المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الـحــج مــرآة الـتــاريــخ الـبـشـــري  .. رؤيا الدكتور شريعتي للحج 4-4
 

د. عبد الجبار الرفاعي

الحج خلاصة دعوة ابراهيم وضراعات هاجر
يحشد شريعتي تحليلات مفصلة لكل منسك من مناسك الحج, مواكبا رحلة الحاج, منذ ان يتأهب من منزلـه مستعدا لهذه الرحلة المباركة, استجابة لنداء ابراهيم عليه السلام, حتى يعود الى اهله.
في الميقات يخلع الحاج لباسه, ويرتدي ثيابا هي بمثابة الكفن, في لونها ومواصفاتها. وهنا يتكشف الوجه الآخر للوظيفة الرمزية للباس في حياة الانسان, وما تشير اليه الأزياء، في ألوانها, وتشكيلاتها, وتصاميمها المتنوعة. فلا يقتصر دور اللباس على الستر, والزينة, وحماية الانسان من المؤثرات المناخية, كالحر والبرد والرياح, وانما ترمز أزياء الناس الى مكانتهم, وطبقتهم, وموقعهم, وتشير الى وجهة تفكيرهم, وما يميزهم عن سواهم, في معظم المجتمعات. اللباس يكرس ((الانا)) ويشي بالمختلف. اما الاحرام الذي يرتديه كل حاج, ويخضع لشروط صارمة تضبط بساطته, وتنفي عنه أية زخارف, أو ألوان, وأشكال, فهو تدريب عملي لتربية الانسان المسلم على تجاوز ثنائية: السيد والعبد, والقوي والضعيف, والشريف والوضيع, والمتحضر والبدوي, والعربي والأعجمي, والشرقي والغربي, والغني والفقير, والمتخم والجائع. ان التجرد من الثياب في الميقات, يتضمن فيما يرمز اليه هتك الأقنعة, التي تختفي وراءها جملة من نزعات الكراهية, الكامنة لدى الانسان. انه تجرد من قناع الوحشية, والمكر, والخديعة, والخنوع, والذلة, والجبن, والهوان. وسائر منابع الشر والعدوان. وكأن لحظة الميقات لحظة يولد فيها الانسان من جديد. وقتئذ تتجلى الذات على حقيقتها, متحررة من الاعراف والتقاليد, ومن سائر الاسماء والالقاب, التي تضج بها الحياة, وتغطي الاشخاص بطبقات وحجب, شديدة الكثافة, تتستر على حقيقة الانسان.(24)
ثم يردد الحاج التلبية بعد ارتداء الاحرام (لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك. ان الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك لبيك). والتلبية تتضمن اعترافا واقرارا بالتوحيد, ونبذا للشرك بكافة انواعه, فالشرك منبع اغتراب الانسان في العالم, والشرك يمسخ الانسان, ويكرس استلابه, ويبرر الانقسامات, والصراعات, والتمييز العنصري. ذلك ((ان الاعتقاد بتعددية الآلهة, يبرر تعددية المخلوقات, ويسوغ تقديس بعضها, ويصورها كأنها حقائق خالدة أبدية. وان الاعتقاد بوجود تناقض بين الآلهة, يصور الصراعات والتناقضات في الحياة بمثابةأمر طبيعي والهي. بينما التوحيد الذي يعني رفض كل اشكال الشرك, ينظر الىكل ذرة وظاهرة في الوجود على انها تندرج في حركة متسقة باتجاه هدف واحد)).(25)
ان التلبية فاعلية جوانية, يفصح عنها اللسان, بهذه الصيغة, بغية تطهير جوانح الانسان من كافة ألوان الشرك, وتعميق التوحيد في وجدانه.
اما الكعبة الشريفة, فيشتق لها شريعتي أسماء, يستنبط شيئا منها من القرآن الكريم, وماورد من أوصاف لها في المأثور. اذ يسميها تارة ((بيت الناس)) استنادا الى قوله تعالى ((ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين)).(26)
فالناس ككل هم ممثلو الله وعياله. والقرآن يبدأ باسم الله وينتهي باسم الناس. والكعبة ((بيت الله)) ولكن يطلق القرآن عليها اسم((بيت الناس)) أيضا. ويعتقد شريعتي ان الآيات القرآنية التي نسبت الملكية الى الله ((ان تقرضوا الله قرضا حسنا))(27), المقصود من كلمة الله فيها هو الناس, والا فما حاجته الى المال؟
وفي حالات متعددة يمكننا وضع كلمة الله حيثما كانت كلمة الناس أوالعكس. ومع ذلك تبقى الآية مفهومة وصحيحة(28), وهكذا يتحد سبيل الله مع سبيل الناس، بمعنى انه لكي تقترب من الله عليك ان تقترب اولا من الناس. وان الوصول الى الله انما يجري من خلال نفع الناس ((خير الناس من نفع الناس)) وخدمة الناس.(29)
وعندما بنى ابراهيم الكعبة, ارادها ان تكون بيتا لمن لابيت لهم, ومأوى لكل الذين لامأوى لهم, هي مظلة لمن تعرض للطرد والنفي. هي ملاذ للمعذبين والمستضعفين في الأرض, وملجأ للمشردين. انها مصباح في ظلام الطغيان الذي يعانيه من اتخذوا ابراهيم اسوة لهم. لقد عانى ابراهيم التشريد من قبل، بعد ان حطم الأوثان, وأراد ان يحرر الناس من عبوديتها, وعبودية النمرود. ثم طاف الأرض باحثا عن الحرية, ومحاولا ان يبني للناس بيتا لتحريرهم، بديلا عن معابد الأصنام, التي تشيع الشرك, والذي هو أبرز رافد تستقي منه عبودية الانسان للآلهة المزيفة.ان هجرة ابراهيم, ورحلته الطويلة مابين بلاد الرافدين وفلسطين ومكة, كانت هجرة تمدينية, تهدف الى ارساء قواعد ومعالم شاخصة للحضارة, ومحطات يأوي اليها الناس, حين تضيق الأرض عليهم.(30)
ان شريعتي يشدد على اشتقاق معنى ((التحرير)) من وصف البيت بـ((العتيق)), فيغدو بيتا يفيض الحرية على الوافدين اليه, ذلك ان ((العتق)) هو((التحرير)).(31)
ففي البيت العتيق يتساوى الحر والعبد,والأبيض والأسود, والعربي والأعجمي, وتتلاشى كافة الاسماء, والألقاب, والعناوين, والأعراق, وكل مايميز الناس, ويصنفهم الى طبقات, ومراتب, ودرجات.
الكعبة بمثابة بوصلة تحدد وجهة السير, وترسم الاتجاه الذي ينبغي ان يسعى الجميع نحوه. انها ((القبلة)) التي تشكل محور اللقاء, وتشير الى الهدف الشامل للمسلمين بـأسرهم.(32) هي كالشمس في المركز, والناس كالأجرام تسبح حولها. الكعبة ترمز لخلود الله ودوامه, وحركة الطائفين الدائرية تمثل النشاط الدائم, والسعي المتواصل, والحركة المستمرة. الكل يتمحورون حول الكعبة كشخصية معنوية واحدة, توحد غاياتهم, وتضيء لهم دروب الحياة, وتحذرهم من مزالق الطريق ومنعرجاته, بينما خارج محيط الكعبة يتشرذم الناس, وتصبح لكل منهم وجهة هو موليها.(33) وطوافهم حول البيت هو معراج يلتحمون فيه ويندمجون, هو معراج من أجل الناس,والحركة الأبدية باتجاه الحق, وفي طريق الخير العام.وكأن الطواف نهر يفيض بالحب والخير للبشرية كافة. هو استئناف لمسيرة ابراهيم رائد الحب والخير والحرية.(34)
يقول شريعتي: ((في العام الماضي حين كنت اطوف في شدة الزحام، تعرضت مرارا لتدافع شديد، فثرت منفعلا، غاضبا من هذا السلوك. غير اني شعرت بالأسى والندم، ذلك ان الانسان في هذه الحالة ينبغي ان ينسلخ من الأنا والذات، بينما ما زالت الانا غاطسة في داخلي))(35).
الطواف والسعي خلاصة شديدة لهجرة هاجر، ورحلتها الشاقة المضنية من أجل تشييد قواعد التوحيد. اختار الله تعالى هاجر الأَمَة، التي تقع في ادنى سلم الألقاب والمقامات، ومايسبغه الناس من تسميات وعناوين، تصنف المجتمع الى طبقات ومراتب. اختارها لمهمة ربانية، تعد من اعظم المهمات في مسار النبوة. وفي ذلك دلالة صريحة على ان منظومة القيم والمعايير الربانية، لاتتطابق مع ماينشده الناس، ويتواضعون على تبنيه في حياتهم. وتظل البشرية عبر الاجيال تقتفي خطى هاجر، وتكرر مسعاها. وتبقى اطياف هاجر، وظلالها، وانفاسها، وزفراتها، يتردد صداها على الدوام. ففي السعي يترسم الحاج درب هاجر، ويستلهم تجربتها، ويحرص على استئناف مسيرتها، ومحاكاتها بحذافيرها. السعي الذي يحكي ظمأ هاجر، هو تعبير عن ظمأ البشرية الأبدي للايمان والحق، والعدل, والاحسان، والصدق، والحكمة، والحرية، والأمن، والجمال، والايثار، والفداء، والحب، والتواضع، وكل قيم الخير والفضيلة. وافتقار البشرية الى هذه القيم، واضمحلالها يعني انحطاطها وتفسخ مجتمعاتها. والسعي ممارسة، واعداد تربوي، وتدريب عملي على تجذير هذه القيم، وتنميتها، وترسيخها. لقد عالج شريعتي كافة مايؤديه الحاج من شعائر، برؤية تتداخل فيها العقلية التحليلية الناقدة، ومخيلة الفنان، وأحاسيس الشاعر، وذوق المتصوف، وأشواق العارف، فاستغرق في تحليلات شتى، قد لا نلتفت اليها في نظرة سريعة خاطفة، أو ملاحظة عامة ساذجة. إلاّ انه راح يغرقنا احيانا في تفسير اشاري باطني، لا يلامس وعي وادراك عامة الناس، ويعمد الى استخدام مختلف الادوات، المنتقاة من العلوم الانسانية الحديثة، فضلا عن خبرته، وذوقه الخاص، من أجل تأويله الرمزي للحج ومناسكه. وبالتالي تبقى رؤيته معبرة عن تجربته الخاصة، وهي لاتعبر بالضرورة عما سواه. ذلك ان لكل تجربة شروطها، وظروفها، والعناصر المكونة لها، والمنابع التي تستقي منها, فقد تشترك التجارب الروحية في قواسم عامة، لكنها لن تتطابق.

ضراعات وابتهالات ودعوات شريعتي
فيما يلي مقتطفات من ضراعات وابتهالات ودعوات بصياغة شريعتي, تتجلى فيها بوضوح احلامه ومايطمح اليه من قيم واخلاقيات, وماينشده من نزعات معنوية وانسانية وجمالية يرنو الى ان تسود الاجتماع الاسلامي:
الهي: صن ((عقيدتي)) من ((عقدتي)).
الهي: مكني من احتمال العقيدة المخالفة.
الهي: هبني ايمان ((الطاعة المطلقة)) لك, لكي أخوض عالم العصيان المطلق.
الهي: اجج في نار ((الشك)) المقدسة, حتى اذا احرقت كل ((يقين)) نقشوه في داخلي, تشرق البسمة الحنون على شفتي فجر اليقين الذي لاغبار عليه.
الهي : قل للماديين : ان الانسان ليس بشجرة تحيا من غير وعي منها في الطبيعة والتاريخ والمجتمع.
الهي: علم مجتمعي بأن السبيل اليك, انما يكون من الأرض, واهدني ياالهي, الى السبيل الذي يختصر المسافات.
الهي : علم المتدينين بأن الانسان من تراب, وان ظاهرة من مادة تفسر الله بقدر ظاهرة من غيب. فلله وجود في الدنيا يساوي وجوده في الآخرة. لقنهم ان الدين ان لم يسبق الموت فلا معنى له ولافائدة فيه بعد الموت.
يارب:
هب روح المسؤولية للعلماء, والعلم للجاهلين, والنور للمؤمنين, والايمان للمفكرين, والتفهم للمتعصبين, والتعصب للفاهمين, والحس للنساء, والشرف للرجال, والوعي للشيوخ, والأصالة للشباب, والعقيدة للمربين, واليقظة للغافلين, والارادة للمتيقظين.
هب الحقبقة للدعاة والمبلغين, والدين للمتدينين, والالتزام للكتاب, والمعاناة للفنانين, والشعور للشعراء, والأمل لليائسين, والقوة للضعفاء, والجرأة للمحافظين المترددين, والقيام للقاعدين, والحركة للراكدين, والحياة للأموات, والبصر للعميان, والصحة للعاقين, والصراخ للصامتين, والقرآن للمسلمين.
يارب :
هب الوحدة لديننا, والشفاء لحسادنا, والموضوعية للأنانيين والمغرورين منا, والأدب للسبابين منا, والصبر للمجاهدين, والوعي لعامة الناس, وهب للأمة :الهمة والتصميم والاستعداد للفداء من أجل التحرر والكرامة.
يارب:
اهدني كي اقيم مجتمعي على هذه القواعد الثلاث: الكتاب, والميزان, والحديد, اللهم اجعل قلبي فياضا بالحق والخير والجمال. اللهم زدني ارادة, وعلما, وتمردا, وغنا, وحيرة, ووحدة, وفداء, وشفافية روح.


فانتازيا هولباين ..  استاذ الرعب ..عمره 53 عاماً واصدر (200) رواية
 

ترجمة سلمى حربة

زارت مجلة Vigo في عددها الأول هذا العام كاتب الرواية الألماني فولف كانك هولباين Wolfgang Hohlbein في منزله بضاحية من ضواحي مدينة نويس Neuss حيث يعيش مع زوجته الروائية هيلكا هولباين وأولاده الستة، بمناسبة صدور روايته الجديدة التي تحمل الرقم "200" في قائمة إصداراته الروائية، وقد سجلت المحررة الأدبية التي عملت معه هذا اللقاء، رأيها وانطباعاتها فضلاً عن ما دار من حوار معه في هذا اللقاء"
أستاذ الرعب
تتميز كتابات فولف هولباين الروائية (المولود عام 1953 بمدينة فايمار بوسط ألمانيا) بمقدار ما تعطيه من خوف في نفس قارئها، كان على حق من قال أن مقدار ذلك الخوف غالباً ما يجمد الدم في العروق، مرة قال هولباين عن نفسه "أشعر بأنني أنتمي الى العصور الوسطى، وكل ما يحيط بي له علاقة بقصص التنانين والعفاريت والسحر، وفي هذه الأجواء أنتقل من قرية الى أخرى باحثاً عما هو الأكثر غرابة وباعثاً على الرعب "إن هولباين الأكثر نجاحاً في ألمانيا بين من يكتبون موضوعات يشكل الرعب والخيال الفنتازي عمودها الفقري، فمنذ بداياته الأولى كان طموحه هو أن تتصدر رواياته في المكتبات قوائم البيع، والنجاح بمنظاره هو أن يكون اسمه على قائمة الكتب الاكثر مبيعاً في ألمانيا، ساعياً دائماً الى تحقيق المزيد من الرعب والخوف في نفوس القراء.
أول ما لفت نظري قبل دخولي الى المنزل هو رؤيتي تمثالين حجريين يقفان متقابلين كأنهما حارسان عند المدخل، شكلهما الغريب يوحي بأنهما من الجن أو شيء من هذا القبيل، أما على جدران الصالة الرئيسية بعد أن دخلت، فقد علقت أنواع من السيوف والفؤوس التي تعطي انطباعاً مؤكداً انها تعود لعصور غابرة، وتوزعت في الصالة ايضاً تماثيل اخرى من القصدير لأناس يرتدون دروع الفرسان الحديدية، واشياء اخرى توحي بأنها تعود لأزمان غابرة، وفي وسط منضدة الطعام يقف تمثال من البرونز لوحيد القرن في حالة هجوم، وعلى الجدران ايضاً علقت لوحات عدة، تصور جميعها مناظر ليلية طغت عليها العتمة.
في هذه الصالة تشعر كأنك تجلس وسط مشهد من رواية له، يمكن أن تكون جزءاً من فصل، وما على هولباين إلا ان يحركك كما يحرك أبطال رواياته كما يشاء، في مثل هذه الأجواء الغامضة التي توحي بأن شيئاً ما قد يحدث في أية لحظة، هناك عنصر يعتمد عليه الكاتب وهو المفاجأة وعلى الجالس هنا في الصالة أن يتوقعها وقد تأتيه من أيما مكان.
ما يلفت النظر أيضاً، إن عائلة الروائي، الزوجة و الأبناء الستة عندما كنت في ضيافتهم، ظهروا مثل اي عائلة منسجة مع بعضها البعض، تربطهم تلك العلاقة الحميمة واللطيفة، كانوا يعلّقون بالكلام على أشياء كثيرة، وأثناء ذلك كان هناك كلبان يلعبان مع بعضهما وكانت هناك أيضاً ثلاث قطط فارسية يتمطين بين وقت وآخر من الراحة والكسل على أريكة من الجلد..
طراز الملامح
مع بداية عام 2006 اكمل هولباين عامه الثالث والخمسين، ومظهره بشكل عام يميل الى النحافة وقد أطلق لحيته بلونها الذي يقترب من اللون الرمادي، اما شعر رأسه فقد كان طويلاً، وقد ربطه من الخلف على شكل ذيل الحصان، كل ذلك، فضلا عن النظارة عتيقة الطراز التي لم يكن يستغني عنها، وهي لا تجعله يبدو أكبر مما هو عليه في الحقيقة ولكن يبدو التعب واضحاً في ملامحه.
دعوني اقول ان من يكتب روايات على ذلك القدر من الفنتازيا والرعب لا يمكن ان يكون إلا هذا الذي اجلس امامه الآن، وأثناء ذلك، في هذه الجلسة، كرّر علي القول أكثر من مرة وهو ينظر حواليه" أنا أستطيع أن أفكر وأكتب بشكل أفضل عندما تكون حولي هذه الأشياء التي ترينها حولك، إنها الحياة الحقيقية التي أستطيع فيها أن أستدعي من أريد من الشخصيات لتأتي مطيعة إليّ" علما أنه يكتب يوميا إلى ساعات الصباح الأولى، فهذا هو وقته المفضل للكتابة.
انه أفضل من يكتب روايات الفتنازيا في ألمانيا، اعتمادا على اراء القراء وبشكل خاص من الشباب والمراهقين، الذين يعتبرونه أبا روحيا للرواية الألمانية التي هي من هذا النوع، واعتمادا على أرقام بيع النسخ، وربما هذا التوصيف لا يرضي بعض كتاب الرواية الألمان الذين برأيهم أنه لا يرقى الى مصاف الروائيين من الدرجة الأولى، فروائية مثل (ألكا هايدن رايش) ترى أن الشهرة التي هو عليها هي أكبر مما يستحق.
وقد صدرت له لحد الآن 200 رواية، وهو رقم كبير قياسا لعمره وللحجم الضخم الذي تتمتع به رواياته والتي يتجاوز الكثير منها الألف صفحة.
ينتمي الروائي الى الطبقة الوسطى، وفي بداية حياته عمل في مؤسسات مختلفة آخرها كان في مؤسسة متخصصة بالنقل والشحن، ومنذ البداية لم يمنعه من أن تكون أمنيته الوحيدة أن يصبح روائياً معروفا. وقد حرص على عرض ما كان يكتبه على الناس المقربين منه وبشكل خاص على زوجته الروائية هايكه هولباين "
Heike Holbein التي كانت واحدة من المنابع الأساسية التي ألهمته الخيال، وبالفعل ساعدته على تحقيق حلمه في أن يصبح روائيا معروفا، وقد اشتركت معه في كتابة بعض الروايات مثل "المكتشف"، ومع ذلك لم يفك ارتباطه بعمله السابق إلا بصورة تدريجية، وأثناء هذه الفترة تشكلت ثقافته الواسعة، ليس من خلال علاقات العمل وصياغة مفرداتها كما يفعل الكثير من الروائيين، بالعكس ابتعد عن هذه الحدود المغلقة كما يراها، ليقترب من العلم وتدريب الخيال ودراسة التاريخ فضلا عن الحكايات والقصص والروايات التي كان يقرأها.
ذروة الطبعات المليونية
في بداية حياته الأدبية، نشر هولباين كتبه تحت أسماء مستعارة ولسبب كما يقول- من شعوره بأنه لا يستطيع ان يعلن عن اسمه الحقيقي إلا بعد ان يصل الى المستوى الذي يكفل لاسمه النجاح عندما يظهر على أغلفة الكتب وباعلى مستوى، فقد نشر رواية "سيرة باربي" التي هي من ثلاثة أجزاء تحت اسم مستعار "أنجيلا بونيلا" ورواية "الخيالات الحقيقية" تحت اسم "بيرنهارد هينين" وقد لاقت هذه الرواية إعجابا من القراء، ولم يتخل عن كتابة الأسماء المستعارة إلا عام 1982 وبالتحديد في روايته "حكاية القمر" التي حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة أدبية عملتها دار نشر (كارل أوبر أويتر carl uebereuter) اشترك فيها آنذاك، وقد وصل ما بيع من نسخ هذه الرواية التي نشرتها الدار نفسها بعد ذلك إلى أكثر من مليون نسخة، وقد أصبح بعدها متخصصا في الحصول على الجوائز الجماهيرية، مثل جائزة "الخيال الفنتازي" وهي جائزة القراء عام 1983، وعام 1984 حصل على جائزة مجلة الشباب عن روايته "الكلب الملون" كأفضل رواية مقروءة من قبل الشباب، وجائزة "كرستوفر تسمر" عن روايته "الحجر المتغير" عام 1996، وجائزة "ديتر فنكلر" عن روايته "ساعة التنين الأحمر"، وجوائز أخرى لاحقة. كانت (حكاية القمر) بدايته الحقيقية في الشهرة والتي ارتفع رصيدها في أعماله اللاحقة، لقد وصل نسخ بيع بعض رواياته إلى ثمانية ملايين نسخة مثل رواية "روح الآلهة الخالدة" والتي يتضح من عنوانها روح الأحداث ومسارها وخطها، اما رواياته "صاحب الخاتم" و"أسرار تانس" و"الطريدة" التي تتكون من سبعة اجزاء، فقد اخذت شهرة واسعة بين القراء، فقد خلبت الأحداث ألبابهم وأحبوا اجواءها الغريبة التي تنتقل بين الأشباح والذئاب والتنانين والأرواح، ويغلب عليها عنصر الشر، لكن هناك شئ من المنطق في كل هذا لكنه منطق الحلم الذي يتعطل فيه مبدأ إقناع الآخر والأخذ بالأحداث على ما هي عليه. هناك تكدس في المواقف التي لا وظيفة لها سوى تدعيم الانطباع بأن جو الخوف الذي يسود الأحداث يصل أحيانا إلى درجة عالية جدا، إذ كيف لا يقول القارئ مثلا إن هذه الكائنات المجهولة لن تلاحقه هو بالذات، فأي قارئ يجب ان يسأل نفسه هذا السؤال وهو يسلم نفسه لتجربة قراءة هذه الروايات، قال لي هولباين: إن الشر موجود في الغالب وفي كل مكان، لذلك فهو يحتل مكانا كبيرا في أحداث رواياتي. ومع ان الأمر بهذه الصورة فهو لا يؤمن بالغيبيات كما يقول، وإن فيلما مثل "هاري بوتر" الذي أخذ شهرة واسعة بين مشاهدي الأفلام لما يحتويه من عوالم مخيفة وغريبة يجده غير مرعب بالنسبة له، مقارنة بأصل الرواية بأجزائها المتعددة فهي مشحونة بالرعب والوحشية، بهذا القول يمكن ان نتصور كمية الرعب الموجود في رواياته. قطع الحديث جرس العشاء الذي أعلنته الزوجة، كنت أشعر وانا على مائدة الطعام بأن واحدا من الأشباح قد جاء من عوالم اخرى ليشاركنا الجلسة.


إصدارات عراقية

مجلة (المأمون)

صدر حديثاً العدد الثالث من مجلة (المأمون) التي تصدرها دار المأمون فصلية وقد ضم دراسات سياسية وفكرية وعلمية متعددة ومن موضوعاته (المسيرة الديمقراطية ومستلزمات النجاح) ملاري دايمون ترجمة فوزية ناجي و(تحليل الثقافة) لوليامز ترجمة خالدة حامد.
و(دراسة حول الألفاظ الدخيلة في اللهجة العامية العراقية) للدكتور طالب إبراهيم السعيد و(التحليل والكيمياء) ترجمة نوفل محمد فوزي و(عاشق البراءة) للدكتور محمد درويش وعدد من الموضوعات الأخرى مع ملف خاص عن (انفلونزا الطيور).

المزايدة

تأليف: فاضل النصراوي
صدرت حديثاللمسرحي فاضل النصراوي (من كربلاء) مسرحيته الساخرة (المزايدة) وهي لون من العمل المسرحي الساخر والجاد معاً تتوازن فيه الصنعة المسرحية مع المادة السردية النثرية لتكشف بشكل فاجع عن الاعيب رموز النظام السابق وتعاملهم مع المواطنين.

هيت .. في ظلال الماضي

عبد الرحمن جمعة الهيتي
أصدر الباحث عبد الرحمن جمعة الهيتي كتابه الجديد (هيت في ظلال الماضي) وهو جزء من موسوعة يعتزم الكاتب استكمالها في دراسة تاريخ مدينته هيت وصناعاتها الشعبية وتفاصيل حياتها الاجتماعية، ويحوي هذا الكتاب عدة فصول في بناء هيت وموقعها وأشهر الشخصيات الاجتماعية فيها وجزءاً من بنيتها الزراعية ودورة الحياة فيها.


اسبوع المدى..لقاءات المثقفين العراقيين

د. خالد السلطاني
لا تكمن اهمية اسبوع المدى الثقافي الرابع، حسب اعتقادي، في مفردات برنامجه المعد سلفا فقط، تلك المفردات التى تعاطت مع مواضيع وقضايا تهم الثقافة العراقية وطموحها في اجتراح عراق حر وديمقراطي وفيدرالي؛ بل ان اهميته تكمن ايضا في حدث جمع مثقفين عراقيين مختلفي الاهتمامات والمهن مرة واحدة، في مكان واحد وزمان واحد. وارى ان حدث لقاء المثقفين العراقيين في الزمن العصيب الذي يمر به وطننا، يضيف ميزة اخرى الى مزايا منظمي اسبوع المدى الرابع ويسجل لهم حسن مقترحهم.
واذ اشير، ايجابا، الى مبادرة مؤسسة المدى لجهة تنظيم ذلك الاسبوع الرائع في كوردستان، فاني مغتبط كون منظمي الاسبوع تجاوزوا"تقاليد"حصر المثقف بالمبدع في مجالات الادب والفن والاعلام ليتعاطوا مع مفهوم شمولية المثقف ذي المرجعيات المهنية المتعددة، وهو امر اثرى الاسبوع الثقافي بتنويعات ابداعية، عززها حضور المبدع العراقي متعدد الاهتمامات.
شخصيا كان لقاء المدى الثقافي، بالنسبة لي، يمثل اهمية مزدوجة: اهمية رؤية الوطن بعد غربة قسرية ليست بالقصيرة، وتلمس الواقع الجديد المفعم بالامال والطموحات، بعد زوال النظام الديكتاتوري التوتاليتاري؛ والاهمية الاخرى امكانية لقاء اصدقائي واحبائي المثقفين من داخل الوطن ومن خارجه، تلك الباقة المجتهدة من المبدعين الذين يفتخر الوطن بهم وبمنجزهم الابداعي !.
كان يهمني بحكم مهنتي واهتماماتي، ان احس ّ بايقاع التجديد في فضاء الامكنة التى زرناها في اربيل والسليمانية، وان اشاهد عن كثب مواقع البناء والاعمار في فضاءات تلك المدن، التى اعتبر تجربتها بمثابة نموذج اعماري لعراق مستقبلي. في هذا الصدد، لمحت توقا حقيقا لمسعى تجديد البيئة المبنية، تجديدا يتساوق مع آمال اناس طمحوا إلى ان يروا مدنهم واحياءهم متجددة وعصرية وبخدمات مناسبة، تلك التي حرموا منها عقودا. ورغم ان مظاهر التحديث لم تكن كلها ظاهرة بشكل مادي وملموس؛ فان الظروف المؤسسة لمناخات التجديد والاعمار كانت حاضرة حضورا بليغا في المشهد المديني بعد زوال غيوم الظلم والقهر والاستبداد التى خيمت على ربوع بلدنا ايام الديكتاتورية التوتاليتارية البائدة؛ ويشي حضور تلك المناخات كما يوحي اجتهاد المصممين وحرصهم على توظيف مقاربات معمارية معاصرة في التصاميم التى ينجزونها الى ما يمكن تحقيقه من انجازات تصميمية وتخطيطية حقيقية في عمارة المدينتين الكورديتين الجميلتين. وبمناسبة الحديث عن العمارة، فاني اشعربنوع من الحسرة لعدم اتاحة الفرصة لي بزيارة قسم العمارة في جامعة اربيل، الزيارة التى عولت عليها كثيرا في تجديد اللقاء مع الطلبة وزملاء المهنة التدريسيين، بيد ان ولع صديقي المعمار"احسان فتحي"المقيم في الاردن، ورغبته في تناول (كباب اربيل) الشهير في احد مطاعم سوق المدينة التقليدي، اصابني"باسهال"فظيع، لزمت على اثره فراش غرفة الفندق لمدة 36 ساعة كاملة، كانت كافية لتحرمني من امكانية تحقيق تلك الزيارة المفترضة واللقاء باصدقائي الطلبة وزملائي التدريسيين.
وتظل متعة اللقاء بالاصدقاء القدامى والجدد من المتع الجميلة التى طبعت ايام الاسبوع الثقافي؛ اللقاءات الحميمية واسترجاع ذكريات طيبة عن ايام مضت، واستعادة الامال التى لم تتحقق وذكر الاصدقاء الذين فقدناهم؛ لكن ما كان يبعث على الارتياح والغبطة في جميع الاحاديث والنقاشات هو حدث زوال الديكتاتورية، وبزوغ عراق جديد في كل المقاييس. فالاصغاء الى"رياض قاسم"مثلا، ليس فقط اصغاء الى تقييمات موضوعية لما يجرى على الساحة الثقافية المحلية، معبرا عنها باسلوبه (الرياقاسمي) الشهير، المتسم بتقشف الكلمات وصرامتها والتاكيد على المباشرية والاختزال للافكار الحداثية التى يطرحها وحدّ تها، ولكنه ايضا سماع صديق عزيز وقديم عن هموم شخصية ومعيشية، وددت ان تكون اكثر مناسبة، تليق به وبمنجزه المهني والابداعي؛ وتذكرني نغمة اصوات "قيس قاسم"(الاسكاندينافي)، الذي تعرفت عليه في ايام الاسبوع بنغمة اخيه المحببة وطريقة كلامه السريع الحافل بالافكار والالتماعات الذكية.
ولم يتغير"مالك المطلبي"كثيرا، كما لم يكف عن اثارة مواضيع شائكة وجدلية منذ ان تعرفت عليه ايام"امسيات"اتحاد الادباء في الثمانينيات؛ وظلت صورته اياها عالقه في ذاكرتي، رغم انه تفاجأ بنطق اسمي على مسامعه عندما شاهدته في اروقة فندق اربيل، مع انه كان كثير الاشادة برسائل الكترونية اليّ، حول ما انشر من مقالات في صفحته الثقافية. ثمة اصدقاء قدماء مثل"صادق الصائغ"و"سلوى زكو"و"احمد خلف"و"جعفر ياسين"و"فؤاد شاكر"وغيرهم، وفّر اسبوع المدى فرصة اللقاء بهم والتعرف على مشاريعهم الثقافية وانجازاتهم الابداعية. وضمن ايام الاسبوع التقيت"مجددا""عبد الزهرة زكي"، و"عبد العظيم فنجان" والاصغاء الى مكابدة الاخير وتشبثه بمفاهيم لم تكن دائما تلقى تعاطفا من الكثيرين، كما لاح لي"قاسم محمد عباس "بطبعه الهادئ واناقته الدائمة صديقا قديما، معنيينّ معا بتحقيق مشروع ثقافي يهتم بنشر المعرفة"بتجلياتها"المتنوعة، وايصالها الى"مريديها".
والحديث عن لقاءات اسبوع المدى لا تكتمل، في اعتقادي، من دون ذكر"اصدقائنا"المبدعين الجدد، الذين هيأ الاسبوع الفرصة لي للتعرف عليهم شخصيا بعد ان كنت اتابع نشاطهم الثقافي عن بعد. واخص بالذكر منهم"رشيد الخيون"
– < صديقي القديم > : العارف بدروب التراث المتشابكة والضليع بشبكة ازقته النافذة... والمسدودة!؛ والمحب للعمارة العراقية والمقدر جيدا قيمة روادها؛ وكذلك"امل بورتر"و"فاطمة المحسن"الكاتبة المتعددة الاهتمامات، والتى ادهشتني باعترافها الصريح عن نقص ثقافتها المعمارية، في وقت ما برح الكثيرون لا يعترفون اصلا بوجود"ثقافة معمارية"عدا بالطبع"علي بدر"الذي تعرفت عليه في اربيل، والذي وظف العمارة وجعلها تشتغل"كخلفية"لشخوص رواياته عن مدن ماضوية ومفترضة، تحضر"العمارة"فيها جليةً لتعبق برائحة المكان !.
في اربيل استمتعت بلقاء الصديق القديم المقيم فيها"دارا اليعقوبي": زميلنا التدريسي في قسم العمارة بجامعة بغداد، واسترجعنا معه ومع"احسان فتحي"ذكريات القسم واحلامنا وآمالنا التى لم يكتب لها التحقيق في جعله احد اهم مدارس العمارة في منطقة الشرق الاوسط، بسبب الديكتاتورية البغيضة التى شتتتنا وفرقت زملاءنا وخريجينا في منافي ارض الله الواسعة. واذ استحضر امسيات اربيل، يطل وجه الصديق"كوكب حمزة"وبشاشته الحميمية المعهودة، و"فاضل السوداني" المليء بالطموحات المسرحية وغير المسرحية، وكذلك الصديق طالب غالي: الدائم الاناقة، (البصراوي) بكل ما تعني هذه الكلمة من طيبة وتواضع، والذي لا يكلّ عن ايصال المسرّة الى الاخرين؛ كما لا يمكن نسيان"اسعد راشد"
< بلدياتي > من الصويرة، الذي اكتشفته في اربيل واكتشفت ثقافته الرفيعة وحبه في مساعدة الاخرين؛ و"زهير كاظم عبود": الذي جعل من الاقليات المهمشة في بلادنا، كيانات حقيقية ذات مطالب مشروعة، وجعلته انا : نزيله المشترك في غرفة فندق شيرتون - اربيل، مهتما بـ"الفراسة"؛ اذ كان"يحدس"فيما اذا كنت قد زرت مساء "نادي المعلمين"المجاور ام لا، تبعا ً لارتفاع موجة"الشخير"او انخفاضها الصادرة عني بلا وعي.. بالطبع !.
عندما نشرت صفحة المدي الثقافية اسماء المدعوين في آخر ايام الاسبوع الثقافي، لفت نظري في الوفد المصري، اسم"فؤاد التهامي"، السينمائي التسجيلي المعروف، ذلك لاني اعرف فؤاداً منذ زمن، زمن بعيد، منذ ايام موسكو الاشتراكية، وتحديدا في 1969؛ تعرفت عليه هناك وعلى اخيه صلاح التسجيلي ايضا، فقد كنا نلتقي غائب طعمة فرمان ومجيد بكتاش وخالد الزبيدي وانا معه دائما اثناء وجوده في موسكو لعمل سينمائي مشترك. وفي الطائرة التى اقلتنا من السليمانية الى عمان قدمت نفسي اليه، لم يعرفني في الحال ، اذ مرت (كما يبدو!) سنين عديدة وطويلة، ثم فجأة فرقنا"مطار عمان" لاختلاف الطرق، لكننا تعهدنا ان نظل على تواصل من خلال تبادل العناوين الالكترونية!.
تمخضت توصيات اسبوع المدى الثقافي الرابع على مقترح تأسيس"البيت العربي الكردي للثقافة والفنون"و"المركز القومي للدراسات"، وحتى لا يكون ذلك المقترح مجرد توصية فقط، فقد حصل الصديق فخري كريم من المسؤولين في اقليم كوردستان على اشعار بتخصيص اراضٍ محددة لهما (عشرة آلاف متر للمشروع الاول، وخمسة الآف متر للثاني)؛ وفاتحني في وقت متأخر من ايام الاسبوع عن تصوراتي المهنية حول تصميمهما. لم يكن الوقت كاف ٍ لدراسة هذا الموضوع المهم، ووعدته باني سوف اتعاطى مع هذا الموضوع بجد ومهنية، تتصادى مع اهمية حضور مثل هذين المبنيين في المشهد الحضري لمدينة اربيل، معتبرا ان لغة عمارتهما يتعين ان تكون استثنائية وحداثية في آن، وان يشكلا معلما مهما في البيئة المبنية للمدينة التى تنمو سريعا ً. لكن كل ذلك سيكون موضوعا لحديث آخر، فالحديث الان مكرس للقاءات المثقفين العراقيين في اسبوع المدى الرابع، والذي لا يسعني، الا ابداء الشكر والتقدير لجميع منتسبي مؤسسة المدى الذين عملوا الكثير لتحقيق مثل تلك اللقاءات.


حكومات مضت وحكومة على الابواب .. اين سيكون مكان المثقف العراقي في قائمة اهتمامات الحكومة الجديدة..؟

  • وهل ستنتهي سياسات التهميش المقصودة للمثقفين والادباء العراقيين ؟
     

استطلاع عدنان الفضلي
الحكومات السابقة المتوالية منذ سقوط صنم الفردوس وحتى هذه اللحظة لم تمنح المثقف او المبدع العراقي أي مكان فيها . ففي خضم الاحداث الكارثية التي تعصف بالبلد ، كان دور المثقف شبه مهمش ان لم نقل انه مهمش تماما . هذا في رايي الشخصي ولكن للمثقفين العراقيين اراء اخرى تتقارب في طرح وجهة نظرها ، حين يكون السؤال المطروح هو: اين دور المثقف العراقي في الحكومات السابقة واين سيكون في الحكومة القادمة ؟
المثقف مهمش
يقول الشاعر والصحفي خالد شويش القطان :
- ليس من المنطقي ان يكون المثقف او المبدع العراقي تابعاً للسياسي الذي يحاول ان يحصل على مكاسب لحزبه وان يؤدلج الثقافة في مصلحته ومصلحة حزبه، لذا من المفروض ان يكون للمثقف دوره وموقفه ومشاركته الواضحة في العملية السياسية وان لايبقى مجرد تابع لسياسة ما تنتمي لهذا الحزب او ذاك .وفي اعتقادي ان الحكومات التي مضت لم تترك مجالا للمثقف للمشاركة في العملية السياسية التي هو مفصل مهم فيها .
اما الحكومة المقبلة فاعتقد انه من الضروري جدا ان يكون لنا فيها دور مهم وواضح من خلال وضع بصمته في صياغة القرارات التي تتخذها الحكومة ، اذ انه اللسان الناطق والحقيقي للمجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه . فهو يمتلك نظرة ثاقبة لكل مايدور حوله في الساحة السياسية العراقية .
الحب العراقي
الاعلامي المعروف احمد المظفر كان له رايه الخاص حيث قال :
حكومة تروح وحكومة تاتي ..لكن النتائج واحدة ومتشابهة. ونحن معشر الادباء والمثقفين نتوق الى حكومة تفتح عيونها على المرئي من الحياة . واقصد نحن ما الذي حصدناه من حكومات تقاعدت وما الذي منحنا اياه مجلس النواب المنتهية وصايته وولايته . نتمنى فعلا ان نحظى .. باهتمام حكومتنا الجديدة كي نشعر بعراقيتنا ونشعر بتطلعاتنا نحو حكومة تعرف كيف تزن الامور . كلمة اتركها الى الحكومة الجديدة ( نحن برقبتك .. التفتي الينا .. لنتبادل الحب العراقي القادم ) ورحم الله الحكومات السابقة واهلا بالحكومة الجديدة وبانتظار تفاعلهم معنا .
بودي كارد
وللشاعر هادي الناصر رأي مقارب وان اختلف الطرح حيث قال :
ان الفصل بين حكومتين ، يعني الانتقال من مرحلة الى اخرى. والسؤال هنا هو
هذه الفاصلة بين الانتهاء الشرعي للحكومة السابقة التي كان حدها الفاصل هو 15 /1 / 2006 وبين الحكومة التي ستؤول اليها المهمة . اين نحن واين هم ؟ . اعتقد اننا كنا نمر في خضم تهشيم مبرمج لكل ماهو عراقي في ظل غياب سلطة فاعلة تعتقد انها آيلة للزوال ، وصارت تفكر بالاستحواذ على اكبر غنيمة تحصل عليها في ايامها الاخيرة ، لذلك فقد تركت الحبل على الغارب . فعاثت بنا قوى الظلام حتى باتت رؤية مشهد الجثث المرمية في الطرقات مشهدا مالوفا . وهنا فاننا نطالب بشدة النخب السياسية التي ستصل الى مواقع ادارة الدولة العراقية ان تضع الهمّّ العراقي اولا والانسان العراقي اولا ، ولاتضع مشاجرات ( البودي كارد ) كهم اول في العراق الجديد .
وايده بالراي الصحفي والخبير الاثاري برهان شاكر حين قال :
لقد انتهى دور الحكومة السابقة ، دون ان تقدم أي شيء للعراقيين المنكوبين. فهي لم تتمكن من الحد من الارهاب و ويلاته. ولم تنجح في تقديم ابسط الخدمات للمواطن العراقي . اما على الصعيد الثقافي فقد كان الوضع مخجلا . ومثال على ذلك تنظيم مهرجان المربد بهذه الطريقة المخجلة التي جعلت القائمين على ادارته يخجلون من دعوة الكاتبات والشاعرات نظرا لضعف الامكانات . في حين اقامت مؤسسة المدى وهي جهة غير سياسية مهرجانا عظيما وقدمت فعاليات رائعة وقفنا لها احتراما وتقديرا .
نحتاج معجزة
اما الصحفي شاكر المياحي ( الصباح الجديد ) فقد قال:
آهات .. احزان .. مآتم .. معاناة ، هي حصيلة الفترة التي عاشتها الحكومات السابقة . فهل ستظل تلك الملامح والصور هي التي تغطي سحنة الحكومة المقبلة ؟ ام انها ستاتي بالخوارق والمعجزات ؟
ارى ان الحكومة الجديدة ستواجه تحديات اكبر واصعب والخروج من بعضها يحتاج معجزة . كما هو الحال في التعامل مع الارهاب . ما اتمناه الان من الحكومة القادمة هو
ان تسعى للنهوض بمستوى الخدمات والعمل على رفع مستوى تحضر الانسان العراقي ومحاولة مساواته مع اقرانه من ابناء الشعوب المتقدمة حتى يتمكن من ان يلج الى مضامير المعرفة والتحضر وينهل من مناهل العلم والثقافة والادب . وهذا لايتحقق بدون تفعيل دور المثقف العراقي .
وللكاتب مزاحم حسين راي جاء فيه :
الان الكل يحبس انفاسه بانتظار تشكيلة الحكومة ، تلك التي يرغب العراقيون بكل اطيافهم ان يروها تحمل همومهم وتتضمن اسماء قادرة فعلا على ان تمنحهم بعض امنياتهم . ان العراقيين يتطلعون الان الى حكومة وطنية عراقية حقيقية قائمة على اساس المواطنة العراقية لا على اساس اخر. يريدون حكومة تحترم الراي الاخر وتعمل على تفعيل القانون وتعيد للمواطن الخدمات الاساسية فضلا عن حقوق الانسان واحترام حرياته الخاصة. نريد حكومة تفعل دور المثقف العراقي وتمنحه فرصة المساهمة في بناء العراق الجديد . نريدها حكومة قادرة ومتمكنة من القضاء على الفساد الاداري الذي تفشى بيننا. نحتاج حكومة تضرب بشدة على يد الارهاب .
يخشون المثقف
اما الصحفي والمسرحي ستار الناصر فقد عبر عن رايه بالقول :
الحكومات دائما تخشى المثقف ، على اعتبار انه اداة قوية لكشف الحقائق فضلا عن انه يقرا خطاب الحكومات اسرع بكثير من المواطن الاعتيادي , وهذه الأشكالية خاصة الان تعد احدى اكبر الاشكاليات الناشطة بين المثقف والسياسي . ودليل على ذلك السجالات المستمرة بين المثقف العراقي وبعض الطارئين على العمل السياسي .
اعتقد ان على المثقف العراقي ان ياخذ دوره عبر الوقوف بحزم ضد أي تخرصات سياسية قد تطالعنا بها الحكومة المقبلة . وان يستعيدوا دورهم القيادي واجبار الحكومات على عدم تهميشهم والا فالنتائج ستكون كارثية .وللفنان ابو ايناس راي سريع قال فيه :
ان الحكومات المتتالية سواء التي مضت او التي ستاتي هي عبارة عن متاهات وطلاسم لايفقهها الانسان العراقي البسيط ، الذي يحمل في روزنامة همومه بعض امان لاتتعدى العيش يهدوء وبسعادة ودون عوز مادي . وهو يحلم ايضا بوطن امن وسعيد. واخيرا اتمنى ان يحصل المثقف على مكان له في قائمة اهتمام الحكومة المقبلة .
ويقول الاستاذ عبد اللطيف كشكول سكرتير نقابة النفط :نحن مع الخير دوما ان قدم . فقد استبسل الشعب العراقي وتحمل ما لايتحمله أي شعب اخر سواء في زمن النظام المقبور او في الوقت الحالي . لذلك فهو يستحق ان يحصل على كل امنياته . وعلى الحكومة الجديدة ان تسعى لذلك وتضعه هدفها الاول والاخير . واقول
مرحبا بالحكومة الجديدة واهلا بها ان مدت يدها للمثقف العراقي .
اخر المتحدثين كان الفنان المسرحي عمار سيف حيث قال:اذا اصرت الحكومة الجديدة على تهميش دور المثقف العراقي اذن فلتبشر بالفشل الذريع لانه حلقة الوصل بينها وبين الشعب. لذلك اتمنى ان لاتكرر هذه الحكومة اخطاء الحكومات السابقة التي لم تلتفت للمثقفين فكانت نتائجها مخيبة للامال. ولم تحصل سوى على غضب الشعب.


لوشيا جويس التي قالت لا

هيرميونه لي

ترجمة: نجاح الجبيلي

قال جويس في عام 1934:" يتحدث الناس عن تأثيري على ابنتي، لكن ماذا عن تأثير ابنتي عليّ؟" أو هكذا أخبرت "ماريا جولاس"، وهي أقرب أصدقاء "جويس"، ريتشارد إيلمان كاتب سيرته. وفي الوقت نفسه تقريباً أجرى "إيلمان" مقابلة مع كارل يونغ الذي عالج ابنة جويس عام 1934، فقال يونغ لإيلمان: إن لوشيا جويس وأباها كانا مثل شخصين ذهبا إلى قاع نهر، أحدهما سقط والآخر غطس" ويعلق إيلمان أن جويس كان بالنسبة لابنته "أحمق مثل الملك لير".
أي أمل يرجى هناك لإنقاذ ذلك الصوت الغارق للبنت المجنونة من مظاهر الأب القوية جداً؟
في كتابها "لوشيا جويس: الرقص عند اليقظة" الصادر عام 2004 تحاول "كارول لوب شلوز" محاولة مثيرة وفعالة في سحب "لوشيا" من أعماق الحجز والمحو، فكان عليها أن تكافح ضد ضغوط شديدة وتعطي كتابها جواً متوتراً واهتياجياً وجريئاً. وكي ينجح مشروعها في إحياء لوشيا لا بد من الزعم بأن "تأثير لوشيا على جويس كان كبيراً،حيث كانا مبدعين متعاونين، وحداثويين من المزاج نفسه". تقول "شلوز" أن "فن جويس المحيط بلوشيا لاحقها منذ الولادة؛ وهي بالنتيجة كانت جزءاً من الحياة المحيطة بخالق ذلك الفن وأعطته الوسائل كي يقذفها وسط الموسيقى الشاردة". و "المكان الذي التقت به بأبيها لم يكن في الوعي، بل في مكان أصلي قبل الوعي، كان كل منهما يفهم الآخر لأنهما يتكلمان اللغة نفسها،اللغة التي لم تصل بعد على شكل كلمات وأفكار لكنها لغة رغم ذلك.."
ولدت لوشيا، وهي الطفلة الثانية لجيمس جويس ونورا برانكل، في عام 1907 في جناح الفقراء التابع لمستشفى في "تريسته"، وكان أبواها فقيرين جداً، وأمضت طفولتها في الانتقال من شقة أو غرفة في فندق إلى أخرى, وفي الوقت نفسه حاول أبوها العمل في الكثير من الخطط الضخمة للحصول على المال (ومن ضمن الخطط التي فشلت كانت توريد نسيج التويد إلى أوربا) كما انه مارس التعليم وكتب أولاً رواية "صورة الفنان في شبابه" و مسرحية "المنفيون" ثم رواية "يوليسيس" (التي نشأت مع ترعرع لوشيا) ثم كتب بعد (17) سنة رواية "يقظة فينيغان"، وحين كانت في السابعة عاشت لوشيا في خمسة عناوين، وكانت دائماً تحشر مع أخيها "جيورجيو" (يقال أنهما صرخا مرة بوجه والديهما :" إنكما تحشراننا كخنزيرين في زريبة") وفي أثناء الحرب العالمية الأولى انتقلت عائلة جويس من "تريسته" إلى "زيورخ" ثم إلى باريس.وكانت لوشيا تنتقل من مدرسة إلى أخرى وتعلمت بعضاً من اللغات الفرنسية والإيطالية والألمانية وأظهرت موهبة في الموسيقى، وفي مراهقتها بدأت تتعلم الرقص، وتلقت دروساً في الرقص الإيقاعي في معهد "جاك دالاكروز" في باريس، وعملت في العشرينيات مع سلسلة من الأساتذة المبدعين جداً منهم : ريموند، أخ إيزادورا دونكان، الذي كان يدخل بالرداء الإغريقي والصنادل ويؤدي الإيقاعات الشهوانية (الديونيزية)، وماركريت موريس (حفيدة وليم موريس) المدافعة عن الرقص المعبّر في الهواء الطلق كوصفة صحية، وزميلها الموهوب "لويس هوتون" الذي أسس جماعة من البوهيميين والنساء الممارسات للرقص التجريبي في جنوب فرنسا سميت "لا دانس دو سان-بول" وكانت لوشيا إحدى أعضاء تلك الجماعة.
المعلمون الآخرون هم جان بولين اللامع الذي كان تعاونه السريالي والفطري مع بول كلوديل وداريوس ميلهود، قد نافس جماعة "البليتس روسس" في الفعالية والتأثير، وإليزابيث دونكان (أخت إيزادورا) وعازف البيانو الألماني ماكس ميترنر صاحب مدرسة سالسبورغ التي روجت لمذهب أريان في عبادة الجسد، ولوبوف إيغوروفا، المعلم الشديد جداً وزميل دياغليف.
إن الملمح الأفضل في كتاب "شلوس" يكمن في الوصف الحي البليغ لجماعات الرقص التجريبية في أوربا في أثناء العشرينيات، ووصفها كيفية اندماج لوشيا في الحداثوية والسريالية بينما كان أبوها يكتب رواية "يقظة فينيغان"، وكم كانت شلوس قاسية عليها إذ دفعت هذا التماثل إلى أبعد نقطة ممكنة وجعلت من لوشيا معاونة في كتابة رواية "اليقظة".
ما استطاعت "شلوس" إثباته هو أن لوشيا كانت موهوبة.ففي مقابلة معها في مجلة "باريس تايمز" -1928 أطرى المحاور مهاراتها كراقصة ولغوية وممثلة وخمّن أنه حين تصل "قدرتها أوجها في الرقص الإيقاعي سيكون جيمس جويس معروفاً كونه أب ابنته". لكن حينئذ بدأت الأشياء تأخذ مجرى سيئاً.ففي عام 1929 فشلت مساعي لوشيا في تعليم الرقص، وهي إما أن تكون قد تخلت عن خططها، أو
حسب رأي شلوس- أجبرتها معارضة العائلة على عدم الاستمرار في المهمة.
كانت هناك سلسلة من الحوادث المزعجة: العملية التي أجريت لعين أبيها، مرض أمها، وعلاقة أخيها مع هيلين فليشمان المتزوجة الأكبر سناً منه، وزواج عائلة جويس المدني بعد ست وعشرين منذ أن بدءا العيش سوية، وصدمة اكتشافها أنها كانت بنتاً غير شرعية.يقال أن لوشيا كانت تصرخ بوجه "نورا" في أحد شجاراتهما:" إذا كنت نغلة، فمن جعلني كذلك؟".
باشرت لوشيا العديد من المغامرات الجنسية، وقد عدتها "برندا ماكس"- كاتبة سيرة نورا جويس- اختلاطاً أو تشوشاً، لكن "شلوس" تفضل ربطها بمغامرة أخيها العاطفية وبعالم الفن الحر الذي تعيش فيه. فقد وقعت في حب تلميذ أبيها "صاموئيل بيكيت" الذي أخبرها أنه مهتم بجويس أكثر مما بها، ( وقد أدى ذلك إلى ثغرة في العلاقة بين بيكيت وجويس").وكانت لها مغامرة عاطفية قصيرة الأمد مع الفنان الكسندر كولدر ومع طالب أمريكي يدرس الفن.وفي عام 1932 كانت هناك خطبة قصيرة يائسة من يهودي روسي شاب يدعى "ألك بونيوفسكي"، وبدلاً من الرقص كانت ترسم رسوماً غرافية لجويس
تخطيطات لديوان "قصائد الواحدة ببنس" وحروفاً مزخرفة لامعة لكتاب للأطفال (التي لسوء الحظ ضيعها الناشرون)

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة