الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

بعد دخول الاحتلال الأمريكي عامه الثاني وقبيل تسليم السلطة للعراقيين:

تهامي العبدولي: الحرب وعدت بالتحرير ولم تنجزه !

*صدام صنيعة المخابرات الأمريكية.

*(المقاومة) لا تريد مصلحة الشعب العراقي بل مصلحتها هي.

دمشق ـ ابراهيم حاج عبدي

في الحديث عن العراق يتشعب الكلام، ويصعب بلورة رؤية واضحة حول ما جرى ويجري في هذا البلد الجريح، وما أن يصوغ أحد الباحثين تقييما للمشهد حتى ينسفه الواقع المتأجج، المتغير، والعصي على التفسير رغم مرور أكثر من سنة على الحرب الأمريكية في العراق .

ثمة مقاربات عديدة حاولت تقييم المشهد السياسي في العراق، وثمة قراءات متنوعة أيضا سعت لتوضيح الواقع الميداني ـ العسكري، وبين هذه وتلك تصر الإدارة الأمريكية على الاستمرار في أهدافها التي تتضمن ـ من جملة ما تتضمن (جلب الحرية والديمقراطية) لهذا الشعب البائس، غير أن (أرض السواد)، بتعبير الراحل عبد الرحمن منيف، تبدو قاسية ووعرة لا تصغي إلا لحفيف النخيل، وهدير الفراتين، فأي آفاق يمكن أن نتبينها وسط هذا الالتباس ؟.

Text Box: ح حسين     العدد129    ص10    بعد دخول

 

هنا في هذا الحوار مع الباحث والأكاديمي التونسي تهامي العبدولي نحاول توضيح بعض جوانب المحنة العراقية، وحقيقة الأهداف الأمريكية في المنطقة، والعبدولي هو أستاذ الحضارة في كلية الآداب بجامعة سوسة(تونس) متخصص في الأديان والانثروبولوجيا .من أهم مؤلفاته (إشكالية التأسيس النظري في نظرية الثورة العربية) و (وظيفة الأيديولوجيا من خلال الخطاب السياسي الرسمي العربي في حرب الخليج الثانية)، و (النبي ابراهيم في الثقافة العربية الإسلامية) (صدر عن دار المدى بدمشق)، وهو يعكف حاليا على إنجاز بحث انثروبولوجي حول المجموعات العرقية والثقافية في المشرق العربي كالأكراد، الشركس، التركمان . . . فيما يلي نص الحوار:

 

*بعد مرور سنة على الحرب الأمريكية في العراق كيف تقيم المشهد السياسي العراقي ؟

- المشهد الآن متشابك ومكمن هذا التشابك يعود الى مسألة أساسية في التاريخ وهي ان الحرب افتعلت قبل نضوجها الطبيعي، كان يمكن لمجموعة من القوى الوطنية في العراق او في شمال العراق قلب هذا النظام دون اللجوء الى المعارضة العراقية في الخارج التي استقوت بأمريكا، فالنظام كان هشا وكل العلامات كانت تشير الى انه سينهار ان لم يكن عاجلا فآجلا.

صحيح من حيث المبدأ ان مجموعات كانت تضطهد في كل يوم، لكن الاجتياح من حيث هو فعل لم يكن باتفاق كل الأطراف، والنظام كان قد بدأ يعد أكفانه بيده لأسباب معروفة وطبيعية فكل نظام يوغل في الاستبداد لا بد أن يسقط كما تقول التجربة التاريخية.

الذي حدث في شهر آذار (مارس ) 2003 لم يكن له علاقة بأحداث 11 أيلول (سبتمبر) وإنما كان له علاقة مباشرة بالاستراتيجية الأمريكية، ولم يكن له علاقة كذلك بالشارع العراقي، صحيح ان الشارع في العراق وفي كردستان وبغداد والبصرة كان يغلي لكن هذا الغليان كان ينقصه قطب سياسي واع كي يحركه بالفعل، وصحيح كذلك ان المنطقة الكردية كانت واعية بشكل ما وقد خرجت منذ التسعينيات من طوق الاضطهاد، ولكن العنصر العربي لم يكن قد استفاق بعد، ومن ثم سنفهم فيما بعد لم حدثت ردة الفعل والمقاومة بالشكل الذي نراه.

*قد لا يصح هذا الدرس التاريخي مع نظام كنظام صدام حسين، ثم لو انه سقط دون تدخل أمريكي لخسرت الولايات المتحدة فرصة في تلقين الأنظمة المستبدة درسا عبر ما سمي بـ(الضربة الاستباقية)؟

-الولايات المتحدة لها من المستشارين لفهم الأحداث، وكنت على اطلاع ان الولايات المتحدة بدأت تمهد لتغيير في المنطقة خصوصا منذ الشهر الرابع سنة 2002 حين جاء جيوفري كامب أحد مستشاري الصقور في إدارة بوش الى طوكيو وكان يملي على اليابانيين ماذا سيحدث في الشرق الأوسط، وكنت حاضرا باعتباري عضواً في المنظمة اليابانية لتطوير العلوم في معهد في طوكيو، استمعت الى محاضرته واطلعت من خلال املاءاته على ما سيحدث، فكان إسقاط النظام أمرا مفروغا منه وكان هناك ترتيبات تتعلق بالسعودية وكوريا الشمالية وإيران وسوريا.

نعود الى صدام حسين ونقول بانه وفي كل تحركاته السياسية التاريخية لم يكن صنيعة نفسه ولا صنيعة حزب البعث، إنما كان صنيعة المخابرات المركزية الأمريكية أحبت أم كرهت، والوثائق تثبت ذلك، والارتباط الوثيق تأكد في حرب الخليج الثانية حينما أعطوه الضوء الأخضر عن طريق السفيرة الأمريكية، آنذاك، لغزو الكويت لان ذلك تم في إطار استراتيجية أمريكية لإعادة تشكيل المنطقة، وساهم صدام في ذلك بغباء أو بذكاء لا يهم ! المهم ان الحدث قد وقع في سياق تاريخي كما خططت له الولايات المتحدة، لكن ما حدث فيما بعد هو ان العالم بدأ يشك في صورة الولايات المتحدة كحامية للعالم فكان لابد من إعادة تجميل الصورة، وخلق عدو وهمي، العدو الذي يصبح قويا بدرجة لا تعادل ما هو موضوعي وواقعي، فتم الترويج للفكرة التي تقول بان النظام العراقي مرعب، على ان الحقيقة هي: النظام كان مرعبا في علاقته مع شعبه ولكنه لم يكن مرعبا في علاقته مع الخارج لانه لم يكن قادرا على فعل أي شيء.

*ألم تساهم أحداث 11 أيلول في تكريس هذه الفكرة والمبالغة في تصوير قوة هذا العدو ؟

- طبعا هي نقطة من النقاط التي ساهمت، لكن كلنا يعلم ان لا علاقة لنظام صدام بالقاعدة، بالعكس تماما ان القاعدة كانت لها علاقة مباشرة بالمخابرات الأمريكية أما النظام العراقي فكان يسقط بالتدريج، ورغم جميع التقارير التي قدمتها لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة والتي لم تثبت وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق لكن كان مطلوبا النفخ في هذه الصورة، وتدخل أمريكا لا يمثل أي ممكن إستراتيجي للقوى الوطنية الموجودة في العراق، فتوقيت الدخول مثّل عملية إجهاض لبوادر قيام معارضة وطنية لقلب النظام من الداخل، فالمعارضة التي أتت من الخارج وعلى رأسها احمد الجلبي ليس لها أي علاقة بمستويات الشرف، ولا علاقة لها حتى بالتكوين السياسي وإنما لها علاقة بالتكوين المافياوي ان شئت بعبارة أخرى.

حينما تجهض عملية نشوء هذه المجموعات التي اسميها القطب الثالث، ففي وجود قطبين متصارعين ـ كما تقول النظرية ـ لابد ان يظهر قطب ثالث وطني كي يبين للشعب ان هذا الصراع بين القطبين ليس في صالح الشعب، فحينما دخلت الولايات المتحدة وأجهضت أي بروز لهذه المجموعة كانت تأتي ببدائل صنعتها هي وربتها كي تمثل بشكل من الأشكال بنسبة 10 بالمئة السلطة العراقية، ولكنها تمثل بنسبة 90 بالمئة المصالح الأمريكية.

ما يحدث اليوم هو نتيجة لهذا الوضع، حينما تفكر في إنشاء دولة فيدرالية بالمقاييس الطائفية فان ذلك لا يمكن ان يخدم مصلحة أي طرف وإنما المصالح الأمريكية لان بإمكانك، عندذاك، ان تشعل الفتيل الطائفي وتؤجج عواطف المجموعة السنية مثلا ضد الشيعية او العواطف القومية الكردية ضد العرب او بالعكس، أما إذا كانت الدولة مبنية على أساس علماني وحق المواطنة الذي لا علاقة له بالطائفة او القومية فهذا ما تخشاه الولايات المتحدة وهي نفسها كدولة قوية مبنية على مفهوم الموطنة  تتأسس بها ولذلك لا يمكن ان تخترق.

فالنظام كان قد وصل الى مرحلة عنق الزجاجة ولم يكن بإمكانه ان يتنفس إلا إذا خرج من الزجاجة وإذا خرج ففي ذلك هلاكه لانه نظام فاقد الشرعية لم يعد بإمكانه تأمين القوت اليومي للشعب، وارتبط في فترة معينة بالفكر اللاهوتي وهو نظام علماني كما يفترض! يعني انه بدأ يخبط خبط عشواء، ولا يرى بشكل صحيح، وكان مغرورا، ومغلولا، معجبا بنفسه ولم يعد له من خيار سوى التوغل بعيدا في القمع والقتل والانتهازية، والتوغل بعيدا حتى في بيع الوطن لأمريكا، فصدام - حسب المعلومات - كان مستعدا لإنهاء الحرب بأي ثمن، المهم ان يظل في السلطة: (تعالوا وخذوا كل شيء المهم ان أظل رسما على حائط).

ثم هناك مسالة هامة في التاريخ هي أن كل نظام استبدادي يعتدي على الأعراض ويسلب الملكية ويرتكب الإبادة الجماعية ففي ذلك سقوطه لان التاريخ يسجل هذه الأحداث وتؤسس هذه الأحداث بشكل من الأشكال وعيا نوعيا يمكنه إسقاط هذا النظام فما حدث في إيطاليا أيام ميكافيلي يمكن مقارنته بما جرى في بغداد، ورغم الاختلاف لكن حينما تكون البدايات والظروف متشابهة فان النهايات ستكون واحدة. 

*هل يمكن والحال كذلك الحديث عن حرب تحرير ؟

- طبعا لا، ولكن وجهات النظر تختلف، فبالنسبة للمواطن العراقي المضطهد منذ عقود فان العيش مع الأمريكي افضل ألف مرة من نظام يقتله صباح مساء، وكذلك الحال بالنسبة للقوميات المضطهدة كالكردية والتركمانية والآشورية . . .أما بالنسبة الى رؤيتنا للتاريخ فلا يمكن ان نسميه حرب تحرير لأننا نحكم من خلال ما ستؤول اليه هذه الحرب من نتائج، مثلا لنتصور ان الحزبين الرئيسين في كردستان العراق يرغبان في تأسيس دولة خاصة وكل الممكنات والظروف تساعدهما على ذلك هل تعتقد ان أمريكا ستساعدهما؟ طبعا لا! هل ستمنع تركيا من التدخل ؟ بالطبع لا !،لان المصلحة الاستراتيجية الأمريكية ابعد من حصول المجموعة الكردية على حقوقها القومية وكذلك الحال بالنسبة لبقية العراقيين، ومن ثم فان الحرب تعد بالتحرير ولكنها لا تنجز التحرير، والمجموعة الوحيدة القادرة على إنجاز التحرير هي المجموعة المستهدفة من قبل النظام مباشرة وليس المستهدفة بدرجة ثانية(أي ما كان يعرف بالمعارضة العراقية). لا أحد يستطيع إقناعي ان أمريكا دخلت العراق لمصلحة العراقيين او الأكراد فهي تعلم ان النظام كان يقتل شعبه منذ عشرا ت السنين، ويقطع السنة الناس لماذا لم تتحرك الولايات المتحدة أثناء ارتكاب مجزرة حلبجة 1988 ؟ لان المصلحة آنذاك كانت تقتضي ان يواصل صدام القمع، وكانت أمريكا خائفة من مارد آخر اسمه الثورة الإسلامية في إيران، ومن هنا سنميز بين الموقف المبدئي والموقف غير المبدئي، والأمريكان ليس لديهم مواقف مبدئية.

*ما الذي كان يمكن أن تفعله الولايات المتحدة، وما هي أهدافها الحقيقة من هذه الحرب إذن ؟

- كان هناك مجال لدى الولايات المتحدة لتسليح حركات معارضة للنظام في الداخل ودعمها لإسقاطه كان هناك انفلات والمجموعة الكردية كانت متحررة منذ مطلع التسعينيات.أمريكا لعبت على ورقتين: الظاهرة والخفية.الورقة الظاهرة تتمثل في (انني اخلص العالم من هذا الخطر) وبمعنى من المعاني اخلص إسرائيل من هذا الخطر، وهو لا يمثل أي تهديد لإسرائيل وكان هذا التهديد ممكنا في عام 90 والورقة الخفية هي ورقة كيفية التسرب الى المنطقة وإحلال مجموعات بديلة في المنطقة تكون قادرة على تقديم دعم اكثر لأمريكا وتقديم التنازلات لها.

*كيف تفسر عمليات المقاومة وكيف تنظر اليها ؟

- أنا افهم الأشياء بنتائجها، حينما تنتصر هذه المقاومة ان كانت إسلامية فهي ستؤدي الى نظام لاهوتي ونحن في المنطقة لسنا بحاجة الى أي نظام لاهوتي، أما ان كانت بعثية وانتصرت فهي ستعيد تكرار نفس التجربة ومن حيث المنطق لا هذه مقاومة ولا تلك، وأنا لا أتحدث عن قيمة ولكن عن فعل يسمى في التاريخ مقاومة ..

الآن ما يهمني متى يمكن ان نتحدث عن مقاومة حقيقية.المقاومة الحقيقية بالمعنى الوطني هي التحرير، وهي التي ما كان يجب عليها ان تترك البصرة وما كان يجب ان تترك بغداد، أين كانت هذه المقاومة حينما دخل الجنود الأمريكان البصرة وعبروا الى بغداد على طبق من ذهب؟ فان كانت بعثية فهي فرت من دائرة المواجهة وانتظرت بانتهازية وحينما رأت ان أمريكا حملت معها مجموعة من الخارج ومجموعة أخرى من الداخل وألغت المجموعة البعثية، في هذه المرحلة شنت الهجوم ومع الأسف فهم ينفذون 9 عمليات ضد الشعب العراقي مقابل عملية واحدة ضد القوات الأمريكية فان كانت بعثية فهي انتهازية بمعنى انها باعت الوطن وعادت لتحاول بسط نفوذها من جديد.

أما المقاومة الإسلامية فقد ضيق عليها الخناق في كل بقاع العالم فكان لابد من وجود أرضية معركة بعد ان ضيق عليها الخناق في أفغانستان وباكستان والهند والشيشان، لان المقاومة الإسلامية لا تتحرك في أرضية هادئة بل في مناطق البلبلة والاضطرابات، ومن مصلحة المقاومة الإسلامية أن تنتقل الى ارض غير أرضها، فأرضها الطبيعية كانت الشيشان او أفغانستان، وحلولها هي حلول استراتيجية، وآخر ما تفكر به هو الاستيلاء على السلطة في بغداد لأنها غير قادرة على ذلك، وإنما لابد من استمرارية الحرب حتى تتمكن هي من إعادة تنظيم صفوفها، فهي انتهازية لا تريد مصلحة الشعب العراقي بقدر ما تريد مصلحتها هي، وتأسيس دولة إسلامية في مكان ما، فهل الوطنية تقتضي ان تقتل آلاف الناس في يوم عيد الأضحى (مجزرة أربيل )او أثناء احتفال الشيعة بيوم عاشوراء، هل الوطنية تقتضي قتل أفراد الشرطة العراقية . . .

وكذلك المقاومة التي وصفت بأنها سنية هل هي وطنية أم مذهبية ؟ أنا اعتقد بأنها مذهبية ولا علاقة لها بوطن اسمه العراق، والدليل حينما رأت ان الشيعة أخذت حقوقها فإنها أرادت المقاومة لتعيد لنفسها موقع الصدارة.

*كيف ترى النظام الفيدرالي الذي طرحه الكرد ؟

- الفيدرالية طرحت دائما على أسس عرقية أما الفيدرالية على أسس طائفية لا أومن بها، فالصحيح ان تكون الفيدرالية كردية ـ عربية وان تكون السياسة الخارجية والدفاع واحدة، أما الفيدرالية الطائفية فلم تحدث في التاريخ .وفكرة الفيدرالية في العراق ليست صائبة إلا مع الأكراد، وأنا متفق معهم تمام الاتفاق في المطلب الفيدرالي لانهم تعرضوا للاضطهاد والقمع وهم يريدون رقعة جغرافية آمنة وهذا هو الحل الأسلم.

ولا يقلقني، كما يبالغ البعض،  ان تقوم فيدرالية في العراق لانه ما دامت الحكومة المركزية قد عجزت عن إعطاء الحقوق للأكراد فعليها ان تترك المجال لهم لتحقيق مطالبهم وان تعوضهم أشكال أخرى للاستمرارية والحل الأفضل هو في الشكل الفيدرالي .

 


 

 

 

يا لهذا العراق الجديد ما أقواه!

د. شاكر النابلسي

-1-

مبارك هذا العهد الجديد.. عهد الحرية والديمقراطية والعلمانية التي ستكون منارةً مضيئة لكل العالم العربي.

مبارك هذا الرئيس الجديد العتيد.

مبارك هذا الميلاد العظيم، بعد مخاض الحرية والديمقراطية العسير، وقد دفع العراق ثمناً غالياً لهذا المولود المجيد.

فللحرية الحمراء بابٌ، بكل يدٍ مُضرّجة يُدقُ.

والحرية العراقية لم تكن هبة من السماء، كما لم تكن هبة من الأرض.

الحرية العراقية كانت هبة الشعب العراقي للعراق.

فالشعب العراقي هو الذي حرر نفسه بنفسه، وهو الذي سار في طريق الحرية، وهو الذي صبر على مكره الاستعباد والطغيان وصبر على مكروه الحرية والديمقراطية ودفع الثمن غالياً في كلا الحالين.

مبارك هذا الفجر الجديد الذي يُشرق على العراق الجديد، الذي اشترى حريته الغالية بدماء أبنائه، ورفض بيع هذه الحرية بأي ثمن آخر.

مبارك هذا السناء الجديد الذي سيبدأ تاريخاً جديداً في العراق، وفي العالم العربي.

مباركة هي مدرسة العراق السياسية الجديدة التي ستتخرج منها أنظمة عربية جديدة وقيم سياسية عربية جديدة، تقود العالم العربي إلى الحرية والديمقراطية والعَلمانية.

-2-

كان صدام حسين يُلقي في روع العراقيين قبل التاسع من نيسان 2003، أنه في اللحظة التي يسقط فيها نظامه، فسوف يتلاشى العراق ويتلاشى الشعب العراقي وتقوم القيامة العربية، باعتبار أن نظام حكمه كان اكسير الحياة، وسر بقاء العراق وازدهار التخلف فيه، كما كان يدّعي هو ومريدوه. ولكن العراق القوي صمد رغم أهوال الحروب التي خاضها، ورغم الخسائر المادية والبشرية الهائلة التي دفعها، ورغم ظلام السجون الطويل الذي عاشه، ورغم البطش والاستبداد الذي حصد خيرة ابنائه.

وكان (الفاشدينيون) و(الفاشقوميون) الذين فَزعوا مذهولين مهرولين من كافة أرجاء الأرض، لمساندة النظام الشمولي الذي سقط، وجاءوا إما لاقامة الخلافة الدينية المنهارة عام 1924، أو لإعادة الوحدة الفاشلة بين سوريا والعراق عام 1963/1964 بعد انهيار الوحدة السورية المصرية عام 1961.. هؤلاء الحالمون المغفّلون جميعاً، قد جاءوا يسعون إلى تحقيق احلامهم في العراق على اعتبار أن العراق الذي انهكته الحروب، وانهكته الديكتاتورية، وانهكه الاستبداد، وانهكه الطغيان، وانهكته معارك الحرية والديمقراطية، سوف يكون صيداً سهلاً وسميناًً (للفاشدينيين وللفاشقوميين).

وكان (الفاشدينيون والفاشقوميون) بعد التاسع من نيسان 2003، يعتقدون بأن لا سلطة قائمة بعد السلطة الديكتاتورية المنهارة، وأن لا زعيم في العراق يستطيع حكم الشعب العراقي بالحديد والنار كالديكتاتور الذي يعيش الآن وراء القضبان.

وإذ فجأة يبرز في العراق زعماء كثيرون، وإذ يختار الشعب العراقي رئيس وزراءه الجديد، ورئيس جمهوريته العتيد، رغم كل ما يتعرّض له العراق من عزلة عربية، هو أحوج ما يكون اليها لكي يفكر جيداً، ويخطط جيداً، بعيداً عن العربان الغربان المختلفين، المُشتتين، الخائفين، المذعورين، من مدِّ الحرية والديمقراطية العراقية الجديدة. ورغم كل ما يتعرّض له العراق من أذى أبنائه الضالين من السُنّة القلائل ومن الشيعة الجواهل، الذين لم يجدوا من يعبدوه غير (الطوطم) الذي وراء القضبان، وغير (الطوطم) الآخر المُشرّد في شِعاب أفغانستان وباكستان. ولم يجدوا من  يحاربوه، فحاربوا أنفسهم بمحاربة الشرعية العراقية، التي جاءت لتنتقم وتثأر لدم الشهداء من السُنّة والشيعة، وتعيد للعراق حريته المسلوبة وديمقراطيته الغائبة.

ولكن ماذا نقول عندما يتصدى اللصوص والصبية والغلمان والعاطلون عن العمل ومشردو الشوارع لقضايا الوطن المصيرية الكبرى، ويقفون عائقاً كأوساخ النهر الجارف المتدفق؟

وبرغم هذا يسير العراق إلى الأمام. يبني، ويُعمّر، ويقيم الصرح، ويُصدّر البترول، ويفتح أبوابه لللاستثمار العالمي، ويقيم حكومة، ويؤسس سلطة سياسية على الحق والعدل والشفافية.

-3-

يا لهذا العراق المجيد ما أقواه!

العالم العربي كله من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، يقف ضد الحياة والتقدم والحرية في العراق، ورغم هذا يحقق العراق الآن التقدم والحرية، ويبعث الحياة من جديد في النخيل المحترق، وينهض من جديد، نهوض طائر الفينيق الخالد الذي لا يموت.

أوروبا العجوز المتصابية في معظمها، تقف ضد العراق موقف المعادي، الكاره، المُعيق، لمصالح لها كانت مع العهد البائد، ولا تمدَّ يد العون للشعب العراقي الذي كان يمنحها طاقة الحياة، ويتمثل معارك الحرية التي خاضتها أوروبا من أجل أن تصبح أوروبا الديمقراطية الحرة الآن. ورغم ذلك، فالعراق ينهض، ويبني، ويستمر في مسيرة الحرية والديمقراطية.

-4-

يا لهذا العراق المجيد ما أقواه!

الأصولية الدينية والقومية المسلحة، تصبُّ في العراق كل يوم كماً هائلاً من النيران والأسلحة والأوساخ والدمويين، كما لم يحصل في تاريخ العرب منذ ظهر الإسلام حتى الآن، ورغم ذلك فقد أثبت العراق أنه أقوى من كل هذه الأصوليات المتعفنة.

والإعلام العربي المقروء والمسموع والمشاهد والمهموس، لم يضطهد بلداً أو شعباً كما اضطهد العراق والشعب العراقي، ولم يزوّر حقيقة بلدٍ وشعبٍ كما زوّر حقيقة العراق وشعب العراق، ولم يغُضَّ الطرف أو يُخفي ايجابية واحدة كما أخفى ايجابيات ما يجري في العراق الآن. وظل هذا الإعلام على مدى أكثر من عام، يبث سمومه في صفوف الشعب العراقي إلى حد الموت. إلا أن الشعب العراقي ظل سائراً يبني، ويُعمّر، ويتقدم إلى أن وصل اليوم إلى تشكيل حكومته، وممارسة سيادته، وتعيين رئيس جمهوريته، واشعال شعلة الحرية ومنارة الديمقراطية.

-5-

يا لهذا العراق المجيد ما أقواه!

منذ عام وأكثر؛ أي منذ التاسع من نيسان 2003 المجيد، ظهر في العالم العربي ألف ألف كذاب وأكثر، وظيفتهم نشر الكذب عن أن العراق قد قُتل ونُهب وسُرق واحترق وانتهى، وعلى (المقاولين) المرتزقة العراقيين والعرب أن يبادروا إلى انقاذه. وظهرت في العراق مجموعات من العبيد واللصوص الذين يرفضون الحرية، جاءوا من سجون العبودية العراقية المنهارة الماضية، ومن سجون العبودية العربية الأخرى التي ستنهار قريباً. ولكن الجميع كذبوا، وخرج العراق من كذبهم منتصراً الآن بحكومة جديدة، ورئيس حكومة جديدة، ورئيس جمهورية جديد، وأوفى الأوفياء بوعدهم للشعب العراقي، وكذب العبيد الذين حاولوا بالسيف والكرباج والدم والبيانات وشعارات الموت والدمار، اعادة العراق إلى سابق عهد العبودية والطغيان.

والعراق الآن يكرر ما فعله الشعب الياباني، وما فعله الشعب الألماني 1945 ، وما فعله الشعب الكوري بعد 1953، من القيام من الرماد إلى بناء البلاد، وغسل آلام العباد.

-6-

يا لهذا العراق المجيد ما أقواه!

لقد كذب الذين قالوا بأن العراق هو الصومال، وأن (الصوملة) قادمة للعراق، وغداً سوف يترك الحلفاء العراق كما تركوا الصومال غارقاً بالدماء والفوضى!

كذب الذين قالوا بأن ما تم بعد التاسع من نيسان 2003 هو احتلال للعراق، سوف يستمر عشرات السنوات، تُستنزف فيه خيرات العراق، كما سبق واحتُل العالم العربي من قبل القوى الاستعمارية الأوروبية.

 فأي احتلال يتصرف في بلد ما، كما تصرف الحلفاء في العراق الذين قاموا بكنس شوارع العراق، وطلاء المدارس العراقية، وخَبزِ الرغيف العراقي؟

وأي احتلال يُسلّم مفاتيح بغداد، والسلطة لابنائه، بعد عام من الاحتلال، ولمّا تجف بعد دماء جنوده وأبنائه الذين ساعدوا العراقيين على التحرير .

نعم، من قال بصوملة العراق فقد كَذب.

ومن قال بلبننة العراق فقد كَذب.

ومن قال بصربنة العراق فقد كَذب.

ومن قال ببلقنة العراق فقد كَذب.

ومن قال بقبرصة العراق فقد كَذب.

ومن قال بعودة الديكتاتورية الشمولية التي تقف وراء قضبان العدالة العراقية الآن كذبوا.

ومن قال بقيام (مقاومة) شاملة في العراق تقف في وجه زحف الحرية والديمقراطية العراقية الجديدة كذبوا.

كَذب الزرقاوي، والحمراوي، والصفراوي، والخضراوي.

كَذبت كل الألوان العربية الباهتة.

كَذب الذين قالوا بأن الأوفياء بالعهد، جاءوا لسرقة نفط العراق. فلم يسرق هؤلاء نقطة نفط عراقية واحدة حتى الآن. وقد سبق وحرروا الكويت، فلم يسرقوا نقطة نفط واحدة. ونحن نعلم جميعاً من هم الذين يسرقون النفط العربي، في كافة انحاء الوطن العربي!

كَذب الدجالون، وسحرة السياسة العربية، ومهرجو الإعلام العربي.

وكانوا جميعاً كالأوساخ التي تقف في مجرى النهر العظيم الجارف المتدفق.. نهر الحرية والديمقراطية والعَلمانية العراقية الذي سيشرب منه الوطن العربي، وسيغمر المزارع والبطاح العربية، لينبت فيها نخيل الحرية والديمقراطية والعَلمانية الجديد، بدل النخيل الذي أحرقه الطغاة في العراق، وبدل النخيل الذي أحرقه الطغاة الآخرون في العالم العربي.

-7-

يا لهذا العراق المجيد ما أقواه!

الشعب العراقي العظيم كان وحده هو الصادق مع نفسه، بينما كذب الآخرون.

والنصر الذي حققه الشعب العراقي اليوم ليس لأحد، بقدر ما هو للشعب العراقي أولاً، وللشعب العربي ثانياً.

العراق الجديد لن يكون مدرسة سياسية جديدة خاصة للنخبة، مقصورة على شعب واحد فقط، أو طبقة واحدة فقط.

مدرسة العراق الجديد السياسة، هي المدرسة التي سيتعلم فيها كل العرب غداً الطريق الجديد إلى الحرية والديمقراطية والعَلمانية.

واليوم يخطو الشعب العراقي خطوته الكبيرة، بل قفزته العظيمة إلى المستقبل الكبير، هادياً لا قاضياً، حراً لا عبداً، سيداً لا مسوداً، وشعلة عظيمة للحرية والديمقراطية والعَلمانية.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة