ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من محاضرات اسبوع المدى الثقافي .. خانات بغداد / الرصافة - التسمية والوظيفة (1-3)

رفعت مرهون الصفار

كانت بغداد ومازالت حجر الاساس في الاقتصاد العراقي، ومركزاً مهماً من مراكز التجارة الدولية كونها وسطا بين الشرق والغرب، مما جعلها قبلة للتجارة والمتبضعين على اختلافهم، منذ القرن الخامس عشر الميلادي ولحد الان عدا بعض الفترات العصيبة القليلة والقصيرة التي عصفت بها سواء بتفشي الاوبئة المختلفة او حوادث الفيضانات المتكررة، او كانت بسبب تولي مقاليد الحكم فيها اناس لا يمتون للحس الانساني بصلة. ولعدم معرفة الناس في ذلك الوقت، والى بدايات القرن العشرين، بالفنادق ودور الاستراحة المعروفة حالياً، فقد شيدت الخانات لتكون نزلا للتجار والمتسوقين ومخزنا في الوقت نفسه للبضائع والمواد التي يتاجر بها، وعلى هذا، فقد تنوعت هذه الخانات بحسب المواد التي تخزن وتعرض فيها، فهناك خانات للاقمشة واخرى للتتن وثالثة للشاي ورابعة للصابون وخامسة للمواد الغذائية المختلفة وهكذا... ولا غرابة ان نجد هناك دوراً كانت معدة للسكن وهي غالبا ما تكون قريبة او مجاورة للسوق او المتجر، قد اتخذت مخزنا للبضائع بعد ان غادرها ساكنوها.
فما معنى الخان؟
في وصف لاحد الاثاريين عن الخان قال:
الخان، تحريف لكلمة حانوت بالارامية المشتقة من كلمة (حنة) العبرانية والتي معناها: خيم، واقام، ونزل، وحل، ويحمل اسم خان، الحانوت او مالك الحانوت.
ويخالف هذا الرأي االمؤرخ زهير القيسي حيث يخبر بان اصل كلمة خان ليس اعجميا
كما يقول البعض فهذه الكلمة انحدرت من مفردة عربية اصيلة هي كلمة (قين) اذ نجد هذه المفردة في لغات سامية قديمة بمعنى (الحداد) في عربيتنا، ونجد كلمة (قين) في اللغة الاشورية بمعنى الملك كما في اسم (شروقين) المتداولة بصيغة سرجون، والحقيقة ان (قين) كان إلهاً معبوداً من الهة الشعوب القديمة وهو الاله المختص بالبراكين والنار والحديد، ومن هنا اخذته العربية بمعنى الحداد، وتطور استعمال كلمة قين من مفردة، واستعمالها بلفظها الخاص. وصار المغول والفرس والترك وغيرهم من الامم يطلقون على الملك والسلطان لقب (الخان) وهو تحريف لكلمة (قين)... واطلقت التسمية (الخان) على الفندق او المنزل او المحطة في الطريق السلطاني، فكانهم ارادوا بذلك ان هذا الموضع هو موضع السلطان أو مستراحه او (محطته) او لجنوده وبريده، ثم انتشر استعمال كلمة خان بالمعنى المألوف في لهجتنا العراقية.
واية كانت اصل تسمية الخان بهذا الاسم، فقد اقيم في بلاد الرافدين الكثير من الخانات ولم يبق منها إلا القليل بسبب تهدمها واندثارها وتغير طرق المواصلات وابتعادها عنها وظهور وسائط النقل الحديثة.
وقد ورد ذكر اول خان أنشئ في ترنيمة خاصة للملك شويكي ثاني ملوك سلالة اور الذي حكم 2094
– 2047 ق.م.
اما الخانات المشيدة في العصور الاسلامية، فقد اشار ياقوت الحموي الى وجود خان يعرف بخان (وردان) كان موقعه شرقي بغداد يعود الى العصر العباسي الاول، وذكر اليعقوبي المتوفي سنة 384 هـ خانا في بغداد كان يعرف بخان النجائب، وهناك احصائيات تشير الى وجود 98 خاناً في القرن السابع الهجري.
يقول المرحوم الشيخ جلال الحنفي: "في قديم الزمان (من زمن نوح)، كانت الخانات محطة استراحة يأوي اليها المسافرون، وكانت مراكز يستأجر فيها التجار مساحة من الارض تسمى (حجرة)، لذلك نرى في كتاب الف ليلة وليلة ان فلانا استاجر حجرة في الخان. والخانات موجودة في شتى انحاء العالم العربي يطلق عليها اسم (اوتيل)، حتى ان ابن زريق البغدادي الذي ذهب الى الاندلس، توفي في الخان، ووجدوا تحت وسادته قصيدته الشهيرة والتي مطلعها:
لا تعذليه فان العذل يولعه     قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
وكان في بغداد كما كان في غيرها من المدن عدد كبير من الخانات الكبيرة التي تحمل اسماء كبار تجار البلد."
ويقول الاستاذ ربيع محمود سامي مدير عام هيئة الاثار والتراث الاسبق: "جرى الاهتمام ببناء الخانات التي استخدمت كمحطات استراحة وتبادل تجاري.."، وبشيء من السخرية يجيب المرحوم الشيخ جلال الحنفي: "ان هيئة الاثار والتراث (خربت) الخانات وهدمتها واساءت اليها من دون ان تعيدها كما كانت عليه، اعتقد اننا هنا لا نحمي التراث ابداً ففي الاماكن التراثية، ومنها الخانات التي اعادت صيانتها هيئة التراث، لا تمت للبناء التراثي بصلة ابداً، فهم يستعملون مواد بناء لا تشبه ما كانت تبنى به، قلنا لهم ان يفرشوا ارضها (بالحجر الفرشي) كي تصبح تراثية مئة بالمئة لكنهم يضعون آراءنا خلف ظهورهم ويفرشون الارض (بالكاشي) وهو امر محزن حقاً، وهناك الكثير من الامور في الصيانة ليست لها علاقة بالتراث.
وتقول السيدة امل متاب الخبيرة الاثارية ومديرة التراث في هيئة الاثار: "الخانات على نوعين، خانات بنيت داخل المدن وتكون صغيرة الحجم وتستعمل كمركز تجاري لقربها من الاسواق وغالباً ما تكون مسقفة وتحتوي على العديد من الحجر التي تطل على الصحن، وتستعمل الحجر اماكن نوم للتجار والمسافرين، واما الصحن فيكون محلاً لبيع البضائع.. وقد تعرضت هذه الخانات الى الكثير من التخريب والاهمال والاضافات مما ادى الى ازالتها او تغيير الكثير من معالمها، اما النوع الثاني، فيعرف بخانات القوافل، وتبنى على الطرق الخارجية التي تربط بين المدن المهمة والتي تسلكها القوافل التجارية وقوافل الحجاج في موسم الحج والزيارات."
ويقول الدكتور حميد محمد حسن الخبير الاثاري في قسم التراث بالهيئة: "هناك نوع آخر من الخانات اضافة الى الخانات التقليدية وهي عبارة عن بيوت سكنية تقع ضمن المنطقة التجارية وقد تحولت بعد زحف المحال التجارية الى خانات استغلت لبيع وخزن بضائع مختلفة، وابرزها للقماش، ومن هذه الخانات، خان العساف في شارع الرشيد، وخان ياسين جلبي الخضيري الذي يقع في شارع المستنصر، وكذلك خان الحيدراني وخان العاني وخان الشماش."
خانات بغداد / الرصافة
من الصعوبة بمكان تحديد مواقع معظم الخانات، لتغير مسميات مواقعها في المصادر التي ذكرتها اضافة الى ان اكثر الباحثين في هذا المجال لم يشر الى الاسم السابق للخان الذي يذكره، فضلاً عن ان الخان الواحد ربما يحمل اسماء عدة، اما بسبب تحول ملكيته من المالك الاصلي الى المالك الجديد، او لاشغاله من قبل تاجر مشهور من التجار فينسب اليه، او لكون ذلك الخان يختص ببيع بضاعة او سلعة معينة فيشتهر اسمه بها.
ومع هذا، سأذكر ما توصلت اليه من اسماء الخانات بحدود ما تيسرت لي معرفته:
خان احمد آغا
في محلة باب الاغا.
خان احمد كهية
في محلة الميدان، وعدت هذه المحلة في اواخر العصر العباسي جزءاً من محلة سوق السلطان وعرفت باسمها هذا نسبة الى الميدان الذي كانت تطل عليه قلعة بغداد (وزارة الدفاع فيما بعد).


من محاضرات اسبوع المدى الثقافي  .. القرية الفولكلورية العراقية

باسم عبد الحميد حمودي
بعد منتصف القرن التاسع عشر توضح مفهوم القرية الفولكلورية والمجتمعات المتمدنة وانشئت قرى فولكلورية في المانيا وفنلنده، وفي فرنسا اتجه الاهتمام اولا الى الفولكلور المادي حتى تداخل العمل بين القرية الفولكلورية ومتحف الانسان الاثنوغرافي.
وقد ساد في دول الشرق مفهوم المهرجانات الشعبية والاسابيع الفولكلورية حيث يجتمع الباحثون في حلقة دراسية عن التراث الشعبي وتعقد الى جانبها حلقات راقصة للقرى الشعبية في محيط الدولة ومن كل اماكنها وقطعاتها الجهوية وكان من هذه الدول العراق الذي عني منذ السبعينيات من القرن الماضي باقامة اسبوع الفولكلور العراقي ضمن توجهات الدولة الشمولية المغرقة في التزمت البيروقراطي لكن ذلك لم يمنع من اقامة ندوات التراث الشعبي السنوية التي ناقشت كل ندوة فيها مجموعة من قضايا الفولكلور المهمة.
وفي السعودية اقيم منذ بدء الثمانينيات مهرجان الجادرية الذي جمع بين الثقافة العامة وقضاياها والفولكلور لكن القرية الفولكلورية انشئت عام 1982 كنموذج اولي غير مستقر ثم تعزز الاهتمام بها وبوجودها وبتطوير منشآتها سنة بعد اخرى ولكننا لا نمتلك معلومات وثيقة عن قرى اخرى انشئت في هذا البلد او ذاك في دول الشرق عدا القرية التراثية في الامارات.
ان ما يحفزنا على الدعوة الى انشاء القرية الفولكلورية العراقية جملة مسببات يقع في اولوياتها عمق الامتداد الحضاري للعراق والتنوع الاثني فيه وغنى هذا التنوع بأصنافة الفولكلورية الأصيلة وتلاقح الاصناف التراثية الشعبية فيه وما تفرضه قدرة العراق المادية وسمعته الحضارية وغناه الفولكلوري من ضرورات تلح على ضرورة انشاء هذه القرية التي ستكون ملاذا لا للسياحة والمتعة الروحية فقط ولا لسد فراغ موسم ثقافي بل لتأصيل الاهتمام بالتراث الشعبي العراقي واظهاره مجسداً في هذه القرية التي ندعو اليها ومن الضروري هنا ان تتظافر جهود الدولة ومؤسساتها الثقافية والادارية والهندسية لانجاح عملية انشاء القرية الفولكلورية التي ينبغي ان تتوفر على مساحة مناسبة من الارض قريبة من بغداد وان تتوفر في القرية الفولكلورية الجوانب التالية:
1- ارشيف صوري وسينمائي وورقي وحاسوبي.
2- مكتبة الكترونية ومكتبة كتب ومراجع ومجلات عراقية اعتنت بالفولكلور العراقي.
3- مكان للبحث والدراسة وقاعات لاقامة الندوات.
4- مبانٍ واشخاص مختصون تجسد الصناعة الشعبية المتعددة.
5- مبنى لادوات الطعام والبناء والحياكة والخياطة ومنسوجات مصنوعة يدوياً تعرض حسب تسلسلها الزمني انتاجيا وحسب تطورها.
6- مبنى لعرض نماذج للسفن والقوارب بانواعها.
7- مبنى لعرض نماذج من الات الصيد بانواعها وطرق الصيد مجسدة رسما وتجسيداً على شكل ماكيتات.
8- مبنى لعرض نماذج من الصياغة الفضية والذهبية والنحاسية.
9- مبنى لتجسيد الكتاتيب وطرق التدريس فيها والختمة.
10- عرض خاص للحكواتي والمقهى الشعبي.
11- مبنى للمضايف بانواعها.
12- تجسيد فولكلور الريف والمدينة والبادية والجبل والهور.
13- تجسيد التراث الشعبي المدني في بغداد والبصرة واربيل والسليمانية ودهوك والموصل وسائر المدن العراقية مما يعنى تجسيدا لاشكال التراث الشعبي العربي والكردي والتركماني والسرياني والصابئي واليزيدي والشبكي وغيرها من ازياء وصناعات وعمارة وحكايات واغان.
14- تجسيد الموسيقى الشعبية العراقية بانواعها والالات الموسيقية بانواعها وطرق صناعتها.
15- جمع وحفظ التراث الشعري الشعبي العراقي ومصادر البحث فيه في قاعة من القاعات.
16- مبنى للعمارة الشعبية العراقية بانواعها.
ان هذه القائمة ليست نهائية وهي تستحق التعديل والاضافة مادمنا نسعى الى انشاء قرية فلكلورية عراقية نموذجية حاوية لكل تفاصيل الموروث الشعبي.
قرية ام قرى؟
وبعد فهل تكفي قرية فولكلورية واحدة لجمع كل التراث الشعبي العراقي فيها؟ نشك في ذلك والتمني ان تنشا عدة قرى في المحافظات خاصة بكل محافظة وان تهتم المناطق والاقاليم بانشاء القرى الخاصة بها لتجسيد التراث الشعبي فيها.
خبرة واستشارة
ان من الضروري هنا ان لا يغلب الحماس في انشاء القرية الاساسية ومجموعة القرى الاخرى على التخطيط النافع لتجسيد هذه القرى وذلك بالاستعانة بخبرة الفولكلوريين العراقيين والمختصين في كل منطقة وصنف من اصناف التراث الشعبي. وان تتوفر الامكانات الهندسية الفاعلة واسطوات الصنعة وان تكون الجهات المنفذة سخية في الانفاق على بناء هذه القرى الشعبية النموذجية التي ستشكل اضافة حضارية جديدة للثقافة الشعبية العراقية الزاخرة.


من محاضرات اسبوع المدى الثقافي  .. الاطعمة والاشربة واهمية دراسة عادات الطعام وآداب المائدة
 

قاسم خضير عباس

(ان طبخ الاطعمة يتوج - عبر تملك النار -انتقال الانسان من حالة الطبيعة الى حالة الثقافة، فألنيء يتموقع في جهة الطبيعة، وهكذا، فالطبخ والنار يتوجان قدوم الثقافة) العالم الانثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس في كتابة (النيء والمطبوخ)

الطعام ممارسة يومية يشارك فيها كل فرد في المجتمع صغيرا وكبيرا عظيما ومتواضعا، رجلا وامراة.
والاطعمة والاشربة من دعائم الحياة بشتى صورها على الارض. حدثنا القرآن الكريم عن بعض الاطعمة والاشربة واحل لنا بعضها وحرم علينا اخرى. كذلك حدثنا عن شراب اهل النار المتمثل بـ (الحميم، والغساق، والمهل ، والصديد)، ووصف لنا طعامهم بـ (الضريع، والزقوم) كذلك وصف شراب اهل الجنة المتمثل بانهار (الماء، واللبن، والخمر، والعسل).
قال تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها انهار من ماء غير اسن وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين وانهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع امعاءهم) سورة محمد الاية (15).
كما وحدثنا القرآن عن القصاع التي يؤكل فيها ففي معرض حديثه عز وجل عما سخره لسليمان من ريح وعين وجن يعملون بين يديه.
وحفلت السنة النبوية الشريفة بذكر الكثير من الاطعمة والاشربة فقد كان (ص) يحب اللبن وانه اوصى بالدعاء عند شرب اللبن حيث قال: (اذا اكل احد طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه واطعمنا خيرا منه واذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فانه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن).
ومما يروى عنه (ص) قوله: (من داوم على اللحم اربعين يوما قسا قلبه، ومن تركه اربعين يوما ساء خلقه).
وقوله : (من قل طعامه صح بدنه وصفا قلبه) و(لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب) و(ما زين الله رجلا بزينة افضل من عفاف بطنه.) وقوله: (اذا طبخت قدرا فاكثروا فيها الدباء انها تشد القلب الحزين) (الدباء: القرع) و(عليكم بالعدس فانه يرق القلب ويغزر الدمعة).
كما ان بعض الاطعمة والاشربة دخلت في معتقدات العرب على اساس قيمتها العلاجية فهي ادوية يعالجون بها امراضهم حيث اوصى الرسول الكريم الناس بقوله: (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) وقد طبق الرسول قوله هذا في حياته فقد روي انه كان يشرب كل يوم قدح عسل ممزوج بالماء على الريق، وروي عن عائشة (رض) انها قالت: (كان احب الشراب الى رسول الله العسل). وقالت ايضا (ان النبي كان يحب الحلوى والعسل).
واشتهر من الخلفاء والامراء غير واحد من الاكلة منهم ايام بني امية معاوية بن ابي سفيان وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف الثقفي، وسليمان بن عبد الملك واشتهر من بني العباس محمد الامين، وظهرت ظاهرة التطفيل واشهر الطفيليين هو الطفيل بن زلال واشعب بن جبير وغيرهما.
والى زمن قريب ظهرت لدى الطبقات الشعبية اصطلاحات ومسميات خاصة بالذين اعتادوا على المواظبة في الحضور على مائدة احد السراة ليل نهار فيطلق عليهم أسم (العظامة) اي الذين يمتصون العظام او (اللكامة) وهم الذين يتصيدون اللقمة اضافة الى اصطلاحات اخرى مثل (الكشمنطية والمردة شورية، والقصعجية).
كذلك وجد عند كبار الشعراء (ابن الرومي وكشاجم) وصفا لبعض الاطعمة والمقادير والمواد المستعملة فيها وكيفية طبخها جاءت باسلوب شعري سلس رقيق واكثره بشكل رجز لكي يسهل على الناس حفظه وتداوله والاستفادة منه في الطبخ او التندر في مجالسهم.
ونال الطبخ خاصة في القرنين الثالث والرابع الهجريين عناية كبيرة من جانب المؤلفين حتى نجد علي بن يحيى المنجم وكان فيمن يجالس الخلفاء والامير ابراهيم بن الخليفة المهدي وابراهيم بن العباس والشاعر جحظة والطبيبين ابن ماسويه والرازي نجدهم جميعا يؤلفون كتبا في الطبيخ بل ان الفيلسوف احمد بن الطيب السرخسي وهو مؤدب الخليفة المعتضد بالله يؤلف كتابا للمعتضد في فن الطبخ وضعه على الشهور والايام بل يذكر للمؤرخ الشهير ابن مسكويه كتاب في تركيب الباجات من الاطعمة اتى فيه من اصول علم الطبيخ بكل غريب حسن واغلب هذه الكتب قد ضاعت ناهيك عن ان كتاب التاريخ والسير لم يعطوا هذا الموضوع حقه من الاهتمام والتأليف بقدر اعطائهم موضوعات السياسة والحروب واخبار الخلفاء والسلاطين.
ان الثقافة المادية هي احد الفروع الرئيسة لعلم الفولكلور والتي هي صدى لتقنيات ومهارات ووصفات انتقلت عبر الاجيال ولعل ابرز مجالات الثقافة المادية الاطعمة والاشربة لكونها مكونة من عناصر مادية وتعد بادوات مادية، وتحفظ في اوان، وتقدم في اوان وعلى موائد.
والاطعمة والاشربة وثيقة الصلة بالعادات الشعبية وبالادب الشعبي وبالمعتقدات الشعبية وخصوصاً الطب الشعبي ناهيك عن صلتها بالدين وهذا دليل تواصل حضاري قديم وكما عانى هذا الموضوع من الاهمال قديما فكذلك الشأن نفسه في العصر الحديث.
حيث يعتقد اغلب الناس العاديين ان هذا الوضوع من الامور التي لا مبرر لدخولها في نطاق البحث العلمي وهي تقع في دائرة اهتمام النساء وهل يصح لرجل ان يسأل عن طرق طهي الطعام وترتيب المائدة، بالرغم من ان البحث العلمي لا يفرق بين الرجل والمراة، ناهيك عن ان كل الاخباريين من النساء وكل المواصفات لابد لها من عقلية نسائية تسجلها وتحللها وتزن كل جزئية فيها بميزان العقل السليم ويستوقفنا في دراسة الاطعمة والاشربة التأكيد على ما ياتي:
جمع مادة عن المواد الغذائية نفسها، مكان زراعتها تنوعها.
طرق الطهي والتقديم
الادوات المستخدمة في الطهي وتناول الطعام
الفروق بين طعام الكبار والصغار
الاطعمة والاشربة المحرمة ان وجدت
طعام المناسبات
طرق حفظ وتخزين الطعام
استخدام التوابل
نظام تناول الطعام
المواعيد عدد الوجبات الساخنة والباردة
الحلوى والمشروبات وطرق عملها واوقات تناولها
تقديم الطعام والمشروبات للضيوف
وتتجلى اهمية دراسة عادات الطعام واداب المائدة بما يأتي:
1- ان المأكولات التي يتناولها الناس تنتهي بانتهاء الوجبة التي تعد لها اي انها تختفي بحيث لا يبقى منها اي اثر يمكن ان ينتقل من جيل الى جيل فنحن لا نعرف الان ماذا كان اباؤنا او اجدادنا يأكلون الا من مصادر ثانوية. اما تلك الاصناف نفسها، اما مذاقها، اما شكلها فلا نستطيع ان نراها بأنفسنا رؤية مباشرة والجزء الاكثر دواما من مكونات موضوع الطعام هو الادوات والاواني المستخدمة في اعدادها فعلينا ان نولي اكبر اهتمام للموضوعات الاكثر عرضة للاختفاء والضياع.
2- ظهور اصناف جديدة من الوان الطعام وظهور مظاهر جديدة من اداب الطعام يترتب في كثير من الاحوال على تاثير الاتصال بثقافات اخرى.
3- تعد عادات الطعام واداب المائدة ظاهرة اجتماعية وثيقة الاتصال بالظواهر الاجتماعية الاخرى فهي انعكاس لوضع الاسرة الطبقي وهي صدى لنوع المهنة التي تمارسها الزوجة او يمارسها رب الاسرة او كلاهما معا حيث يتدخل ذلك في تحديد عدد الوجبات ومكوناتها وطبيعة الوجبة الرئيسة وتمييزها عن الوجبات الاخرى. وعادات الطعام من اكثر الظواهر حساسية لعوامل التغيير التكنولوجي الدائر في المجتمع تستفيد منه وتتأثر به سلبا او ايجابا.
4- ان عادات دورة الحياة قد تتكرر مرة واحدة في حياة الانسان لكن عادات الطعام تمتاز بكثافة ممارستها فهي تمارس مرات ومرات في اليوم الواحد وهي لذلك حاضرة في فكر وفي سلوك كل شخص يعيش في المجتمع.
5- هذا الموضوع اداة مهمة للكشف عن الفروق البدوية الحضرية من ناحية والريفية الحضرية من ناحية اخرى فكثير من اصناف الطعام وما يرتبط بها من عادات واداب مميزة بطبيعتها للبيئة الريفية وهناك اخرى مميزة للبيئة الحضرية.
6- ان الاهتمام بدراسة عادات الطعام واداب المائدة تلقي الضوء على تطور مكانة المرأة في المجتمع فالمراة هي المحور الرئيس في ميدان اعداد الطعام وتقديمه وتلقين الصغار اداب المائدة وهي التي تقوم بالدور الاكبر في تنفيذ التجديدات التي تطرأ على هذا الميدان، وهي التي تؤثر بدخولها الى ميدان العمل العام باحداث تعديلات مهمة على حياة البيت ومن فيه وفي مقدمة ذلك عادات الطعام واداب المائدة.
كذلك ان الاهتمام بدراسة عادات الطعام واداب المائدة تلقي الضوء على حياة الناس وعلى ثقافتهم وتطورها وتقودنا الى فهم العادات الغذائية التي تنعكس على التخطيط الغذائي ووضع سياسة مثلى لترشيد الغذاء وبالتالي علاج كل العيوب في النظام الغذائي للمجتمع من اجل حفظ الصحة العامة للمواطنين والارتفاع بمستواها.
اخيرا ان الاهتمام بدراسة هذا الموضوع المهم اصبح واجبا وطنيا وضرورة علمية بسبب ما تعرض له هذا الموضوع من اهمال وتقصير من جانب الدارسين.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة