شخصيات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

المناضل حسين محمد الشبيبي ..اديب وثائر وشهيد

السويد/محمد علي ألشبيبي
اواخر عام 1916 غادر الشيخ محمد الشبيبي والد الشهيد صارم مدينة النجف هاربا من جحيم الاحتلال البريطاني، ليقيم بين اقاربه وبعض اعمامه المقيمين في قرية تدعى الكوت بين الناصرية وسوق الشيوخ. وفي اوائل 1917 ولد له ولد سماه حسين استجابة لمقترح ابن له اسمه جابر.
وجاءت وفود من اهالي سوق الشيوخ تطالب الشيخ بالاقامة عندهم، كرجل دين وخطيب منبر، فلبى دعوتهم، وانتقل باهله إلى هناك، حيث يحتل سوق الشيوخ جنود الانكليز من السيخ ويحكمها الكابتن (دكسن) ابو رويشات كما يسمونه، وقد زج برؤساء العشائر في السجون.والبسهم الثياب الملونة، واجبرهم على كنس الشوارع اهانة لهم واذلالا.
واعتلى الشيخ المنبر يندد بسياسة المحتلين المستعمرين، ودكسن يحضر المجالس، ويسمع كيف يثير شعور المواطنين بالكرامة ويحرضهم على التحرر من نير المستعمر الاجنبي. حاول دكسن اول الامر ان يغريه بالمال، فدفع له بواسطة زعيم سوق الشيوخ
انذاك- الحاج علي...... (1)، مبلغا من المال قائلا: هذا لفقراء البلد فليوزعه الشيخ حسب معرفته وعلمه......
فأعلن الشيخ من على المنبر: يا اهالي سوق الشيوخ، هذا مال ارسله دكسن ليوزع عليكم، وانتم تعلمون ان دكسن من امة ليست على دينكم ولا من قومكم، احتلوا بلادكم، واستذلوا رجالكم وها انا ارد المال إلى الحاج علي...... الذي يريد ان يكون سمسارا بيني وبين من يريد ان يشتري ديني ومروءتي!! ورمى بالرزم المالية إلى الحاج علي الذي كان حاضرا المجلس.
وشاءت الظروف ان يصاب ابنه جابر بحصى المثانة فأشار عليه بعض اصحابه ان يعرضه على طبيب انكليزي في الناصرية، وهكذا مات طفله اثناء العملية، فغادر لواء الناصرية حزنا وكمدا عليه مدة شهرين وعاد وهو شديد الوله بصغيره حسين وكأنه يجد فيه ريح اخيه الذي سماه، وغادر الحياة ليخلو له وجه ابيه. واصيب الطفل حسين بمرض الجدري اصابة فظيعة، شملت كل جسده وطالت وامتدت لفترة عجيبة، صحبها قيح وجراحة. فنفر الاب للمنظر الكريه، رغم حبه وحنوه، وقال ذات مرة وهو ينظر اليه بعين الاسى والعطف الابوي: لو كتب لهذا الطفل ان يعيش ليكونن شديد البأس قوي الشكيمة!! وقد شفي الطفل حسين من دائه ولكن المرض ترك اثرا في عينيه، فراحت امه تذر فيهما انواع الذرور وترسم نقاط الوشم على صدغيه تارة وتلصق عليهما لصقات من حبوب البخور تارة، دون جدوى وفائدة فالطفل لايقوى على مقابلة الضوء الشديد.
تجددت الحرب بين دكسن واتباعه من الاذناب والعملاء وبين الشيخ الخطيب. وضاق صدر دكسن فاصر على اعتقاله. ولكن الشيخ علي...... كفاه شر القتال، فاحتال للامر، وناقش الشيخ وهو في ديوانه بكلمات اثارت حميته وكرامته، حيث قال: الله ياشيخ محمد شطول لسانك؟؟!! هذا وانت غريب!!! فما كان من الشيخ محمد إلا ان يرمي الحاج علي
ودون ترو - بنعله وهو يصيح: انا غريب ايها الحقير، هذا بلدي ولكنكم جبناء اذلاء. ونادى تلميذه اذ ذاك حسين غازي ليكتري السفينة اللازمة فهو لن يقيم بارض يعتبر فيها غريبا.
وعاد الغريب، سنة 1920 إلى بلده (النجف) بلد المنابر والمشانق، وكان حسين صبيا في الثالثة من عمره. وانطوت مرحلة من الزمن على النجف كلها جهاد مرير وجوع وعطش، حتى اذا بلغ الطفل سن الدراسة، ادخل إلى مدرسة الغري، المدرسة التي شادها نخبة من ابناء النجف المجاهدين في حقلي السياسة والفكر، ومن ابرز رجالها سعد صالح وآل كمال الدين. فكانت حقلا زاهيا برعايتهم واهتمامهم ينتدبون اليه كل استاذ فذ في علمه ووطنيته، ويغذون الطلبة ويوجهونهم الوجهة الوطنية والنزعة الفكرية المتحررة.
وذات مرة ظل الصبي في فراشه صباحا ولم ينهض كالعادة إلى المدرسة، رغم نداءات امه له وتذكيره بفوات الوقت. علم الوالد فقصده إلى فراشه يستفسر منه عن سبب تأخره، ولكنه اجاب بصراحة، لايوجد سبب سوى عدم رغبته بذلك. ولكن الوالد اصر الا ان يرده عن عناده، فانذره لدقائق معدودة بالعقاب الصارم ان هو لم يتهيأ للذهاب للمدرسة ولكن الصبي اعلن رفضه بكل برود وبساطة، فما كان من الوالد الا ان شده إلى عمد في الدار بحبل وثيق، وهو يستفهم منه
أتذهب؟ ويرد الصبي ببرود لا. واعلن الشيخ انه سينزل العقوبة بكل من يمد يده ليخلي سبيله.... لولا امرأة من الجيران تندفع منددة بهذه القسوة، وما ان حلت الحبل حتى سقط الصبي على الارض لخدر جسمه. واعادت هذه الحادثة إلى ذهن الوالد مابقي الفتى ايام نضاله في سجون نوري السعيد ولاقى فيها من ضرب وتعذيب تحملها بصبر وجلد. فكان الشيخ يعلق وعيناه تفيضان بالدمع، كان القدر يدفعني لتدريبك على تحمل المشقة يوم اردت ان اردك عن عنادك، ويريني قدرة بأسك واصرارك، فامض راشداً يابني!!
ويروي والدي علي الشبيبي رحمه الله هذه الطرفة التي تدلل على موهبة حسين الادبية منذ نعومة اظافره، حيث كان تلميذا في الصف الثالث الابتدائي، وبقي والدي طول حياته يتذكرها ويشيد في قدرته الشعرية المبكرة. يقول والدي: عصر يوم كان عند والدي صديقه الحميم
اذ ذاك العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري، وقد عاد الصغير من مدرسته متأبطا كتبه ودفاتره وصعد إلى ابيه يحييه وصديقه. تناول الشيخ الجزائري دفترا كان مكتوبا عليه كراسة للرسم والخرائط فالتفت إلى الصغير وقال له: حسين اقرا هذا...... انه نصف بيت شعر فاكمله انت. ورد الصغير على البديهة: كراسة للرسم والخرائط يحملها شويخ المضارط!!!! فراح الجزائري يضحك ويفرك برجليه واغرق في الضحك ثم اعاد الشيخ استحسانه لهذه البديهية الفذة ومنحه جائزة نقدية.
اتم حسين دراسته الابتدائية ودخل المتوسطة، حيث كان موضع حب ورعاية من بعض اساتذته ورفاقه كالجواهري الكبير والاستاذ محمد حسين الشبيبي. وحين اشغل ادارة ثانوية النجف
اذ ذاك الاستاذ ذنون ايوب والمرحوم المناضل الجريء كامل قزانجي تفتحت في الصبي ازاهير نضجه الفكري ووعيه السياسي وشعوره الوطني، فكان احد اركان النضال مع شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم فشارك في كل الحركات بحماسة ونشاط، من ذلك الاحتفال في ذكرى ثورة العشرين في الرميثة حيث تشددت سلطة العهد الملكي في منع الشباب الثوري في بغداد والنجف من هذه البادرة الخطيرة.
وقد اهتم الشهيد بالادب منذ صغره عندما كان في الاول المتوسط، فكان يملأ فراغه بالقراءة ويتابع المجلات المتحررة التي تصدر انذاك كالعصور والدهور ويقرأ المقتطف والهلال. وقد نظم اول قصيدة وهو في الصف الثاني المتوسط وقد جرب الشهيد عدا الشعر كتابة القصة، فقد نشر في مجلة الروائع البغدادية قصة بعنوان (الفصل الاخير من المأساة) تناول فيها محنة فلسطين.
بدايات نشاطه السياسي
في عام 1935 حين ازمعت حكومة الايوبي على ضرب عشائر الفتلة، كان بحر العلوم وحسين وصحبهما يخطون النشرات المحفزة للشعور الوطني في صفوف الجيش المرابط في ابي صخير (احدى نواحي النجف) وتثبيطهم عن ضرب اخوانهم، ومساندين للحزب الهاشمي الذي تبنى سياسة وطنية اذ ذاك معادية للاستعمار. كانوا يتسللون ليلا من الجهة الغربية في النجف ليصلوا إلى الجيش ويوزعون عليه نشراتهم، وفي النهار يثيرون التظاهرات الصاخبة.
وبعد انهائه الثانوية عين معلما للغة الانكليزية في النجف في الابتدائية الاولى. كما عمل محاضرا في درس الواجبات الوطنية على طلبة السنة الثالثة للدراسة المتوسطة، اذ تم له ذلك بمساعدة الشخصية الديمقراطية عبد الرسول نجم مدير ثانوية النجف الذي تعاقد مع الشهيد لالقاء تلك المحاضرات.
ثم انتقل إلى بغداد ليدخل كلية الحقوق التي كانت امنيته الغالية
على حد قوله ليقوم بالدفاع عن القضية الوطنية. وفي سنة 1938 اصدرت وزارة المعارف تعميما منعت فيه الجمع بين الدراسة في الكلية والوظيفة، حيث كان يعمل مديرا لمكتبة دار المعلمين العالية في بغداد، فانسحب من الوظيفة مؤثرا دراسته في الكلية. قبيل انتهاء السنة الدراسية طالبت الكلية بدفع القسط الاخير. وانذرت بعدم السماح لاي طالب لايدفع القسط بالاشتراك بالامتحان وكان حسين يصارع نفسه كيف يصبح عبئاعلى ابيه فيما يحتاج للعيش والدراسة فانسحب من الكلية وعاد إلى التعليم وعين بمدرسة باب الشيخ مدة تزيد على السنة ثم انتقل إلى النجف وعاد للتعليم في مدارسها.
ومن النجف كتب عدة مقالات، تناول فيها الاوضاع السياسية في العراق والنجف بشكل خاص مع بداية الحرب العالمية الثانية، بعث بها عام 1940 إلى مجلة المجلة، فاعجبت بها هيئة التحرير وارسلت اليه تستدعيه لمقابلتها. ولبى الشهيد الدعوة والتقى هناك لأول مرة بالشهيد الخالد فهد، الذي ابدى ارتياحه لمقالاته وطروحاته وتحليلاته السياسية الناضجة فيها، وطلب منه المواصلة بالكتابة واللقاءات. وعند عودته من لقائه بالخالد فهد حدث والدي بطبيعة اللقاء ومادار فيه من افكار ومقترحات، وقد شجعه والدي بالمواصلة في تلك اللقاءات، ولم يكن والدي قد سمع من قبل باسم الخالد فهد. ومن هنا ابتدأ ارتباط الشهيد بركب المناضلين وبالحزب الشيوعي الذي وهبه حياته.
وهكذا توطدت العلاقة بين الشهيد حسين والخالد فهد. وبدأ الشهيد بتشكيل اولى الخلايا الحزبية في النجف، كان من اول اعضائها شقيقه الاكبر والدي علي الشبيبي، كما انتمى لخلايا الحزب الناشئة العديد من اصحاب الميول السياسية من معلمين وطلبة ممن عرفوا بحماستهم الوطنية، وارتبط الاصدقاء ممن لم يكونوا مؤهلين للعمل الحزبي وما يقتضيه من انضباط وصلابة بحلقات للاصدقاء. كان الشهيد يذهب إلى بغداد ويلتقي بالشهيد الخالد فهد ويتدارس معه الاوضاع السياسية بالعراق واوضاع النجف بصورة خاصة، ويعود إلى النجف محملا بالمجلات التقدمية، كمجلة المجلة، الطريق اللبنانية، نضال الشعب السورية، مجلة الغد الفلسطينية، الاسبوع والفجر الجديد المصريتين وام درمان السودانية اضافة إلى جريدة الحزب الشرارة ونشرياته الاخرى.
وقد ساهم الشهيد في الكتابة إلى الشرارة، وهي توزع في النجف وبين صفحاتها مقالات عن النجف ورسائل عن الوضع السائد فيها من نهب موظفيها الكبار لحصص جماهير النجف الكادحة من الكساء والغذاء، وبيعها في السوق السوداء ومشاركة تجار النجف في بيع ورق السكاير وغيره، كل هذه المواضيع كانت تنشر في الشرارة تحت عنوان رسالة النجف.
وقد حضر الشهيد اول اجتماع للجنة المركزية في تشرين الثاني 1941 (2)، وتم فيه تثبيت اعضاء اللجنة المركزية واعضاء مكتبها السياسي وكان الشهيد من ضمن اعضاء المكتب السياسي كما صوت الجميع على تثبيت الخالد فهد سكرتيرا للحزب.
اهتمت السلطة واعوانها من تجار جشعين بأمر الشهيد حسين ونشاطه الجماهيري، بما يكتب وينشر عما يجري في النجف، فكتبوا إلى المراجع العليا في بغداد طالبين التخلص من الشهيد ومن كتاباته، حتى انتهى الامر بنقله برقيا إلى لواء العمارة اواخر عام 1941 في احدى مدارس المركز.
ولم يحول نقل الشهيد إلى العمارة من ممارسة نشاطه في النجف، حيث انه قد اسس ولأول مرة التنظيم الشيوعي في مدينة النجف، وبقي الشهيد يتنقل بين العمارة وبغداد والنجف الأشرف على عمل التنظيم الحزبي الناشئ ويزوده بتوجيهات مؤسس الحزب الخالد فهد، إلى ان تم تسليم مجلة النجف لشقيقه الاكبر علي الشبيبي (3)، وتفرغ الشهيد للعمل في قيادة المنطقة الجنوبية التي تشمل لواء العمارة ولواء البصرة ولواء المنتفك.
ومن العمارة واصل الشهيد نشاطه الحزبي. ففيها كتب كراسه (الاستقلال والسيادة الوطنية)، وقد حدثني الطيب الذكر المرحوم صالح عمران عيسى العقابي (الواسطي) كيف انه كان يزور الشهيد في بيته في العمارة وكان الشهيد يجلس بفانيلته البيضاء إلى منضدة متواضعة منهمكا في كتابة كراسه (الاستقلال والسيادة الوطنية) وهو يعاني من شدة حرارة الصيف، وان المرحوم صالح ساهم في تدوين الكراس حيث كان الشهيد يتلو عليه بصوت عال مايريد كتابته مستعينا ببعض المسودات.
في مطلع عام 1943 نقل الشهيد إلى قرية المشرح في العمارة، وذلك محاولة من السلطات المحلية لمضايقته والضغط عليه وابعاده عن مركز المدينة الذي اصبح مركزا للنشاط الشيوعي، خاصة بعد ان اصبح الشهيد مسؤولا عن المنطقة الجنوبية التي تشرف على الوية العمارة، البصرة والمنتفك. ولم يلتحق الشهيد بعمله بالمشرح وفضل التفرغ للعمل الحزبي، وامعنت سلطة العهد الملكي في مضايقة الشهيد في العمارة فاعتقلته في 9/6/1943 ونقلته مخفورا إلى موقف العبخانة في بغداد.
شارك الشهيد بنشاط في التحضير للكونفرنس الحزبي الاول الذي انعقد في اذار 1944 وقدم ورقة عمل تناولت الواجب التعليمي في الحزب. كما ساهم الشهيد في التحضير للمؤتمر الاول للحزب، واعيد انتخابه في المؤتمر عضوا في المكتب السياسي (4).
وانسجاما مع قرارات المؤتمر الوطني الاول للحزب تم تكليف الشهيد حسين الشبيبي ومجموعة من الشباب منهم سالم عيد النعمان والشهيد محمد حسين ابو العيس ومحمد علي الزرقة واخرون لتقديم طلب ايام حكومة توفيق السويدي في 22 ايلول 1945 لأجازة حزب سياسي باسم حزب التحرر الوطني، وارفقوا طلبهم ببرنامج الحزب ونظامه الداخلي، وقد جاء البرنامج تطويرا للميثاق الوطني للحزب الشيوعي العراقي (5). ليكون حزبا يستوعب الوطنيين غير المهيئين للعمل في الحزب الشيوعي والعمل الثوري الذي يقوده. وتم تاليف لجنة طلابية لحزب التحرر ضمت طلبة من كليات مختلفة منهم عبد الوهاب القيسي وعبد اللطيف السعدي واخرون وكان يشرف عليها محمد علي الزرقة عضو الهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني والمرشح للجنة المركزية للحزب الشيوعي (6). وقد رفضت اجازة الحزب، ولكن حزب التحرر مارس نشاطه العلني لعدة اشهر على الرغم من عدم حصوله على ترخيص رسمي. وانغمر الشهيد بالجهاد والكفاح بين اصدار نشرات الحزب والمحاضرات في المنظمات الوطنية مثل عصبة مكافحة الصهيونية والمناسبات الوطنية التي اهتم بها حزب التحرر كل الاهتمام، حتى اعتقاله بذريعة ان اخاه الاصغر ذوعلاقة بنشاطات الحزب الشيوعي.
ولم يثن الاعتقال الشهيد فواصل نشاطاته تحت مظلة حزب التحرر الوطني فقاد عدة احتجاجات وتظاهرات بالاشتراك مع عصبة مكافحة الصهيونية. ففي الشهر الخامس من عام 1946 وصلت إلى العراق لجنة التحقيق
الانكلو امريكية في قضية فلسطين وقررت الاحزاب الوطنية القيام باضراب عام. لهذا اصدر حزب التحرر الوطني بيانا دعا فيه إلى الاضراب ايضا. واوقف الشهيد حسين بسبب الاضراب وقدم للمحكمة بتهمة تنظيمه تظاهرة جماهيرية. وفي المحكمة كان دفاع الشهيد حسين، ان بيان حزب التحرر لم يتضمن غير الدعوة للاضراب وطلب شهادة قادة الاحزاب. ولم يحضر للشهادة غير رئيس حزب الاستقلال (محمد مهدي كبه) وكانت شهادته لصالح حسين.
كما نظم حزب التحرر تظاهرة في 28 حزيران 1946 وسار فيها 3000 عامل وطالب، ضد الظلم في فلسطين والمطالبة بطرد الانكليز من العراق، حيث قمعتها حكومة ارشد العمري بالرصاص وسقط فيها اول شهيد شيوعي هو شاؤول طويق. وتعرض الشهيد حسين إلى عدة اعتقالات واعتداءات خلال تلك التظاهرات من قبل شرطة بهجة العطية، وقدم بسبب ذلك للمحاكمات.
وفي 9 ايلول 1946 نظم حزب التحرر تظاهرة ضخمة سارت في شارع الرشيد، وكان الشهيد وبعض اعضاء الهيئة المؤسسة لحزب التحرر يسيرون في مقدمة التظاهرة. وكان لدى الشرطة امر برمي الشهيد حسين بالرصاص ان شاهدوه فيها. وعلم الشهيد محمد حسين ابو العيس اثناء اشتباك الشرطة بالمتظاهرين بالامر، فحمل حسين بين يديه إلى الرصيف، قرب بناية السينما الحمراء الصيفية سابقا، وقصده بعض الشرطة، وهم لايعرفونه فجذبه صاحب حانوت مرطبات إلى داخل الحانوت. لكن الشرطة انهالوا عليه بهراواتهم حتى ادموه، ثم نقلوه بسياراتهم للتداوي والتوقيف. وعند المحاكمة اجاب بانه شارك في التظاهرة لشعاراتها الوطنية، واخذ يذكر الشعارات فزجره الحاكم وطلب ان يكتفي بانه كان في التظاهرة ام لا. لكنه اصر على الا ان يثبت الشعارات لأنها كانت سبب اشتراكه في التظاهرة. وهكذا ثبت جميع شعارات التظاهرة مع شرح لمراميها في سجل المرافعة.
وفي احتفال اقيم في بناية ملهى الفارابي اعد له الشهيد خطابا (كما انه طبع ايضا) ليلقى فيه بعنوان (موقفنا من الوزارة الحاضرة) ويعني بها وزارة نوري السعيد. ولما حضر المدعوون وجدوا ان شرطة بهجة العطية قد اغلقت المحل واوقفت عليه شرطة مسلحة، فاوعزوا إلى المدعوين بالتجمع هناك. واعلنوها تظاهرة احتجاج صاخبة على موقف الحكومة ذي الوجهين اذ هي اجازت الحفل ثم ارسلت شرطتها وصادرت الكراس في المطبعة؟! واعتقلت الخطيب وبعض زملائه.
تعرض الحزب الشيوعي في سنواته الاولى لمحاولات تكتلية وتخريبية قادها بعض اعضاء اللجنة المركزية بدوافع غير مبدئية وذاتية ولم تأخذ بنظر الاعتبار حداثة بناء الحزب. وكانت اول محاولة انشقاقية لذنون ايوب واصدروا صحيفتهم (إلى الامام)، محاولين زرع الفوضى داخل الحزب من خلال مطالبتهم بعقد مؤتمر للحزب. وقد اتخذت اللجنة المركزية قرارا بطرد ذنون ايوب ومجموعته يوم 16 آب 1942. وتم الاتفاق داخل اللجنة المركزية على العمل لعقد مؤتمر الحزب بعد عودة سكرتير الحزب (فهد) من سفرته إلى موسكو. لكن عبد الله مسعود الذي تسلم قيادة الحزب اثناء سفر الرفيق فهد، تحرك بالضد من قرارات اللجنة المركزية التي تم الاتفاق عليها وبالتنسيق مع بعض اعضاء اللجنة المركزية المقربين اليه ومن دون اشعار بقية اعضاء اللجنة المركزية بعقد مؤتمر للحزب في 20 تشرين الثاني 1942، وانتخب المؤتمر لجنة مركزية جديدة مبعدا عنها رفاق فهد المخلصين (حسين الشبيبي وزكي بسيم وامينة الرحال) وابقى على فهد. وتلا هذه الانشقاقات انشقاق لداوود الصائغ عام 1944. وقد وقف الرفاق حسين الشبيبي وزكي بسيم بصلابة ومبدئية عالية ضد هذه التكتلات والانشقاقات التخريبية، وخاصة انشقاق مسعود اثناء غياب سكرتير الحزب الرفيق فهد، حيث بادر زكي بسيم إلى دعوة اعضاء اللجنة المركزية للاجتماع (كان حسين الشبيبي في العمارة) واصدروا بيانا دانوا فيه عبدالله مسعود ومجموعته (7) وانكروا شرعية مؤتمرهم واصدروا صحيفة جديدة للحزب وهي (القاعدة).
لقد واكب حسين الشبيبي الكفاح الوطني بصرامة ويقظة وباصرار على المضي في الجهاد والكفاح المرير وعلى التضحية والفداء. وطالما ترنم مؤمنا بحتمية النصر:
سنهدمُ اركان ماشيدوا
فلا العبد يبقى ولا السيدُ
وقد ذكر شقيق الشهيد الاصغر الطيب الذكر محمد علي، يقول استفسرت من الشهيد مرة: متى ستنجلي الامور وتحصد مازرعت ابا علي؟ اجاب وهو يقف مكبلا في باب المحكمة: كلا ياعزيزي اننا نجاهد ونحن نعلم اننا القرابين التي تقدم على مذبح الحرية، ان لم يكن اليوم فغداً. وبعد ان قضى في احدى موقوفياته اكثر من شهرين كتب إلى والده رسالة مقتضبة في 21/1/1946 جاء فيها: تمر عشرة الايام الاولى من الشهر الثالث في الموقف اوهي الايام السبعون، لابأس انها راحة في لحظة سفرنا كما يقولون...! وكتب في احدى رسائله لوالده الشيخ:.... ان دماء الشهداء والضحايا ستروي ارضنا الطاهرة لكي تثمر ويقطف شعبنا ثمارها.....). وحين فكر في الزواج اعلم والده بما يزمع له. رده الوالد في رسالة يقول فيها (انت في طريق يحتاج ان تكرس له كل وقتك والمثل يقول
العيال في حينه فكنْ خالي العلقة من اجل كفاحك.) واذا به يرد على ابيه برسالة مقتضبة (الزواج وانجاب الاطفال يزيدني تشبثا بالحياة والكفاح من اجل ان تكون افضل.....!!)
قال الشعر السياسي والوطني قبل ان ينتظم في منظمة سياسية وطنية وقد احتفظت -زوجته اذ ذاك -
بمجموعته الشعرية وبعض ما كتب قبل سجنه الاخير، من ذلك كراسة بعنوان ( من نحن وماذا نريد ) ولكن لا احد يدري بمصير ماترك من آثار نثرية وشعرية. ومن مؤلفاته المطبوعة الاستقلال والسيادة الوطنية وعندما اعتقل الشهيد آخر مرة وكان ذلك في نهاية عام 1946 في زمن وزارة نوري السعيد، وطال اعتقاله، اضرب مع مجموعة من رفاقه اعضاء حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية داخل المعتقل عن الطعام مدة تجاوزت العشرين يوما نقلوا على اثرها إلى المستشفى وهو في حالة خطرة. وتناقل الناس اشاعة وفاة حسين نتيجة اضرابه ذاك، فتجمعت جماهير غفيرة في ساحة باب المعظم، قرب الموقف العام، من اجل المطالبة بتسليم جثمانه. وعند التأكد من سلامة حياته انتظمت تظاهرة صاخبة (كان والدي علي الشبيبي مشاركا فيها) وكان من ضمن المسؤولين عن قيادتها الشهيد حمزة سلمان. وصادفت التظاهرة مقاومة عنيفة من قبل الشرطة قرب مقهى الزهاوي.
يوم 23 حزيران 1947 اصدرت المحكمة حكمها... وحكمت على فهد وزكي بسيم وابراهيم ناجي شبل بالاعدام..... وعلى رشيد حاتم وعبد الوهاب الرحبي وهما اعضاء في محلية ديإلى بـ 15 سنة، وعلى علي شكر المسؤول العمالي المرتبط باللجنة المركزية للحزب وحسين الشبيبي عضو المكتب السياسي وسكرتير المنطقة الجنوبية بـ4 سنوات لنشاطه في قيادة حزب التحرر بدون ترخيص، اما عبد تمر عضو المكتب السياسي فقد برئ.
وبعد خيانة مالك سيف وتعاونه اللامحدود مع التحقيقات الجنائية وكشفه كل المعلومات والاسرار الحزبية عن قيادة الحزب، حيث كان مالك سيف المسؤول الحزبي الاول، بعد الخالد فهد، خارج السجن. وعلى اثرتلك الاعترافات اعيدت محاكمة فهد ورفاقه حازم وصارم، ففي 10 شباط 1949 احيلوا إلى محكمة عسكرية شبه ميدانية، ووجهت للثلاثة تهمة قيادة الحزب من داخل السجن، واصدرت حكمها عليهم بالاعدام شنقا حتى الموت.
ولم تترك سلطة العهد الملكي اية فرصة لتمييز الحكم او للاحتجاجات وسارعت لتنفيذ جريمتها النكراء بقادة الحزب الشيوعي بعد اربعة ايام من اصدار الحكم. واعدم الخالد فهد يوم 14 شباط في فسحة الكرخ (ساحة المتحف حاليا)، وفي اليوم التالي اعدم زكي بسيم (حازم) في باب الشرقي، والشهيد حسين ألشبيبي (صارم) في باب المعظم. وذكر الذين شاهدوه وهو يتقدم إلى خشبة الاعدام انه صعد اليها وهو ينشد من قصيدة الجواهري (اتعلم انت ام لا تعلم....) فقد كان مولعا بهذه القصيدة حتى انه قام بشرحها في سجن الكوت وضمن شرحها تأريخ الحركة الوطنية ولا يعلم احد اين مصيرها بعد. ولما استقر فوق الخشبة قال: (من الصدف الجميلة ان يدق لي عود المشنقة في نفس المكان الذي كنت اثير منه التظاهرات الوطنية)
تروي والدته حين زارته في زنزانة الاعدام انه راح يوصيها برباطة جأش عما يريد ان يقام له من فاتحة ومراسيم دفن وشرح لصورة المحاكمة
صاح الضابط المسؤول رجاء لاتتحدث هكذا انه محظور. اجابه حسين: اصدروا حكما آخر بالاعدام! وهكذا انتهت حياته من نضال بطولي إلى حكم بالاعدام وهوفي ريعان الشباب وعمره 32 عاما.
واستمرت مضايقات العهد الملكي ضد والده الشيخ محمد فمنعوه من ارتقاء المنبر لكنه ازداد تصلبا وراح يشنها حربا شعواء ضد حكومة العملاء من على منبره الذي كانت تحضره الآلاف من الجماهير النجفية مما ادى إلى اعتقاله عدة مرات رغم تقدمه بالسن واحيل إلى المحاكم اكثر من مرة، واصبح بيت الشيخ الخطيب هدفا، اعتادت عليه شرطة بهجت العطية في حملاتها التفتيشية. لقد حاربوا الشيخ بشتى الاساليب فمنعوه من السفر إلى الأهواز لأقامة مجالسه الحسينية وذلك من خلال التنسيق مع حكومة شاه ايران، وتعرض للاعتقالات خاصة بعد كل خطبة حسينية من منبره، ومنعوا الذين يدعونه إلى احتفالاتهم الحسينية او يعتقلون القائمين والمشرفين على هذه المنابر، وبث الاشاعات السخيفة والحاقدة. فقد راحوا يؤولون قوله (ياحسين) حين يذكر الحسين سيد الشهداء، انه يقصد بذلك إبنه حسين ورد على هذا السخف، بانه ارتقى المنبر الحسيني وهوابن الثلاث عشرة سنة، وسمى ابنه هذا حسينا حبا بالحسين وذكر الحسين وانه لفخور بان يكون ابنه هذا شهيدا...... وفقا لما كان يردد:
وان الالى بالطف من آل هاشم
تأسوا فسنوا للكرام التأسية

* المعلومات مؤرشفة من كتابات وروايات المرحوم الوالد علي الشبيبي (شقيق الشهيد)، ومؤلف المؤرخ الكبير المرحوم حنا بطاطو (العراق) وكذلك من مؤلف الاستاذ عزيز سباهي (عقود من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي). وسأكون شاكرا لكل من يمكنه الكتابة لي لأضافة او تصحيح اية معلومة.
(1)
هذه المعلومات من المرحوم جدي الشيخ محمد كان قد حدث بها والدي (أبنه) علي الشبيبي.
(2)
حنا بطاطو العراق، الجزء الثاني ص 152. لاحظ كذلك جدول رقم 9-1 لجنة فهد المركزية الاولى ص 150.
(3) حنا بطاطو
العراق الجزء الثاني، الحزب الشيوعي حنا بطاطو جدول رقم 9-3 ص 176 لجنة فهد المركزية الثانية وقد ذكر بطاطو اسم شقيق الشهيد حسين الاصغر محمد علي خطأ والصحيح هو شقيقه الاكبر علي الشبيبي وقد صحح ذلك في الجدول أ-2 ص406 الخاص باعضاء المؤتمر الاول للحزب الشيوعي
(4)
حنا بطاطو العراق - الجزء الثاني ص 176 جدول رقم 9-3
(5) عزيز سباهي
عقود من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي الجزء الاول ص 285
(6) نفس المصدر ال
سابق ص 276
(7) حنا بطاطو، الجزء الثاني ص (153-163)

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة