المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

رواد الكتابة في التراث الشعبي العراقي.. وثق الاوائل للريف والمدينة العراقية..الاوابد، والطبيخ والخيول والحمام .. اشهر كتب الفولكلور العراقي الاولى
 

رفعت عبد الرزاق محمد

على الرغم من الدراسات الكثيرة التي تناولت اليقظة الفكرية في العراق الحديث واعلامها ممن كان له الدور الرائد في انبعاث هذه النهضة بعد قرون من التقهقهر الفكري بكل اشكاله منذ ان أفل نجم الحضارة العربية الاسلامية بعد سقوط الخلافة العباسية على يد المغول سنة 1258هـ الا في حالات فردية نادرة خارجة عن المسار العام غير ان هذه الدراسات تجنبت اشكالاً اخرى من الانتاج الفكري ولم تشر اليها الا لماماً ومن ذلك دراسة المأثورات الشعبية وعوائد العوام ولغتهم وغيرها من الموضوعات التي سميت فيما بعد بعلم الفلكلور وتوزعت دوافع اهتمام طائفة من كتاب اليقظة الفكرية الاولى في الكتابة عن التراث الشعبي فالجانب اللغوي دفع بعض الكتاب الى دراسة اللغة العامية وتراثها الشعبي من امثال واكنايات وشوارد لغوية مختلفة كمدخل لدراسة تطور الالفاظ واستخدامها لدى الناس والجانب الديني دفع اخرين لدراسة تراث الطوائف الدينية وطقوسها المتنوعة بينما كان الجانب التاريخي دافعاً لعدد من اولئك الرواد ويظهر ذلك في اثارهم البلدانية وقد جهد اخرون في جمع جوانب من التراث الشعبي تقليداً للاجانب من رحالة واثاريين وسياسيين او بطلب منهم.

ولم يكن اهتمام اولئك الاعلاام بالتراث الشعبي نابعاُ من ترف فكري او عبث فقد كان نابعاً من وعي تاريخي بتسجيل ما يمكن تسجيله من ذلك التراث اضافة الا ان كبار المؤلفين في تلك الفترة قد ساهموا في ذلك بشكل فاعل وحسبنا ان نذكر هنا العلامة الشيخ محمد شكري الالوسي والاب انستاس ماري الكرملي والشاعرين الكبيرين الرصافي والزهاوي.
ويمكن القول ان رواد التراث الشعبي الاوائل، كانوا لا يعرفون تعريفاً لهذا التراث كما عرف فيما بعد، لكثرة ما يختلط بمفهومه من معان متضاربة، ولا يبدو ان امر التعريف كان موضع اهتمامهم، فاغلب محاولاتهم كانت توثيقية (تسجيلية) للحياة الشعبية، وان سموها في كثير من الاحيان بالعامية، لعل ذلك مرده الى ان تراثنا العربي الاسلامي يزخر بما سماه القدامى ادب العامة ولا يجوز -بأي حال- ان نضع تقييماً لجهود هؤلاء الرواد وفق المقاييس الحديثة، بعد ان اصبحت الدراسات الفولكلورية علماً قائماً بذاته ويدرس وفق اسس منهجية في جامعات العالم ومعاهده كافة حتى اخذت دول العالم بالسعي الى انشاء المراكز الفولكلورية وجمع مواد التراث الشعبي ودراستها إظهاراً لمقومات شخصية اي شعب من الشعوب والحفاظ على هذا التراث من الضياع.
ويظهر ان الدعوة بالعناية بالجانب الادبي من التراث الشعبي سبقت كل المحاولات للعناية بالمأثورات الشعبية الاخرى والادب الشعبي وفنونه التي تمس شغاف قلوب الناس بكل مكوناتهم وشرائحهم، ظهرت اهمية غداة كتبت جمهرة من أدباء العرب عن الامثال والكنايات الشعبية التي تعد من اهم موضوعات الادب الشعبي وتطور الامر بهم الى الكتابة عن اللغة الشعبية (العامية) نفسها ومن المؤكد ان ما قدمه محمد عمر الباجوري في كتابه (امثال المتكلمين من عوام المصريين) سنة 1311هـ ونعوم شقير في كتابه (امثال العوام في مصر والسودان والشام) سنة 1313هـ وكتاب العلامة احمد تيمور الشهير ( الامثال العامية المصرية) وغيرها كان مفيداً لكتاب العراق المتأخرين، وسنذكر فيما بعد ان محاولات عراقية سبقت هؤلاء بسنوات.
واذا كان اكثر ما وصلنا من آثار الرواد التي تعنى بتراث المدن العراقية الرئيسية سوى النزر واليسير الذي قدمه
على اهميته- سلمان الدخيل عن احوال الاعراب في نجد وادبائها، فالنقص الفادح في كتابه احوال الريف الذي يمثل نسبة كبيرة من عدد سكان العراق آنذاك، لم يشهد اهتماماً حقيقياً بجمع تراثه وتسجيله وحفظه للاجيال التالية الا في العشرينيات من القرن العشرين حيث اخذ بعض كتاب المدن بجمع ما يسمعونه من ذلك الادب، ونذكر هنا الجهد الذي بذله الشيخ عبد المولى الطريحي والاستاذ عبد الرزاق الحسني في العشرينيات من القرن المنصرم لم يكن تصوراً دقيقاً في حقيقة الامر بأن الريف كان يمثل كياناً منغلقاً على نفسه او محافظاً على مظاهر حياته الاجتماعية او الروحية في مقابل الانفتاح الذي تعيشه المدينة فالهجرة من الريف الى المدينة بقيت مظهراً اجتماعياً واقعياً منذ اوائل القرن العشرين حتى يومنا هذا وان استفحلت في منتصف القرن وتسللت الى المدن والى نسيجها الاجتماعي الكثير من عوائد الريف وشمائله وادابه غير ان تأخر الاهتمام بتراث الريف الشعبي يمكن تفسيره بالثقافة السائدة بين كتاب العصر ومؤرخيه، اضافة الى النظرة الطبقية والاجتماعية المتخلفة ومن الملاحظ ان كتاب السيد عبد الرزاق الحسني الرائد (الاغاني الشعبية) الصادر ببغداد سنة 1929م يعد نقطة مهمة في ذلك اضافة الى العناية الفائقةالتي ابداها الاب انستاس ماري الكرملي في تسجيل بعض صور الادب الشعبي في الريف وهكذا ظهرت بوادر جهود فولكلورية رائدة على يد رعيل اثرى المكتبة العراقية وفتح افاقاً جديدة في البحث عن كنز ثمين من المأثورات الشعبية الجديرة بالتحقيق والدراسة وسنقف وقفات قصيرة واخرى طويلة على جهود عدد من رواد الكتابة في التراث الشعبي في العراق ممن تقصد في جمع هذا التراث عن وعي بأهميته وهويته الوطنية وتأصيله بقدر الامكان لما يضيف للبحوث الى الجيل التالي من فوائد كبيرة وخدمات جليلة وآفاق رحبة.
لقد قدم هؤلاء الرواد للجيل التالي من الباحثين في التراث الشعبي مادة غنية ونصوصاً مجهولة وآثاراًَ لم تسلم في السنوات اللاحقة من يد النسيان والاندثار، ولعل من سنة الوفاء ان نشير الى كوكبة من الاسماء اللامعة في الجيل الثاني، جيل ما بعد ما بعد الرواد، ممن خدموا المكتبة الشعبية العراقية، وكتبت لهم شهرة ذائعة واصبحت كتبهم متداولة بين الجميع وبعد ان اصبح الاهتمام بالشعبيات له جمهور واسع من القراء والمتتبعين، فمنهم:عباس العزاوي وعبد اللطيف حبيب، وهاشم النعيمي، ويونس سعيد، وعلي الخاقاني ومحمود العبطة، وفؤاد جميل،وعبد الحميد العلوجي، وجلال الحنفي، وعطا ترزي باشي، وعبد اللطيف الدليثي، وهادي الشربتي، وعزيز جاسم الحجية، وعبودالشالجي، وعبد الحسن السوداني،.. الخ.
واخيراً قبل ان ننوه بجهود طائفة لامعة من رواد الكتابة في التراث الشعبي في العراق، نوجه دعوتنا لتأسيس مركز وطني عراقي متكامل للتراث الشعبي العراقي، تشترك في جمع مادته ودعمه المؤسسات الثقافية كافة وان تفتح له فروع في محافظات العراق لعرض وتبويب تراثنا الزاخر، مساهمة في دعم الهوية الوطنية العراقية في عهد نحسبه جديداً في كل شيء/ وما ذلك على المخلصين بكثير.
احمد حامد الصراف (1900-1985)
ولد في كربلاء في اسرة قيل عنها انها بكتاشية الطريقة، وانتقل مع اسرته الى بغداد فدخل مدارسها وتخرج في مدرسة الحقوق سنة 1936 بنقل خدماته منها الى القضاء فتدرج حتى اصبح قاضياً شهيراً محامياً قديراً، اهتم بالبحث عن الصوفية والطرق الاسلامية النادرة فأصدر كتابه الذرائع عن الشبك وقبله دراسته وترجمته عن رباعيات الخيام وله مخطوط كبير بأسم (الاوابد العراقية) نوه به في مقالاته التي نشرها في مجلة (لغة العرب) في السنتين الخامسة والسادسة منها ومنها:اوابد الشهور،اوابد الولادة، الايام في المعتقدات،الدراويش، العيافة عند عوام العراقيين، وكان يعني بالاوابد المعتقدات الشعبية.
الاب انستاس ماري الكرملي (1866-1947)
شهرته اكبر من ان نشير اليها في هذا المبحث السريع، غير ان آثاره عن التراث الشعبي تستغرق مجلدات كبيرة، كما ان مجلته الذائعة (لغة العرب) في مجلداتها التسعة (1911-1931) زاخرة بالمباحث الشعبية المختلفة مما يجعلها معيناً لا ينضب للباحثين في الجيل التالي، وممكن التعرف على مجمل اثاره ومواقعها في القائمة النفيسة التي جهد الاستاذ كوريس عواد في اعدادها في كتابه القيم (الاب انستاس ماري الكرملي، حياته ومؤلفاته)الصادر ببغداد سنة 1966، ونود ان نذكر ان آخر كتاب صدر له هو (ديوان التفتاف) بعناية الاستاذ عامر رشيد السامرائي، وصدر له في بيروت سنة 2003، وهو مجموعة حكايات شعبية جمعت له من افواه النساء من الجيل الماضي.
جميل البغدادي (000-1953)
مقرئ المقام العراقي الشهير، له مخطوط عن المقام العراقي وطريقة ادائه نشر بعض فصوله في جريدة (الفتح) سنة 1939 وهي جريدة جديرة بالتنويه، اصدرها الشيخ جلال الحنفي وعنوان كتاب البغدادي (المقامات العراقية حسب فصول الجالغي البغدادي).
جميل صدقي الزهاوي (1863-1936)
الشاعر العراقي الكبير، له بعض الاهتمام بالتراث الشعبي ضمنه بعض آثاره النثرية فله رسالة مخطوطة بأسم (إشراك الداما)، والداما لعبة شعبية تقوم على اعمال الفكر كانت شائعة بين طبقة من المجتمع وقد وصفت هذه الرسالة المفقودة بأنها تضم (1500) لعبة منها (1000) لعبة من مستنبطات الزهاوي. ومن مقالاته "الحمام القلاب وتولده" نشرها في آب 1908 من مجلة (المقتطف) في القاهرة بين فيها انواع الحمام الداجن لدى العراقيين نقال عن الحمام الزاجل: وهو بغدادي قد قلّ الان وجوده واكثره اخذ الى الهند واوربا، وقد صادف ان بعضه قفل طائراً من بلاد الهند الى برجه في بغداد من غير ان يعرف الطريق من قبل ولولا نقل الثقات ما نقلت الخبر.. ومنها القلاب، وهذا الصنف يغالي به العراقيون منه الابيض والفضي والازرق الصابوني والعنبري والنجاري والؤمادي والسماوي والدميري والزنجي وهو قسمان موصلي وبغدادي ويمتاز الموصلي بتصفيق الجناحين اذا كان في البيت وانه اذا تقلب سمعت له فرقعة شديدة وقد جلب منه الكثير الى بغداد وضرب بالبغدادي حتى صار جل حمام بغداد القلاب يصفق مثله ويقال ان بعض الموصليات قفل طائراً الى بلده الموصل من بغداد بعد جلبه في اقفاص على الكلك.
ثم يتحدث بالتفصيل عن الحمام القلاب وصفاته وتقلباته عند الطيران ويحاول ان يجد تفسيراً لذلك ومن الجميل ان مجلة المقتطف علقت على المقال بما يلي: لقد راقت لنا هذه المقالة من وجهين الاول انها اعلمتنا انه لا تزال في بغداد في هذا العصر اناس يلهون بهذه الملاهي المحللة التي تفكه النفس وتطرب القلب فلم يخيم ليل الظلم على البلاد كما يصورها قوم، والثاني ان حضرة الكاتب ارتأى راياً وجيها في اصل الحمام القلاب الذي لوسمع به دارون او خطر على باله لاحله محله من الوجاهة.
ومن المقالات الطريفة للزهاوي، مقال نشرته مجلة (الهلال سنة 1896) في سنتها الخامسة، تضمن ما اختبره الزهاوي بنفسه من تجارب اجراها على الخيل، قدم لها بحديث قيم عن اهتمام العرب بالخيول وتوارد قبائل شمر الى الموصل وبغداد وقبائل عنزة الى كربلاء وغيرها لابتياع الخيول، وقال ان المهار ابن السنة والسنتين الى ثلاث بعشرين ريالاً الى مئتي ريال اما النجيب والجيد فيصل الى مائة جنية الى ثلاث مائة، ويضيف الزهاوي ان تجار الخيول من بغداد والموصل يذهبون بها من هناك الى بلاد الهند بحراً وقد يبلغ بعض السنين عدد ما ينحدرون به تلك البلاد عشرة الاف مهر اكثرها من الخيل العربية العتاق ويندر ان يبيعوا الرمك لان العرب لا يبيعون اصايل الخيول في الغالب.
ثم يفصل الزهاوي مشاهدته عن انواع الخيول والسباق والرهان، وكيفية تنظيم اول ساحة على يد محمد فاضل باشا الداغستاني.
خلف شوقي الداودي (1896-1939)
من كتاب الصحافة العراقية ومن رواد الترجمةالادبية، اصدر مجلة بأسم (شط العرب) ثم اصدرها جريدة انتقادية فكاهية لاذعة، واشتهر بمقالاته الموسومة (عراق شلون يسوبك ترقي) والتي كتبها بلغة عامية على لسان هندي في الجيش البريطاني ويمكن ان نعد قصته (الفلقة) التي نشرها على حلقتين في مجلة (النشءالجديد) سنة 1928 تسجيلاً لمشاهدته من الكتاتيب ببغداد وذكرياته وقد كتبها باسلوب قصصي ساخر، ليوثق لنا صفحة جديدة من الحياة الشعبية في وقت مبكر .
الدكتور داود الجلبي (1879-1960)
ولد ونشأ في عائلة موصلية اشتهرت بتعاطيها الطب وقد تخرج في كلية الطب في اسطنبول سنة 1909 وبعد تأسيس الدولة تولى مناصب طبية كبيرة حتى انتخب نائباً وعيناً، اهتم بالتراث الشعبي وانتخب في عدد من المجاميع العلمية العراقية حقق ونشر كتاب (الطبيخ) لمحمد بن الحسن الكاتب البغدادي سنة 1934 وهو كتاب جامع للاكلات العراقية البغدادية في العصر العباسي وله ايضاً بحث نشره سنة 1935 عن (الاثار الارامية في لغة الموصل العامية).
داود فتوّ الصيدلي (1865-1921)
ولد في الموصل في اسرة مسيحية معروفة وتعلم الصيدلة وعمل بها وله بعض العناية باللغة العامية، نشر منها شيئاً قليلاً وبقيت اوراقه المخطوطة لدى اسرته ونشرت له مجلة (لغة العرب) في سنتها الثالثة 1913 مقالاً عن (الكلمات الكردية في العربية الموصلية) هو مستل من كتابه (بغية المشتاق الى لغة العراق)
رزوق عيسى (1885-1945)
من أسرة مسيحية موصلية سكنت بغداد، ودرس في المدارس الأجنبية ثم عهد اليه بالتدريس فيها اصدر مجلة (العلوم) سنة 1910، وبعد الاحتلال البريطاني عُين في وظائف عديدة الا أنه استقال وعاد الى التدريس، واصدر مجلة (المؤرخ) سنة 1932 وضع مؤلفات عديدة بقيت مخطوطة لدى اسرته تحن الى من ينفض عنها تراب النسيان لأهميتها التاريخية والادبية، ووجه عنايته الى التراث الشعبي، فكتب الشيء الكثير عن عادات اهل بغداد في مجلة (لغة العرب) ومجلة (نشرة الاحد) ومجلة (المؤرخ) كما كتب فصولاً قيمة عن اثار العراق الشعبية وبعض العادات الشعبية في مجلة (النجم) التي اصدرها القس سليمان الصائغ في الموصل، وله فيها معركة قلمية مع الدكتور داود الجلبي حول كتاب الاخير عن الاثار الارامية في لغةالموصل العامية.
وفي مجلة (لغة العرب) التي نشر العديد من المباحث عن مفردات عوام العراق ومنذ الاعداد الاولى منها بدأ ينشر فصولاً من كتابه "بغية الانام الى لغة دار السلام" وشيئاً عن أسماء محلات بغداد ان مقالات وبحوث رزوق عيسى الرائد جديرة بالجمع والتحقيق لاهميتها التاريخية واللغوية والفولكلورية.
سليمان الدخيل (ت-1944)
ولد في القصيم من بلاد نجد وله صلة مصاهرة بالاسرة السعوية الحاكمة، هاجر الى الهند ثم الى البصرة قبل ان يهبط بغداد والاقامة فيها واكمال دراسته فيها على يد عدد من كبار العلماء، ويعد اول نجدي مارس الصحافة كما وصفه المؤرخون السعوديون، اذ اصدر ببغداد جريدة (الرياض) سنة 1911 ثم اصدر مجلة (الحياة) بعد سنتين بالمشاركة مع صديقه ابراهيم حلمي العمر الصحفي الكبير وعلى الرغم من دخوله الوظيفة الادارية في الحكومة العراقية فقد عانى الفقر والبؤس في سنواته الاخيرة فاضطر الى بيع كتبه ومخطوطاته الى الاب الكرملي، وقد صنف عدداً من الكتب التاريخية عن البلاد النجدية.
ومن آثاره في التراث الشعبي كتاب (العقد المتلالي في حساب الالي) المطبوع في بومبي سنة 1911،اما كتابه (البحث عن اعراب نجد وما يتعلق بهم. فهو مجموعة اشعار عامية لمشاهير شعراء نجد، يضم 138 قصيدة بدوية لاربعين شاعراًَ نجدياً، طبع مؤخراً (2003) بتحقيق الدكتور مهدي عبد الحسين النجم.
شكري الفضلي (1882-1926)
من الادباء الكرد، ولد وعاش في بغداد وقد تعرض للاضطهاد السياسي في عهد الاتحاديين الاتراك، ونشر بحوثاً في مجلة (لغة العرب)، وفي مجلات وجرائد اخرى وبقيت اثاره متفرقة لم يقدر لها الجمع والنشر فقد توفي بعد مرض عضال كتب فصلاً مهماً عن الامثال الكردية في مجلة (لغة العرب) سنة 1913
عبد الحميد عبادة (1891-1930)
من اسرة بغدادية قديمة سكنت محلة الفضل، درس في مدارس بغداد الدينية، ودخل الوظيفة كاتباً في المحاكم الشرعية وقد عرف بأهتمامه التراثي، ولعل كتابه (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) الذي طبع محققاًَ من قبل الدكتور عماد عبد السلام رؤوف من التحف التاريخية النفيسة اذ تحدث فيه عن مساجد بغداد ومدارسها العلمية وسقاياتها ومراقدها ومقاماتها وتكاياها في اوائل القرن الماضي بشكل تفصيلي تضمنه الكثير من المعلومات عن المأثورات الشعبية ليحفظ لنا تراثاً جسيماً قبل ان يأتي عليه الاندثار والنسيان والاهمال، وله كتاب اخر بعنوان (مندائيو او الصابئة الاقدمون) طبع ببغداد سنة 1927 واعيد طبعه أخيراً في لندن بعناية الدكتور رشيد الخيون وتضمن تسجيلاً لبعض المأثورات الصابئية الشعبية.
عبد الستار القراغولي (1906-1961)
أديب ومرب عُرف بصلاته الادبيةالواسعة وقد اصبح مديراً لمعارف بغداد لسنوات عديدة، نشر في سنة 1935 كتابه الرائد (الالعاب الشعبية لاحداث العراق) وهو من الكتب النادرة في بابه، وله كتاب عن (تاريخ القراغول) طبع مؤخراً بتحقيق الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف (بغداد 2005) تضمن مشاهد تراثية وشعبية مختلفة.
عبد الكريم العلاف (1894-1969)
شاعر وكاتب معروف نظم بالفصحى والعامية وله اهتمام بالتراث الشعبي الغنائي،ولد ونشأ ودرس في بغداد ونظم الشعر منذ فجر شبابه ودخل الوظيفة في اعمال مختلفة حتى تقاعده اصدر مجلة بأسم (الفنون) سنة 1934 وقد نظم مئات الاغاني الشعبية التي قدمت بأصوات اشهر المغنين والمغنيات في العراق حتى قارنه البعض بالشاعر الكبير احمد رامي اصدر من الكتب:الطرب عند العرب سنة 1945 وقيان بغداد سنة 1969 وبغداد القديمة سنة 1960 ومقالات كلها شعبية في مجلات وجرائد مختلفة ومن اثاره مجاميع من الادب الشعبي صدرت بأسم (الموال البغدادي) و(موجز الاغاني العراقية) و(مجموعة الاغاني والمغنيات) وقد انجز الاستاذ جميل الطائي كتابه عن حياته واثره وهو قيد الطبع.
عبد اللطيف ثنيان (1867-1944)
اديب وصحفي مشهور، اصدر سنة 1909 جريدته الذائعة (ألرقيب) فتعرض لملاحقة الاتحاديين الاتراك، وعين في العشرينيات مديراً للاوقاف ببغداد ثم انتخب نائباً في المجلس النيابي، وقد نشرت مجلة (لغة العرب) في مجلدها الخامس سنة 1927 بعضاً من مقدمة كتابة عن الامثال العامية البغدادية الذي نشرت بعض فصوله مجلة (الصبح) لصاحبها نهاد الزهاوي في الثلاثينيات والكتاب لم يزل مخطوطاً وقد جمع فيه ثنيان 6417 مثلاً مع ملحق للامثال البذيئة، وقد ذكر لي المرحوم حكمة البدري امين مكتبة الدراسات العليا بجامعة بغداد سابقاً ان الكتاب بخط مؤلفه كان بحوزة الاستاذ كوركيس عواد وانتقل الى مكتبة الدراسات العليا التي الت مخطوطاتها لحسن الحظ- الى دار المخطوطات العراقية.
ولثنيان كتاب اخر بعنوان (قاموس العوام في دار السلام) نشر الاستاذ عامر رشيد السامرائي بتحقيقه صفحات منه سنة 2001 ببغداد، وقد اثير حول هذا الكتاب الكثير من النقاش حول قضيةاعتماد عبد اللطيف ثنيان على كتاب اخر للسيد محمد سعيد مصطفى الخليل الذي كان له الاهتمام بجمع الفاظ العامة.
الشيخ عبد المولى الطريحي (1899-1975)
ولد في النجف في اسرة علمية معروفة، اصدر سنة (1927) مجلة (الحيرة) وهي مجلة تراثية لم تعمر طويلاً، وهو من رواد الكتابة في التراث الشعبي العراقي وقد خلدت مجلة (لغة العرب) مجموعة من بحوثه الشائقة عن الشعر العامي والاغاني في منطقة الفرات الاوسط جديرة بالتحقيق والتنويه، وقد ذكر مؤرخوه ان من مؤلفاته المخطوطة: تاريخ اداب اللغة العامية الدارجة، وشرح موالياً ابن الخلفة، ونوادر النساء، والامثال الشعبية جنوبي العراق، وقد صدر له سنة 1950 كتاب (فدعة الشاعرة او خنساء خزاعة) وكتب مقدمة ديوان (سنجاف الكلام) للشاعر الهزلي حسين القسام.
علي الخاقاني (1911-1979)
اديب وكاتب نجفي اصدر في الاربعينيات (مجلة البيان) من المجلات الادبية والتراثية الناجحة واصدر واعد مجموعة من الكتب الموسوعية مثل (شعراء الغري) و(شعراء الحلة) و(شعراء بغداد) وفي الادب الشعبي اصدر: منتخبات الابوذيات الكبرى، وشاعرات ثورة العشرين، وتبقى موسوعة (فنون الادب الشعبي) في 12 جزءاً كنزاً حافلاً بنصوص كثيرة ومختلفة من الادب الشعبي بكل انواعه القديمة والحديثة، ومن حقه ان يقول بعد صدور هذه الموسوعة: لذا فقد اصبحنا مطمئنين بحفظنا هذا التراث الذي عاد ميسراً للتائقين اليه، حيث استطعنا ان نستدرك جمع هذا التراث بالاضافة حفظاً للبقية الباقية منه، وقد رأيت في الهزيع الاخير من حياته دفتراً مدرسياً كبيراً جمع فيه الكثير من العادات والتقاليد الشعبية في جنوبي العراق في القرن التاسع عشر، وقد نشر بعض فصوله عن العاب الاطفال في التراث الشعبي سنة1964,
كاظم الدجيلي (1884-1970)
درس في بغداد، ولازم كبار علمائها كالالوسي وحسن الصدر والاب الكرملي، وغشي مدارسها الكبيرة فأصبح وجهاً أدبياً مرموقاًُ، وعندما صدرت مجلة (لغة العرب)سنة 1911 اصبح مديراً لها ودبج فيها من المقالات والبحوث ما هو جدير بالتنويه وحري بالتحقيق، انتمى لمدرسة الحقوق وتخرج فيها وعمل في الخدمة الخارجية لفترة طويلة، وكشعره المتفرق والمخطوط بقيت اثاره لم تر النور. ذكر من كتب عنه ان من كتبه المخطوطة: حلةالفرت، اشعار الاعراب، الاغاني العراقية،الاسر البغدادية، الامثال العراقية،المصطلحات العراقية، سنمات الاعراب الحاليين، الاحتفالات المقدسة في العراق اما كتابه عن (السفن العراقية) فقد نشرت مجلة (لغة العرب) في سنواتها الاولى فصولاً مهمة منه، وهي جديرة بالجمع، تناول فيها: اسماء السفن وادواتها واهلها واسماء الرياح عند اهل السفن ودرجات عملهم فيها.
الشيخ محمد رضا الشبيبي (1889-1965)
الباحث والشاعر والوزير والنائب وعضو المجامع العلمية العربية كتب فصولاً قيمةعن لهجات الجنوب (1960) ونشر رحلته في بادية السماوة سنة 1964 والتقط الفاظ العهد المغولي التي بقيت في لهجة العراقيين ونشرها برسالة.
الشيخ محمد سعيد ال مصطفى الخليل (000-1927)
اديب عراقي عُرف بظرفه حتى وصف بأنه كان فاكهة مجالس بغداد، غير انه لازم مجلس العلامة الشيخ محمود شكري الالوسي، وقد بدأ منذ فترة مبكرة بجمع الألفاظ العامية في بغداد وكان اهتمامه الاول كما نقل عنه العامية الف كتاباً عن الألفاظ العامية وامثالهم، وذكر آخرون ان عبد اللطيف ثنيان اعتمده في جهوده التي مرت بنا.
الشخ محمود شكري الالوسي (1857-1942)
من اشهر اعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث، واحد اركان قيامها، وقداشتهر عالماً واديباً ومؤرخاً ولغوياً كبيراً وهو اشهر من ان نعرف به في هذا العرض السريع وقد توزعت اثاره على العلوم الاسلامية المختلفة وعلوم العربية والمباحث التاريخية والبلدانية وغيرها وقد ضمنها كثيراً من الفوائد من التراث الشعبي ومنها كتابه الكبير (بلوغ الارب في معرفة احوال العرب) في ثلاثةاجزاء المطبوع سنة 1896، غير ان قائمة اثاره تشير الى ان له كتاب: امثال العوام في دار السلام، وهو مخطوط، ورسالة صغيرة بعنوان (شذرات من طيب البادية) ورسالة صغيرة باسم (الانفع في الردع عن زيارةالمدفع) ويعني به ردع الناس عن زيارة مدفع ابو خزامه، وفي مراسلاته مع اعلام عصره الكثير من المطالب الشعبية النادرة.
معروف الرصافي (1875-1945)
شاعر العراق الكبير، اشتهر عمره كشاعر كبير، وذكر معاصروه ان الشعر اقل مواهبه فاثاره النثرية تدل على عبقرية فكرية لا نظير لها فقد كان باحثاً ولغوياً واديباً، ومما يخص موضوعنا ان الرصافي اهتم بدراسة العامية البغدادية دراسة عميقة، وعلى الرغم من ان هذا الاهتمام من مظاهر بحثه اللغوي فأن ما تركه لنا يعد شيئاً نفيساً، يقول: اذا اردت ان تعرف ما هي عواطف السواد الاعظم من كل امة، وما هي عاداتهم التي جروا عليها وافكارهم التي يفكرون بها وامثالها التي يميلون بها فأنظر في كلام وادبيات عوامها، وهكذا اشار الرصافي في اكثر كتبه الى التراث الشعبي اللغوي، غير انه كتب رسالة بعنوان (دفع الهجنة في ارتضاخ اللكنة) طبعت في اسطنبول سنة 1913 تناول فيها طائفة من الالفاظ العربية التي استعملت في لغة الدواوين العثمانية مثل: استحصال،استملاك، تحرير، شفرة تأمين، وضمن كتابه الالة والاداة وما يتبعهما من الملابس والمرافق والهنات) الذي صدر سنة 1980 بتحقيق الاستاذ عبد الحميد الرشودي، لم يجد الرصافي غضاضة في ذكر الكثير من الالفاظ العامية في هذا المعجم، كما فعل سابقوه من اهل المعاجم.
غير ان اشهر مؤلفاته في موضوعناهو كتابه المخطوط (دفع المراق عن كلام اهل العراق) وقد نشرت مجلة (لغة العرب) بعض اقسامه في اعداد متفرقة من المجلد الرابع والسادس 1926-1928 غير ان الرصافي
وليته لم يفعل- اوقف النشر وعندما اصدر صديقه نوري ثابت جريدته الذائعة حبزبوز سنة 1931 بدأ بنشر اقسام اخرى وهي الخاصة بالامثال الشعبية وفقدت مخطوطةالكتاب بعد وفاة نوري ثابت.
الدكتور نابليون الماريني (000-1925)
هو اخو الاب الكرملي، عمل طبيباً في بغداد واهتم بدراسة (حبة بغداد) فنشر بعض بحوثه فيها، غير انه كتب في مجلة (المشرق) البيروتية في سنتها الرابعة (1901)مقالاً بعنوان: ما ورثه اهل العراق عن الاشوريين والكلدانيين العتاق وله كتاب نادر في فوائده طبع سنة 1889 في بيروت بأسم (تنزه العباد في بغداد) ضمنه الكثير من المطالب التي يعنى بها الباحث في التراث الشعبي.
نرسيسيان الارمني (000-1914)
من الرواد المجهولين، ولا نعرف عنه سوى انه عمل مترجماً لدى قنصل انكلترا في بغداد ووجد مصلوباً في سراديب بيت لنج سنة 1914، وقد رأيت مخطوطته بعنوان (امثال عراقية ومصرية وسورية) في دار المخطوطات العراقية.
نرسيس صائغيان (1878-1953)
من المؤرخين العراقيين المنسيين،اهتم بتاريخ الاسر المسيحية وانسابها وله كتاب عن تاريخ الارمن في العراق، غير ان له مساهمات في التراث الشعبي على صفحات مجلة (لغة العرب) مثل: نظرة في المقامات العراقية، نظرة في ليلة الحاشوش، والثياب الافرنجية في العراق، وبعض الالفاظ والاسماء الارمنية.
يوسف رزق الله غنيمة (1885-1950)
باحث مرموق ووزير ونائب معروف اشتهر بكتابه الذائع (نزهة المشتاق في تاريخ يهودالعراق) غير انه نشر في اوائل القرن العشرين مقالات قيمة في مجلة (المشرق) البيروتية مثل: الامثال العامية في البلاد العراقية نبذة فكاهية عن الخرافات العامية الترحيب بالمولود عند براهمةالهنود دخول القهوة الى اوربة،ونشر في مجلة (لغة العرب) بحثاً عن الالفاظ الارامية في لغة العراق العامية ومن الجميل ذكره ان نجله السيد حارث غنيمة اصدر كتاباً عن سيرة ابيه واثارهُ (بغداد 1990).
هامش
"محاضرة القيت في ندوة التراث الشعبي في اسبوع المدى الثقافي اربيل-24 نيسان-2006


مئوية بيكيت .. محطات في سيرة حياة

د. فالح الحمراني- موسكو

بدات في 13 نيسان في مختلف انحاء العالم الاحتفالات واقامة ندوات ومؤتمرات بمناسبة مرور 100 عام على ميلاد صموئيل بيكيت الكاتب المسرحي والقصصي التي اسست اعماله لعصر جديد في المسرح، وروايته في فن القصة، ووضعته مسرحيته : في انتظار جودو وثلاثيته مولي... في مقدمة ادباء القرن العشرين.لقد شارك بيكيت في اعماله القصصية والمسرحية وبدراساته الادبية وبقصائده في فتح افق جديد في ادب القرن العشرين وذلك بتركيزه على الاسئلة الوجودية للانسانية، لقد اعاد للادب وللفن عموما وظيفته الرئيسية بالابتعاد عن اليومي وطرح الابدي والخالد الذي يمس الوجود البشري بعمقه اللامتناهي والسؤال الخالد عن غاية الحياة والبحث عن معنى لها والاعتناء باللغة كوسيلة للتعامل بين البشر واستعادة وظائفها الاولى. وحكم الاديب الكبير المشبع بروح فلسلفية عميقة على الوجود البشري بعبثه وعلى الوجود اليومي بلامعقوليته. فالوجود المعطى يتعالي على تفاهة اليومي. ويمضي الانسان في المرحلة بين لحظة الولادة والموت في حركة بائسة وبحث عن السراب. ما العمل؟من اجل شحن الحياة الانسانية بالمادة. ربما هذا السؤال لايعود لبيكيت وحده ولكنه طرحه عبر اعماله الادبية بحدة اكثر، ضربت الصميم واحدثت رجفة وصدمة في قلب البشرية جمعاء التي لاتخفي لحد يومنا حاجتها لبيكيت رغم ان اعماله تظل لحد يومنا هذا غير مفهومة تماما ومتلفعة بالغموض، مثل حاجتها لدستويفسكي ورامبو وهمنغواي وبروست وهومير وشكسبير، لتعميق وعي الوجود الانساني وعن كيف سيحيا الانسان اذا يدرك أنه سيموت. ان الشكل الذي عثر عليه بيكيت والذي سيطلق فيما بعد بمدرسة اللامعقول واللغة التي استخدمها، كان بمثابة اكتشاف قارة في الشكل الادبي الذي يعمق ادراك المضمون. ان حياة بيكيت بذاتها ممارسة في البحث عن معنى الوجود الانساني ومحاولة الانسان للوقوف على ارض صلبة ومن المفيد جدا التمعن بها.
البداية
ولد صموئيل بيكيت في 13 ابريل 1906 بالقرب من عاصمة ايرلندا دبلن،وفي وقت متاخر سيقول الاديب انه اطل على العالم في الجمعة العظيمة، وصرخ في الساعة ذاتها، التي " صرخ يسوع ايضا بصوت عظيم واسلم الروح"(متي.27:50).
ودرس بيكيت في المدرسة نفسها التي درس فيها اوسكار وايلد.والتحق في عام 1923 في كولج تريتني المشهور حينها في دبلن، والذي تخرج منه ايضا وايلد واولفر غولدسميث وجونثان سفيت، الذي تعامل معه بيكيت دائما باحترام بالغ.ودرس في الجامعة اللغات الرومانية ولعب كريكيت التي اجادها كمحترف.
وتوجه بيكيت في عام 1928 لتدريس اللغة الانجليزية لطلاب معهد ايكول نورمال في باريس.وفي هذا العام قام الشاعر توماس مكغريفي بتعريف بيكيت بالدائرة التي كانت تساعد جيمس جويس في كتابة رواية " عزاء فينيغانزويك " حينها كانت في سيرورة العمل.وكان جويس بسبب ضعف بصره يستنجد بالادباء الشباب لتدوين اعماله. ويُحكى ان بيكيت الدقيق كان ذات مرة قد سجل تساؤل جويس "من هناك" وهو يرد على زائر له طرق عليه الباب.
ونشر بيكيت عام 1930 مجموعته الشعرية الاولى ، التي ظهرت نتيجة تاثره بكتابات الفيلسوف رينيه ديكارت الذي ظل متاثرا به حتى نهاية حياته. ونشر قصائده في مجلات عدة في دبلن وباريس. وقد اهمل نشر القصائد الاولى التجريبية التي كتبها اذ نشر قصائده المكتوبة بين العامين 1928 ـ1935 وترجم العديد من الشعر الإيطالي والفرنسي وما يثير الاستغراب انه كان ربما أول مَن ترجم بعض الشعر السوريالي الفرنسي إلى الإنكليزية من خلال قصائد لـ(أندريه بروتون) وللشاعرين (بول إيلوار) و(أندريه كروفيل) ، وترجم كذلك قصائد لـ(رامبو) و(أبولينير) مثلما ترجم لبعض الإيطاليين من بينهم (أوجينيو مونتالي) . وقال بيكيت عن نفسه في شيخوخته عن تلك الفترة انه كان" شابا لم يكن بوسعه ان يقول شيئا، ولكنه اراد ان يقوم بشيء ما".
وعلى خلاف ما اشيع فان بيكيت لم يكن سكرتيرا لجويس. بيد انه كان ضيفا دائما على ابن بلده العظيم، وكان معجبا به لحد العبادة وقلده حتى في التقاط السيجار واحتساء المشروب ولبس نفس حذائه،مما سبب له بعض المتاعب.حينها وعلى مشارف العشرينيات والثلاثينيات وقعت ابنة جويس التي كانت تعاني من مرض نفساني في غرام بيكيت. ونجحت نورا عقيلة الفنان العظيم المعروفة يحيوتها بتزويج ابنتها لوسيا الاديب الشاب، بيد انه بسهولة وبالتضحية بدار جويس تخلص من هذا الزواج. واظهرت الفحوصات الطبية ان لوسيا تعاني من مرض انفصام الشخصية. وسعت العائلة لعلاجها عند العالم النفساني كارل يونج، وفي نهاية المطاف بعثت بها لاحد مصحات الامراض العقلية، وبقيت هناك حتى وفاتها عام 1982. وقام بيكيت قبل وفاته بفترة قصيرةعام 1989 بحرق رسائله المتبادلة مع لوسيا بيكيت، ولم يحتفظ في ارشيفه الا بصورة واحدة تظهر نجلة جويس الشابة وهي ترقص.
الذروة
وعاد بيكيت عام 1930 الى ايرلندا ليمكث فيها فترة قصيرة، ومن ثم توجه في رحلة طويلة جاب فيها اوروبا، لكي يستقر به المطاف عام 1937 نهائيا في باريس. وكان بيكيت قد بعث برسالة الى المخرج السينمائي السوفياتي الشهير ايزنشتين لمساعدته في الالتحاق بمعهد السينما في موسكو، بيد ان الرسالة ولحسن الحظ ضاعت ولم تصل للمخرج السوفياتي.
وفي عام 1938 ظهرت رواية بيكيت " مورفي" التي يلتحق بطلها للعمل في مستشفي للامراض العقلية لكي يتجنب الزواج. ويلعب مورفي الشطرنج مع نزيل المستشفى الذي يمر بحالة خطرة، ويشعر مورفي بعبثية هذا العمل. ويصطدم بيكيت في نفس العام بعبثية الحياة اليومية ووحشيتها حين يطعنه عابر سبيل بسكين في باريس من دون سبب. وحينما ساله بيكيت في وقت متاخر عن سبب فعلته اجاب " مسيو اعذرني، لااعرف". ، وسحب الاديب الدعوى التي رفعها ضد المعتدي للمحكمة. ويتعرف اثر الحادث على زوجته الثانية سوزان التي سترافقه طيلة حياته.
وظل بيكيت بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية مقيما في باريس، باعتباره مواطن دولة محايدة. وانتمى هناك لاحدى خلايا المقاومة السرية، وترجم التقارير للسلطات البريطانية عن تحرك القوات الالمانية. وبعد تدمير الخلية السرية، هرب بيكيت للجنوب الفرنسي وسكن في قرية روسليون ومن هناك ساعد وفق الامكانات المتاحة حركة المقاومة. ورشح بعد الحرب لنيل وسام الدولة الفرنسية لشجاعته، وقال بتواضع " انه لم يؤد غير دور تلاميذ الكشافة في مساعدته للمقاومة". وكان قد بعث عام 1946 قصة قصيره لجان بول سارتر فنشرها في مجلته " العصور الحديثة" وكان على يقين بأنه ينشر نصا كاملا، وحينما اكتشف ان للقصة تكملة، رفضت رفيقته وناشرة المجلة سيمون دي بوفوار نشرها.
وشرع بيكيت في روسليون بكتابة روايته " وات" التي يسعى بطلها الرئيسي لوجود يتصف بالعقلانية في عالم غير عقلاني، وتاخر نشرها حتى عام 1953. وعند عودته لباريس بعد الحرب كتب عمله الكبير ثلاثية "مولي" وميلون يموت" و " اللامسمى". ولم يرَ احد من هذه الاعمال النور قبل 1951، حين عثور سوزان على ناشر لها. وحظيت مولي بعد نشرها بتقدير النقاد الفرنسيين العالي, ولفت الاديب انتباهم له. بيد ان الشهرة جاءت لبيكيت مع عرض مسرحيته " في انتظار جودو". واصبحت عبارة احد شخوص المسرحيةلا شيء يحدث، لا أحد يذهب، لا أحد يجيء ـ ياللفظاعة" بمثابة تاشيرة مرور بيكيت لعالم المجد والشهرة لانه طرح سؤال العصر الملح. لقد اسست جودو لمسرح جديد وطرحت السؤال عن كنه الوجود البشري. وقال احد النقاد عنها لقد غيرت " في انتظار جودو " المسرح العالمي، واشار الكاتب المسرحي الشهير جان انوي الذي حضر العرض الاول للمسرحية، الى ان في انتظار جودو كانت الاهم في غضون الاربعين سنة الاخيرة.ويرى دارسو بكيت ان " في انتظار جودو" هي خلاصة فكره: فخلف كآبة وفظاعة الوجود البشري وفي دناءته الخالصة، العبث الحتمي. وظهرت بعد بانتظار جودو الشريط الاخير والايام السعيدة ونهاية اللعبة.وكتب بيكيت خلال ذلك تمثيليات اذاعية وتلفزيونية، وعمل على نصوص اخرى.
المحصلة
واعلن في عام 1969 عن فوز بيكيت بجائزة نوبل للادب وقالت سوزان بعد ان قرات البرقية عند الناشر ياللكارثة. فكانت تخاف من ان الشهرة العالمية ستفسد على الزوجين حياة العزلةالتي ينعمان بها. وفي نهاية المطاف اعرب بيكيت عن امتنانه للاكاديمة السويدية ولكنه اعتذر عن حضور مراسيم تقليد الجائزة واختفى في زاوية نائية بعيدة عن المعجبين.
وبات بيكيت في السبعينيات والثمانينيات يقل من الكتابة والنشر. وفي حديث لاحد المهتمين بسيرته الشخصية قال بيكيت ان جيمس جويس "مُركِب" اضفى على النص المزيد من التفاصيل اما انا "فمُحلل" اسعى دائما لشطب الكثير. وفي سنواته الاخيرة امضى معظم وقته في شقته في باريس يشاهد لعبة الريغبي، واعادة قراءة الكتب التي كان يحبها ويدخن، رغم منع الاطباء له.
وانتقل بيكيت بعد موت سوزان عام 1989 الى احدى دور كبار السن وتوفي في 22 ديسمبر من العام نفسه. وقد عجز، وهو الذي سعى لالتزام الصمت، في الاشهر الاخيرة من حياته عن الكلام تماما بسبب المرض. ودفن وسوزان في مقبرة مونبرناس في باريس. وبالقرب من شاهدة قبرهما المتواضعة تنمو شجرة وحيدة، مثلما في مسرحيته بانتظار جودو.
ويقول احد المهتمين بسيرته " ان بيكيت سعي لاقتناص جوهر الوعي، الذي يكمن في الانسان".لقد حلل الاديب هذا الجوهر حتى النهاية حتى التفاصيل الوجودية المرعبة وادرك العبثية التامة للوجود البشري. بيد انه قال في الوقت نفسه " من النادر ان لايصحب الشعور بالعبث الشعور بالضرورة".
*استفادت المادة من مقالات بالروسية من بينها "غروب القرن" بقلم يوليا شتوتينا و"صمؤئيل بيكيت" من الموسوعة الادبية الروسية ومقال الناقد والباحث الكسندر غينس " بيكيت: شاعرية غير المحتمل"، وبالعربية موسوعة المصطلح النقدي : اللامعقول تاليف ارنولد هنجلف، ونصوص من اجل لاشئ من تقديم ونشر هنري فريد صعب.


مسرحية اللاجئ .. الحياة بدون وهم عالم لايطاق

صالح حسن فارس* -أمستردام
*فنان مسرحي عراقي يقيم في هولندا
لايحتاج الروائي الهولندي الشاب (ارنون غرونبيرغ) الاكثر شهرة وشعبية في هولندا الى شهرة أوسع مما هو عليها الان، ولم يكن في حسبانه أن تُعد روايته ذائعة الصيت( اللاجئ) التي صدرت عام 2003 في هولندا الى عمل مسرحي، وتقدم في مثل هذه الاجواء المتوترة، الحساسة، والحرجة ازاء المغتربين في اوربا. كونها لم تكتب للمسرح اولاً، وتخلو من الحوار الدرامي ثانياً، حتى جاء الكاتب (كون تاشيليت) وأعدها للمسرح وقُدمت بالفعل على أشهرالمسارح في بلجيكا، ومؤخراً في العاصمة الهولندية أمستردام على مسرح (ستاتس سخاوبورخ)، وما زالت تقدم على مسارح المدن الهولندية حتى نهاية هذه السنة.
مسرحية ( اللاجئ) هي أول نشاط مسرحي من إنتاج فرقة
Nt Gent)) في مدينة خينت البلجيكية.
من تمثيل: اليسا دي براو، فم اوبروك، اوس خريدانس، و سيرفي هيرمانس،
دراماتورج باول سلانكن، سينوغراف بيرت نومان.
أما مخرج العرض فهو المخرج الهولندي المعروف (يوهان سيمونس)، الذي عمل طويلاً مع فرقته المسرحية الهولندية (زاود هولنديا) وأنتقل موخراً للعمل في بلجيكا.
العرض:
أصوات مختلفة لطيور متنوعة تصدر من أفواه الممثلين، يتقدم الزوج ( الكاتب) الى الجمهور يتكلم عن حياته وعلاقته بزوجته المثالية :
"أنا كرستيان بك، ولدتُ في هولندا، وأعيش في قرية صغيرة في ألمانيا، كنتُ أعمل كاتباً (روائياً) وتوقفتُ عن الكتابة، أعمل الان في ترجمة دليل استخدام الاجهزة الكهربائية، من الانجليزية إلى الألمانية".
بهذه الكلمات يبدأ العمل المسرحي، حتى يفاجئنا صوت أحد الممثلين وهو جالس بين الجمهور:    
- لماذا توقفت عن الكتابة؟
الكاتب: لم أعد أكتب!
يحاول البطل (الكاتب) أن يهرب من الاجابه، وهذا المشهد بمثابة محاكمة الجمهور له.
من الوهله الاولى جعلنا المخرج نمسك بتلابيب حكايته المثيرة، ونقلنا معه الى أمكنة ومدن مختلفة مثل: الصحراء، المانيا، إسرائيل، حيث توزعت احداث الحكاية.
العرض منحنا فرصة أن نتأمل المكان وسينوغرافيته، سرير نوم هوائي كبير ومنتفخ (مملوء بالهواء) قلق متحرك، يقترب من الجمهور يكاد يلامسهم، يحتل مساحة كبيرة هي عبارة عن غرفة النوم، مرسومة عليها بشكل جميل ومثير خارطة تشيرالى بلد ما، وزمن ما.
لم يحدد لنا المخرج المكان بالضبط ، بل جعله مفتوحاً للتأويل، الا أنه تخيل ان السرير كبير جدا بحجم الوهم أو بحجم الواقع. جعلنا نتخيل معه ان السرير عبارة عن وحش كبير يهيمن على البيت والعالم.
خلفية المسرح عبارة عن صور كبيرة الحجم بالابيض والاسود للاجئين عرب وافارقه تلتصق على جدران المسرح الثلاثة أي خلف وعلى جانبي قاعة العرض والتي هي غرفة النوم، أضوية مصابيح حمر تؤطر الصور وهي دلالة البغاء والفساد في هذا العالم الغائبة ملامحه.
اعتمد العمل على اربعة ممثلين، الزوج وهو الروائي، المرأة وهي الزوجة، الشاب وهو اللاجئ، وممثل شاب اخر يجلس بين الجمهور، ومثلَ أربعة ادوار: أحد الجمهور، حفار قبور، معاق جسدياً، و صحفي.
الكاتب توقف عن عمله وعن التواصل مع الناس، أراد أن يقضي على الاوهام، وبعد أن أعتقد أنه تحرر من الاوهام لم يعد يستطيع أن يعيش، لان الحياة بدون وهم هي عالم لا يمكن العيش فيه ولا يطاق.
الزوجة بملابس النوم وترتدي قناعاً فنطازياً على وجهها لأحد الطيور، وهي إشارة واضحة الى مكان الحدث الذي يدور في غرفة نومها، وتقول الممثلة:
"أسمي (طير)، درستُ كثيراً عن الطيور، ومكثتُ طويلاً في الصحراء، كنتُ أريد أن أفهم لغتها، كنتُ أعمل وأهتم بالطيور، توقفتُ عن عملي، لانه بعيد عن الواقع، أعمل الان مع المنظمات الخيرية التي تهتم بالناس المحتاجين وخاصة اللاجئين".
تخلع القناع ويبدأ الصراع وتتأزم الاحداث، حين تفصح عن علاقتها الجنسية مع لاجئ جزائري قادم من الجبال، وتقرر الزواج منه من أجل مساعدته.
اللاجئ يتحدث عن حياته، وهروبه من وطنه ، ليتضح في ما بعد أنه كان مجرماً ومداناً في عملية قتل.

يهرب الكاتب من زوجته ويمارس الجنس مع العاهرات، وزوجته تمارس الجنس مع اللاجئين.
أتضح جلياً أمام أعيننا إتصال اللاجئ بزوجة الكاتب، حيث جامعها أمام زوجها في غرفة النوم وعلى نفس السرير.
وفي نهاية العمل تموت الزوجة بعد أن تصاب بمرض السرطان، بينما يستعيد الكاتب حياته وحريته.
على مدى 150 دقيقة خلا العمل من الموسيقى بالرغم من طوله، مما جعل الملل يتسرب إلى الجمهور، هذه نقطة الضعف الوحيدة في العمل. وفي المقابل فان العنصر المثير والجميل في هذا العمل هو أداء الممثلين التلقائي البسيط ، عفوية الحركة، والقدرة التعبيرية الهائلة. أخص بالذكر مشهد محاكمة الكاتب من قبل الممثل الشاب وهو بين الجمهور، كان من المشاهد الجميلة والمؤثرة، وكذلك مشهد المضاجعة بين الزوجة واللاجئ، الذي كان مشهداً متميزاً في البناء والتعبير والمعالجة الدرامية.
إعتمد المخرج على طاقات الممثلين البارعة والمدهشة في الاداء والتعبير، وكذلك على قوة النص، ما عدا الطريقة التي أنهى بها المخرج دور اللاجئ، التي بدت ركيكة ومربكة حيث جعل اللاجئ يقرر العودة إلى وطنه ليهتم بقضية حقوق الامازيغ وحريتهم! هل أراد المخرج أن يقول لنا إن اللاجئ إحتج على الغربة والضياع في أوربا؟ أم إن المخرج أراد أن يسخر من الأفكار النمطية السائدة لدى الكثيرين عن شخصية اللاجئ أو المهاجر؟
سؤال بقي عالقاً في ذهن المشاهد!
الديكور كان جميلاُ لكنه بقي جامداً ولم يتغير طيلة العمل المسرحي على عكس ما أثارته الرؤية الأولى من توقعات.
إضاءة عامة فيضية توزعت على الخشبة لتكشف عالم الحكاية وتجعله لنا عالماً مفضوحاً ومكشوفاً.
أظهر لنا العرض الكثير من الاشارات المخفية في عالم الرواية الاصلي.
يكاد يكون العرض متكاملا لولا الاطالة، والسرد الطويل، وأعتقد لو أن المخرج أختصر بعض المشاهد لما أثر ذلك على البناء الدرامي للعرض.
لقد لعب المخرج (يوهان سيمونس) في توزيع الادوار بكل فهم ووعي ودراية، وهذا ليس غريباً على مخرج قدم اعمالا مهمه للمسرح الهولندي، وتميز بأسلوبه الاخراجي وله طريقه معروفه في خارطة المسرح الهولندي في تقديم الاعمال الكلاسيكية الاغريقية، والشكسبيرية، بمفهوم عصري حديث، ويعتمد في طريقته الإخراجية على كسر قاعدة المألوف، حيث قدم أغلب أعماله في أماكن مفتوحة أو مغلقة، أي ليس في مسرح تقليدي (مسرح علبة).
في اخر حوار له في مجلة (
uitkrant) الهولندية صرح المخرج الهولندي يوهان سيمونس حول مسرحية اللاجئ فقال: "دائماً في أعمالي المسرحية يوجد شئ حول ما يحدث الان، وحالياً يوجد الكثير من الروايات أفضل من الاعمال المسرحية لما تحتويه من نقد للمجتمع الذي نعيش فيه ولما يحدث الان في العالم".


مســــــرح (البلكونة) .. فضاء واسع للعنف والوهم وانتصار الزيف على الحقيقة
 

علي الشجيري  -القاهرة

تعرض حاليا وعلى مسرح الهناجر مسرحية الشرفة او البلكونة من اخراج محمد ابو السعود ومن تأليف الكاتب الفرنسي جان جينيه .المسرحية تجسيد لفكرة المؤلف عن المسرح واللعبة الوهمية اذ لايكف الكاتب عن الخداع والتنكر والكذب ليقول ما يريده ويكشف الحقيقة الانسانية اذ يدعو الحياة الاجتماعية باراء ثورية يدعوها لنزع القناع والعودة للذات الحقيقية فالقناع عنده لا يخفي شيئا ولا يمنح امتيازا اضافيا للانسان .القناع عند الكاتب مجرد تنكر وتحول مؤلم في الوجود .قد يستطيع الانسان تحت القناع التكلم بلغة متمايزة او باسلوب اخر للتواصل مع الاخرين الا انه سلوك لا نفع فيه ولا يعطي امتيازات فسرعان ما ينهار فضعفه سمة اساسية .الوهم والتنكر هما خادمتان في لعبة وهمية ترتدي احدهما ملابس سيدة والاخرى خادمة ليؤديا كل ما يستحيل عمله امام السيدة .ويتكرر امر اللعبة الوهمية .ثلاثية لعبة التنكر هذه بدات بالشرفة ثم مسرحية الزنوج والبرفانات .تطرح فكرة تقمص الانسان لدور مطلوب منه وغير متماشٍ مع طبيعته وتجسد جوهر التعبير المسرحي .تدور احداث مسرحية البلكونة من خلال بيت دعارة يطلق عليه بيت الاوهام .في البيت الوهمي شخصيات مزيفة بالطبع وهم اسقف وقاضٍ وجنرال وتدعوهم الرغبات العارمة للتنكر ويصبحون في عزلة عن العالم كله وعن الجنس البشري ويعيشون المتعة الجنسية وغيرها من المتع الاخرى في شكل تخيلات تدخل في الواقع وتغدو ملموسة ولكن يقع التمرد خارج هذا العالم ويقدم رئيس الشرطة الى منزل الدعارة لزيارة صديقته ( يرما ) التي تدير هذا المنزل وهو بدوره يقدم الحماية الكاملة لهذا المنزل والتي تديره .لذا يصبح لزاما على الشخصيات المزيفة والمتنكرة ان تؤدي مهامها بشكل حقيقي ويبدأ صراع بين رئيس الشرطة وهؤلاء وينتهي بان يصبح رئيس الشرطة قائدا لهم ويحول بينهم وبين العودة لواقعهم الاصلي .وضع الكاتب جان جينيه في هذه المسرحية عالمين مختلفين هما عالم الاوهام في بيت الدعارة وعالم المتمردين الحقيقيين .وقد جسد المخرج هذين العالمين تجسيدا رائعا بشكل ابرز التناقض بين بيت الاوهام ومواقع المتمردين وان كانت السيطرة المطلقة للعالم الوهمي .غدت خشبة مسرح الهناجر فضاء واسعا يوحي بالوهم والعنف ويشد المشاهد اول وهلة بسيطرة فكرة الحرب وتجلياتها من خلال وجود شاشتين للعرض في فضاء المسرح وهي تعرض صورا حية عن الحروب الاخيرة التي عاشها الانسان في اللحظات الراهنة تضمنت لقطات حية عن الحرب في العراق اضافة لتظاهرات في الاراضي الفلسطينية المحتلة تجسد واقع الانسان الفلسطيني .وبالاضافة لهاتين الشاشتين هناك شريط صوتي يعرض نشرة اخبارية مفصلة لاخبار الحروب .اذن حالما يدخل المشاهد للمسرحية فانه يجد وبقوة حالة من الحرب والدمار تسبق لحظة الدخول لبيت الاوهام .
اعتمد المخرج محمد ابو السعود في هذه المسرحية فكرة الصورة من خلال وسائل الاعلام هذه المرة .لانه يعتمد دائما في عروضه على الصورة واللوحة وهذا ما حدث في مسرحيته السابقة (بريسكا ) الماخوذة عن اهل الكهف لتوفيق الحكيم وكذلك له عروض عديدة فيما بعد وصولا الى اخراج ( احلام شقية ) لمؤلفها سعد الله ونوس التي اخرجها محمد ابو السعود وعلى نفسه المسرح نفسه منذ سنتين .الصورة في هذه المسرحية بكل تجلياتها جزء مهم من العرض المسرحي حيث تحيل المشاهد الى عالم اخر اضافي بل وزمن مختلف يتقاطع مع موضوع المسرحية وزمن عرضها .
احالت لقطات الحروب المشاهد الى زمن هذه الحروب وانشات علاقة حميمية بينه وبين العرض من خلال اللقطات التي يعيشها بالفعل .وبعد ان تدور الاحداث في بيت الاوهام وتبدا لعبة التنكر والزيف تتردد اصوات الصرخات وطلقات الرصاص في الخارج كمقدمة الى عالم المتمردين اضافة لوجود مرآة ضخمة وضعها المخرج على يسار المسرح تجسد لعبة الوهم وهي جزء اصيل من مسرح جان جينيه .وهذا التجسيد ليس جديدا فقد اعتمده كل المخرجين الذين قدموا نصوص هذا الكاتب على خشبة المسرح .
يبدا العرض في بيت الاوهام مع الاسقف الوهمي في مشهد يحاول ان يكون ساخرا من خلال سخريته من فكرة الاعتراف والمغفرة واستعادة مفردات معاصرة ووضع الحوار في صيغ اعلانات .ومحاولة الاضحكاك هذه ستكون تلميحا مهما في الاداء والعرض .ولم يخلق هذا الاسلوب تعاطفا مع هذا الاتجاه لأنه حوّل لعبة الوهم والتنكر الى سخرية سطحية في احيان كثيرة .وبعد ذلك ياتي مششهد الجنرال ومشهد القاضي ومحاكمته للفتاة الضعيفة وهي لصة والجميع وهميون ومزيفون .وهذه المشاهد الثلاثية نمطية تتم بنفس الاسلوب الذي يجمع بين الوهم والسخرية .وبعد ذلك ياتي الجميع في ملابسهم الوهمية كل في مشهد مستقل وكأنهم في وضع الاستعداد لالتقاط صورة .اذن كان العرض وفقا لرؤية سينوجرافيا عبارة عن مجموعة مشاهد على ساعتين اي مشاهد متصلة ومنفصلة .اي لعبة وهمية لا يهتم فيها الكاتب بالتصاعد الدرامي او الحسي التراجيدي .الموضوع هو الوهم والزيف وهو تصوير الذات امام الاخرين وهو تصوير كاذب ومخادع دائما ويشبه الاتفاق غير المطلوب بين المتفرجين والممثلين على ممارسة وقبول خداع فني وقتي ويعني العرض المسرحي بالشخوص .
وينتقل العرض الى العالم الاخر الذي تردد في مشاهد سابقة من خلال الحوار واصوات الرصاص والصرخات وهو عالم المتمردين الذي اوحى له المخرج في بداية العرض بلقطات الحروب وعلى الشاشة ايضا بصورة ثابتة للمناضل جيفارا .ويختلف المشهد المسرحي قليلا وينتقل من العالم الوهمي الى الحقيقة مع المتمردين ثم العودة الى العالم الوهمي حيث يحاصر مدير الامن في البيت الوهمي ويقود مجموعة من الوهميين لنصبح امام صور حقيقية نشأت من مشهد خاطئ كما يذكر العرض .وحينما يتم العثور على شخصية مزيفة تؤدي دور مدير الامن ينتهي العرض واللعبة الوهمية وينتصر الزيف على الحقيقة وينتصر بذلك اهل البلكونة على عالم التمرد الحقيقي.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة