ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فولكلور عالمي .. المقارنة في الشعر الشعبي

ترجمة واعداد / عادل العامل

ترتبط دراسة الصورة الشعرية في المقارنة أو التشبيه، وتشكيلها، وطبيعتها، وإبداعها، ثم آلية إنشائها وعملها بوجه عام، على نحو وثيق بتحليل الشعر كله، وهي تساعدنا على دراسة "تشريح" الشعر. وهذا يعني انها، كما يقول الكاتب الالباني فاتوس ارابي في مقاله هذا، تساعدنا على تحليل وفهم العالم الروحي للناس الذين يبدعون القصيدة.
ولو اخذنا نماذج من الشعر الريفي لوجدنا ان تشبيهات الشاعر هنا مستمدة من الطبيعة المحيطة به ومن الموجودات الفلاحية التي يعايشها يومياً. فاذا اراد ان يشبه شخصاً ما أو يقارنه بشيء أو بحالة من الحالات، فانه يستخدم احد هذه الموجودات الريفية، ولا يذهب بعيداً إلى احوال المدينة الغريبة عليه وعلى تكوينه الفكري والسايكولوجي.
ولهذا نجد الشاعر الشعبي لا يتردد أو يتحرج في ان يصف شخصاً ما على سبيل المديح بانه:
(مختار بين القلة مثل كبش الجرس.)
والفلاحون، وبوجه خاص الرعاة، يعرفون جيداً ما هو كبش الجرس، الذي هو في العادة قائد القطيع. وهكذا تكتسب المقارنة البسيطة باحد اكثر الاشياء عاديةً في الحياة الفلاحية وزناً عاطفياً أو اعتبارياً محدداً.
وعندما يريد ان يقارن أو يشبه فتاةً صغيرة معينة تترك في نفسه اثراً كبيراً كما يبدو، فانه يقول ومن دون ادوات تشبيه:
(كانت شجرة التفاح صغيرة جداً،
لكن ظلها كان كبيراً جداً...)
فالتفاحة هنا مقارنة بظلها، وهذا بدوره يفيد في مقارنة اخرى في نفس الشاعر.
فهنا تنبثق الصورة الشعرية من علاقة التفاحة بظلها، لكن تفاحة صغيرة لها بالطبع ظل صغير، عدا ما يحدث عندما تشرق الشمس أو عندما تطول الظلال في المساء. وهذه هي الرابطة، التي تقوم عليها المقارنة. وهذا لا يفوت عين الشاعر الشعبي، بل على العكس، فبفضل هذه الملاحظة القوية اقدمت فكرته على القيام يقفزة اخرى، فبهذه المقارنة خلق تباين: صغير جداً - طويل جداً.
ولنقرأ ايضاً:
(لقد تحمله قلبي تحملاً
كما يتحمل الجبل الثلج.)
هنا، ايضاً، تنبثق المقارنة من تشبيه القلب بالجبل. والقلب يشخص الانسان. وهو يرمز للشاعر نفسه. فالبيت (لقد تحمله تحملاً كما يتحمل الجبل الثلج) موجه له. وتكتسب الصورة الشعرية في المقارنة هنا وزناً عاطفياً من خلال تكرار: تحمله.. تحمل.. ومن دونه سيكون البيت متقلقلاً، مسهباً بالأحرى.
(الفتاة النحيلة كمدك بندقية
والعريس رخو ككرش
ان فتاتنا غاية في الروعة
والعريس كجدي ابيض.)
في هذا المقطع ثلاثة اشطر هي مقارنات:
الفتاة النحيلة كمدك بندقية، العريس ناعم وطيع. فقط شطر (فتاتنا غاية في الروعة) وحده الذي لا يرتبط بأية صورة. ولذلك، فالقصيدة بكاملها من نقطة استشراف بنائها قد اقيمت على المقارنة كصورة شعرية، والشطر الثالث يقوم بمهمة الربط بين الاشطر الاخرى. وسنرى ادناه كيف سينجز شطر مبني على المقارنة تلك الوظيفة في بيت من الشعر أو قصيدة كاملة، أي انه سيقوم بمهمة الايصال لربط اجزاء القصيدة.
هنا لدينا مقارنتان: الفتاة نحيلة وثابتة كمدك بندقية، العريس رخو ككرش.. لكن بين هاتين المقارنتين صورة شعرية اخرى تتحقق، وهي الخاصة بالتطابق، لان المقارنة هنا، في الحقيقة، تقوم بوظيفة علاقة الفتاة - العريس.
وهكذا، نرى في هذه الامثلة البسيطة كيف ان الشاعر المجهول قد احاط في صورة المقارنة بكل شيء، من الجبل، التفاحة، الظل، الكبش، إلى مدك البندقية. فليس هناك حد لخبرة الشعر الشعبي. فلا تحتاج الأشياء والظواهر إلا لأن توجد وتعرف كي تقوم بمهمة بناء صورة المقارنة الشعرية.


من فن الموال والمواليا

زياد مسعود
تجمع اللغة العامية الدارجة بين مجموعة من الفنون الشعرية رغم أن لكلِ واحدٍ من الفنون اسمه الخاص مثل الدوبيت والكان وكان، والزجل وغيرها، لكن بعض الدارسين لا يفرقون بين فنٍ وآخر فمن فنون الشعر/ المواليا وهو غير الموال ومن المواليا ما انشده ابراهيم بن يحيى الكلبي المتوفي سنة 1129م حيث قال:
ظفرتُ ليلةً بليلى ظفرةَ المجنونِ
وقلتُ وافى لحظي طالع ميمونْ
تبسمتْ فأضاء اللؤلؤ المكنونْ
صار الدجى كالضحى فاستيقظ الواشونْ
ويقرأ هذا المقطع الشعري من المواليا حسب نغم المقام الذي يغنيه المؤدي لكن الموال الذي نظّمه الحاج زاير الدويج وغيره من موالات لا علاقة له بفن المواليا قال الحاج زاير:
تميت احوم اعله شوفك بس اروحن ورد
وابغي وصالك وأروم من المراشف ورد
محتوم شوفك علينه بالفروض وورد
من حيثِ بسمك تتم فروضنه والدعا
ورضوان حسن الحواري ابوجنتك والدّعا
والورد قدّم لوايح واشتكى وادّعا
وايكول انته الورد واشلون تشتم ورد


من المحرر .. بين الشعر والموسيقا
 

باسم عبد الحميد حمودي

اعتاد بعض الدارسين تسمية الشعر الشعبي بالشعر العامي باعتباره منطلقا من عامية المفردة، ويعتمد الشعر-بكل انواعه- على الموسيقا اساساً فلا غنى للشعر عنها وبذلك يتم هذا التبادل والتوازي بين الكلمة والنغم، ومواد هذه الصفحة لهذا الاسبوع تتكفل باضاءة جوانب من هذا التلاقي بين النغمة والطقس الشعري في تحولاته بين الشعبي والفصيح وبين دلالاته كشعر وطقسه الديني الاجتماعي في بحث اخر مع تنوع الصورة الشعرية ومقاصدها اضافة الى تنوع الاوزان الموسيقية والمقامات والاطوار والبابات وكل الوان النغم الموسيقي وتسمياتها في كل ارض ومكان. واذا كان الشعر ذخيرة لغوية هائلة الكم منذ أن بدأ الانسان يقرزم الشعر فان ارتباطه بالموسيقا قد جعله فناً ادبياً للذائقة الانسانية المتلقية التي اهتمت به ورددته جيلاً بعد جيل لقدرة الكلمة المموسقة على دخول ثنايا الروح واغتنام الشعراء هذه القدرة الهائلة للشعر في التعبير عن ابداعاتهم وتسخير الشعر لشتى اغراض الحياة بكل تناقضاتها ولحظاتها التاريخية، من هنا كانت كفاءة الشعر باتكائه على الموسيقا ومن هنا كان لموسيقا الاغنية والانشودة والتهليلة دورها في شحذ امكانات المشاعر البشرية للغاية التي تسعى اليها.


التبادل بين الشعر العامي والفصيح .. زهيريات..عبد الكريم كاصد نموذجا

حسين عبد اللطيف

تبادل شعرنا- المكتوب بالفصحى والمكتوب بالدارجة- على حد سواء، العبور او التنافذ فيما بينهما من خلال التعالق والتناص والاقتباس والتضمين على مستوى المفردة والمعنى.. ويذكر لنا الشاعر الشعبي العراقي عبد الكريم العلاف في كتابه (الطرب عند العرب) بعض الامثلة التي توقفنا على ما اصابه شعر العامية في معانيه من شعر القريض وبالعكس. ويورد لذلك مثلاً في (الدارمي الذي يقول:
رضرض جميع اعضاي امرخص عليهه
بس لا تدش بالروح جيف انته بيهه
الذي اقتبس معناه من (مجير الدين بن تميم) في قوله:
يا محرقاً بالنار وجه محبه
مهلاً فان مدامعي تطفيه
احرق بها جسدي وكل جوارحي
واحذر على قلبي لانك فيه
والذي يعود اليه ثانية، ولكن هذه المرة، بصيغة (الابوذية):
يهل ساكن مهجتي وانت بيها
المحاسن سلمتلك وانت بيها
لا تحرك جبدتي وانت بيها
اخاف من اللهب اتجيك أذية
وكما نرى فان طريقة تضمين المعنى من الابيات الفصيحة في الابوذية ينبغي ان يتم عبر بيتيها الثالث والرابع حسب التقليد المتبع.
وكذلك فان الدارمي القائل:
يا ولفي ما انساكيش لمكركع الخام
بالكبر لو مريت اتحرك عظام
ما هو الا اهتدام او مجاراة لقول (توبة بن الحمير) صاحب ليلى الاخيلية الذي يقول:
ولو ان ليلى الاخيلية سلمت
عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة اورقا
اليها صدى من داخل القبر صائح
أما الدارمي الذي من نظم العلاف:
الارض كلها ارواح خفف مشيتك
حتى على الميتين عمت أذيتك
فهو
بلا شك- مقتبس من قول (المعري):
خفف الوطء ما أظن أديم الارض الا من هذه الاجساد
او من بيت (للخيام) بهذا المعنى.
ولكن ما يصلح لان يكون جسراً لمثل هذا التبادل والعبور
بين الشعرين الفصيح والعامي- حقاً- هو الضرب المسمى بـ(الملّمَع) أحد ضروب الشعر (الشعبي) وانماطه- الذي يضمن في الصدر او العجز شطراً من الفصيح- بلفظه ومعناه دون اي تحوير ليرد عليه بشطر من العامي، ومثاله:
(غادة كالبدر تزهو) جاعدة بسد الحنية
(فرنا قلبي اليها) لنها وحدة ابربصية
وفي هذا
كما يتبين- تهجين واضح للخطاب اللغوي وتعاشق بين الفصحى (لغة) والعامية (لهجة) وتداخلهما في التركيب.
اما حين نعود الى شعرنا العراقي الحديث فسنجد ان سعدي يوسف يشير الى بعض الاغاني التي يضمنها بلهجتها الدارجة مثل: (يا بصرة لا تبجين) ((للناصرية)) ((يلي ملكت الروح)) او يعمد الى الابوذية البصرية المشهورة:
أريد اشرد من البصرة ولا عود
كمنجة ما تسليني ولا عود
جكارة ما بقت عندي ولاعود
وفلسين التتن حسرة عليه
مضمناً مطلعها فقط في قصيدته (موطني).. لكنه في احدى قصائده عن سجنه في السيبة نراه يصوغ بعض الابيات على غرار الزهيري او الموال بالفصحى..
أما حين نعود للسياب فاننا سنجد للاسطوانة والحاكي والتسجيل ونقر الدرابك واللحون والغناء (غناء ام كلثوم وسلمى وبول روبسن والجاز، وغير ذلك من مرددات شعبية مثل مرددة قصيدته (انشودة المطر): اصيح بالخليج او (الدللول) في منزل الاقنان او اغنية اطفال البصرة في المطر (يا مطراً يا حلبي عبر بنات الجلبي) او مرددة (مرثية جيكور) الشيخ اسم الله التي يمزج فيها اغنيتين شعبيتين بعد تحويرهما ليغنيهما الكورس:
شيخ اسم الله.. ترللا
قد شاب ترلّ ترلّ ترار.. وما هلا
ترلل. العيد ترللا
ترللا، عرّس (حمادي)،
زغردن ترّل ترلّلا
الثوب من الريز.. ترلّلا
والنقش صناعة بغداد
ومثل ذلك تضمينه لأغنية (اسليمة اوف يسليمه) في قصيدته (المومس العمياء):
وتلوب أغنية قديمة
في نفسها وصدىً يوشوش: يا سليمة يا سليمة
نامت عيون الناس فمن لقلبي كي ينيمه؟
او إشاراته الى اغنية (يا حادي العيس) في قصيدته ام البروم او الى اغنية حضيري ابي عزيز (سلَّم علي بطرف عينه.. وحاجبه) في قصيدته (هرم المغني).
ثم استعماله لكلمة (خطيّة) واما (طابا) اي اما ابل من مرضه العاميتين في بعض من قصائده.. وهو يلحظ- حين يكتب عن الاغنية الشعبية العراقية في احد بحوثه- الشبه او الصلة بين القصيدة السومرية او البابلية و(الابوذية) من ناحية تكرار بعض الابيات في القصيدة او دورانها في الابوذية في مفردتها الجناسية وتأثر هذه بتلك.
لقد حاول السياب في كل ما قدمه او ضمنه من اغان ومرددات شعبية بالدارجة ان يحوره ويعيد صياغته بالفصحى.. لقد بذل جهداً مضنياً
كما يقول- وهو يعالج بيتي الدارمي:
نجمة صبح يهواي واسكط على غطاك
وبحجة البردان اتلفف وياك
ليرفعهما إلى الفصحى او يحول وزنها الى الكامل ليدخلهما في قصيدته (ليلة في باريس) على هذا النحو بعد صوغ مناسب ليحافظ على الاصل ما يستطيع:-
توت ودفلى والنخيل بطلعه عبق الهواء
وهو الاصيل وتلك دجلة
والنواتي الخفاق يرددون:
"يا ليتني نجم الصباح
آه لاسقط يا حبيبي على الغطاء
اعتل بالبرد، ارتجفت فلفني، برد الهواء
ومثل هذه التضمينات والتلميحات نجدها عند علي جعفر العلاق ايضاً وعند علي الامارة في صوغه للابوذية والموال بالفصحى.. اما عبد الرحمن طهمازي فقد ضمن في قصيدته (ايقاع على السليقة) من مجموعته الاولى (ذكرى الحاضر) زهيرياً كاملاً من الحاج زاير دويج النجفي:
يا صاح عودي ذبل وبكل دوه ما يصح
والدمع سال اوجره من ناظري ما يصح
والنيب مثلي ابحنينه لو صحت.. ما يصح
من حيث مضروب ما بين الجوانج تبن
ومعالج الروح سري لم اموتن تبن
لا تنهضم على السبع لو جان علفه تبن
اليوم حتى التبن علف السبع ما يصح
إلا اننا حين نقرأ آخر المجموعات الشعرية التي صدرت في العام المنصرم 2005 تحت عنوان (زهيرات) للشاعر عبد الكريم كاصد نقرأ (36) زهيرياً او موالاً. (26) منها من السباعي او النعماني و(10) من الرباعي
اما الخماسي فلم يطرقه الشاعر- و(4) مقطوعات من ضرب (الميمر) و(5) من الدارمي مع أبوذية واحدة فقط.
إضافة الى ذلك فقد تضمنت المجموعة قصيدة طويلة من شعر الشطرين بعنوان (كلاسيك) واربع (أغان) قصيرة على نهج الشعر الحر- جاءت بعض كلماتها بالعامية- وعلى خاتمة بيت واحد فقط لسنا بصدد الكلام عنها الآن.
وكما يبدو فأن الشاعر الذي عرفناه سابقاً في الحقائب-1975 والنقر على ابواب الطفولة -1978 والشاهدة-1981 ووردة البيكاجي-1983 ونزهة الالام-1990 وسراباد-1997 ودقات لا يبلغها الضوء- 1998 وقفانبك- عام 2002 بشفافيته وغنائيته الرائقة ومشهده اليومي الواقعي المدعم بالتفاصيل والحافل بالاطفال والطيور والمجانين والسحر والمسحورين من الف ليلة وليلة بنسيمها الشرقي واجوائها الخضر، وبشخصيات التاريخ ووقائعه المؤسسية وبالسخرية او روح المرح التي تجبرك على الابتسام في: هدية الى الحطيئة، الملك والحذاء، الحصان..
في قصيدة لا تتنكب طرائق التجريد او يثقلها محمول فكري باهظ يقترب من الدرس الفلسفي- على الرغم من دراسة الشاعر للفلسفة وتخرجه فيها- بل ان الاوليات فيها للفكرة او الموضوع تؤديه بتناسب واتقان ينم عن المهارة وبنظر واقعي موضوعي.
وبحسب الشاعر فان كل ما يقع تحت البصر هو جدير بالملاحظة ويصلح ان يصاغ شعراً او يحول الى قصيدة ومن هنا غزارة انتاجه..
وهو بهذه الاعتبارات منفردة او مجتمعة يؤمن تداوليته ويؤسس مفهوماته وبهذه اللمعة من الضوء والنقر على ابواب الطفولة يبني شعره..
ويقترب عبد الكريم كاصد من سعدي يوسف في تجاورهما وفي مسارهما الانساني والابداعي ونزوعهما الغنائي الوجداني ونظرهما الواقعي وصدورهما عن معتقد
ايدلوجيا- وبيئة ومعيش واحد عراقي الشجى والشجن، الشعر والحياة والاسفار انتهبت روح الاثنين.
واذا كان سعدي يوسف ينّث ندى ونخلا وسياسة، فان عبد الكريم كاصد يشّع خضرة وسوسنا والفة.
وحتماً فان الشاعر نفسه ليس هو نفسه دائماً وصورته التي يظهر بها على صقال المرآة ليست هي نفسها كل مرة، فهو، هنا، في ((زهيريات)) يقدم تجريباً او طرقاً جديداً يخص الاساليب او القوالب والاشكال وتفصيحها.. وهي تجربة تشبه (كران البور) في مسيرة حسب الشيخ جعفر الشعرية، من جانب...
ومع ان الشاعر هنا يبتكر وينشئ محتواه الا انه يحايث الشاعر الشعبي في عاداته اللسانية وفي استعارة أطره ومجاراة موضوعته في ذم الدهر ورفعه للأردياء ممن لا يستحقون الرفعة في النظم الصلب ذي الطابع ((الرجولي) في الزهيري او في الابوذية التي تصرخ بالشكوى والالم وتفيض بالاسى والندم من عثرة الحظ والغربة والمنافي وتقلب الزمن والناس والاهل والاصحاب:
لما رأيت نهاري باح لي ما يسر
اوقفت شمي بليل حائر لم يسر
من قلة الناس عاشرت الذي لم يسر
من صاحب مال او من صاحب لم يمل
ظلي الذي مال بي عن شمسهم لم يمل
ملت مناف واخرى مثلها لم تمل
لا صاحب سرني فيها ولا من يسر
وهكذا في بقية (زهيرياته) وبالاخص ما جاء منها في الصفحات (19،10،7).. الخ. ونراه في نموذجه الوحيد من ((الابوذية)) يقول:
أعزي النفس في موتي انا الحي
ذلولي هاجرت عمداً من الحي
يقول الناس في عتب: الا حي
ولا يدرون أكثرهم أذيّة
ويقول في دارمياته الخمسة:
يا من يدير الكأس هل خمرتي دم؟
أصبحت أحني الرأس من كثرة الهم
أو هو ينتهي الى القول في ضرب (الميمر):
أبصرت يوماً في طريقي صخره
تعدو كما تعدو خيول عشره
الارض جيش والسماء غبره
فليهنأ المنفى بذئب أغبر
عالميمر وعالميمر وعالميمر
وجهد الشاعر في نظم الزهيري او الابوذية هو في عثوره او وقوعه على مفردة ذات جناس تام او منقوص ولكنها بمعان متعددة في الوقت نفسه تصل الى الثلاثة او الاربعة عند أقصى عد، ففي المثال من الشاعر في الزهيري السباعي الذي طالعناه آنفاً نراه قد وظف كلمة ((يسر)) اربع مرات بمعنى (الكتمان أي السر والسير أي المشي والسرور واليسر ضد العسر).. على التوالي.. واحتاج الى هذا العدد من المعاني لانه وظف المفردة الجناسية في الأبيات الثلاثة من هذا الزهيري ثم وظفها في بيت الختام السابع اما لو كان قد استعملها في الابيات الثلاثة اللاحقة للأبيات الثلاثة الاولى فانه سيحتاج الى ثلاثة معانٍ فقط فهكذا الحال في وقوع المفردة ضمن الابيات الثلاثة الثانية، ومثل هذا يصح على النمط (الرباعي) أيضاً على استناد من ابياته الثلاثة المذكورة هي ابيات ثانية لاحقة او افتراضية وفي هذا ما يشبه (الابوذية) ايضاً لأن القاعدة فيها ان تنتهي بخاتمة ليست من جنس المفردة الموظفة بترديد ثلاثي في ابياته وانما يجب ان تأتي على زنة (أذية) او اي كلمة من هذا القبيل.. اي بياء مشددة وهاء مهملة دوماً.. والميمر يماثل الابوذية من هذا الجانب ولكن بأبيات ثلاثة حرة القافية او متنوعتها اي انه لا يحتاج الى كلمة جناسية بمعان متعددة قياساً الى الزهيري او الابوذية وانما فقط ان يلتزم بيته الرابع بكلمة ذات روي ثابت هو الراء الساكن على زنة (أخضر، أغبر، قسور).. الخ لتوافق مع (عالميمر) بترديدها الثلاثي الذي يرد به على البيت الرابع وكانه صدى صوتي له.
أما الدارمي فهو بيتان من الشعر بصدر وعجز- اذا عكسا في القراءة تحولا الى ضرب آخر هو السويحلي- يجريان على منوال الدوبيت في الشعر الفصيح اي انه بلا حاجة الى مفردة جناسية واحدة في قافيته لانه حر التقفية.
أما أوزان هذه القوالب فهي تجري على البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن) في الزهيري وعلى الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) في الابوذية وعلى مستفعلن فاعلاتن او مستفعلن فاعلاتان
مثل فن القوما- كما في الدارمي اما الميمر فيأتي ممتطياً حمار الشعراء: مستفعلن مستفعلن مستفعلن اي رجزاً..
ان الشاعر الذي فصح هذه القوالب واخضعها للتطويع وجعلها قيد الاستعمال، فد أدى تمريناً وعرض مهارة.. وفي هذا كفايته.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة