المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من اوراق اسبوع (المدى) الرابع .. بعض وقائع المشهد الثقافي في العمارة

د.صادق ناصر الصكر

ان الكتابة عن الواقع الثقافي في المدن التي ألقت بها الفاشية في وهدة النسيان، تستلزم نوعاً من الرؤى الجديدة التي تمتاز بحيويتها وطراوتها وهي تتمحور حول ما يحدث، الآن، في تلك المدن بدلاً من محاولة مفهمة الأوضاع الثقافية عبر الاكتفاء بأعادة انتاج المسرودات التي تقوم بتحبيك الفضائح الفاشية حسب مقاسات الضعف في تلك المفاهيم أو القيام بمفصلة التحولات الثقافية مع القصة الكريهة التي تتحدث عن عبور اليانكي نصف العالم لتحرير الجماعات البشرية القابعة في عتمة النسيان والدفع بها الى فضاء الأنعتاق.
ولكي نكتب بوضوح عن المشهد الثقافي الخاص بالمدن المذكورة، يجب ان نتخلص من الوقع السحري لأدبيات التحريض ذات المنحى الطفولي والتي تحمل وسم المناطقي أو الطائفي او الأثني في انتاجها لترسيمات الكشف الثقافي. بناءً على ما تقدم، ولأن الممارسة الثقافية هي أنفتاح لا نهاية له، وبلا ضفاف، على الواقع الموضوعي، فأن الحديث عن الوضع الثقافي في العمارة، اشد مدن العراق أيغالاً في غيابها القهري عن خريطةالحداثة العائدة للذاكرة العالمية، يتطلب الحديث ضرباً من الاستطراد في وصف العقبات الأساسية التي تقف بين الثقافة في العمارة وبين أحلامها القديمة في أن ترى النور في قلب الحياة بدلاً من البقاء في الهامش.

 

وقبل ان نقوم بعرض متن البانوراما الخاصة بالمشهد الثقافي المليء بالتصدعات والفراغات الناجمة عن الصراع الشرس، المعلن أو المتخفي، مع أستتباعات الحضور داخل نسيج اجتماعي مكفهر، فأننا نود ان نضع الملاحظات التالية على هامش ذلك المتن:
1-لا توجد في العمارة دار واحد للعرض السينمائي (قبل احتلال العراق كانت توجد ثلاث دور عرض هي: النصر وبابل والعراق، تم أغلاق واحدة في زمن النظام السابق وتم تحويل الأثنتين المتبقيتين الى معمل للنجارة ومبنى لمجموعة من المنظمات غير الحكومية، بعد أنهيار ذلك النظام).
2-لا تصدر في المدينة صحيفة يومية لأفتقار العمارة الى المطابع او دور النشر.
3-ليس ثمة قاعة واحدة للعرض المسرحي.
4-لا توجد بناية لأتحاد الأدباء والكتاب في المدينة وكذا هو الحال بالنسبة للمنظمات الثقافية الأخرى.
5-تفتقر المدينة لناد أجتماعي أو حتى كافتريا أو مقهى محترم للمثقفين ولذلك فأن التواصل مع مثقفي المدينة يتطلب بحثاً مضنياً عنهم في مجموعة من المقاهي الرديئة التي ترتادها فئات وشرائح اجتماعية تتضاحك على حوارات المثقفين!!.
لنقل، أذن، أن الواقع الثقافي في العمارة، من الناحية المؤسساتية، هو في درجة الصفر (ما ذكر أعلاه، بالكامل تقريباً، مخلفات فاشية، وقد تتشابه الأمور، الآن، حتى مع العاصمة ولكنني اتحدث عن أضاع موروثة سبقت احتلال العراق وبقيت، كما هي، بعد ثلاث سنوات من التغير). وبعد أن قمنا بتأطير المشهد المشفوع بملاحظات الهامش .
وحان الوقت للأجابة على السؤال الكبير في تقرير العمارة الثقافي: الى اين وصلت الثقافة في هذه المدينة بعد كل هذا الخراب!!.
بطبيعة الحال، ولأن ثقافة الأزمنة الموحلة لا تحتمل الحكايات المبتورة، فأننا لن نقوم بعزف الترنيمة المملة عن أسماء لامعة في الثقافة العراقية كانت المدينة قد أزدانت بحضورها الجميل في وقت مبكر من أعمارها الثقافية قبل ان تغادر الى بغداد بحثا عن فرصٍ مشروعة للحضور الثقافي..لن نأتي بجديد، قدر تعلق الأمر بتقريرنا، أذا ما تحدثنا عن العمارة التي انجبت، حسب ظروف المصادفة الجغرافية، مالك المطلبي وغازي العبادي وحسب الشيخ جعفر وحنون مجيد وجمعة اللامي وجاسم الهاشمي وعبد الرزاق المطلبي وعيسى حسن الياسري ونجم والي وسلام عبود، في القصة والشعر والنقد، و شوكت الربيعي وماهود احمد وصبيح عبود وصبيح كلش ومحمد الهاشمي واحمد البياتي وفاضل سوداني وفاضل خليل في التشكيل والمسرح، لأن المهم هو عرض الراهن الثقافي بدلاًُ من أستدماج الببلوغرافيا، الابداعية او الشخصية، العائدة لسلالات من المبدعين الذين غادروا المدينة منذ زمن بدد، لطوله ، حلم التعلق بهم بوصفهم اسلافاً لمثقفي المدينة.
ولغرض وضع النقاط على الحروف، ولتجنب هدر المزيد من الوقت في ملاحقة الفتوحات الزائفة للكثير من الطارئين على العمل الثقافي تحت مسميات شتى، لا سيما تلك التي عثرت على ضالتها في خلط الاوراق العالق بالحضور الانفجاري لمنظمات المجتمع المدني في العمارة، فأن المشاريع الثقافية، بوصفها أنتاجاً للنصوص أو رعاية حقيقية وصادقة لذلك الانتاج، تكاد تنحصر في صناعتها للوضع الثقافي في الجهات التالية:
1-اتحاد الأدباء والكتاب في ميسان
2-مشغل عين الأبداعي
3-رابطة البديل الثقافي
4-المجلس العراقي للسلم والتضامن/ فرع ميسان
5-مركز الأمام الصادق (ع)
6-مؤسسة الهدى للدراسات الأستراتيجية
7-رابطة حوار الثقافية
وعلى الرغم من أن اتحاد الأدباء والكتاب في العمارة هو البيت الكبير الذي خرج من معطفه معظم الناشطين في المنظمات السبع ألا أن السياسة الثقافية لكل منظمة وأساليبها في برمجة أشتغالاتها الإبداعية كانت عاملاً أساسياً في أضفاء سمات التنوع على الوضع الثقافي في العمارة. وأذا كانت الأزمنة الموحلة قد أستنبتت نوعاً من الاحساس بالوحدانية الثقافية الموحشة لدى هذه المنظمات المناوئة للشموليات القروسطية الرعناء ألا أن ما يجمعها هو ايمان اعضائها بأن تلك الوحدانية، كما يعبر أحدهم "أفضل من تحمل الأمور على علاتها رغبة في مسايرة الجموع".
فأتحاد الادباء والكتاب، انموذجاً، وبرعاية رئيسه الشاعر والمناضل العراقي جمال الهاشمي، كان في صراع يومي مرير مع عقبات كارثية للمحافظة على انتظام اقامة ندواته الاسبوعية في امكنة شتى توزعت بين قاعات المؤسسات والدوائر الحكومية والغرف الداخلية للمقاهي لأفساح المجال امام مبدعي المدينة لقراءة أعمالهم والأحتفاء بصدور المطبوعات الجديدة أو لتقديم مقارباتهم الثقافية.
ان العمارة، وتلك هي المفارقة في المدن المنسية والمرعوبة من الصعود المروع للأنساق الثقافية ، لم تتوقف يوماً عن تغذية صحف ومجلات الأمور الثقافية، سواءًَ في العمارة أو في سواها، لتجميل الأمور حسب موجهات مناطقية بغيضة تسيرها الايديولوجية بدلاً من المسؤولية الابداعية، ألا أن ذلك لا يعني أن الأدب في العمارة قد فقد بريقه أو أنه قد أستنفد قواه.
حتى هذه اللحظة، وبغض النظر عن أشكاليات التجييل وأنواع الكتابة ومواقعية الشعر في المشهدية الثقافية والمواقف المتضادة من أنماط التدوين الشعري وطبيعة كشوفاته، وعلى الرغم من محاولات استدراج الشاعر للأنخراط في صراعات الديكة حيث التقرير والمباشرة وأجتياح جيوش من الموهومين الفضاء الشعري.. فأن الشعر، بمرموزاته العابقة برائحة الحياة ومراجعاته المستمرة لأدواته في التوصيل، كان محوراً دلالياً شغالاً في الثقافة المعادية للتجهيل عبر حضوره المتوهج في هموم الكتابة لدى عدد مهم من منتجي النص الشعري الأكثر طراوة وتوقداً في العمارة وفي المقدمة منهم شعراء حقيقيون تحملوا الكثير من الاعباء في سنوات القحط لأصدار اعمالهم أمثال ماجد الحسن ونصير الشيخ وجمال جاسم امين وعلي سعدون وحسن السلمان وغيرهم، فبعد أن أطلق محمد الحمراني روايته الأولى "انفي يطلق الفراشات" عن دار الواح في مدريد وروايته الثانية "الهروب الى اليابسة" عن دار الشؤون الثقافية العامة، وبعد أن تمكن سلام نوري من اصدار روايته الثانية "الناووس" عن دار النشر ذاتها، ها هي قصص سالم حميد ولطفي العبيدي واحمد صبري وحسن الياسري تتراصف مع الدراسات النقدية لمحمد قاسم الياسري وسمير الشيخ وحسن الكعبي، والمنشورة في أهم المطبوعات العراقية، لأعادة الحياة الى ثقافة المدينة المأزومة بهواجسها عن أمكانية الوفاء بالتزامات المثاقفة الحقيقية (فيما يتعلق بالقص، وكما يعلم الجميع، فإن مسرودات الداخل العراقي، عموماً، ما زالت تكابد أزماتها الموروثة في تحديث الكتابة وصعوبة استدخالها التكنيك الأكثر حداثة في ملفوظاتها اضافة الى الألتباسات الناجمة عن طرائقها في الأنفتاح على متغيرات السرد ما بعد الحداثي دون التفريط بالمحلية.. وعلى المرء أن يقرأ مدونات أدباء العمارة بهذه الرؤية الشمولية كي لا نتهم بأننا نمنح كتاب المدينة امتيازات لا يستحقونها).
أن الحراك الثقافي في مدينة العمارة، وهو حراك شاق تتلاعب به أقدار الأزمنة الموحلة، هو الذي يقف وراء فوز احد ادباء المدينة بالجائزة الاولى في أهم مسابقتين أدبيتين عراقيتين في العام 2005م، وهما جائزة عزيز السيد جاسم السنوية للأبداع والملتقى الثقافي العراقي الأول، وهو الذي حرض
أي ذلك الحراك- مجموعة من المبدعين في رابطة البديل الثقافي على اصدار مجلتهم:" البديل الثقافي "والتي نوه برصانتها أكثر من مطبوع عراقي، كما إننا نامل أن لا تكون الخطوة الرائعة لأتحاد الأدباء والكتاب في العمارة في الأعلان عن تأسيس نادي السينما لعرض الأفلام السينمائية المرموقة في قاعة صغيرة، تعود لأحدى منظمات المجتمع المدني، كمحاولة متواضعة، ولكنها كبيرة في مقصدياتها الحضارية، لأصلاح الضرر الثقافي الناجم عن الغياب المحزن لدور العرض في العمارة، الخطوة الخاتمة في أعادة توطين الثقافة السينمائية داخل المشهد الثقافي للمدينة، مثلما أننا نتوقع ان تكون الندوات نصف الشهرية لرابطة حوار الثقافية أو الملتقى الثاني في آيار القادم، خطوات أخرى لحقن ثقافة المدينة بالمزيد من جرعات الأمل الذي لم يكتب لنا، كما يقول فالتر بنجامين في عبارة نقية، ألا بفضل أولئك الذين بلا أمل .
وأذا كانت العمارة بلا مسرح فأن ذلك لا يعني أن غياب تقانات المسرح وفي مقدمتها ذلك البناء العتيد اي قاعة العرض بمواصفاتها المتعارف عليها في كل مكان، سيكون هو الشماعة التي سنعلق عليها نكوص وتراجع الحركة المسرحية في المدينة (مع أقرارنا باهمية وجود قاعة العرض في انعاش العمل المسرحي)، امام الجمهور حتى لو جاء هذا العرض بحمولات ثقيلة من الترميز وبمساحات واسعة من أمكانيات التأويل (هذا أذا لم نقل أن الغموض نفسه قد يكون باعثاً على التشكك والأرتياب المضاعف بنوايا المسرحيين كما تشهد على ذلك، وتلك قصة أخرى، ومع أننا نستطيع أن نقول، مع شيء من التردد، ان ثمة طاقات مسرحية مقبولة في المدينة ولكن مشكلة تلك التي اصطلحنا عليها بالطاقات انها تفكر وتعمل وكأنها بلا تاريخ من التقاليد المسرحية العريقة التي لا غنى للعمل المسرحي الناضج عنها، وقد حدث ذلك كنتيجة لجملة من الأسباب منها ان العمارة هي واحدة من المدن العراقية التي لم تتمكن، حتى الآن، من أنجاب كفاءات عالية سواءً على صعيد التأليف أو الإخراج المسرحي ولذلك فقد بقيت المسرحيات المعروضة في المدينة محصورة في حدود الحدوتات الممسرحة التي عادة ما تقدم في امكنة قد تصلح لأي شيء سواء كونها فضاءات للعرض المسرحي، قد أنتزعت، لفرط قسوتها، ومع مرور الوقت، من المسرحيين قلق الأبداع ومبادرات المغايرة لأن الغالبية العظمى من أولئك المسرحيين هم من صغار المثقفين الذين أعتادوا على العمل وفقاً لأساليب ورؤى التجارب المدرسية التقليدية بدلاً من الأشتباك مع الدرس الكبير للمسرح بوصفه تعرية للجهل وأرتقاءً بالذائقة وكشفاً للعالم وهوساً أبداعياً ورسالة ثقافية لا تقوم لها قائمة أذا لم تتظافر فيها الموهبة والقدح والمران مع ما يدعوه ماركيز القراءة بلا رحمة.
هذه هي الخطوط العريضة، مع البعض من تنويعات التفاصيل، لتقريرنا عن الواقع الثقافي في مدينة العمارة، فأذا كان القص مع الأغفال، كما يخبرنا ماريو فارغوس يوسا، هو قدر كل الحكايات فأننا نأمل ألا نكون قد أغفلنا عن ذكر الكثير ونحن نكتب عن أوضاعنا الثقافية التي تكبدت العديد من الخسارات وهي تتوغل في عمق الأزمنة الموحلة، وأذا كان أنشيال هذه الاخيرة هو الحدث التاريخي المرتقب والحلم العتيق لأجيال من المبدعين في مدينتنا المغدورة، فأن النقاط المضيئة في هذا التقرير قد تصلح للحلم بواقع ثقافي جديد.


ثلاث قصائد

دينار السامرائي

خوف

تبوح الصبيّةُ بالحب
قبل الأوان
تبوح الصبية بالحب
في عثرات اللسان
وتبقى القصيدة
ما بين بين
تراود سيدها في الظلام
اتبقى القصيدةُ مثل الصبية
خائفةً ان تُلام؟؟

نيسان 2005

في آب

في آب اللهّابْ!!
أمرأةُ تتمرى في المرآة
في آب اللهّاب
امرأة تتعرى في المرآة
في آب اللهّاب
يتوقف سيرُ جميع
الطرقات
وتدوّي آلاف الطلقات
في آب اللهاب

آب 2005

نصيحة

سيدتي الفاختةْ
للسنة الثالثةْ
يسقط هذا العشْ
خوفاً على أنفاسكٍ
اللاهثة
.....
ما دام الموتُ على الابوابْ
إبني عشك في سردابْ

مايس 2006


رحيل الانسان الطيب .. عــونــي كـــرومـــــي من ترنيمة الكرسي الهزاز الى مسافر ليل
 

مرة اخرى تنقل لنا ابناء الغربة، رحيل مبدع عراقي وهذه المرة كان متن الخبر رحيل الدكتور عوني كرومي احد أبرز العلامات المهمة في المشهد المسرحي العراقي.. والذي تجلى عشقه لخشبة المسرح، في ان يختارها مشهداً لنهايته.. فقد لفظ انفاسه الاخيرة وهو منهمك في اداء فروض العطاء للمسرح الذي احب.
كان يؤمن بأن مشروعه الفني منفتح على اتجاهات عديدة سلكها من اجل ايصال رسالته الاخلاقية والفكرية للجمهور، على اعتبار ان هذا المشروع هو مسؤولية كبيرة حملها على عاتقه.
ونحاول هنا ان نفي بعض حق هذا المبدع الكبير من خلال الانطباعات والذكريات التي جاد بها بعض اصدقائه وزملائه ومجايليه.

المدى الثقافي

كان مهموماً بقضايا الوطن
د.عقيل مهدي يوسف
ما احوجنا اليوم إليك د.عوني المخرج العراقي المبدع عاش المسرح بطبقاته المتصاعدة الى ذرا جمالية مثقفة، تخرج في معهد الفنون واكمل دراسته في اكاديمية الفنون، والدكتوراه في المانيا حيث نهل هناك من مسرح برلين اينزامبل ومن عطاءات بريخت وسواه من كبار المخرجين العالميين في المانيا واوربا الغربية والشرقية منذ عرض (المسيح يعود من جديد) زرع المبدع عوني وعياً متقدماً. كان الفقيد مهموماً بقضايا الوطن، واذكر مقدار غبطته حين مثلت معه مع اساتذة فن المسرح العراقي: جعفر السعدي، يوسف العاني، خليل شوقي، سامي عبد الحميد، عبد المرسل الزيد، اثمار خضر، رائد محسن وسواهم من المبدعين في مسرحية الانسان الطيب كان الزميل عوني استاذاً طيباً، ومسرحياً مرموقاً خسارته اليوم لا تعوض،.

سلاما أستاذي النبيل عوني كرومي
د.عواطف نعيم
حين ألتقيتك أول مرة سحرتني ابتسامتك العذبة وروحك النقية، طفولتك البريئة التي لم تغادرك أبداً، وحين عملنا سوياً شدني اليك عشقك الصوفي للمسرح، فكأنك تتماهى مع من حولك على الخشبة تنظر للانسان بعين المحبة وتصر على أن المحبة أساس المبدع الفني، وتؤمن بأن لا قيمة للعالم اذا ما خسرت نفسك كان ديدنك أن تكون مليئاً بالمحبة عميقاً في الانجاز وتلك بصماتك الجليلة تؤشر وتشير الى قدرتك الابداعية ومخيلتك الخلاقة ونبلك الانساني المؤثر، ورغم كل الجراح وسنوات الغربة والحنين الى الوطن بقيت تسعى لكي يكون العراق عبر مثقفيه وفنانيه المتميزين حاضراً في المحافل الدولية والعربية، وكنت تسعد ويشع وجهك النبيل بالفرح وأنت ترى ألقا عراقياً يعلو خشبات المسرح من أرجاء مختلفة من صروح الفن في العالم. أستاذي وأخي فقدناك في زمن صعب وفوضى وطن وإضطراب نفوس، كنت تتوق للعودة الى أرضك وأهلك وناسك وتؤكد أن الخطوة الحقيقية لأي منجز إبداعي تكون صحيحة ومؤثرة حين تجيء في مكانها في خصوصيتها مثل نبتة تغرس جذورها في عمق تربتها.
كنت تتوهج بالفرح وتشع بالابداع، وحولك أصحابك وتلاميذك يحلمون معك ويجسدون بتوجيهك وخبرتك وتجليات الفن المسرحي ومهارات الاداء الدرامي، ليأتي بعدها التصفيق مدوياً، وتتلقفك الاحضان المحبة وتزفك بأكاليل الزهور وقبلات المباركة، ونحن حولك، صحبك، مريدوك، تلاميذك، فنانو بلدك نتباهى بل ونفخر بك، يا صديقي العراقي العاشق للعراق حد البكاء، المتصوف بالمسرح حد التماهي، هي الاوطان تجمعنا وتفرقنا، هي الاحزان تجرّحنا وتوجعنا لكنك معنا، في عمق قلوبنا المترعة بالأسى، في عمق أرواحنا المضرجة بالجراح تبقى رمزاً للعطاء والنبل والكبر على كل الصغائر سلاماً لك منا نحن الصابرين، الحالمين، المنتظرين، العاشقين لهذا العراق الألم، المبتلون بالمحبة والعشق للرافدين والنخيل وحمائم السلام الجافلة.
البقاء في حياتك يا عوني
د.هيثم عبد الرزاق
قتلته الغربة والخوف، قتله الوطن، اراد ان يطرد الخوف بالابداع بالهجرة بالتنقل بالهروب بالانزواء، بالانفتاح على العالم لكي يعوض الوطن لكن دون جدوى، لان الوطن، وطن الرافدين، يأنف من ابنائه ويقتلهم بلا رحمة.. السؤال لماذا؟ لان عجلة الوطن ملكية خاصة للسياسي، فهو الذي يديره حسب مزاجه، وحسب استثنائه الخاص وما زلنا الى اليوم، وسنموت واحداً بعد الاخر من القهر المفروض علينا وذنبنا نريد ان نصطف الى جانب حب الانسان.
ما الذي يمنح للسياسي هذا الاستثناء بالمنفرد. ايها المثقفون انتبهوا.
البقاء في حياتك يا عوني، لاننا نحن ايضاً موتى.
موجود في كل مكان ينتج ابداعاً
د.ميمون الخالدي
ثلاثون عاماً مضت منذ عرفت عوني كرومي ومنذ ان عملنا معاً في فرقة المسرح الشعبي ومسرح (الستين كرسي) التابع لها في شارع السعدون عندما عاد من ألمانيا أول مسرحي عراقي يحمل الدكتوراه في المسرح، ثلاثون عاماً مضت تخرج على يديه الكثير من فناني الحركة المسرحية الفاعلة الآن، قسم منهم اصبحوا نجوماً وقسم منهم أصبحوا أساتذة للفن والاهم من كل ذلك عروضه التي تتربع في الذاكرة الثقافية العراقية، وبامكاني كتابة بحث مطول عن عوني انساناً وفناناً واستاذاً ولكن قفزت الى ذاكرتي تلك الايام التي غادر بها العراق مغترباً في عمان ثم في المانيا حيث افترقنا الى الأبد. كنا منذ أواخر السبعينيات نكاد لا نفترق يوماً، والكل يعرف ذلك، ميمون وعوني في الكلية وفي المسرح وفي مزرعته التي أنبتها أشجاراً وزيتوناً بيده مثل فلاح متمرس، وبيته الذي بناه بعرقه وجهده، وفي الوقت ذاته الذي أبدع فيه الانسان الطيب وترنيمة الكرسي الهزاز وبيرو شناشيل والانشودة وغيرها الكثير، بعد عام 1991 كنا نتجول في بغداد وكان مرعوباً من الدمار الذي حل ببغداد وكان يبكي، ولكن بكاءه غزيراً هطل كالمطر عندما كنا واقفين في باحة الكلية عندما دخلت الشاحنات لتفرغ مكتبة المعهد العالي للفن المسرحي في الكويت، لم يستطع تحمل ذلك المنظر رغم الحاحي عليه بكتمان مشاعره، ضاق ذرعاً بما كان يجري وأخبرني بأنه سيموت إن بقي يشاهد تلك الصور المؤلمة وقرر المغادرة الى عمان استاذاً في جامعة اليرموك وأذكر انني بكيت مبدعاً علماً يترك الوطن كما تركه الآخرون. والتقينا كثيراً بعدها في عمان وفي القاهرة وفي تونس لانه كان موجوداَ في كل مكان ينتج ابداعاً وفي المهرجان الاخير في القاهرة 2005 شهر ايلول كان يأتي الي يومياً حتى اني اجده منتظراً حتى في ساعات الليل المتأخرة، أكان عوني يعلم ان تلك الايام كانت آخر لقاءاتنا كم طلبت منه الرجوع الى بيته ومزرعته ومريديه وممثليه، لكنه أخبرني بأن سبب تركه للوطن كان الرعب والخوف وهما لا يزالان جاثمين على عيون الوطن. واليوم حين فجعت بك ايها الأخ والصديق والاستاذ والانسان الطيب فأني ابكي وطناً يحتاج الى ابطال وبؤساً لمن لا يعرف ابطاله.

في القاهرة: قال هيا الى كربلاء
د.شفيق المهدي
عوني كرومي، صراخ وبكاء انتظر كلمة واضحة، كلمة واحدة حتى استطيع ان اتعرف على الصوت او الكلمات لكن دون جدوى.. انتظر مرعوباً فزعاً لدقائق لا شيء سوى الصراخ، سوى البكاء، اتبين فقط كلمة (عوني).. مستشفى.. كرومي، يده وباقي الحروف، الكلمات ذابت وسط الصراخ..
الصوت يتحول الى نحيب، من المانيا كان الاتصال.. امل الجبوري تخبرني ان عوني قد مات هذه الساعة في يوم 27/5/2006 الساعة السابعة الا دقيقتين بتوقيت المانيا كانت في زيارة له هي والشاعر العراقي خزعل الماجدي عندها توقف قلبه العظيم المفعم بحب بغداد والموله بحب العراق.. عوني كرومي يسقط ميتاً جراء حبه الشديد لبلده وفيه من الاسى جبل.
كان اللقاء الاخير معه في القاهرة سمع بان فرقة الباليه التابعة لدار ثقافة الاطفال ستقدم عرضاً على قاعة مسرح الاوبرا فما كان منه الا أن قطع تذكرة من المانيا الى مصر لكي يرى العرض. في هذه الدنيا لا يسبقني بالبكاء الا عوني كرومي اتصور اللقاء بيننا بعد عشرة اعوام أو تزيد بين كل كلمة واخرى يسألني: كيف بغداد، كيف صلاح، كيف عقيل؟.. سامي؟ عواطف، الاكاديمية وفجأة يوقف تاكسي ويدفعني انا ومحاسن الخطيب وامل الجبوري، يضحك إذ يقول اذهبوا بنا الى كربلاء ويصرخ بعد الضحكة ببكاء شديد "الى مقام سيدنا الحسين" في القاهرة الساعة الثالثة فجراً، كان متوتراً محطماً تماماً ولهذا قررت زميلتنا الجبوري ان تقطع له تذكرة للعودة الى بغداد وهكذا كان الامر، ليلتان في مطار القاهرة، مضتا دون جدوى وفجأة حول عوني وجهته الى المانيا، كنت اعرف وانا ارقب عوني انه سيموت عن قريب..
الآن اتذكره في دخوله الصاعق لاول مرة بعد حصوله على الدكتوراه اذ التقيته في الممر الخاص الذي يؤدي الى مسرح الاكاديمية..
لحية طويلة، شنطة يد وعشرات من الانحناءات لطلابه وهو يمشي قاطعاً هذا الممر.
بعدها قدم عرضه المذهل غاليلو وكريولان وابتدأ الدرس.
الى عوني كرومي طبعاً
طويلاً سابكي عليك ايها.. الورد

رائد محسن
اين تمضي الغمامات بعد السماء؟ كيف تمطر؟ من يجبر الاخرين على ان يقتنعوا بالمطر؟ يا من حيرتني غمامة ممطرة.. مطر.. نرفض القمع، مطر، نصنع حياة.. مطر نستفز المشاهد على التفكير مطر.. نقارع الدكتاتور.. مطر.. مطر.. مطر.
يجب ان يكون المسرح ممطراً يحفز الاخرين على الرفض هذا ما علمتني اياه في زمن الدكتاتور.. مطر ... نحكي عن الفقدان.
عوني.. اتعلم اي حزن يبعث الفقدان؟ وكيف تبكي الروح ان غادرها انسان "انسان"
يا لك من انسان.. ستنام مبتسماً في فراشك الاخير.
ايها المحب. المبدع، الصديق.
عتبتُ عليك ايها الورد لانك علمتّني كيف اكون مؤثراً في المسرح والثقافة ولم تعلمني كيف لا اكون متأثراً بغيابك، لانك وعدتني ان تنشر عطرك في بغداد قريباً.
ورود بغداد كانت منتظرة ان تشم عطرك لكنك غادرتنا نحن الغمامات المنتظرة,
سيكون صيف بغداد حاراً جداً فقد غادرتنا نسمة الصباح الباردة التي تهب على الاحبة في كل الاوقات.
لم اصدق يوماً انك يمكن ان تخذل بغداد.. الورود، الغمامات الاصدقاء لكن يبدو ان عطرك البهي اغرى السماء على قطفك من الارض سريعاً ليكتمل زهوها.
هي رحلة طويلة.. هي نصف العمر هي كل الامنيات والاحزان.. هي محبة كبيرة. هي حزن كبير.
لماذا أيها الورد؟ ان تكفيني احزان بغداد؟ نم قرير العين ابها الورد الحبيب ففي اي ارض تنام سيفوح عطرك ليعلن الوداع ايها الورد.
المانيا وداعا عوني كرومي
محمد محبوب
مدير المركز العراقي الألماني

منذ يومين فقط كنا نتحدث على الهاتف عن مسرحيته الجديدة ( مسافر ليل ) والتي نتهيأ لتقديمها ضمن مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي الذي ينظمه المركز العراقي الألماني.
سألني عن طبيعة القاعة وخشبة المسرح وأمكانيات الأضاءة المتوفرة ، ، كان يريد أن يطمئن على كل شيء ، وكنت متحمسا جدا لتوفير ظروف عرض تليق بقامة كبيرة في المسرح العراقي مثل البروفسور عوني كرومي ، ربما وفاء من تلميذ يحاول أن يكون وفيا لأستاذه حيث تتلمذت على يدية لعامين متتالين في قسم المسرح بأكاديمية الفنون الجميلة قبل أن أتخصص بالفنون السمعية والبصرية ، أسترجعنا بعض الذكريات في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ، تبادلنا المعلومات عن أصدقاء وزملاء لم نعد نسمع عنهم شيئا ، حدثني كثيرا عن مشروعه المسرحي ، قال لي هل تعرف أني أتدرب مع ممثلاتي أثنى عشرة ساعة يوميا ، قلت هذا كثير ومهلك رفقا بنفسك ياأستاذنا العزيز.
واليوم قضيت وقتا طويلا في محاولات للأتصال به دون جدوى ، لا أحد يرد على هاتف البيت ، جهازه النقال مغلق ، كنت أريد منه أن يحدثني عن العرض الأول لمسرحيته
لكن ...
قلبه خذله وهو يقف في كواليس المسرح ليشهد العرض الثاني لمسرحيته الأخيرة ( مسافر ليل ) على أحد مسارح العاصمة برلين.
رحل عنا عوني كرومي الفنان المبدع والأنسان الرائع المتواضع الذي يتعامل مع الآخرين ببساطته المعهودة رغم عظمة منزلته وبموته سقطت نخلة باسقة للمسرح العراقي والثقافة العراقية .. تغمده الله برحمته الواسعة.
بالأمس كان مقرر ان يتحدث البروفسور عوني كرومي عن المسرح العراقي في المنفى ضمن برنامج يوم السبت 3 حزيران من مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي ...
واليوم تقرر أن يكون فقيدنا عوني كرومي بأبداعه المسرحي الكبير وحياته الحافلة عنوانا لمجلس تأبيني في مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي.

عوني كرومي والمشروع المسرحي الوطني العراقي
فاضل ثامر
خسرت الحياة الثقافية والمسرحية في العراق هذه الايام واحداً من مبدعيها الكبار.. الفنان المسرحي د.عوني كرومي الذي وهب حياته وفنه لخشبة المسرح فكان مثالاً للراهب المتبتل في محراب الفن.
لم يكن الفنان عوني كرومي فناناً مسرحياً تقليدياً بل فناناً يمتلك رؤيا شخصية ثاقبة للحياة والمسرح والفن وكانت قضيته الحياتية الكبرى هي الابداع من خلال المسرح ولذا فقد كان كثير التأمل والقراءة والتجريب وحاول ان يطور منهجاً شخصياً في الاخراج المسرحي.
ووجد ضالته في مسرح برشت الملحمي الذي وفر له رؤيا مسرحية وفكرية مغايرة تماماً فانجز العديد من اعمال هذا المسرحي الكبير برؤيا مبتكرة وثورية مواصلاً بذلك تجربة رائد آخر في هذا الميدان هو الفنان الكبير ابراهيم جلال الذي كان اول من عرّف المسرح العراقي باعمال هذا المسرحي المذهل.
كان عوني كرومي يكرة التقليد والرقابة والاجترار ويحرص على تحقيق اقصى درجات الابتكار والمغايرة والخصوصية في كل شيء، فكانت اعماله جزءاً من شخصيته الفنية المطبوعة على حب الخير والمعرفة والايمان بالانسان وبالدور المغير للثقافة وهو بالاضافة الى ما تقدم كان صاحب مشروع ثقافي ومسرحي شامل ذلك أن اعماله كانت تشكل متوالية مسرحية تهدف الى انضاج مشروع مسرحي وطني عراقي. ولذا فقد ترك بصمة واضحة وقوية في مسيرة المسرح العراقي الجاد كما ترك برحيله المفاجئ فراغاً كبيراً لا يمكن ان يسده احد غيره.
كان عوني كرومي، قبل هذا وذاك، انساناً يحترم الناس والجمهور والاصدقاء ويحظى بمحبة اصدقائه وزملائه في العمل وكان يحرص دائماً على ان يخدم المسرح العراقي بمجهوده الفردي الخاص وكأنه سفير فوق العادة للمسرح العراقي فهو المسرحي العراقي الوحيد (ربما) الذي يسعى لتوفير اكثر من فرصة لزملائه الفنانين المسرحيين العراقيين لتقديم بعض عروضهم المسرحية في المانيا وبالذات من خلال مسرح الروهر الالماني وكان يخطط قبيل رحيله
كما علمت- لتضييف مجموعة اخرى من الفنانين العراقيين لتقديم عروضهم الجديدة في المانيا.
هذا المبدع الكبير وهذا القلب الخفاق لا يمكن له أن يموت لانه سيظل حيا في ذاكرة المسرح العراقي وفي سفر الثقافة العراقية.

نبذة عن سيرته

ولد الفنان المسرحي البروفسور عوني افرام كرومي في الموصل سنة 1945 تخرج في معهد الفنون الجميلة بغداد 1965
تخرج في اكاديمية الفنون الجميلة بغداد 1969
نال شهادة الماجستير- علوم مسرح من معهد العلوم المسرحية، جامعة همبولت/ برلين 1972 حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم المسرحية، معهد العلوم المسرحية- جامعة همبولت/ برلين/ المانيا 1976.
بدا تجربته المسرحية منذ عام 1961
حصل على العديد من الجوائز العالمية في مهرجانات بغداد- القاهرة-قرطاج-برلين كما حصل على لقب (وسيط الثقافات) من مركز برست-برلين
صدرت له عدة مؤلفات بالدراسات المسرحية
اخرج اكثر من سبعين عملاً مسرحياً منها
كاليكولا، كريولان، كاساه تموز، تداخلات الفرح والحزن، فوق رصيف الرفض، الانسان الطيب، صراخ الصمت الاخرس، ترنيمة الكرسي الهزاز، بيرو شناشيل، السيد والعبد.
توفي في يوم السبت 27 ايار سنة 2006 في كواليس المسرح برلين.
ادرّس في عدد من الجامعات العراقية والعربية والالمانية من 77-1997 شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والحلقات الدراسية العربية والعالمية من 1972-2002.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة