الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

الاستنساخ البايولوجي في عالم الحيوان

القسم الثاني

استنساخ الحيوان ونسخ طبق الأصل

د. جرجيس محمد حسين

 

واصل حكاية استنساخ النعجة إن الدكتور آيان ويلموت وكيث كامبل مع فريقيهما البحثي الأسكتلندي قد تمكنوا من تصنيع نسخة مطابقة للنعجة بالاعتماد على خلية جسمية كمصدر أو مادة أولية لهذا التصنيع و يمكن عرض النظرية لهذا الإنجاز العلمي كما يأتي: إن كل خلية من خلايا لجسم الحيوان أو الإنسان تحتوي على عدد كامل من الجينات أو المورثات لكل صفة من صفات الكائن، على عكس الخلايا الجنسية التي تحتوي على نصف العدد فقط والذي يكتمل باتحاد البويضة بالحيمن. الفرق الآخر هو إن الخلايا الجسمية هي خلايا متخصصة بالجلد أو بالشعر أو القلب أو الضرع وغيرها من الأعضاء، وهذا التخصص يعني أن الجينات المسؤولة عن عضو الجسم هي التي يتم التعبير عنها للقيام بوظيفتها المتخصصة بينما لا يكون لبقية الجينات دور ويمكن أن توصف بأنها في حالة سبات. أما جينات الخلايا الجنسية بعد اكتمال عددها بالاتحاد تبدأ بالتخصص وتبرمج الخلايا الجنسية باتجاهات مختلفة مثل توأمة الجنين (تقسيم الجنين في مراحله الخلوية الأولى إلى نصفين). أو تنمية خلية جنين  في المختبر لمرحلة نمو معينة ومن ثم إعادة زرعه في رحم أم حاضنة.

وفي الاتجاه الآخر أمكن في مطلع الثمانينات غرس جين واحد أو أكثر من حيوان في المحتوى الوراثي لبويضة مخصبة من حيوان آخر وقد استخدمت حتى جينات بشرية في عمليات النقل هذه من أجل الحصول على صفاة إنتاجية أو طبية مرغوبة، الأمر الذي و صف حينها بأنه عبارة عن إعادة هندسة لتركيب الحيوان الجديد و اكتسب المصطلح المعروف الآن بالـ (الحيوانات المهندسة وراثياً) و الذي بدأ بنقل جين هورمون النمو البشري إلى بعض الحيوانات لتسريع نموها.

ويذكر أن تطورات تقنيات الاستنساخ ابتداءً من التجارب المبكرة لعلم الأجنة التي كانت تهدف إلى دراسة إشكالية التمايز و التخصص الخلوي أثناء التكوين الجنيني، كانت تتم بإحدى الطريقتين الآتيتين:-

تفريط خلايا الكتلة في المراحل المبكرة: عندما يكون الجنين مؤلفاً من مجموعة محددة من الخلايا (2-12) خلية بحيث يحتاج كل خلية منفردة أن تتطور وتنمو إلى جنين مستقل وبذا نحصل على عدد من الأجنة المتماثلة من حيث التركيب الوراثي لكونها من أصل واحد من خلية مخصبة.

 طريقة نقل النواة: و قد طبق هذا الطريقة لأول مرة العالمان بركز ونك في الخمسينات واستخدم لذلك أجنة البرمائيات، حيث تكون الجنين خارج الجسم ويمكن التلاعب به وإجراء التجارب عليه ومراقبة نموه. وطور هذه الطريقة من قبل العالم كوردن عام 1968. وتتلخص التقنية المبكرة بإزالة نواة من الخلية المخصبة، ثم الحصول على نواة من خلية جسمية لجنين متقدم، و زرع هذه النواة في البيضة المخصبة التي أزيلت نواتها. وعند نمو الجنين، فأنه يمثل المعلومات الوراثية للكائن الذي نقلت نواة خليته الجسمية. أي أنه يمثل من الناحية الوراثية نسخة له.

و كانت أهمية هذه التجارب تكمن في كونها أوضحت إن الخلايا الجسمية برغم تخصصها تحمل كامل المعلومات الوراثية، بدليل إنها قادرة على توجيه تكوين جنين كامل بأنواع الأنسجة المختلفة، وليس بنوع محدد يمثل الخلية الجسمية التي نقلت نواتها. وهي بحد ذاتها تتيح الحصول على جنين بذات التكوين الوراثي للجسم الذي تم استخدام خلية جسمية واحدة منه.

وبرغم كون هذه التجارب عالية الدقة و قد مثلت تقدماً تقنياً فإن هدفها كان أكاديميا إلى حد كبير ولم يكن استثمارها لأغراض تطبيقية. وبفعل هذه التجارب تطورت التقنيات التطبيقية لعلم الأجنة متمثلة بتقنية أطفال الأنابيب، التي يمكن الحصول بواسطتها على بيوض من كائن من اللبائن كالإنسان و سحبها إلى خارج الجسم وإجراء الإخصاب في وسط زرعي خارجي أي في أنبوبة الاختبار وإنماء الجنين أيضاً في الوسط الزرعي إلى مرحلة معينة ومن ثم إعادته إلى الرحم. هذه التقنية فتحت آفاقاً جديدة مهمة و عديدة فضلاً عن استخداماتها في معالجة العقم في الإنسان. إن مثل هذه التقنيات العلمية تحتاج إلى خبرة كبيرة و إمكانيات مفتوحة الأمر الذي أدى إلى حصرها في عدد محدود من المختبرات العلمية في العالم.

أما الاستنساخ في البكتيريا فقد سبق الاتجاه أعلاه بعقد من الزمان لأسباب تقنية حين تم نقل جينات مهمة من الناحية الصحية مثل جين الأنسولين المستخدم لعلاج مرض السكر من الأبقار والخنازير إلى البكتريا أو الخمائر كوسيلة إنتاجية أو معمل بيولوجي حي لإنتاج الأنسولين بأقل كلفة. وكذلك جين هورمون بشري يمكن استخلاصه من البكتريا بكلفة أقل و أمان لا يقارن بالطرق التقليدية السابقة التي كانت تعتمد على استخلاصه من الغدد النخامية.

والقرود المولودة في إحدى مراكز الأبحاث الأمريكية، دون إخصاب بغير الطريقة السابقة التي تم توضيحها تكشفان لنا أسراراً جديدة من أسرار الدقة اللامتناهية والتنظيم اللامحدود التي تحمله الحياة في طياتها و أكوانها التي أوجدها العقل الرباني الأزلي الذي بعد خلقه للكون العظيم أطلق برمجة الحياة للنشوء بنفخة منه.

ولكي نوضح مدى تقبل هذه الأفكار و الاكتشافات الجديدة المثيرة والحاملة لعناصر التشويق ووقعها على عقولنا، خاصة بالنسبة لنا كأفراد وكمجتمعات شرقية، فأننا نعود إلى الاستدلال بجملة كتبتها في مقدمة الكتيب العلمي الصادر ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة في عام 1990 بعنوان الإنسان و البيولوجيا المعاصرة والجملة هي " إن التحدي الذي نواجهه في ظل العلوم المعاصرة تحدي حقيقي في اتجاه رؤية المستقبل" وجاءت فيها أيضاً " لقد بات التقدم العلمي في سرعته المذهلة قانوناً موضوعياً بحكم حركة المجتمعات في نموها وتطورها، وأصبح لزاماً على الإنسان أن يعي هذا القانون ليعي التأثير الهادف لها على مسار واقعنا وتوضيح الرؤية لفتح آفاق جديدة رحبة في الحياة. لأن الإنجازات العلمية الراهنة هي البذرة أو النبتة الصغيرة التي تنمو وتتفرغ وتثمر ثمرات غريبة على عقولنا و زماننا ". أمام هذه الرؤية لعلوم المستقبل كيف ننظر إلى الإنجازات الخصبة للخيال في العلوم المعاصرة و التطورات العلمية المذهلة التي أخذت مسارها في العالم.

انطلاقا من هذه الرؤية وبعد معرفتنا لماهية الأحداث المثيرة المرتبطة بالاستنساخ البايولوجي في عالم الحيوان، تبقى المسألة مرتبطة بتقييم مسار تلك التجارب والتنبؤ بالآثار التي ستتركها علينا نحن كبشر. و برأينا فإن هذا التقييم ينحصر في اتجاهين، إيجابي و سلبي. الإيجابي أنها تفتح آفاقاً رحباً وآمالاً كبيراً لكشف المزيد من أسرار الخلية، خاصة المتعلقة منها بعالم الجينات والحوامض النووية لأنها تكتنز الأسرار الكبيرة، فألغاز تكاثر الخلايا السرطانية التي تعاني منها البشرية بحاجة إلى مفتاح ثاقب لفك طلاسمها، وكشف أسرار عملية تكاثر الفيروسات التي صعبت إيجاد الوسائل اللازمة للسيطرة عليها حتى الآن، هذه الأسرار بحاجة إلى ولوج أكثر وفتح أكبر لكسر أقفالها وحل رموزها. كذلك من الايجابيات الأخرى إن الآفاق تكون رحبة لتأمين الغذاء لسكان الأرض من خلال التركيز واستبقاء الصفات الإنتاجية التي تتسم بالجودة العالية والقدرة الفائقة التي تتصف بها الحيوانات الإنتاجية و النباتات الزراعية. كذلك فإن هذه التجارب تفتح الطريق أمام إيجاد أو التكثير من إنتاج العقاقير الطبية التي تعترض طريقة إنتاجها صعوبات بايولوجية.

أما في مجال الآثار السلبية، فإن هذه الثمرة العلمية مثل أي اكتشاف أو اختراع أو ابتكار أوجده الإنسان، يحمل مع نفسه مسائل سلبية قد تضر بالإنسان والبشرية ودليلنا على ذلك اكتشاف المفرقعات والطائرة والسلاح النووي. ولكن هذا يعني إن تلك الاكتشافات لم تخدم البشرية، بلى خدمتها و مازالت تقدم لها أفضل المنافع و أحسن المكاسب.

على العموم فإن المخاوف التي تكتنف مسار تلك التجارب كآثار سلبية، هي المتعلقة باحتمال استخدامها في مجالات غير سوية للعلم كتطبيقها على الإنسان والكائنات الحية الأخرى لأهداف غير علمية وغير إنسانية. لكن العقل الإنساني الذي يتقدم تطوره سريعا خلال العقود القليلة الماضية مقارنة بالقرون السابقة يعطي لكافة العلوم منظوراً جديداً و نوراً و جديداً و النظرة الجديدة تبشر بتحرير وإثارة كل حلقة من حقول المعرفة، ميسرة بذلك قيام نهضة حقيقة في عصرنا.

ولكن تبقى المسألة متعلقة بالمنطق الشامل لعقل الإنسان المعاصر. ولا يخفى على أحد إن هذا العقل أثبت جدارته حتى الآن للتمسك بالحياة والحفاظ عليها على هذا الكوكب المطرز بجمال الحياة. وبرأيي فإن هذا العقل المتطور الذي أدرك مخاطر استغلال البيئة والكوارث الناتجة من تلوثها، بعد أن أدرك مخاطر انتشار الأسلحة النووية و أسلحة الدمار الشامل من المواد الكيماوية والبايولوجية، فعمل على منع استعمالها على النطاق الدولي. و هذا يعني إن العقل المعاصر لازمة الجدية في السيطرة على المسائل التي تهدد عموميات البشرية. لذا فإن صاحب هذا الكنز الذي لا يقدر بثمن، وهو الإنسان الحامل لمشعل الأخلاق لقادر أن يضع التطورات البايولوجية الجديدة والتطورات اللاحقة في هذا العلم و العلوم الأخرى في إطارها الصحيح وطريقها السليم ودربها الأمين وخطها الموزون، إجلالاً للخالق القادر الذي خلق فسوى، و احتراماً للحياة وتقديراً للحضارة وخدمة للبشرية جمعاء.

جدول رقم 1

مسيرة الاستنساخ في العالم وفي الخيال العلمي

السنة

الحدث

1950

أول نجاح لتجميد حيامن الثيران (بدرجة – 79مْ) لنقلها و استخدامها في التلقيح الصطناعي للأبقار.

1952

أول استنسال حيواني لضفدع من خلية جنسية.

1962

استنسال ضفدع من ضفدع صغير.

1978

استنسال هتلر.. و لكن في فلم أطفال من برازيل.

1978

ولادة أول طفلة عن طريق الإخصاب الخارجي (طفلة الأنابيب).

1978

نشر كتاب (في مرآته أو ضلالة) الأكثر رواجاً بسبب سرده قصة عن مختبر سري للهندسة الوراثية يحاول استنساخ مليونير أمريكي.

1982

إنتاج الفأر الجبار أو مايتي ماوس بقل جين هورمون النمو و ليس في أفلام الكارتون.

1985

أول خنزير مهندس وراثياً لإنتاج هورمون النمو البشري.

1986

أول أزمة أخلاقية: أمريكية اتفقت على استخدام رحماً للحمل بالتلقيح الأصطناعي ثم حاولت الاحتفاض بالطفل المولود.

1993

1996

أفلام أخرى للخيال العلمي تثير ضجة بسبب وقعيتها مثل الملفات و المتعدد و الحديقة الجوراسية. و أفلام كارتون عن الرجل العنكبوت الذي ظهر إنه نتج عن خطأ في عملية استنساخ بشري.

1997

الأعلام عن وجود نعجة دولي المستنسخة من خلية ضرع لنعجة أخرى.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة