الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

 

استعاد السيادة دلالات واستحقاقات اقتصادية واجتماعية

اسعد العاقولي

بين الاحتلال والخطة الممهدة لاستعادة السيادة فاصل زمني امتد لاربعة عشر شهراً..، ورغم ما عرف عن العراقيين صبرهم الجميل، وقدرتهم على مواجهة المشاكل والمعضلات، فقد اجملوا على فرض ظاهرة الاحتلال من حيث المبدأ في عصر تتمثل احدى سماته البارزة في الارجحية المطلقة لارادة الشعوب القابلة للتجاوز في ادارة شؤون بلدانها بحرية، وعندها تباينت المواقف من الممثلين، ولكن في اطار الرفض ذاته، بحيث تغلب الوعي في التعامل مع الظاهرة المؤقتة الاكثر من سلبية إلى حين أن تتحقق إمكانية انهاء الاحتلال واستعادة السيادة في أقرب فرصة ممكنة، وكان لنا ذلك، الامر الذي يجسد مدى الاهمية الكبيرة لهذا الحدث التاريخي الذي أعاد إلى العراق وجهه الناصع من جديد، ولتنتهي إلى الابد اشكالية التقاطع بين سقوط النظام واحلال بديل متناقض مع المصالح الوطنية للبلاد متمثلاً بالاحتلال.

وإذا نظرنا إلى قراري الاعتراف بالاحتلال، ومن ثم البدء باستعادة السيادة بواقعية وعقلانية، نجد أنهما فرضاً استجابة لقاعدة الاقرار بالامر الواقع، رغم أن الاول يتسم بوطأته الثقيلة على جميع الاطراف، وفي طليعتها الشعب العراقي، فيما يتميز الثاني بأزالة هموم وشواغل لا يمكن تقويم اثارها وإنعكاساتها السلبية بسهولة، لا سيما أنها ستبقى ملازمة للواقع الوطني فترة ليست بالقصيرة، وعالقة في اذهان الناس لامد بعيد. ومثلما أولئك الذين يركزون في طروحاتهم على الطبيعة الصورية أو الشكلية لاستعادة السيادة، فان المبالغة بحدود معينة قد تندرج على من يتصور بان مهمة استعادة السيادة قد تحققت بمجرد استكمال إجراءات نقل السلطة إلى العراقيين، وهذا بالذات ما ينبغي أن ندخله في الحساب، ونعمق وعي الناس به على اساس أن بعض مظاهر الاحتلال سيبقى ملازماً للمشهد العراقي فترة من الزمن، وإن ازالتها ستتخذ بعداً متدرجاً، فيما تم استبدال المظهر العسكري للمحتلين بالقوات متعددة الجنسيات على وفق قرار مجلس الامن المرقم 1546.

وفي المجال الاقتصادي ليس من المتوقع قطعاً أن تتم دفعة واحدة معالجة ذلك الركام من القررات ذات الطبيعة المستعجلة وغير المدروسة بصورة مستفيضة، لكي تجري إعادة صياغتها على أسس سليمة وقاعدة ثابتة تتوافق مع المصلحة الوطنية للعراق، وتطلعات شعبة نحو مستقبل افضل. فقصة الاعمار وإعادة البناء قد يطول سردها، ولكننا سنركز على جوانبها الرئيسة من اجل تأمين التفاعل بدقة وحرص مع الاموال الممنوحة، وضمان فاعلية أنجاز المشروعات المشمولة بالتخصيصات المقررة تبعاً لما يلي:-

أولاً:- في اطار المنحة الامريكية البالغة (18.6) مليار دولار قد يحق للولايات المتحدة، كما تؤكد دائماً، أن تحافظ على أموال دافعي الضرائب باحالة المشروعات المشمولة على شركات أمريكية، مهما كانت طريقة استدراج العروض، تنافسية أو غير تنافسية، وكذلك صيغة التعاقد. والمهم بالنسبة للحكومة العراقية المؤقتة أن تؤمن، بالتنسيق مع الجهات الرسمية الامريكية، إمكانية مراقبة تنفيذ المشروعات على وفق مضامين العقود المبرمة لكي لا يصار لاهدار الاموال والتعاقد من الباطن مرحلة أو اكثر بحيث يتم امتصاص التخصيصات من قبل الشركات تباعاً، وتؤول المنحة الامريكية في نهاية المطاف إلى حدود دنيا قد لا تشكل ربع قيمتها الاصلية، أن لم يكن اقل من ذلك، كما ان الضرورة تدعو إلى الزام تلك الشركات بتشغيل نسبة من العامليين العراقيين تمثل الغالبية، إلا في الحالات التي تتطلب تخصصات وخبرات غير متاحة في العراق.

ثانياً:- وفيما يتصل بالاموال الممنوحة من الدول والمؤسسات التمويلية الاقليمية والدولية الاخرى، فان مداخلة الحكومة العراقية المؤقتة ينبغي أن تتخذ مديات اوسع واكثر شمولاً، بحيث تتضمن توجيه تلك الاموال إلى القطاعات التي يترجح أحتياجها، فضلاً عن امكانية احالة المشروعات على شركات عراقية، او توفير الاجواء الملائمة لشراكات بين عراقيين وعرب واجانب في استدراج عقود المشروعات وتنفيذها على وفق صيغ التعاقد الاكثر سلامة وشفافية.

ثالثا:-وبطبيعة الحال، تكون لحصة العراقيين غالبية مطلقة في عقود المشاريع الممولة وطنياً، إلا في الحالات التي تبدو فيها الحاجة ماسة لتقنيات وخبرات اجنبية من شركات متخصصة ومتقدمة في ميادين البناء المختلفة.

وهناك الكثير من القضايا الاقتصادية ذات الصلة باستعادة السيادة والتي ظلت معلقة وغير محسومة أو مستكملة، وفي مقدمتها:-

-الكيفية التي تدار بها الاموال المودعة في صندوق تنمية العراق، التي كان يتحكم فيها رئيس الادارة المدنية المؤقتة تحت اشراف مجلس للرقابة مثقل بالمستشارين الامريكيين، فيما يضم بين صفوفه منسقين من صندوق النقد والبنك الدوليين، فضلاً عن ممثل لوزارتي التخطيط والمالية. وسعت الادارة الامريكية إلى ابقاء الرقابة الدولية على إدارة اموال صندوق تنمية العراق وهي عراقية خالصة، حيث تؤكد الحكومة المؤقتة مسؤولة مباشرة عن هذه الاموال وكيفية انفاقها على القطاعات الاكثر احتياجاً في البلاد، فضلاً عن ضرورة نقل الاموال إلى العراق بدلاً من بقائها في الخارج.

-وصدرت خلال فترة الاربعة عشر شهراً من الاحتلال قوانين وقرارات عديدة دون أن تحدد الية تطبيقها، والمثال البارز بهذا الشأن هو قانون الاستثمار الاجنبي.

-كما أن من بين القضايا التي لم تحسمها سلطة الاحتلال إعادة هيكلية منشآت ومشاريع التصنيع العسكري التي تضم اعداداً كبيرة من العاملين.

-وتأتي مسألة المستشارين والمفتشين الاميركان والانكليز في الوزارات والادارات المختلفة الذين ينبغي أن يتحدد الموقف من بقائهم أو عدمه على وفق الحاجة الماسة اليهم، لاسيما في ضوء واقع التكاليف الكبيرة لتواجدهم والاثار النفسية السلبية التي تنم عن استمرار هذا التواجد. ومن المتوقع أن يتضمن برنامج الحكومة العراقية المؤقتة طروحات موضوعية وحلولاً ومعالجات مدروسة للمشاكل والمعضلات ذات الاولوية المرجحة في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وفي طليعتها إعادة الحيوية والنشاط لقطاعات الاقتصاد الوطني وتدعيم التدابير والاجراءات التي من شأنها تخفيف معدلات البطالة وتاشير الآفاق المستقبلية لمعالجتها، بالاضافة إلى تحديد سبل تنشيط وتفعيل عمليات الاعمار وإعادة البناء التي لازمها التلكؤ ابان المرحلة السابق، وكذلك صياغة وسائل وأساليب فعالة للغاية من اجل مواجهة ظواهر الفساد والبيروقراطية وتدني مستوى كفاءة أداء المؤسسات الاقتصادية، والانتاجية والخدمية، وما إلى ذلك. إن استعادة السيادة العراقية الوطنية ينبغي أن تشكل منطلقاً للتحرك نحو افاق مستقبلية في مجالات البناء والتنمية تتوافق مع مستوى اهمية الحدث التاريخي ودلالاته واستحقاقاته الكبيرة التي علنا أن نعطيها ثقلاً مميزاً من اجل تكريس الاستقرار والامن والاستجابة لمطالب المواطنين وتخفيف همومهم وشواغلهم.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة