الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

شوارع ملغومة وحقوق خانعة .. الحق الضائع بين تسارع الإرهاب وتباطؤ أجهزة الدولة

سعيد عبد الهادي

الالتصاق بالصفر!!

لم استطع اختراق الأفواج التي تجمهرت لحظة وقوع انفجار السيارة المفخخة في ساحة الطيران في الأسبوع الماضي وكانت الانفاق قد تسببت بغلق الشارع الذي يربط ساحة التحرير بساحة الطيران، ألسنة النار تعلو من السيارات التي قذفها الأنفجار على رصيف ساحة الأمة، وعمارة تحولت واجهتها إلى حطام، أما المحلات المجاورة لها فقد تخلعت أبوابها من هول العصف وتناثرت محتوياتها في عرض الشارع.

تركت التدافع مع الأكتاف المتزاجمة حول أفراد الشرطة العراقية وعناصر القوات الأمريكية الذين أشرعوا بنادقهم تحسباً لأي طارئ آخر. وسرت مبتعداً وأنا استعيد صورة أخرى لانفجار آخر، حدث في شارع الرشيد ليدمر أربع عمارات على جانبي مدخل شارع المتنبي لا فرق بين الاثنين، معظم من قتل كان من العراقيين ولم تكن العمارات تضم سوى مخازن للكتب وورش للصناعات البسيطة.

لم يحصد انفجار شارع الرشيد ذاك سوى أرواح وأملاك العراقيين، بعد يومين من الحادث هدأت ألسنة النار واستطاع أصحاب المخازن والورش الدخول إليها للوقوف عند آخر صورة لما بنته أيديهم، خلال نضالهم للعيش طوال حكم النظام الدموي السابق، لم يبق إلا الرماد، إن استطاعوا نفضه عن ألبستهم، فمن الصعب عليهم أن ينفضوه عن ذاكرتهم.. (محمد صاحب) أحد المقربين منهم قال لي: قدروا اضرارهم وذهبوا بها إلى مركز شرطة باب المعظم، ولا أحد منهم يعلم حتى الان هل تحولت اوراقهم إلى مسودات للمخاطبات الرسمية أو انها اهملت؟ في أحد الأدراج المنسية، كل شيء ضاع بين تصاعد الإرهاب وتباطؤ الدولة، وكان عليهم أن يبدأوا من الصفر في بلد تغمره الصحراء لا شيء.

سجلوا أسماءنا ولا نعرف!!

ويبدو أن ما سببه أنفجار شارع الرشيد ذاك من خسائر للمحلات المجاورة لم يلتفت إليها أحد سيتكرر عند كل تفجير جديد، وفي عودة إلى حادث السيارة المفخخة في ساحة الطيران قال لنا صباح حنطة صاحب محل لطبع الأفلام والتصوير عما أصاب محله: (عند حدوث الأنفجار في الساعة الثامنة والربع تقريباً كنا في الطريق إلى المحل وحين وصلنا وجدنا كل شيء قد تحطم، برغم البعد النسبي لمحلنا عن موقع الأنفجار، البوابة الحديدية المحصنة اقتلعها العصف ورمى بها وسط الشارع، المعرض تهشم وتطايرت معروضاته بين الأنقاض) كان يتحدث وغصة كبيرة تبتلع كلماته التي خرجت بصعوبة وحين سألته عن التعويض، أجاب (بأن فريقاً من أعضاء الدفاع المدني قاموا بتسجيل أسماء أصحاب المحال المتضررة، ولا ندري الغاية من هذا التسجيل، هل لتعويضنا أم لمجرد جرد الأسماء فقط، ونحن بدورنا لا نعتقد أن ثمة تعويضاً حقيقياً، ولا نعرف جهة رسمية نطالبها بالتعويض).

أحد أصحاب المحال حين عرف طبيعة مهمتي قادني بصمت يريني واجهة محله التي تهشمت بالكامل ولم يبق من معروضاتها شيئ، ثم أشار بأصبعه إلى أرضية المحل حيث ما زالت تعلوها الأتربة، ثم اصطحبني ليريني باقي المحال المجاورة، وعاد إلى محله وهو يحرك رأسه استياءً.

العمارة المجاورة للعمارة المدمرة - من الجانب الآخر، افترشت المحال طابقها الأرضي والطوابق الأخرى أجرت شققاً للطلبة، علي هادي (طالب في كلية الهندسة) تحدث عن الضرر الكبير الذي لحق بالعمارة بالكامل وشققهم بصورة خاصة. وقال: (ما من أحد سألنا كيف انتم؟ فكيف نتحدث عن تعويض الأضرار، هكذا علينا أن نخضع للإرهاب مع صمت الدولة، إذا كانوا قد قتلوا أمريكياً فقد قتلوا أربعة عراقيين مقابله وجرجوا عشرة، هذا تخريب، عشرون قتيلاً وخمسون جريحاً وسبع عمارات تضررت، مقابل ماذا.. تحطيم سيارة أمريكي وقتل أربعة مقاولين، لا نريد تعويضنا، بل نريد أن نسلم على حياتنا من هذا العنف الذي أكل الأخضر واليابس.

دمروا بيتي واليوم محلي وغداً ربما طالني انفجار ثالث

تحدث بانفعال عن الانفجار وبانفعال أكبر حينما علم بأنني صحفي: (بلد فيه هذا العدد من الصحف، وعدد مواز من قنوات الإعلام، والكل بالنسبة لهم نحن مجرد موضوع صالح للحديث اليومي عن الشارع العراقي الدامي، وإلا من يسمع حديث الصحافة، هل عرضت مشكلة في صحيفتكم وسمعتهم أنها حلت!؟ مللنا الصحافة ووكالات الأنباء! لقد دُمر بيتي في انفجار سابق في الكرادة، ولم أحصل إلا على حديث في فضائية عربية عن الانفجار، والبارحة دمروا محلي، لقد كتب علي أن أدور بين الأنقاض، منذ سقوط النظام السابق حتى اليوم... أنا احترم الصحافة ولكن لا جدوى من الحديث معك، لأنه ليس أكثر نفعاً من أحاديث المقاهي فليست هناك دولة تسمع!) تدخل السيد رعد كاظم حمزة بالقول: (دعنا من التعويضات والمطالبة بها!) وقال لي: (لم يقم بحماية المحال التي تعرضت للضرر المباشر من الانفجار إلا أصحابها، ولولا تعاونهم، لسرقها اللصوص أمام أنظار الشرطة)! ثم سحبني باتجاه العمارة التي دمرها الانفجار، وأشار إلى شخص أسودت ملامحه من الدخان يرتدي (شورتاً) قصيراً) وبعد أن تأكد من رؤيتي لهذا الشخص قال: أنه أحد المنحرفين من أبناء هذه المنطقة (البتاوين)، منذ صبيحة الانفجار حتى هذه الساعة وهو يقوم بإخراج الانقاض وبيعها أمام أنظار الشرطة والناس، وما من أحد يسأله لماذا؟ ألا يكفي الخراب الذي حل بصاحب العمارة وأصحاب المحال المؤجرة فيها) ثم تحول ببصره صوب الرصيف المقابل للشارع، وسألني (هل تعرف ماذا يفعل هؤلاء المتجمهرون حول السيارة، إن أحدهم خلع خاتماً من يد أحد الموتى، فأي تعويض نتحدث عنه؟، ما نطلبه حمايتنا من هؤلاء السراق الذين لا يمتلكون حياءً ولا رحمة).. وهنا تدخل أحد المنفعلين مع الحديث السابق بالقول أن أفراداً من الشرطة متفقون مع هذه العصابات، وإن مخزن للمشروبات سرق لصالح أولئك الأفراد أنفسهم) وختم حديثه بالقول: (يجب حمايتنا ليس من العصابات فحسب، بل ومن بعض عناصر الشرطة المسيئين لشرف مهنتهم أيضاً) تعالت بعض الأصوات مؤيدة لما يقوله، وأخرى تسحبني باتجاه الأنقاض التي يجمعها عمال تنظيف على الأرصفة، ما زالت رائحة الدخان تنبعث في المكان، والعمارات التي استولى عليها السراق لم يبق فيها سوى جدران ولافتة تنعى أحد أصحاب المحال.

وفي الوقت الذي دخلت للحديث عن التعويضات، وضرورة تأمين أرواح وممتلكات العراقيين، خرجت بحديث عن السرقة (والحواسم) وفقدان الأمن، وغياب الأجهزة الأمنية. وكأننا قد كتب علينا الدوران في الحلقة نفسها.. وما حدث من تشكيل أجهزة أمنية بدا إعلاناً عن زمن بعيد.. بعيد.


الأقارب والعقارب

محمد الحمراني

في الأشهر الأخيرة انتشرت، ظاهرة غريبة، ربما لم يكن لها وجود سابق إلا في داخل (العائلة الحاكمة)... فبعد أن أصبح رجال الحماية للشخصيات المهمة في البلد من أقربائهم، سرت أمراض تشجع الولاءات والانتماءات، وكانت أكثر هذه الانتماءات شيوعاً هي ذات الطابع العشائري، الذي ينطلق في تبني الديمقراطية القادمة وفق مبدأ: (الأقربون أولى بالمعروف) ولم يتوقفوا عند حدود معينة.. فقد أصبح كل واحد منهم (كلندايزر) في مجاله: فإذا ما حصل عقد عمل لمجمعات بناء، يتحدث هذا المسؤول عن قريب له أنشأ أغلب المباني في أوروبا الشرقية وأشرف على المساكن النموذجية في الصومال. وإذا صادف حديث عن الخبرات التجارية يتحدث المسؤول الآخر عن قريبه، الذي أمضى حياته في أسواق اليابان وأشرف على ثلاثة مصارف في جزر القمر. هنا لا أريد أن أطعن بأحد ولكنني اتعقب أثر ظاهرة خطيرة... فقبل أيام التقيت أحد القادة الكبار في الشرطة العراقية وقال لي صراحة بأن لديه أكثر من (50) شرطياً أغلبهم من أقاربه وأضاف: (أنا مطمئن منهم!).. عجباً هل يتحذر هذا الضابط من الخيانة.. حتى يعين (فوجاً) من الشرطة أغلبهم من عشيرته. وهناك بعض الدوائر تتصرف بآفاق أوسع فهي لا تعين موظفين لا ينتمون لحزب رئيس الدائرة أو من يزكيه من اصدقاء المدير أو جيرانه من خلال ورقة صغيرة معنونة: من ابي (فلان) إلى استاذ (علان) في الأغلب يكتب فيها: (أود أن أعلمك أن حامل الرسالة توفي والده وهو يوزع منشورات الحزب (-) وهو يناضل منذ سنوات للقضاء على الزمرة البعثية وأرجو إدراجه ضمن قائمة مناضلي الحزب لأنه خلال الفترة الأخيرة لحكم صدام كان يفكر بجدية في كيفية الخلاص منه) مثل هذه الورقة في أحيان كثيرة تشترى بالعملة الصعبة... فأحد الشباب قال لي بأن وسيطاً طلب منه (300) دولار من أجل إدراجه ضمن قوائم تعيينات الشرطة.وشاب آخر ذكر لي أن خروفاً ومعه (500) ألف دينار كان وراء تعيينه في حماية المنشآت الصحية، وأنه اشترى شهادة السادس الإعدادي من أحد أسواق التزوير وهو الآن مسؤول عن أكثر من عشرين شرطياً.. مثل هذه الأشياء ربما تكثر في المناطق البعيدة عن العاصمة التي كما أكدنا لا يكون فيها التقييم على أساس الدرجة العلمية أو الحضور الاجتماعي ولكن للسلطة العشائرية وإلا كيف يمكن تعيين مدير ناحية لا يمتلك شهادة الثانوية بينما يجلس قاض من المدينة ذاتها في منزله.إن أي مسؤول يسعى إلى تعزيز هذه الظاهرة سيكون مصيره مشابهاً لمصير صدام!إن وضع الأشخاص في المناصب والأشغال العامة على وفق الكفاءة والنزاهة وإعطاء كل صاحب حق حقه هو الحل الأسلم وإلا فالأيام القادمة ستشهد الكثير من الفضائح.. وهذا سيجعلنا نستعير مثلاً تردده العجائز دائماً: (الأقارب... عقارب).

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة