المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

أصداء أسبوع المدى الثقافي الرابع .. أربيل ولقاء أسبوع المدى الثقافي العراق

كاظم حبيب

كانت أربيل ولمدة أسبوع كامل حافلة بالنشاط والحيوية الثقافية. التقى فيها المئات من المثقفين العراقيين من الداخل والخارج, إضافة إلى مجموعة من الشخصيات الثقافية العربية من النساء والرجال قدموا من عواصم الدول العربية, ناقشوا معاً في جو ربيعي منعش وموضوعي عدداً كبيرا من الموضوعات التي كانت ولا تزال وستبقى تشغل بال شعوب منطقة الشرق الأوسط, إنها القضايا الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ومشاكل الحياة اليومية للناس وقراءات شعرية وندوات واسعة وحفلات غنائية وموسيقية متميزة. كان لقاء جمهرة كبيرة من المثقفات والمثقفين العراقيين في مدينة أربيل, عاصمة كردستان العراق, بحد ذاته عملاً كبيراً, إذ كان اللقاء بين أصدقاء باعد بينهم النظام الاستبدادي وواصله الإرهاب الدموي الجاري على أرض الرافدين جميلاً ومؤثراً ونافعاً في آن. كما كانت اللقاءات مع المسؤولين في كل من أربيل والسليمانية مفيداً لمعرفة الكثير من اتجاهات التطور في السياسة العراقية وفي موقع كردستان العراق من هذه السياسة واتجاهات التطور.
ففي إحدى قاعات فندق شيراتون بأربيل التقى المثقفون السياسيون يتحاورون حول السياسة والثقافة ودور المثقفين في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية ويشخصون المشكلات التي تواجه الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط, بسبب غياب الديمقراطية عن الحياة العامة وغياب المؤسسات الدستورية أو شكليتها, أو بسبب وجود بعض الدكتاتوريين المهيمنين على السلطة.
وفي قاعة أخرى كان حوار الاقتصاديين حول الديون الخارجية والتعويضات للدول التي تحملت خسائر بسبب حروب النظام الاستبدادي, وإشكالية غسيل الأموال وتحميل الاقتصاد العراقي المزيد من الخسائر أو الفساد المالي, حول الواقع الاقتصادي الراهن وعجز الحكومات المتعاقبة عن إنجاز مهمات توفير الخدمات للشعب بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على سقوط النظام والعوائق التي تمنع الوصول إلى ذلك, إضافة إلى مناقشتهم واقع وآفاق تطور التنمية الاقتصادية والبشرية في أجواء يفترض أن تسودها الشرعية الدستورية والقوانين الضابطة لحركة الاقتصاد الوطني في ظروف العولمة الموضوعية وما تستوجبه من ولوج فعلي فيها للاستفادة منها لصالح التطور والتقدم في العراق وتجنب السلبيات الحادة التي يمكن أن تلحق باقتصاد البلدان النامية بسبب التخلف الذي تعاني منه اقتصاديات هذه البلدان والفجوة الكبيرة بينها وبين اقتصادات الدول المتقدمة صناعياً وعلمياً وتقنياً, أي تلك التي دخلت الثورة العلمية والتقنية, ثورة المعلومات (ألنفوميديا), من أوسع أبوابها من جهة, وتلك الدول التي لا تزال تقبع خلف جدران التخلف, ورغم ذلك تخشى الخروج إلى فضاء الحرية والتقدم من جهة أخرى.
وفي صالة كبيرة التقى الشعراء المحدثون يشنفون أسماع المشاهدين بقصائد شعرية رقيقة ومنعشة تنطلق من حنجرة فنان مبدع عديد المواهب والإمكانيات, من حنجرة أتعبها الزمن وأحداثه, حنجرة الصديق الفاضل محمد سعيد الصكار, أو من حنجرة شاعر مبدع آخر عديد المواهب يروي لنا عبر شعره حكايات بغداد الجميلة وشخصياتها وأجواء بغداد في الخمسينيات, أو نسمع كلمات مدير الندوة وهو يتحدث بلغة شعرية جميلة ورؤية صادقة عن شعر هؤلاء أنه الزميل المبدع السيد علي بدر.
وفي قاعات أخرى وأمسيات أخرى انطلقت أصوات المغنية الوحيدة والمغنين العراقيين المبدعين من أجيال مختلفة لتنشد أغاني الحب والجمال والحياة والسلام للعراق الجديد, أصواتاً عرفنا بعضها وبعضها جديد, أصوات أمل خضير وسعدون جابر وكريم منصور وعبد فلك وجعفر حسن وطالب غالي. وعلى تلك الأنغام والأصوات الشجية والمحركة للمشاعر انطلقت الشبيبة الكردية الجميلة المتفائلة بالحياة لترقص للحب والجمال للحياة الجديدة في كردستان العراق, إنها مليئة بآمال التطور والتقدم لشعب عانى المرارة والحرمان والقهر والتعسف والموت على أيدي مستبدين مجرمين طوال عقود وعقود, عانى الفقر والخراب والحروب والمقابر الجماعية, ويعمل اليوم ليسترد عافيته وينظم حياته ويطور اقتصاده ويحسن ظروف عيشه.
لقد كان المهرجان رائعاً وكانت الأيام جميلة, أعادت لبعضنا من الشيوخ شبابه واججت مشاعر الشباب المشارك. والفضل في ذلك يعود للمضيفين, للمسؤولين في إقليم كردستان قيادة ومثقفين وشعباً, الذين بذلوا كل الجهد ليوفروا أفضل الظروف لنجاح لقاء أسبوع المدى الثقافي الذي يعقد لأول مرة على أرض كردستان العراق, والفضل يعود للرجل الذي صمم على عقد هذا اللقاء في أربيل بالرغم من كل الظروف المحيطة بالعراق ليجمع ويوحد صفوف مثقفي الداخل والخارج ويجدد التلاحم والتفاعل وتبادل الخبرة بينهم, إنه رئيس مجلس السلم والتضامن ورئيس مؤسسة المدى للثقافة والإعلام, الصديق فخري كريم, والفضل يعود للشبيبة المنظمة التي بذلت المستحيل لإنجاح هذا اللقاء, يعود للسيدتين الغادتين, غادة جوني وغادة العاملي, وللسادة هيثم وقاسم وعبد الزهرة ...الخ, إذ لولا هؤلاء وجهدهم الكبير والمضني لما نجح اللقاء. والفضل يعود أخيراً للمشاركات والمشاركين في هذا اللقاء الحافل بالكثير من الأعمال الإبداعية, بما في ذلك معارض الفن التشكيلي والفوتوغراف والمسرح والسينما والشعر الشعبي.
وأخيراً, لا شك في أن المنظمين والمشرفين على هذا اللقاء قد تبينوا الجوانب الإيجابية في أيامه السبعة وتلمسوا بعض النواقص التنظيمية التي عطلت مشاركة الكثير من المثقفات والمثقفين الكرد أو من القوميات الأخرى المتآخية في العراق وكردستان العراق والتي لها ثقافاتها الخاصة ودورها في الحياة الثقافية العراقية, خاصة وأن مثل هذه اللقاءات الثقافية المتميزة تسمح بتلاقح جدي وفعال بين الثقافات العراقية المتعددة, أو تزامنت مع مؤتمرات كردستانية أخرى خلقت التباسات غير مقصودة, أو عدم طبع الأبحاث والمداخلات وتوزيعها على المشاركين قبل بدء اللقاء. وأنا واثق تماماً بأن منظمي هذا اللقاء سيسعون إلى تلافي تلك النواقص وتكريس وتطوير الإيجابيات الكبيرة في اللقاءات القادمة.
شكراً وألف شكر لمنظمي وممولي هذا اللقاء, وشكراً لمن ساهم في إنجاحه.


حاضـرون في أسبـوع المدى

قاسم محمد عباس

تلقت المدى خلال الأيام الماضية الكثير من رسائل التهنئة والشكر - بمناسبة انعقاد اسبوع المدى الثقافي الذي اقيم في أربيل - من شخصيات ثقافية ومؤسسات تعنى بالشأن الثقافي والسياسي عموماً، وقد لفت نظري أن عددا من هذه الرسائل وردتنا من كتاب ومثقفين ومؤسسات لم يتح لنا أن ندعوهم للمشاركة في فعاليات الاسبوع، أو غاب البعض الآخر عن المهرجان لظروف حالت بينه وبين المشاركة.
حملت الرسائل أفكارا ومواقف ومقترحات عبرت عن مدى انسجامها وتطابق مواقفها مع أهداف الاسبوع. أما برقيات التهنئة ورسائل أخرى فقد قدمت مشاريع جاءت دليلاً على أن أصحابها كانوا في صميم فعاليات الاسبوع وان لم يحضروا في المهرجان. فالمدى في سعيها لتفعيل الحركة الثقافية قدمت الدعوة لعدد كبير من مثقفي الخارج والداخل طبقا لمحدد الفاعلية والتأثير والمساهمة وعدد كبير من هؤلاء يعمل في مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. لهذا ادرجت اسماء بعض الكتاب ممن لم يحضر الاسبوع في مشاريع تمخضت عن المهرجان فكان هدف الاسبوع في حقيقته توفير هذا المناخ من التفكير للنظر في المشكلات الراهنة وجمع هذا العدد الكبير من المثقفين وتحريك ما هو ساكن في الحياة والثقافة معا.
لست هنا بصدد التأكيد على نجاح أهداف الاسبوع ، او التحدث عما تحقق في جدوله من برامج بقدر ما أو الاعلان عن تلك القيم والمضامين التي وردت في رسائل المثقفين الذين لم يشتركوا او يحضروا الاسبوع فقد كانت هذه الرسائل بمثابة المرآة التي عكست الدور الايجابي والحقيقي لاصحاب المشاريع الذين انشغلوا بجدوى مثل هذا النشاط وما نتج عنه من مشاريع وخطط فقد كانت افكارهم ومقترحاتهم كما لو انهم حضروا و شاركوا في الجدل والنقاش والطاولات والجلسات التي عقدت في كردستان فبادروا الى مباركة هذا النشاط وتكريسه مستقبلا حسب ماورد في مقترحاتهم فخففوا من حدة بكاء وعويل قلة اخرى لم تشارك في الاسبوع لكنها راحت تتهم وتتباكى بل وتكتب ما يشبه التقارير والوشايات الرخيصة مستغلة تلك الزوايا المظلمة من بعض مواقع الانترنت.
نحن اذا أمام نموذجين 00 نموذج حيوي وايجابي يجد نفسه مشاركاً وفاعلا حتى لو لم يحضر، فهو ممثّل في الاسبوع من خلال زملائه وأقرانه، ومن خلال الافكار والاهداف المشتركة، ونموذج آخر تفضحه طريقته الرخيصة في الهجوم على اسبوع المدى حتى من دون ان يطلع على سير فعالياته وما حدث فيه0
فكما اوضحنا في اكثر من مرة ان الهيئة التحضيرية كانت امام اعداد كبيرة من المثقفين والمعنيين، ممن لا تستوعبهم امكانات الاسبوع، لذلك عمدنا الى الاختيار على أساس التمثيل، وفي كل الأحوال فان الغضب على عدم الدعوة هو دليل على الانتماء للروح الثقافية لاسبوع المدى. وان أخطأ البعض في التعبير عن هذه الصيغة من الانتماء.
نقول للمثقفين الذين بعثوا برسائلهم وتهانيهم لقد كنتم معنا بهذه الافكار التي بعثتموها. حاضرين بمقترحاتكم. باسمائكم التي ادرجت في مشاريع وبرامج انبثفت عن المهرجان ستباشر عملها في القريب العاجل ومادمنا جميعا نفكر في كيفية اعادة بناء الثقافة والحياة تجاه ان تستعيد حياتنا الثقافية دورها وتأثيرها فقد كان حضوركم مؤثرا وفاعلا بكلماتكم ورسائلكم. ونحن على يقين لن يثنينا ويثنيكم كلام قلة ناشزة تتصيد في الماء العكر تعتقد بوهمها وتضخمها المرضي انها تستطيع ان تعيد للثقافة سيرتها المبادة. ولهؤلاء القلة نقول شكرا لانكم جعلتمونا نتأكد من نواياكم السيئة وصواب تصورنا عنكم. شكرا لكم لأنكم كشفتم للآخرين حقيقة ما تفكرون به. لكننا نشعر بالأسى للصورة التي ظهرتم بها.
فاذا كان كل من لا يدعى لمهرجان يكفر الناس ثقافيا وسياسيا فنحمد الله انكم لا تمثلون احدا سوى انفسكم. ونحمد الله انكم لا تديرون مؤسسات ولستم مكلفين بعمل يخص الثقافة والمثقفين0
وهنا نقول ان المدى مشرعة ابوابها لكل المشاريع والافكار والمواقف سواء اختلفت او اتفقت الا انها بكل الاحوال لن تسمح بأن تمرر الثقافة الطارئة، او يعود نمط الاضطراب والخلل والعنف ليتسلل لحياتنا من جديد. لن تسمح للزيف والمواربة والمداهنة ان يدخل عتبات مستقبل ثقافة العراق الذي يستوعب كل الخيارت من اجل اعادة بناء ثقافة بلد ديمقراطي حر يسمح بأي نشاط او حركة ثقافية فقد ولى زمن ثقافة الخاكي العنيفة من تاريخ العراق وثقافته.


لقاء العـراق

فاطمة المحسن
في مهرجان "المدى" حضر العراق الثقافي، حتى سألت نفسي عن قدرتي على إختبار لحظات المواجهة السافرة.
كان العراق يهتز أمامي، ويلوح في مساقط الضوء على نافورة أجلس بقربها. اللهجة التي تصخب بأذني تجعلني أقترب من الحلم ذاته. أسلاك شائكة أعبرها، ويتسلل اليّ لغط ذلك الحكي، فاقول لنفسي سأكون هناك في مكاني،في مطرحي دونما إعتذار من أحد. قال شاكر الأنباري،الذي مكث بعد عودته: هذه هي الميزة الوحيدة، أنت في مكانك، في بيتك. شاكر سمى ابنته شام، بعد إقامة في سوريا أثمرت زواجه من دمشقية جلبها معه الى بغداد.يتجمع الأصدقاء حولي، ولكن الإخدود الذي أكتشفه يلوح مثل سباخ ملح يصعب إجتيازها. أهم بالطيران، فتلحقني حشرات تئز في أذني، فأستيقظ مذعورة.
أتمتع بحصانة الهدوء في ذلك الصباح الذي وقفت فيه متمعنة بالجمع في فندق أربيل، أحدق في الوجوه كي أمارس اللعبة ذاتها: كيف لي أن أكتشف معارف وأصدقاء، زملاء مهنة او رفاق دراسة. صباح نوري مرزوق بذاكرته الثاقبة يريد أرشفة العراق، نضحك من القلب لقفشات الجامعة، وهو دائما يناكد نسياني المرضي ويفاجئه بالتفاصيل. يتذكر الأسماء والألقاب والمعارك مع الاساتذة، مثلما يتذكر الإصدارات والكتب التراثية والمخطوطات، ومن كان يحب رائدة زميلتنا المحافظة التي كانت تسخر من الحب. ينتفض جسده في حركة غير ملحوظة وانا أسأله بما يشبه المباغتة: متى أصبحت بعثيا؟ أعرف ان صباح شأنه شأن الكثيرين لاناقة ولا جمل له في السياسة، ولكن السؤال يخطر ببالي مثل نكتة عابرة، لأنني ادرك عدم قدرته على الكذب او تصنع النكران،فالبعث كان قدرا مثلما الحرب وصدام وحظ العراق العاثر. خليل الأسدي الذي يخيل اليّ أن يده المشلولة كانت هي هكذا قبل أن يصاب برصاصة في الحرب،عرفته وهو يقف أمام فالح عبد الجبار، وبيده السيكارة ذاتها، وقبل أن يلتفت لأرى وجهه، كان هو الناحل مع ميلان كتفه الأيسر مذ كنا نشتغل في مكان واحد. ربما كان وضع جسده المائل قليلا الى اليسار سبب إصابته في الحرب، أقول لنفسي وأنا أرى أصابعه التي تحولت الى خرقة مهلهلة. هل تعرفني: يقف أمامي كأن الزمن أبقاه طفلا خائبا.الهدوء ساعده على تجاوز المحن التي مر بها، وبما يشبه العتب يقول لهاشم شفيق: تركتموني لهم لقمة سائغة. سافرتم وكنت وحدي. يصمت مثلما كان يفعل، فهو لايقوى على الحكي الكثير. نحاول الضحك، ويطلب مني عند الوداع تصويره مع إميلي الصحافية الفرنسية الشابة: قولي لها أنني معجب بها. تقبل التصوير معه، وتلتفت الي، هل أجد معجبين كثاراً في هذا الجمع. أطمئنها وأقول بما يشبه الجد، نعم كل الشباب العراقي يتمنون إلتفاتة منك.
يعرف الذين قدموا من الغرب، معنى اللقاء العابر بالعراق،اللقاء المختلس من ساعات الموت الزاحف على بطنه مثل أفعى لها أجراس مجلجلة.
قيمة المهرجان لم تكن بفعالياته، قدر ما كانت باللقاءات الإنسانية، بالأحاديث التي تعود فيها الثقافة الى نفسها من حيث هي ممارسة حياة وتعارفات. يدخل علي بدر رواياته ويخرج منها ممتطيا دراجته في رحلة المدينة المفترضة، سندباد بغداد الذي يصر على السير مثل أشقيائها، يربي شوارب عصملية، ويرتدي خواتم الغجر. يقول انه مواليد السبعينيات، كي يناكد أزمتنا مع العمر. نعرف بعد ساعة سر انتقامه من الستينيين، فقد كان من مواليد سنواتهم الأولى، ويطيب له ان يمارس دور عطيل في مسرحية أوديب.ضاعت عليه الحسابات،يقول زهير الجزائري لحيدر سعيد وعلي بدر وسرمد الطائي، ينبغي أن تقفوا إحتراما وتنادوني بكلمة عمي قبل لفظ أسمي. هذا هو مفصل اللقاء وسداه ولحمته،فالعراق رغم المفخخات المزروعة في كل منعطف، ورغم ثقافة العويل والتكفير، ينتج أجيالا جديدة من المثقفين المنفتحين على طموحات لاحد لها. في أقصى الناصرية يخرج ياسر البراك مسرحية لأوجين يونسكو.
العراق الذي يقض مضجعي، التواريخ التي أعض عليها بالنواجذ. حياتي التي تسربت في ساعة رمل غرائبية، إحاول ان أمسك بعض ترجيعاتها في هذا الجمع وأقول لنفسي وللأصدقاء غادرت كلام الوطن والنضال منذ زمن طويل، ولا أرغب أن تنسب أليّ تلك السخافات، ولكني أود هكذا أن أكون في العراق، هي أنانية مني أعرف هذا، فالعراق هو مكاني الصغير، بيتي الذي أتمدد فيه وأتصرف بزواياه وأغير من ديكوره. رهاني ومشروعي الذي أساويه بخسارات عمري الثقافية. هي أنانية وعناد أعرف هذا ولا أطلب تزكية من أحد. تخاصمت مع فخري كريم، وتذكرت في صورته إطلالة الزعيم، ولكني شكرته في النهاية من قلبي، فها نحن العراقيين، نخلط الحب بالتشاحن، نعبر خطوط التماس دون أن ندري مثل جيوش تزحف الى حتفها. يقول عبد الزهرة زكي أنه لاينام الليل، يخاف أن يُطرق بابه في ساعة متأخرة. هذه هي القشعريرة التي أهرب منها، أكره الاقوياء ربما لأنني أحسدهم، فأنا جبانة وضعيفة، ولكني أدرك دائما ان في القوة بعض خبل وبلاهة.
متى غادرتْ الثقافة العراقية تصورها عن نفسها، وانشغلت بتبرير وجودها، تغافلها عن حاجتها الروحية وانصرافها الى خدمة ما لاعد له من القضايا النافلة؟ ذاك سؤال مؤرق، تتبعه أسئلة كثيرة.كان الصراع في الثقافة العراقية في عهد الدكتاتور من أجل الحفاظ على ماء الوجه، إزالة الخجل عن الروح المكسورة بالخذلان، خذلان النفس والآخر. هذا الأثر يراه الناظر في وجوه أنهكها الخوف والتحسب والشك، ذبلت في حصارات مربعات الهلع الذي عاشتها حروبا وانتهاكات ووجع العزلة عن العالم. ولكن الثقافة العراقية تعيش رغم الحرية النسبية الآن معركة وجودها، بعض المتفائلين من المثقفين القادمين من الداخل يفسرون الأمر على أنه مجرد إضطراب لايمكن ضبطه، فالانفلات يلغي السببية ويتنافى مع الاستخدام الموضوعي لتوصيف الحق العام والخاص للمثقف. الذي يجري برأيهم ليس سوى تعبير مطاط عن مرحلة الإنتقال.بعضهم يرى في الحرب الأهلية ضرورة لغسل الجراح المكبوتة والمتخفية حول إيمانات ساذجة بالطائفة والعشيرة وقيم البطولات النّفاجة التي تمحوها الثقافة المدينية. كلام كثير يجري على طاولات السهر، وفي أروقة القاعات وفي السيارات التي تقلنا من مكان الى آخر. مشاريع تعقد وعناوين تتبادل، ونحن نختبر بعضنا، ونتقرب من الأجيال التي سبقتنا ولحقتنا برغبة الإمساك بالوجه المتخيل لعراق نخاف أن تسقط فجوات الغربة معرفتنا به. هذا العراق الحيوي الناشط الذي يموج بالحركة. أقول لسمر قحطان الممثل الذي شاب شعره قبل الأوان: هذا أسم انثوي، فمن سماك به؟ يجيب بسرعة: أبي الذي عشق الممرضة سمر التي ساعدت أمي على ولادتي. بقيت أمي تنظر الي بإعتباري ابن تلك اللحظة الملعونة من حياتها. سمر مثّل دورا في مسرحية عنوانها "حظر تجوال" من اخراج مهند هادي، ذلك النص الذي يحاكي عوالم بيكيت: تنويعة تختلف في منطقها عن المسرحية الأصل "في انتظار غودو" ، ولكنها تصلها في نموذج الرجل الصغير الحائر أيّ الجهات يسلك. الفرقة والمؤلف لم يدعا شاردة وواردة من حال بغداد اليوم دون مسرحتها، ومع كون مسرحهم المتقشف، يمنع التمدد على مساحة واسعة من القول، فهو يقتنص اليومي في انشغالات الناس،بيد ان اجتهاده لإبتكار شيفرات جديدة للمخاطبة وتقاطع الحوارات وتناظرها،مكنه من صنع ورشة درامية صغيرة مؤثرة . ولولا تداخل التمثيلية التلفزيونية الظاهر في الإداء وصنع المشهد، لكان لهذه المسرحية شأن آخر. وهي في كل الاحوال دليل إصرار المسرح العراقي على البقاء طليعيا وشجاعا ومتجاوبا مع فكرة الإبتكار. استطاع المخرج منع الحكاية من التحول الى تراجيديا ساخطة، كما حدث في المسرحية التي سبقتها "نساء في الحرب" ، ولم تغب الفرجة عن التركيب المسرحي بمفردات تكاد تكون جديدة، لذا كانت إستجابة الجمهور بشقيه النخبوي والعادي مباشرة وسريعة.
محمود عبد الوهاب سيعود الى البصرة، أقول له دعني أسجل حوارا معك عن السياب وحياتكم الثقافية في الخمسينيات، يرفض العرض رغم الصداقة التي سعدت بها. هذه المرة بدا واهنا، يجرجر أقدامه. تحدثنا عن البريكان وعن اخته هو التي انهكه مرضها. مم نشكو؟ لقد تعودنا على أن نشهد الأزمنة الرديئة وهي تتوالد عن بعضها، هذا ما يقوله باختصار. فتى أسمر صغير السن يعدني بروايته التي أبدى الحاضرون إعجابهم بها، يقول أنا أكتب بأسماء مختلفة، فالكبار لايقبلون حشريتي، يريدون ربطي بلون واحد من الكتابة. أشتغل في أكثر من مكان وأحب كل الفنون، فما الذي يمنعني من الإنطلاق. صح، ماالذي يمنعه من أن يكون أكثر من شخص، فالعراق الهارب من جلده يحتاج تلك الديناميكية كي يعبر المحنة على عجل.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة