصفور في الشمس
والساحات مصيدة
 


تبجحات

شعر: باسل عبد الله
من منشورات اتحاد الكتاب العرب في دمشق صدر حديثاً للشاعر العراقي باسل عبد الله ديوان (تبجحات) جمع فيه قصائده الحديثة ومنها: الليل الغابة الموت الحلم وعدة تبجحات مع ملحق شعري مطول بثلاث عشرة قصيدة طويلة وقصيرة وفي قصيدة (ارض الشعر) قال:
لا..
لا تقترب من هنا
من أرض الشعر
من أرض الدموع اللؤلؤية
والخيالات العجيبة
والموتى
والجمال
والزهور التي تستدير ببراعمها
نحو الظلام


فن الموشح الأندلسي

دراسة: جبار سهم السوداني
للباحث الشاعر جبار سهم السوداني صدرت حديثاً دراسته (فن الموشح الأندلسي) وهي بالأساس مجموعة دروس ألقاها على طلبته في معهد الدراسات الموسيقية ببغداد حيث عرف فيها بفن الموشح وأصوله وأنواعه وشعرائه المؤسسين ونماذج من شعرهم وقد عالج فيه آراء النقاد القدامى بهذا الفن بدقة وتتبع تاريخيين.


القاص محسن الخفاجي ..وسماء الحرية من جديد
 

زيدان حمود
ثلاث سنوات مترعة بالحزن والألم ونزيف الدماء العراقية الزكية التي تستباح يوميا وبلا موعد سابق مع الموت،حيث السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، والطلقات الطائشة لقناص يستهتر بالنفس الإنسانية التي حرم الله قتلها إلا بالحق، ليحيلها إلى رقم في تعداد الأرقام المركونة على مصاطب الطب العدلي، ثلاث سنوات من اجتراع الحزن في نفوس العراقيين جميعا، كان فيها القاص والروائي المبدع محسن الخفاجي يجترع الغربة وراء القضبان، يلوك المرارة إصبعا من نار، وهو يتلظى على جمر الرمال الساخنة في أم قصر ويتلفظ حروف المعتقل المرمي على أطراف الصحراء بلكنة أمريكية (بوكا) وهو يقارنه بمعتقل آخر على سواحل كوبا وهو (غوانتنامو) (كوبا و بوكا) مفردتان تحملان نفس الحروف وتتعانقان بذات الصلف البعيد عن الإنسانية.
سياسيون كبار وإعلاميون كبار وتجار مخدرات كبار ولصوص كبار وأولاد شوارع صغار ومدمنو خرافات أزلية عن النهج الأمريكي الضارب في الحضارة، تقودهم خطوات الحلم الأمريكي الزائل بين (بوكا وأبو غريب) يتعرف عليهم الخفاجي ويتعرفون عليه، يقص عليهم حكايات المدن المنسية في الجنوب، ويقارنها (بمدن كالفينو اللا مرئية) ثم يغادره إلى رحيق المدن المشتهاة في الذاكرة، ومحسن الخفاجي في رحيل مستمر بين (بوكا وأبو غريب) وهو لا يعرف سرا لاعتقاله سوى انه كان مترجما لستة من الأسرى الأمريكان الذين أسرتهم القوات العراقية في الناصرية، ولم يتعد وقت الترجمة سوى خمس عشرة دقيقة لم يكن فيها السؤال سوى من أنت؟ إلى أية وحدة تنتمي؟ ولماذا دخلت إلى العراق؟ وكان الجواب فيها واحدا موحدا (لا اعرف شيئا) ولم تكن مشيئة القدر رحيمة بهذا القاص الذي سطر بأنامله المبدعة قصصا محفورة في الذاكرة لايمكن للقارئ المتابع أن يضعها في قائمة النسيان (ثياب حداد بلون الورد، أربعة أحلام من قتيل، شارع الزواج في لكش،قناع بورشيا) إضافة إلى روايته التي جسد فيها حلم الجنود المنسيين فوق صخور جرداء في حرب لاترحم، وشمت فيها تواريخ ميلادهم (وشم الدم على حجارة الجبل)تلك الرواية التي كانت فيها الصخور تتفتت وتتحول إلى هم إنساني تصطبغ فيه الوجوه الحالمة بابتسامة عذبة من فم طفلة غارقة في حلم الجنوب، أو كركرات صبي اكرت الشعر ينتظر أن تطل عليه طلعة أبيه الجندي المسافر دائما إلى حروب لا تنتهي.
ربما هو القدر المر الذي رمى (بأيوهان مورتيز) بطل رواية(الساعة الخامسة والعشرون لكونستنتان جورجيو) في دهاليز الأسر النازي أو التجربة القاسية في ذات الأسر وذات الرواية التي دفعت(بتريان كروغا) الروائي المعروف إلى أسلاك السجن الشائكة ليموت برصاصة الجندي البولندي وهو يردد عبارته الأخيرة (أيتها الأرض الحبيبة إنني أمنحك نفسي إلى ألا عودة أنا المجهول الذي جئت من بعيد إلى هنا) لتلامس شفتاه التراب قبل ان يتمكن من تدوين الحلم الإنساني المتداخل في الأوجاع مع صور الأسر القاسية، ربما هو ذات القدر الذي ساق محسن الخفاجي كما ساق تريان كروغا إلى الأرض التي انتمى إليها مع الفارق إن الخفاجي شاهد سماء الحرية بعد ثلاث سنوات من الاحتجاز قد تكون كافية لكتابة رواية جديدة فيها ساعة أخرى من ساعات الزمن المضافة إلى حياتنا والمقتطعة منه بسبب الحروب التي تنصبها لنا شباك المخططين لها بأعصاب باردة ودم بارد، وكلمات مخطوطة بأصابع باردة تعلن عن بدء الحرب دون أن تعرف كيف أو متى ستدون كلمة أخرى تعلن عن إيقافها.


أصداء أسبوع المدى الثقافي في الصحافة العربية: المشهد الثقافي العراقي من خلال 500 مدعو إلى مؤتمر المدى .. زمن لأربيل وآخر لبغداد.. زمن للداخل والخارج.. والعراق في اللحظة المعلقة
 

عباس بيضون
عن (السفير )اللبنانية
تنشر (المدى) جميع الأصداء والمتابعات والآراء والتعليقات حول أسبوع المدى الثقافي الذي اختتم أعماله السبت الماضي في مدينتي أربيل والسليمانية التي نشرت أو ستنشر في مختلف أجهزة الإعلام.
(المدى) ستلتزم الأمانة في نقل كتابات الجميع، وعلى هذا سيصادف القراء الإيجابي والسلبي من الآراء المتعلقة بفكرة الأسبوع أو سير أعماله أو نتائجه.. سيصادف القراء ما يتفق مع قناعات مؤسسة (المدى)، وما يختلف معها. كما سيصادفون من الآراء ما هو مكتوب بدوافع ثقافية حقيقية، بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف، فيما سيصادفون آراء أخرى لم تستطع أن تخفي دوافعها الضيقة والمريضة.
فمثلما كان الأسبوع مساحة حرة للجدل والاختلاف والتعدد، تتعهد هذه الزاوية المكرسة لتغطية ردود الأفعال بالتزام مساحة الحرية نفسها، ونترك لذكاء القراء وحصافتهم تقدير الصحيح والغلط، الغث والسمين، في ما يطالعون من آراء وتعليقات.

كان لوبي فندق السانزروك في عمان شبه خال لدى وصولنا من بيروت في الصباح، وحين صعدنا الى مطعمه للغداء لم نجد طاولة مشغولة. لم يخطر لنا انه عمر في الليل بواصلين من كل مكان في العالم، ذلك ان المطعم في الصباح التالي كان مليئا واللوبي غاصا بالناس وحين خرجنا الى الباحة لنصعد الى الباصات كان حشد ينتظر، لا نعرف اذا خرج من الفندق او تقاطر من فنادق اخرى ايضا. في التاسعة كان مئة وتسعون يستعدون للذهاب الى المطار، المئة والتسعون الذين صعدوا الطائرة الخاصة التي تنتظرهم توجهوا في أربيل الى الشيراتون وظنوا انهم وحدهم الذين يشكلون المؤتمر. رقم المائتين هو الذي توقف عنده الذين كتبوا عن افتتاح المؤتمر، كان الرقم متدنيا كثيرا عن الحقيقة، صححه فخري كريم صاحب "المدى" وصاحب الدعوة فقال انه خمسمائة لا مئتان. مرة ثانية كان صعبا ان يحيط النظر بالعدد. بالاضافة الى الشيراتون كان ثلاثمائة أُخر يملأون ما تبقى من فنادق اربيل، لم يكن متوقعا ان نصادف هذا العدد في اي مكان، انه منشور في المدينة، في فنادقها. وفي شوارعها، وفي نشاطات المؤتمر وخارجها. لم يظهر هذا العدد بكامله في مكان اذ لا يتسع له فندق ولا قاعة. لقد بقي في كل وقت جزء منه غائبا عن النظر. كان العدد بالتأكيد امتحانا صعبا لطاقة الفنادق وطاقة مطعم الشيراتون الذي كف عماله عن اخذ التواقيع فبات مطعمه ولوبيه نهبا لداخلين لا مجال لحصر عددهم. انهم خمسمائة ولم يبدوا في عددهم التقريبي الا ساعة الافتراق، حين سبق ثلاثمائة الى السفر جوا الى بغداد، فيما فضل مئتان للسليمانية. لا شك في انني اطلت في لعبة الأرقام هذه، لكن الرقم السحري هو من صنع فخري كريم الذي ربما ضايقه ان لا يظهر على حقيقته. الرقم السحري ليس وحده كذلك بين افعال فخري كريم التي تشبه السحر، اذ ظل الرجل يلعب بأرقام اخرى. بدأ بأن اخذ تعهدا برعاية 200 من الأدباء المحتاجين وظل الرقم يكبر كلما التقى بأحد النافذين حتى وصل ال 500 في اليوم الأخير. بل ان اقتراحاته كانت تتدفق وكأنها ايضا العاب سحرية، "مجلس أعلى للثقافة" "صندوق للتنمية الثقافية" "صندوق للمساعدة" ولا أحد يدري نهاية ذلك كله. كانت الارقام الكبيرة والاعجازية هي فخري كريم، لا شك في انه تعمد ان يكون شيئا كبيرا: حجم الدعوة وطريقة الوصول (طائرة خاصة) والأياب، طول وقتها (10 ايام) وطول نشاطاتها اليومية (دوام من العاشرة حتى الحادية عشرة ليلا". الرجل بدون شك مفتون بالمآثر الضخمة، بالمناسبات الكبرى، بالارقام الهائلة. مفتون بكل ما يظهر قدرة غير محدودة، قد لا تكون سوى قدرته هو، إذ لا نعلم ما هي حدود مقدرة الرجل الذي لا يحمل رسميا سوى اسم رئيس مؤسسة المدى ورئيس تحرير جريدتها "المدى" والمدى بالدار والصحيفة والمجلتين "المدى" و"النهج" ومحطة التليفزيون المقبلة امبراطورية صغيرة في بلادنا. لكن يظهر هنا ان المدى بنت مقدرة الرجل وليس هو ابنها. لا نعلم حقا مدى دالته على مسعود البرازاني (الذي فهمنا أنه تعهد المؤتمر. او دالته على جلال الطالباني ولا شيء يؤكد ان الأمر يقف هنا. اذ لا بد ان للرجل دالات ودالات. ولا نعرف اين تنتهي. لا شك ان المسألة تتعدى القدرة، انها سلطة خفية لا تستند الى موقع او منصب. فالرجل الذي لا يريد، كما صرح، اكثر من رئاسة <المدى> يستمد سلطانه من التاريخ والعلاقات والدينامية الشخصية، لا شك ان ذكريات الحزب الشيوعي الضخمة حاضرة هنا. مع ذلك فان فخري كريم، الذي لم يسم امينا عاما للحزب مع انه كان يسمي الامناء العامين، فخري يستمتع اكثر بتلك السلطة الطيارة المنتشرة التي فيها معنى الهيمنة اكثر مما في السلطات المسماة والمعلنة.
مؤتمر بـ500 انه مؤتمر خرافي بكل المقاييس ورغم ذلك فان سره كله في رأس فخري كريم. هناك برنامج، لكن البرنامج الذي يحمل عناوين ومواقيت واحيانا كثيرة بدون اسماء، لا يتحقق دون ان يكون لفخري الكلمة الاخيرة في كل شيء، هنا لا بد من ان نخضع لارتجالاته. وفخري الطروب بما ينجزه لا يمانع بأن يتكلم عن ذلك بالضمير الشخصي، امر قد يستفز حتى عدداً من مدعويه. لقد تعلم ان يقرر وينفذ ويقول كلمته في اللحظة ذاتها ومن الصعب على كثيرين ان يتابعوا سرعته. وقد يعتبر بعضهم ذلك استفزازا.
كله في عقل فخري وتحت جناحه. الخمسمائة، بنشاطات المؤتمر الماراثونية، بأسفاره ومناسباته. لا تعرف اذا كان ذلك قادراً على توحيد المؤتمر ام بعثرته ام هما الأمران معا وبالتواتر. لكن المهم اننا نلتقي بدون شك بالرجل الاكثر تفاؤلا في العالم، ويسرنا أحياناً ان نرى امام اعيننا لعبة الطموح والارادة والدينامية ماثلة ومتحركة.
الاحتفال
اما عن المؤتمر نفسه فمن الصعب التفريق فيه بين الاحتفالي، وغير الاحتفالي، الخمسمائة جديرون بتأمين احتفال دائم. ما داموا حيويين في الباحة ليل نهار، فإن هذا بحد ذاته استعراض. ثم ان انتشارهم على الطاولات وأوقات الطعام واجتماعهم في "اللوبي" ووقوفهم في انتظار الباصات وقوافل الباصات ودخولهم الجماهيري الى الصالات والقاعات ولقاءهم الجامع في المآدب، كل هذه احتفالات. بل ان الامسيات الموسيقية تتحول الى اعياد عامة يشترك فيها الجمهور الكردي بحيث يصعب على غير المندمج ان يتابع وحده الغناء والرقص، الموسيقى العالية تطرده الى الخلف حيث لا يستطيع ان يشارك ان لم ينضم بالتصفيق والتلوي الجسدي الى الحفل.
طاولات النقاش، بعضها كان تمرينا على الافكار. خاصة حين يكون العنوان عاما وعريضا كندوة الافتتاح التي حملت عنوان "اوضاع الثقافة العربية". كان المطلوب نوعا من بازل واسع يشترك فيه الثمانية الذين جلسوا على المنصة، الثمانية عدد كبير لكن الكثرة هنا هي القاعدة. مع ان الباب الذي انفتح يستدعي الجميع ولكل واحد كلمته التي حملها الى الميكرفون، من النقطة التي يريدها. لم يكن للثمانية على المنصة سوى امتياز المنصة الذي بدا اغتصابا لبعض الحاضرين، لذا صاح احدهم بمدير الجلسة "يا قصير النظر لماذا اشحت عني" لم يكن قصر النظر المقصود هنا طبيا فقط، كان ايضا عقليا وثقافيا. بعد ذلك تتابع الذين يقفون امام الميكرفون ويجتهدون ليطابقوا صوتهم عليه، ثم يدلون بشيء يجده مدير الجلسة مكرورا، لم يكن هناك تكرار اذ لم يبق من الكلام ما يمكن تكراره. لقد رمى كل كلمته وخرج كمن قال اعترافه. لم يوقف ذلك سوى الوقت، الذي، بعد ان استعصى ايجاد بداية ونهاية معقولتين، مثل وحده قوة قادرة على ان تتدخل وتنهي.
الجلسات الشعرية هي ايضا عروض لا تخلو من الاحتفال، يكفي ان يراعى الجيل. يجتمع اهل الستينيات وحدهم فأهل السبعينيات فالثمانينيات فالتسعينيات ليكون في الاجتماع شيء من طقسية. كانت كلمة السر كما في كل النشاطات تصل الى المختار لاحياء الجلسة قبيل وقت قصير من موعدها، مع ذلك قلما يحتج او يعتبر انه بوغت ولم يعط وقتا كافيا. كان الجميع غالبا جاهزين دائما. في الجلسات مفهوم العمر اكثر من ترتيب اجرائي، الستينيون الاربعة وثلاثة منهم عائدون من المنفى كانوا يعاملون بحقوق واعتبارات الآباء، وبهذا المزيج من الاحترام المزعوم والتشفي الخفي. قدم على بدر، الذي سبق له ان سخر من الستينيين في رواية له بعنوان "بابا سارتر"، صلاح نيازي وصادق الصايغ ومحمد سعيد الصكار وياسين طه حافظ. ابدى بدر في تقديمه رقة من يتحسس تحفة يخشى عليها من أصابعه، تظاهر بالاعتذار بخبث ولد يشعر بأن الموقف في يده. القصائد كان بعضها "أرشيفيا"، نوعا من فهرست للتعذيب (نيازي) او للحنين (صادق الصايغ) أو في مقطعات للصكار. اما قصائد ياسين طه حافظ الستيني الذي لم يغادر فلم تكن حنينا ولا محاكمة، كان فيها شيء لا يمكن ادراجه في اي عموم، تمنيت لو أعيد سماعها ولكني لم أحظ بذلك. اشعر الآن انها كانت قصائد زمن مقصوف، وحشة بلا حدود. وعالم كاكي نزف روحه. لا اعرف جيدا طه ياسين حافظ، لم يقدمه أحد فقد ضاع بين معارضي الخارج ومنفيي الداخل، لكن قصائده أخذتني الى منطقة في الكلام لا تزال غير ملحوظة، لم يتواتر عليها المتكلمون لتغدو بعد وقت مشتركة وعامة. لمستني قصائد حافظ لأنها رغم اوزانها وتفعيلاتها هاربة تقريبا من الكلام، وهاربة من الشعر "السائد" الى نوع من شبه حقيقة معاناة جسديا وعصبيا.
الجيل السبعيني مثله اثنان من عراقيي الداخل وواحد من الخارج وضيف عربي. كان الاضطراب هنا اكبر، سيرة المنفى تختلف قليلا او كثيرا عن سيرة البقاء (احياء)، هنا بدا الشعر منجاة ولكن غير مجربة بالضرورة. لقد فات شعر "الباقيين" شيء من الطراوة بل ومن الجدة وان كان ذلك تحت مظهر الاهتمام بالتجريب. لقد سمعنا كلاما متأخرا (قليلا) عن لحظته، لكن مزاجنا لم يكن ملائما للشعر البحت. كان ثمة طلب لحساسية تتصل بالتجربة الخاصة والعراقية اكثر منها بالتجريب الشعري، بدا الكلام من هذه الناحية وكأنه يعاني من نسيان ما. قرر شاعر ان يتكلم عن الحرب لا عن الحب، بدا هذا فرارا من اللازمة، لكن الفرار الى الحب كان ايضا باسم الشعر ولم يفض الى شيء خاص. لقد ساد عموم جعل الشعر غير مهيأ للاختراق، كان يدق على أذن "شعرية" لم تكن حاضرة حينها لتسمع.
لربما كان جيل الثمانينيات اقرب الى تضاعيف اللحظة، او تضاعيف الصراع المرتبك مع اللحظة. لم يكن كاظم الحجاج عمرا من هذا الجيل، لقد استلحق به. لكن قصيدته لم تكن حنينا الى الشعر ولا حنينا الى شيء. لقد كانت في المعترك، في اوار الاحتدام العراقي الحالي، وبفجاجة من لا وقت له لينفرد او يتغنى. كان هنا ليرد وليقرر على نحو مفاجئ وصريح وعيه القتالي "هل كنا محتاجين الي قحطان او عدنان ليؤصلنا". كان يكني العراقي بالسومري الأخير. السومري الذي لا يشترك مع العرب حتى في السامية، والسومرية هي الطبقة التاريخية التي لم يسع البعث الحاكم الى استلحاقها (نتذكر كيف وسم صدام باسمه احجار بابل والتمثل الصدامي لأسر حدون). لكن المسألة تتصل اكثر بالظرف العراقي اليوم. لقد كان العراق هوية بذاتها بالنسبة للحجاج ولا تحتاج الى سند من عروبة وربما من إسلام.
من قبل ان تظهر الارض كان الفرات
ومن قبل آدم كان الأديم
"نحن لم ندخل الحرب بعد ولسنا هزمنا)، نسمع هكذا دفاعا عن العراق نفهمه اكثر اذا وصلناه ببقية شعر الحجاج
لا تماثيل للغرباء هنا
فالملامح يرفضها الطين
هذا وطن لا يحتمل الحولان
اصحاب الوطنين
يعنينا هنا قدر اكبر من الوضوح والمباشرة والتقرير، ما يريده الشاعر يقوله صريحا وبدون التباس. ليس في هذا اهانة للشعر الذي يتجلى احيانا في قوة الحقيقة والانفراد (السياسي) وتحطيم التابوات، في الجدل الفوري والمحتدم نفسه، وفي قتالية مباشرة يكون الشعر فيها جسد المواجهة لا مجرد بوق للتحريض. يقاتل الرجل على الجهتين وضد المعسكرين معا. تخيفنا كلمة "العزباء" بكل استيهاماتها المجربة عندنا، تخيفنا "اصحاب الوطنين" كما يخيفنا "هل كنا محتاجين الى قحطان" لكنها زفرة السومري الأخير الذي يقاتل وحده، وربما يخطئ الاصابات، لكنه يدافع بجلده وأسنانه.
الامسيات قد تكون مدخلا الى سجالات عديدة عراقية حاضرة اليوم وان كان اكثرها مخلفات: الحرب والعزلة والانقسام الى عراقيي داخل وعراقيي خارج والى اجيال متذمرة ازاء بعضها البعض، قد تكون ما يحتدم الى الآن في العلبة العراقية التي لم يدخلها الضوء بما يكفي ولم تنعم بعد بلحظة "طبيعية".
ما ان وصلنا الى أربيل حتى وجدنا انفسنا داخل الحشد العراقي من بغداد ومن الخارج. كانت حيرتنا في ان تكون أعيننا على هذا اللقاء الصاخب الذي مركزه الاساسي شيراتون اربيل، أم على اربيل نفسها. عدا قليلين لهم اسماء في ذاكرتنا كان الجميع مجهولين لنا. مع ذلك فانهم آتون من احوال نعرفها: الحرب القديمة والعنف الأهلي والدويلات الدينية وتدخلات الجوار من كل جهة، وليست هذه اربيل الساكنة الآمنة حيث يتكلمون بلغة المستقبل والكلام دائم عن الاستثمارات الجديدة ومشاريع التنمية والتحولات السريعة والبطيئة. كانت هناك بالتأكيد حالتان متعاكستان. من جهة العيش وسط مخلفات متفجرة وتهدد بالأسوأ، والتنعم نسبيا بثمرات الحرية والاستقلال في الجهة الثانية. الكلام مع عراقيي الشيراتون كلام مع ناجين حتى الآن وعائدين بعد قليل الى الجحيم. ليسوا فقط مكروهين من جوار لا يتوقف عن رسائله المفخخة والمتفجرة، ومهددين من الأخ الأهلي، بل ومنبوذين من جماعاتهم وامرائها الدينيين وميليشياتها الشرعية. اما الكلام مع أربيل فهو كلام مع الطبقة الجديدة الاقتصادية والسياسية، مع قادة وحكام ومستثمرين. كانت اربيل هي ملتقى عراقين لا يختلفان في اللغة والثقافة فحسب بل وفي الافق والوجهة واللحظة ذاتها.
اجيال وداخل وخارج
ليست بطاقة الجيل رمزية هنا ولا هي مجرد تصنيف شكلي. انها تتصل بمضاعفات اخرى. الستينيون وهم، اذا استثنينا سعدي يوسف ويوسف الصايغ المتوفي من قريب، الجيل الأخير. ليسوا فقط الوريث الباقي والمتصدر لكنهم ايضا جيل العصر الذهبي للثقافة العراقية الذي انقضى منذ دهور، اذا حسبنا ما جرى على العراق منذ ذلك الحين. ليسوا مسنين للغاية وبعضهم لا يزال "على بدر" يتغنى بوسامته واناقته، مع ذلك فهم الديناصورات الحالية في ثقافة العراق. انهم يرفلون وحدهم بكل الاوسمة والحلل التي نالتها هذه الثقافة عن استحقاق. لقد عُرفوا في العراق وهم شبان ثم ظلوا معروفين نسبيا حين غادر اكثرهم الى المنفى، بعد ان تركوا الاجيال الجديدة تتربى في العزلة ووراء الاسوار الحديدية التي رفعها الحكم الصدامي والحروب الصدامية المتواصلة حول العراق. لقد أخذوا معهم "مجد" الشعر العراقي كما لو كانوا هربوا الى الخارج ذهب العراق وثروته الوطنية. هذا بالتأكيد ما أثار حفيظة الباقين. لقد اشتاقوا وقتا الى هذه الرموز ثم شعروا بأن هذه الرموز لا تنعم بهواء الحرية في الخارج فحسب بل تعيش على ديون الثقافة العراقية المحرومين منها، والتي يشعرون ان جزءا منه ينبغي ان يكون للجميع، ولهم هم مثل غيرهم. عاش المنفيون في المنافي، وهم الآخرون نعموا وقتا قصيرا بهذه الصدارة ثم بدأت المنافي تتحول ايضا الى عزلة اخرى والى نسيان ثان. عاشوا في الغالب ضمن هذا الخط المستقيم المتتابع للغربة، فيما كان العراق يغلي في الداخل بتفاعلات وأوضاع تبدأ اصطناعا وتنتهي واقعا، وعلب ثقافية وسياسية، وتزوير ضخم، وتربية في معتقل كبير، وثقافة ملتوية وعزلات داخل عزلات، واجواء متزايدة الانحراف. عالمان يبدو كل منهما تكذيبا للآخر ان لم يكن اتهاما له، كان لا بد من ان تنشأ من ذلك احتكاكات مؤلمة. ينقم الجدد على الستينيين انهم فازوا بالغنيمة، انهم يعودون سواحا تقريبا، في الغرب تغيرت سحنهم وتصرفاتهم ويمكن، على ذلك، الاشتباه قليلا في عراقيتهم ووطنيتهم. كانوا حين كان الجميع يحاربون. يتمتعون بهويات ولكنات انكليزية وفرنسية وسويدية. لا شك في ان النزوح الثاني، نزوح الـ 1991 الذي كان بالكامل اختياريا، زاد الأمر اشتباها. هكذا يعود الستينيون متوجين، لكن بلا اتباع. لقد تغيرت الدنيا كثيرا، والابناء والاحفاد عانوا ما يجعلهم عديمي الطاعة وقساة وناكرين بل ان في الأمر بعض الافتضاح، لم يبد الستينيون في اغلبهم مستحقين للرتبة التي نالوها فقط بالأقدمية وبالظرف العراقي البائس، بدوا بالنسبة لكثيرين من الاجيال الاخرى مغتصبين. لم يرق ذلك حتى للسبعينيين القريبين منهم ويكادون يشاركونهم احيانا في الغربة وحتى في المجد المهدور، فكيف هو الحال بالثمانيين والتسعينيين الذين ولدوا في هذه القاعة الاصطناعية الخانقة التي اسمها العراق.
الستينيون أنفسهم يتصارعون على ارث الستينيات. الجنابي يلغي صلاح فايق العزاوي يلغي سامي مهدي سامي مهدي، يلغي فوزي كريم. اما صادق الصايغ الذي التقيته في اربيل فلا يزال يعتبر الستينيات حركة مستمرة، انها الاحتفاء بثقافة المدينة والكولاجات الثقافية والتثاقف بين شرق وغرب والتواصل مع الفنون الاخرى والحرية في التشكيل والتعبير، صادق يرى ان الستينيات تتلخص في ثلاثة: جان دمو وسركون بولص وهو، اما اين مؤيد الراوي الذي كان في زمن بروتون العراقي، الاغلب انه يواصل عزلته الاختيارية في برلين.
تنازعات اجيال لكن ما وراءها قد يبدو تنازع داخل وخارج. ثار هذا النزاع بعد سقوط صدام حسين حين بدا ان العراق الجديد سيكون في عهدة العائدين من المنافي. ليس زعامته السياسية فحسب بل ومراكز الادارة والتخطيط لا بد من ان هذا في نظر الباقين، الذين صبروا على الحرب والجوع والمرض والطغيان، ثمن لا يستحقه اولئك الذين لم يعانوا في الغالب وعادوا جميعا بجنسيات أجنبية. هذا التنازع يستدعي، بحسب الحاجة، حججه من دواع وطنية (الجنسيات الاجنبية) واخلاقية (اين كانوا) واحيانا ثقافية (ليسوا بالاهمية التي يدعونها) واخيرا واولا مصلحية (لماذا يتسلمون كل شيء هم الذين لم يعانوا شيئا)، ففي الميزان كان البقاء في العراق شقاء اكبر بكثير من المنفى.
حين دخلنا الى أربيل من ذلك المطار الذي يشبه فيللا متوسطة الحجم. كنا في مئتي عائد، ووصلنا الى اربيل لنلتقي بثلاثمائة وفدوا على اربيل من بغداد والبصرة والناصرية..." كان اول ما لاحظناه هو كثرة الذين جاؤا بكاميراتهم الديجيتال والذين كان عدد وافرً يطلبون منا ان نلتقط صورا معهم. الامر الذي يتواتر كل مرة يقوم فيها مؤتمر في بلد يشعر مثقفوه ببعده.. وثانويته. العراق بالتأكيد بعيد وبعيد جدا وخاصة بعد الحروب الكثيرة الا انه لم يكن ثانويا ولن يكون. تكفي نظرة سريعة على المشهد الثقافي لنتأكد من ذلك. العزلة. عزلة شبه حديدية وشبه سوفياتية هي السبب، ليست عزلة العراق العربي، بل العراق الكردي ايضا. هذه بلاد عاشت في علب ولم تحسن الى الآن الخروج منها. اثر العزلة الاول هل في هذا الشعور بانتقالية كل شيء، في المعرض التشكيلي، في الأدب، في المسرح والسينما، او بل وحتى في العمارة وهندسة المدن والمطاعم والاندية يراودنا هذا الشعور بأننا في لحظة معلقة، بل في لحظة تجاذب قوي. ثمة دائما محاولة للخروج جزئية لكن من علب مزمنة. كنت أرى لوحات المعرض التشكيلي ولا اعرف لماذا تستدعي اولا ذاكرتي. من الممكن ملاحظة الخصب والمتانة والحرفة القوية فيها فهنا تراث الاف السنوات، مع ذلك كانت هناك غبرة قديمة على كل شيء، بقدر ما بدا واضحا ان ثمة قفزة تنتظر وقتها. افكر في ان معرض السنة القادمة سيكون حرا اكثر، افكر في ان سنوات قليلة ويستلم هؤلاء الفنانون بسرعة طرقهم، كل شيء يدل على انها مسألة زمن. من الواضح ان جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وضياء العزاوي ورافع الناصري وعلاء بشير وحتى صلاح فائق لن يداوموا كثيرا في هذه اللوحات، التي، في آن معا، تحييهم وتسعى الى تجاوزهم.
اظن بدون تمحيص كبير ان الشعر هو ايضا على بعد خطوات من استلام سمائه الخاصة. اتكلم عن جيل التسعينيات الذي يدخل هو الآخر في مخاض متعدد، ليست الحرب ولا الظرف الدموي الحالي بعيدين عنه. في قراءة بل في تصفح لبعض ما أهدي لي من منشور وغير منشور يمكن الانتباه الى نضج تلقائي واضح، تحرر من النماذج العراقية وغير العراقية، وتخلص من معظم الديباجات المتواترة، بل ومن المقتربات والتناولات السائدة. كان هنا ايضا هذا المراس اللغوي والحرفة الخفية ولكن مع استعمال ذكي وموزون وخاص للمخيلة والحس والرؤية، كنا على عتبة حساسية اخرى. يمكننا ان ننتظر الكثير من هؤلاء اذا كان الشعر لا يزال يهمنا، الاغلب ان قصيدة النثر، التي بدأت خطواتها تغدو اصعب واشق، ستجد في القصيدة العراقية افقا جديدا. ستجد مرة ثانية شعرا يمزج الطين ويد الخزاف والقدرة النحتية مع اللغة المسامية الآخذة من الماء والرمل، ولنقل ان هذا هو العراق. خصوبة جنونية اولا وبعد ذلك، وفي وقت قصير وقياسي غالبا، تبدأ هندسة الحدائق.
جيل التسعينيات، آخر الأجيال وأصغرها، لكنه لا يبدو انه يتمتع اليوم بتدليل الولد الأصغر. ففي مجتمعات ابوية كالمجتمع العراقي تحل على الصغير تبعات الجميع ويبقى مهما اجتهد في ذيل القافلة. كنت على طاولة الطعام حينما صافحني شاب طويل، قال انه شاعر ويريدني ان اذهب الى طاولتهم فثمة زملاء له يريدون ان يلتقوا بي. كان ينتظرني وعد قريب ووقتي يكاد ينفد الا ان "جمال جاسم امين" اصر عليّ فذهبت وهناك وجدت ستة علمت ان خمسة منهم شعراء. تكلم جمال امين عنهم ولا اعلم هل ان هذا بالصدفة ام انه تفويض. قال انهم من جيل التسعينيات المغفل والمتروك من قبل المؤسسات النافذة. قال ان هذا الجيل من شعراء النثر العراقيين ابدع اشعاراً متميزة لو انصفت لعدّت من الشعر العالمي ولوجدت من ينقلها الى اللغات الاخرى. الجيل الأجد، على حد مصطلع المقالح، يستلم بسرعة حلم العالمية وحلم الترجمة، انها المراهقة الدائمة في الأدب العربي والمستمرة في كل الاجيال. ارادوا تنظيم لقاء مشترك ما بيننا وطلبوا ان اتوسط مع منظمي المدى من اجل موعد وقاعة لهذا اللقاء. كان هذا سهلاً وحصلت على موعد ومكان، لكن الموعد لم يكن مناسباً، وافترقنا على ان يتدبروا موعداً آخر لم يحصل فالمسألة ما لبثت ان نسيت وضاعت في غمار كل شيء، لم يفاجئني ذلك، فكل ما يجري هنا هو نوع من الافعال المنفصلة، ليس غريباً ان تتحكم الصدفة وان يكون الارتجال سيداً، ما دام كل فعل تام بنفسه ويصعب اجراؤه في سياق او البناء عليه او الاضطراد به. هناك في كل مكان صعوبة الوصل وصعوبة الاستمرار. يمكن الكلام هنا عن نوع من الافعال المنعزلة، أليست هذه هي ترجمة اخرى للعزلة. انها لحظات عارمة لكنها تكتفي بزخمها، يمكننا ان نتخيل في المقابل مدينة مقطعة الاوصال، واشخاصا معتقلين تقريباً في بيوتهم ومناطقهم. ثمة احتباس في اللحظة والمكان وصعوبة فعلية في التواصل مع لحظة ومكان آخرين. من ناحية اخرى وتحت إشكال اللحظة العراقية، ثمة عودة الى الشعر العمودي مقرونة في الغالب بوعي ديني وسؤال عن الهوية.
الرواية. رغم غائب طعمة فرمان ومحمد خضير وفؤاد التكرلي ولطفية الدليمي ومن قبلهم، فإني، شأن كثيرين مثلي، نفكر بالعراق على انه بلد شعر لا رواية. ما لاحظته في مؤتمر المدى ان الامر يكاد يختلف، كما يحدث في بقية البلدان فإن الرواية تستقطب الآن بقدر ما تستقطب الشعر، تلك ايضا فترة انتقال تكون بعدها للغلبة لها، كثيرون قدموا انفسهم على انهم روائيون، وكثيرة، نسبياً، هي الروايات التي وصلتني منهم، واظن ان هذا، كما يقولون، غيض من فيض. احسب ان الرواية العراقية هي في هذا المخاض الانتقالي ككل شيء آخر في الحياة العراقية، واتوقع ازدهاراً حقيقياً روائياً يلوح من اليوم، لا بد من ان هذا هو الدين الفعلي للحروب. إن عالماً مخيفا من التحولات والانقسامات والذاكرة المثقلة والزمن المحطم والارتكاسي، عالم كهذا لا بد من ان يكافأ برواية. نظره على قصيدة نثر التسعينيات تبين ان الشعر يغدو غير الشعر وهذه بشارة اخرى بالرواية. بعد ان يستنفد الخطاب الشعري، بما فيه خطاب الحنين والمنافي والهجاء السياسي والأخلاقي يأتي دور الرواية غالبا. انها خطاب حياة لا يكفي فقط تقطيرها او ترميزها او تلخيصها في اشارة واحدة، الرواية تنتظر، تصفحت فقط رواية لاحمد خلف، روائي من السبعينيات، انها "موت الأب" في العنوان اشارة واضحة، سياسية وثقافية، لكن في تضاعيف الكتاب، وبدون الميتافيزيق الكافكاوي، نعرف كيف يكون كل شيء ملغوماً ومفخخاً وحاملا للرعب، كل شيء، بما في ذلك حديث من تليفون عمومي، كيف ترتدي الحياة اليومية نوعا من الرهاب الموازي لها. مع ذلك يمكن الكلام ايضا عن فسحة انتقال، الرواية تتحرر بالتدريج من الثقل الادبي وتدخل في طراوة لغوية وجملة اخف واسرع.
ليس المسرح في وضع افضل، انه في الواقع في اضيق المطارح، يختنق في الانقسام الحالي. الموازنة بين ادانة الاحتلال وادانة الطغيان البعثي وادانة الإرهاب الاصولية لا تملك دائمة سوية واضحة، انك على الحبل وعليك ان تكون بهلوانا لتنجح. مسرحية "نساء في الحرب" هي مصداق هذا التوتر والتوازن الصعب بين الادانات المتناقضة احيانا. نساء في انتظار البت في طلب لجوء الى المانيا بعد رحلة تشرد شاقة في اوروبا، الموضوع لافت لكن نص جواد الاسدي يصلي، لسبب غير مفهوم، الغرب ناراً حامية ويضعه في دائرة الاتهام. ثم ان الاخراج المشدود الذي لا يترك هدنة كان يبدو في الغالب فوق العرض وأعلى منه.
مسرحية "حظر تجوال" في اللحظة الحالية لكنها بالكوميديا وباللعب المتقن والشعبوية البادية والهروب الكلامي والهجاء غير المحدد استطاعت ان تحقق توازناً هشاً. انما اللحظة المسرحية ظهرت مع ذلك مليئة ومشبعة ومسلية.
لا نعرف اين السينما اليوم، فيلم ليث عبد الامير الباحث عن الهوية العراقية بين الجماعات المتعددة، هو الوجه الآخر لفيلم وزير حقوق الانسان الكردي في الباحث عن جثث الاكراد المتناثرة على ارض الجنوب العراقي وصولا الى الحدود السعودية. فيما بدا ان سؤال الهوية في فيلم ليث لا يجد جوابا إلا في التمزق والانعزال المتزايدين، فإن سؤال الهوية الكردي يصل عبر الآلام الى لحظة تحقق وازدهار. حين عادت قوافل الجثث المعثور عليها في توابيت مغطاة بالعلم الكردي عبر الطرق الجبلية الملتفة لكن الصاعدة بدا ان الجبال التي ظلت مركز المقاومة الكردية تستقبل الآن جثث المحاربين والشهداء، انه سلام مؤلم بالطبع، لكن حين تمر الفتيات الشابات الجميلات بين التوابيت نشعر ان المستقبل ينبثق من هذه اللحظة. وعلى ارض الجبل التي استقبلت الكفاح والجثث يرفرف العلم الكردي ويشرق الاستقلال. مرة ثانية كردستان في طريق، والعراق في الطريق المعاكس، كيف يمكن بناء دولة من طريقين معاكسين. نحن في الانتظار في الزمن الضائع، او الزمن المعلق. في لحظة انتقال كبرى.
انقسامات اخرى
شاعر منفي عائد (صادق الصايغ) يهدي قصيدته الى مالك المطلبي الشاعر المقيم، ليست هذه نادرة. اشعر ان ثأر النظام البعثي والمرحلة الصدامية لم يعد حاراً ولا راعفاً كما كان لدى سقوطهما. ليس هذا بسبب مصالحة واعية ولا درس مستجد في التسامح، الاغلب ان عار هذه الفترة اكبر مما يمكن حصره او الحساب عليه، انه تقريبا عار مجتمع. اتذكر ما قاله كاداره الألباني مرة في حديث له في برلين، من انك لا تستطيع ان تكون منشقاً في نظام ستاليني. لا تستطيع ان تكون منشقاً وكنت اجزم بأنك لا تستطيع ان تكون محايداً. كاداره يقول ان المنشق في نظام كهذا او المعارض في نظام كهذا ميت بالتأكيد، وكنت اظن ان هذا هو ايضا مصير المحايد. هنا يؤكدون ان الحياد كان ممكنا زمن صدام، الحياد او اللاأنتماء اذ استعرنا تسمية كولن ولسن الذي بهرنا كتابه بدايات شبابنا، اللاانتماء ممكن لكن بثمن الانعزال والعيش على الفتات والتبرؤ من الطموح الاجتماعي او الوظيفي. الامثلة كثيرة، في وسعك ان لا تكون بعثيا وتدفع مقابل ذلك من مكانتك واسمك ومعيشتك. اذن كان ممكنا ان، لا تمدح وكل هذه المدائح لم تخل من غرض. السؤال من هم الذين تعففوا واستنكفوا، قليلون ولا تزال اسماؤهم مغمورة، كوفئ البعض والبعض لم يكافأ، ما هم من خاض تجربة شاقة كهذه اصلب من ان يرجو مكافأة. من هم هؤلاء وما هو عددهم. قليل وقليل جداً بالنسبة للجميع، انهم نساك والمجتمع لا يتألف من نساك، فعلى الاكثرية كلها يقع وزر التقرب المقصود من النظام ولأغراض خاصة. لقد تربى المجتمع على هذا، المدرسة والدولة والمصالح العامة والخاصة كانت بؤرته وحلقاته. وعلى ذلك فإن المتاجرة تتعدى الرؤوس والعتاة المخبرين، ما حصل يمكنه ان يكون ذنب المجتمع. سبب كهذا بالتأكيد لم يمنع من قتل صحافيين وبعثيين واغتيال آخرين في مدن الجنوب وبغداد، فهناك ايضا التلويح بهذا الماضي البعثي لابتزاز البعض وللتشهير بمواقفهم الحالية.
مع ذلك فإن العنف الدموي الذي لا يريد احد ان يسميه حربا اهلية. مع اجتماع كل شروط الحرب الاهلية دوليا وتوافرها، هذا العنف جر بالتأكيد لانقسامات من نوع آخر ولظروف اخرى. الانقسام الاهلي ولو تقاطع مع الانقسام السياسي الى بعثي وغير بعثي، الا انه ليس هو بالتأكيد، والامر خلاف ذلك تماما على صعيد المثقفين. اذا استثنينا عتاة البعثيين المختفين غالبا فإن المثقفين والفنانين اقرب الى ان يكونوا صفا واحدا ضد الاصوليات الدينية. انهم الآن، من هنا وهناك، ومن قواعد السلم الاجتماعي. ليس ممكنا المضي ابعد في التشهير السياسي، هكذا تنهض تنازعات اخرى، اجيال، وداخل وخارج.
ليست الأصولية الارهابية وحدها ترزح على المثقفين فيما ترزح على بقية الشعب. اصوليات الشيعة في الجنوب ترزح بالدرجة الاولى على المثقفين الشيعة، هنا حيث يفرض الحجاب فرضا ويحرّم الجنز والخمور وتفجر الحانات ويقتل المسيحيون الذين يتاجرون بالخمر، ويبسط ملائيون مهلة غالبا سلطة كاملة، ويفرض صمت كامل على التدخل الايراني النافذ والحاضر يوميا. في الجنوب هذا يحرم المثقفون في الغالب من كل حضور واجتماع وتسلية. الحرمان من العرق العزيز جدا على قلوب المثقفين والأدباء العراقيين يسوي بالطبع بين مثقفي البصرة والفلوجة، والصمت والنبذ والهامشية والفرض، امور هي نفسها هنا وهناك. التهديد حاضر وحاسم غالبا. ثمن الخرق قد يعني اشياء بينها الخطف والقتل.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة