الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

الاحكام العرفية بين المتطلبات والاستثناءات

المحامي هاتف الاعرجي

الاحكام العرفية تدبير استثنائي - تلجأ اليه السلطة التنفيذية - الحاكمون- عند الضرورة القصوى للدفاع عن كيان البلاد او عن النظام القائم، كلما تعرض هذا او ذاك الى خطر جسيم داهم، كما في حالات الحرب او الغزو الخارجي، او الثورة المسلحة او التمرد او العصيان، او حدوث اضطرابات جسيمة تخل بالامن اخلالاً خطيراً واصبح من المتعذر مجابهة هذه الحالات الاستثنائية بالسلطات الاعتيادية التي تملكها السلطة التنفيذية.

هذا ما اورده المرحوم الدكتور عبد الله البستاني في مذكراته حول الدستور. ويترتب على اعلان الاحكام العرفية تقييد الحريات العامة وتعطيل الضمانات التي يقررها الدستور لحمايتها، وحلول السلطة العسكرية محل السلطة المدنية في تسيير دفة الحياة المدنية مباشرةً. وتختلف الصورة في مثل هذه المفاهيم ما اذا كان نظام الحكم ديمقراطياً او مستبداً، ولهذا نجد الدول الديمقراطية وبخلاف الدول ذات الحكم الفردي، تحرص كل الحرص على تقييد استعمال حق اعلان الاحكام العرفية في دساتيرها، ومن ثم لا تسمح بممارستها الا في حالات استثنائية، وبشروط معينة، وذلك للحيلولة دون حرمان الافراد من التمتع بالحريات والحقوق المقررة لهم في الدستور، ودون تنحية السلطة المدنية عن القيام بدورها الطبيعي في ادارة الشؤون العامة بدون مسوغ مشروع.

ويجب ان لا يغرب عن البال بالنسبة الى الاحكام العرفية وخاصة في ظروفنا التي نشهد فيها حملة ارهابية تشترك فيها كل العناصر التي لا تريد للعراق خيراً، العراق الحر الديمقراطي الفيدرالي التعددي وتستهدف العراق شعباً ونظاماً.

لا يغرب عن البال امران وهما:

اولاً: ان الاحكام العرفية التي تنص عليها الدساتير هي نظام سياسي بالرغم من وجود اوامر عسكرية وحتماً ستكون هناك محاكم عسكرية، ولهذا فليس هناك مجال للخلط بين هذا النظام وبين نظام الاحكام العسكرية التي تمارسه السلطات العسكرية في مناطق الغزو والذي يكاد من المتعذر معرفة حدوده القانونية. على ان السيد رئيس الوزراء (اياد علاوي) قد اشار في احاديثه من ان تجربة العراق تمر بظروف استثنائية تستدعي اتخاذ اجراءات امنية استثنائية لحين التمكن من سحق القوى المعادية، ونحن نناقش والقول للسيد رئيس الوزراء اعلان بعض حالات الطوارئ في بعض المناطق على ان تتم مراعاة حقوق الانسان والقوانين الدولية، وان المهم هو ضرب القوى المعادية بإنشاء قيادة فعالة ونظام سيطرة كامل وشامل يسمح بتكامل هذه القوى. وما دامت القوى الوطنية التي تمثل الشعب العراقي بكل اطيافه تقريباً ممثلة في الحكومة فلن تكون هذه الاجراءات الامنية التي ستتخذها الحكومة على حساب الشعب عبر قوانين استثنائية وانما من خلال جهد حكومي وشعبي دؤوب بإتجاه الاسراع في تعزيز السلطات الامنية وبناء وسرعة بناء القوات المسلحة القادرة على حماية حدود الوطن.

ثانياً: ان من الخطأ الاعتقاد ان اعلان الاحكام العرفية وتطبيق قانونها الخاص يزود الحكومة سلطات مطلقة او ينشئ حكومة مستبدة. صحيح ان الاحكام العرفية تعطل، والى مدى، اغلب الحريات العامة، الا ان قانونها نفسه يبين الحدود والاوضاع التي يصح للحكومة ان تلجأ اليها. وليس ادل على ذلك من ان قانون الاحكام العرفية الفرنسي الصادر في 9 آب 1948، بعد ان نص على ما يجوز للحكومة ان تتدخل فيه قرر في المادة 11 منه على ان يظل للمواطنين، رغم قيام الاحكام العرفية، الحق في ممارسة الحقوق التي نص عليها الدستور والتي لم تعطلها نصوص الاحكام العرفية. وهذا ما يجب ان نذكر بأنه مهما بلغ امتداد سلطات الحكومة عند اعلان الاحكام العرفية فإن البرلمان (المؤتمر الوطني) الذي هو في دور الانشاء الحق في رقابتها ووضع الحدود العامة لسلطانها عن طريق سن القوانين او نزع الثقة عنها - وذلك بعدم قابلية احكامها على التنفيذ في حالة اصرارها على تجاوز الحدود المعقولة في تقييد حقوق وحريات المواطنين.

ولطول مدة حكم العراق حكماً عرفياً منذ صدور مرسوم الادارة العرفية في 14/5/1935 ولأكثر من اربع عشرة سنة، او قانون السلامة الوطنية رقم 4 لسنة 1965 والذي كان من نتائجه اعطاء الحق للسلطات في تشكيل المحاكم الاستثنائية وتعطيل القوانين وكان بحجة بسط الامن والاستقرار فإنتشر الاستبداد والتسلط. لذا كان من الطبيعي ان يولي رجال السياسة والقانون الاحكام العرفية عناية خاصة بوضع ضمانات في الدستور للحيلولة دون تعسف السلطة التنفيذية في اعلانها وممارستها ولعل اهم هذه الضمانات هي:

1. النص  في الدستور على عدم جواز اعلان رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء الاحكام العرفية الا بعد موافقة (البرلمان) (المؤتمر الوطني).

2. النص في الدستور على عدم اعلان الاحكام العرفية الا في حالة الحرب او وقوع اضطرابات جسيمة تخل بالامن اخلالاً خطيراً او ظروف استثنائية حرجة كأعمال العنف والتخريب وتهديد الشعب في ممتلكاته ونفسه.

3. النص في الدستور على بقاء المجلس الوطني (المؤتمر الوطني) في حالة انعقاد دائم ما دامت الاحكام العرفية معلنة. مع الاعتراف له بحق تحديد الاحكام العرفية في مناطق معينة من البلاد وتحديد صلاحيات الحاكم العسكري، وانهاء الاحكام العرفية اذا ارتأى ذلك، على ان تصدر قرارات المجلس الوطني بالاغلبية المطلقة في هذه الحالات.

4. النص في الدستور على وجوب تحديد الاحكام العرفية بمدة تقترح ان تكون ثلاثة اشهر، قابلة للتجديد بعد موافقة المجلس الوطني (المؤتمر الوطني) وهذا القيد لا يحول دون انهاء المجلس الوطني لها قبل ذلك وليصدر قراره بهذا الشأن وبالاغلبية المنوه عنها اعلاه.

5. النص في الدستور على عدم جواز المساس بحقوق وحريات الافراد التي لم تقيد بموجب قانون الاحكام العرفية. والنص ايضاً على عدم جواز المس بمبدأ الحصانة البرلمانية لأعضاء المجلس الوطني (المؤتمر الوطني) بأي حال من الاحوال.

6. وضع نص خاص في الدستور يتم بموجبه تنظيم سلطات الحاكم العسكري في تحديد الحرية الشخصية ونرى ان يستند هذا التنظيم الى الاسس التالية.

7. عدم جواز توقيف الشخص لمدة تزيد على سبعة ايام دون توجيه تهمة اليه - ويطلق سراحه وبقوة القانون عند انتهائها ان لم توجه تهمة للموقوف.

2. عدم جواز توقيف المتهم لمدة اكثر من اسبوعين واذا لم تجدد المدة يطلق سراحه بكفالة لو بدونها فوراً.

3. يجب احالة المتهم الى المحاكم اثر انتهاء التحقيق معه او اطلاق سراحه بكفالة - مع الاخذ بحالات الاستثناء التي لايجوز عندها اطلاق سراح المتهم فيها بكفالة.

4. عدم جواز حجز الشخص او ابعاده الا عند الضرورة القصوى ولمدة لا تتجاوز الشهرين قابلة للتجديد بعد موافقة محكمة التمييز.

5. النص في الدستور على جواز محاكمة الافراد العاديين خلال الاحكام العرفية امام مجالس عسكرية خاصة بشرط ان تتكون هذه المجالس من اكثرية حقوقية مدنية، وان تكون احكامها خاضعة للتمييز امام محكمة تمييز عسكرية تتكون من اكثرية حقوقية مدنية ايضاً. واخيراً فلا بد ان تكون هناك ضمانات كفيلة بعدم خروج الاحكام العرفية عن الاغراض المعلنة من اجلها، ولا بد ايضاً عدم جواز الاعفاء من المسؤولية المترتبة على الاخلال في ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الاحكام العرفية، او محاولة تجاوز الرقابة البرلمانية الكاملة لقانون تنظيم الاحكام العرفية وضمن الحدود المقررة فيه.

 


في الميزان  العودة الى الحياة الدستورية

عادت الحياة الدستورية التي انتهت بإنتهاء العهد الملكي بعد ثورة 14 تموز 1958.

نقول اليوم عادت الحياة الدستورية، بعودة الحياة الى المجرى الدستوري والقانوني، الذي يعد هو الشريان الذي يغذي سيادة القانون في البلاد.

ويجسد حكم القانون صورة العدالة التي ينشرها العراقيون، منذ الاطاحة بالحياة الدستورية التي كانت تحكم الحياة السياسية في البلاد ايام العهد الملكي. على محدودية هذه الممارسة التي كانت سبباً في الثورة على ذلك العهد.

ولكن هل يمكن القول اننا دخلنا بالفعل مرحلة الحياة الدستورية الكاملة، بإنتقال السيادة الى الحكومة العراقية التي تحتكم الى الدستور الانتقالي او ما سمي بقانون ادارة الدولة؟

ان غياب سلطة الدستور الدائم عن الحياة السياسية والاجتماعية، طيلة هذه السنوات ترك فراغاً كبيراً في تراكمية الخبرة القانونية والدستورية، وخاصة ما يعنى منها بالدستور بإعتباره قانون الدولة الاساس الذي يحكم تنظيم الحياة العامة في البلاد.

ولذا فإن المرحلة الانتقالية القائمة، التي تمتد حتى موعد اجراء الانتخابات العامة التشريعية المقررة نهاية العام الجاري او بداية العام القادم.

والتي ستشهد ممارسة دستورية مستندة الى الدستور الانتقالي، يمكن ان تشكل تمريناً دستورياً متقدماً، يمهد للانتقال الى اقرار الدستور الدائم الذي ينظم الحياة في بلادنا، ويقود التمسك به، والالتزام بنصوصه الى اشاعة العدالة وبالتالي الاستقرار والسلام الاجتماعي في العراق.

ان هذه الممارسة تشكل اساساً معقولاً لإعتبار مرحلة انتقال السيادة، وتفاصيل تنفيذ القوانين والانظمة والقرارات الدستورية شكلاً من اشكال الممارسة الفعلية للحياة الدستورية، وهي بالتأكيد صالحة للمراقبة والتقييم والاجتهاد من قبل مراجعنا الكرام في مثل هذا التخصص الدقيق والضروري من الدستور والقانون.

وفي الوقت الذي نهنيء فيه ابناء شعبنا كافة، على انتهاء مرحلة مصادرة الدستور والقانون، وهي مرحلة فوضى قانونية بكل معنى الكلمة، وعودة الروح الى الارادة الوطنية العامة والحرة في صياغة ما ينظم حياتنا، فإن كل اساتذة القانون والمجتهدين في ذلك، من حقوقيين وقانونيين ومحامين، يمكن ان يدلو بدلوهم، فيما نحن فيه، وستجد هذه الاجتهادات النبيلة، كل الاهتمام منا في موضوع النشر

المحرر

 


من قرارات محكمة التمييز  اقرار مبدأ تبسيط الشكلية

نص قرار محكمة التمييز المرقم 1118/ مدنية اولى بداءة/ والمؤرخ في 28/12/1980 على:

لدى التدقيق والمداولة وجد ان الحكم المميز غير صحيح ذلك لأن المحكمة ردت الدعوى بحجة ان عريضة الدعوى تضمنت طلب فسح العقد بينما كان المطلوب ان تتضمن طلب الحكم ببطلان العقد لأن العقد الباطل لا يلحقه الفسخ دون ان تلاحظ ان المدعي يبغي من دعواه استرداد المبلغ الذي دفعه للمدعي عليها على حساب ثمن العقار الذي اشتراه منها خارجياً وبما ان المادة الاولى من قانون الاثبات اعطت المحكمة السلطة الكاملة في توجيه الدعوى وما يتعلق بها من ادلة بما يكفل التطبيق السليم لأحكام القانون وصولاً الى الحكم العادل في القضية المنظورة وان المادة الرابعة منه قضت تبسيط الشكلية الى الحد الذي يضمن المصلحة العامة ولا يؤدي الى التفريط بأصل الحق المتنازع فيه فقد كان على المحكمة ان تمارس دورها الايجابي في تسيير الدعوى بما يحقق الغاية من فحوى النصوص المذكورة بأن تسأل وكيل المدعي عما يقصده من تعبير (الفسخ) فإذا كان يقصد الحكم ببطلان العقد فتمضي بالدعوى وتصدر حكمها في موضوعها واذ انها اصدرت حكمها المميز بخلاف ذلك مما اخل بصحته فقرر نقضه.


المحكمة العليا في الدستور الانتقالي  عودة الى القانون والقضاء فيما لا يعرفه النظام الدستوري العراقي السابق

اضحت النظرية القانونية التي تنهض على مبدأ ان الخالق (الحاكم) لا يخضع للمخلوق (القانون) وان القانون وليد حكام الدولة ولا يمكن ان يصدع الوالد لأوامر من انجبه وان السلطة التي تصدر القانون لا تلتزم بالقانون الذي تصدره اثراً بعد عين اذ انطفأ سراج هذا المبدأ وافل نجمه بحيث اصبح لا يساوي شروي نقير في السوق القانونية. ذلك ان النظرية الحديثة التي نسودها النظام الدستوري لدول الديمقراطية واعتمادها النظام القانوني لاوطان الحرية تقول: بأن الدولة بحكامها وان كانت منظمة سياسية واجتماعية فهي ايضاًُ منظمة دستورية وقانونية تخضع لمبدأ سيادة القانون وتنقاد على وفق مبدأ سلطان التشريع شأنها في ذلك شأن الافراد. فقد انهارت في عالم اليوم النظرية الثيوقراطية (نظرية الحق الالهي في الحكم) التي تقول بأن عمل الحاكم لا يأتيه الباطل وتلاشت النظرية الاستبدادية التي ترى ان الحاكم هو القانون. فقد انتهى عهد من عتى بالسلطة وانقضى عصر من طغى بها.

فالله سبحانه جعل الناس مستخلفين في الارض يعمرونها بالسبيل الذي يرتضونه والمسلك الذي يرونه. ولم يعد الحكم حقاً لأحد وانما هو وظيفة وخدمة يمارسها الحكام في سلطاتهم التشريعية على وفق احكام دستورية ويتولوها في سلطاتهم التنفيذية طبقاً لقواعد قانونية. فهذه الاحكام وتلك القواعد هي الاساس التي يستمد رجال الدولة سلطاتهم وصلاحياتهم واختصاصاتهم بل وجودهم في الحكم منها. وبالتالي فإن بقاء اعمال الحكام وتصرفاتهم في نجوى من الالتزام بالدستور والتقيد بالقانون هو وثنية دستورية حديثة وجاهلية قانونية جديدة تحمل في اقل القليل مما تحمل انها ظلماً للخلق وجهلاً للحق. وعلى ضوء ما اسلفنا يمكن تفسير ما هو وارد في المادة (7/ خامساً/ ب) من قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 106 لسنة 1986 المنشور في جريدة الوقائع العراقية 3285 في 11/12/1989. من عدم اختصاص محكمة القضاء الاداري من النظر في القرارات التي يصدرها أي موظف حكومي طالما ان تلك القرارات جاءت تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية. فهذا النص حجب ولاية القضاء ليس عن النظر في قرارات رئيس الجمهورية فقط وانما منع

المحكمة من النظر في أي قرار يتخذه أي موظف مهما تصاغرت درجته الوظيفية طالما انه يدفع بأن الاجراء الذي اتخده كان تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية وبغض النظر عن الآثار الحاصلة عنه سواء كانت ضرراً في النفس او المال. وبغض النظر ايضاً سواء كانت هذه التوجيهات تحريرية مكتوبة او شفوية مسموعة. لا بل حتى لو رجع الموظف في دفعه الى الاقوال العامة التي يصدرها رئيس الجمهورية التي كانت سائدة مثاله (كل شيء من اجل المعركة) او (الامن مسؤولية الجميع).

وسوى تلك التوجيهات. ويزداد الامر بشاعة ويتفاقم الموضوع فضاعة اذا دفع الموظف بتوجيهات غير موجودة اصلاً. او بذريعة السرية والكتمان للتوجيهات. فأي ازدراء للقانون هذا؟!

لقد دانت الانظمة الدستورية الحديثة بمبدأ سيادة القانون وعلو القاعدة الدستورية وسموها على جميع تشريعات الدولة الاخرى . كونها في قمة الهرم القانوني وان أي موظف في الدولة مهما علت درجته الوظيفية او اية سلطة تشريعية كانت او تنفيذية عليها الالتزام بتلك المبادئ والسير على وفق تلك القواعد. وهذا ما تقرر في الدستور الانتقالي. ففي سيادة القانون نصت الديباجة على: (ان الشعب العراقي.. قد صمم على ان يظل شعباً حراً يسوسه حكم القانون.)

والمادة (3) نصت على: (ان هذا القانون الاعلى للبلاد ويكون ملزماً في انحاء العراق كافة وبدون استثناء وان أي نص يخالفه يعد باطلاً) والمادة (10) توجب على الحكومة الانتقالية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية بإحترام حقوق الشعب.

والمادة (22) حملت أي موظف المسؤولية الكاملة عن التعويض عن الاضرار الناتجة عن المنع من ممارسة الحقوق وسواء كان المسؤول في الحكومة الاتحادية او حكومات الاقاليم او المحافظات او البلديات او الادارات المحلية والمادة (24) قررت مسؤولية أي موظف او مسؤول في الحكومة عن الافعال الجزائية التي يرتكبها اثناء قيامه بوظيفته.

ان اعتناق هذه المبادئ والالتزام بهذه القواعد هو ايمان بالحكمة التي تقول ان كل صاحب سلطة يميل بفطرته الى الانحراف بالسلطة واساءة استعمالها وان الخطأ صفة ملازمة للطبيعة البشرية وحالة لا يمكن تجنبها وان الفيء الى الحق خير من التمادي في الباطل. وان ما يمكن حصوله من الافراد يمكن

حصوله من سلطات الدولة والموظفين العموميين.

ولأجل ضمان تنفيذ المبادئ وتأمين الالتزام بهذه القواعد فإن لابد من سلطة تتولى الرقابة وتسهم في تصحيح الانحراف اذا حصل لذلك جنحت الدول المتقدمة الى الاخذ بالرقابة الدستورية فأودعت الرقابة الى جهة معينة للنظر في موضوع الالتزام بالدستور والتقيد بالقانون.

وهذه الرقابة اما ان تكون من مهمة جهة ادارية فتكون رقابة ادارية او من مهمة جهة سياسية فتكون رقابة سياسية او تكون مهمة قضائية فتكون قضائية. وحيث استقر في فطر العقول القانونية المدركة ان ابلغ انواع هذه الرقابة هي الرقابة القضائية انفاذاُ لمبدأ الفصل بين السلطات القضائية ولكن لا يقاس ذلك بما يصدر من السلطات الاخرى.

ان اول اشكال الرقابة هي الرقابة الادارية ومثالها ما ورد في المادة (14) من الدستور العثماني والذي نص على: لكل فرد .. تقديم (عرضحال) (معروض-عريضة) عند وجود ما يخالف القوانين والانظمة كما يجوز لهم تقديم (عرضحالات) شكوى من افعال المأمورين (الموظفين). واكتفى الدستور بهذا النص دون تحديد لماهية الاجراءات التي سيتم اتخاذها او الامر الذي يترتب على هذه المعاريض (العرائض) اذا ثبت صحة ما ورد فيها. والامر ذاته يقال عن الدستور الملكي اذ اجاز في مادته (14) للعراقيين الحق في رفع معاريض (عرائض) الشكوى واللوائح في الامور المتعلقة بأشخاصهم او بالامور العامة.

فإسلوب الرقابة الادارية اسلوب عقيم لا جدوى منه ولا تحصيل. يذكرنا بيت من الشعر:

استودع الله ما لا استطيع له     شكوى على المحبة الا بالمعاريض

والشكل الثاني من اشكال الرقابة على دستورية القوانين هو الرقابة السياسية. ومن الدساتير التي تأخذ بالرقابة السياسية الدساتير الفرنسية وآخرها دستور سنة 1958. حيث يشكل مجلس يتولى الرقابة يتألف من رؤساء الجمهورية السابقين يضاف اليهم ثلاثة اعضاء يعينهم رئيس الجمهورية وثلاثة اعضاء يعينهم رئيس الجمعية وثلاثة يعينهم رئيس مجلس الشيوخ ومهمة هذا المجلس هي تدقيق القوانين قبل نشرها للتأكد من موافقتها لأحكام الدستور. وقد انتقد هذا النظام لأنه لا يسمح للافراد بالطعن بالقوانين امام المجلس وان طريقة تشكيله تجعل منه هيئة ارستقراطية لا تتفق مع مبادئ الديمقراطية

الحديثة وانه لا يوقف النزوات الاستبدادية. اما النوع الثاني من الرقابة فهي الرقابة القضائية ومثلها الدستور الامريكي اذ قررت المادة (3) تخويل السلطة القضائية لمحكمة عليا واحدة ومحاكم ادنى وتعتبر قضية (ماربيري) ضد (ماديسون) 1803 الوثيقة الاساس في حياة مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين فقد اكد القاضي مارشال رئيس المحكمة حينئذ ان قواعد الدستور تسمو على كل اعمال السلطات الحكومية بما فيها الكونغرس (السلطة التشريعية) وفي عام 1988 ارسى الكونغرس الاساس القانوني للاختصاص القضائي للمحكمة العليا. وقد قيل الكثير في الثناء على نظام الرقابة القضائية منها التأهيل القانوني للقضاء وما يحيط نظام التقاضي من ضمانات مثل علانية الجلسات وحرية التقاضي للافراد وحرية الدفاع والزام المحكمة بتسبيب الاحكام.

كما ان القضاء هيئة محايدة مستقلة. فمثلاً ان المحكمة العليا الامريكية تتكون من تسعة قضاة غير قابلين للعزل يعينهم رئيس الجمهورية ويعرف رئيس المحكمة بإسم رئيس العدالة وهو ثاني شخصية في الدولة بعد رئيس الجمهورية وقبل نائبه ويتقاضى المرتب ذاته الذي يتقاضاه الرئيس. وقد تم اعتماد الرقابة القضائية في الدستور الانتقالي (قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية) في المادة (44) التي نصت على انه يجري تشكيل محكمة في العراق وتسمى المحكمة الاتحادية العليا تختص بالنظر في الدعاوى بين الحكومة الانتقالية وحكومات الاقاليم وادارات المحافظات والبلديات والادارات المحلية والنظر في دستورية القوانين والانظمة والتعليمات سواء كانت صادرة من الحكومة الاتحادية او الحكومات الاقليمية او المحافظات او البلديات او الادارات المحلية وتقرر الالغاء اذا كان لا يتفق مع الدستور الانتقالي.

وهكذا فاء الدستور الانتقالي العراقي الى المبادئ المستقرة في الدولة المتحضرة بإثباته الرقابة القضائية على ما تصدره السلطة التشريعية الانتقالية (الجمعية الوطنية) والمجلس الوطني الكردستاني من قوانين وعلى ما تصدره السلطة التنفيذية من مجلس الرئاسة والوزراء في الحكومة الاتحادية ومجلس وزراء كردستان وجميع هيئات وموظفي الدولة من انظمة او تعليمات او اجراءات. وبذلك فإن الدستور الانتقالي بتشكيله المحكمة العليا قال حقاً ونطق صدقاً ففاز سبقاً على جميع الانظمة الدستورية

العربية وكثير من الدول الاجنبية وعلى الانظمة الدستورية العراقية اذ لم يعهد النظام الدستوري العراقي مثل هذه المحكمة بالاختصاصات المذكورة ابتداءً من الدستورالعثماني 1876 مروراً بالدستور الملكي 1925 ودستور الجمهورية الاولى 1958 ودستور 1963 ودستور 29/ نيسان 1964 (دستور الاخوين عارف) وانتهاءً بدستور 1970 النافذ لغاية  9/4/2003.

فكانت هذه المحكمة وبحق انتفاضة دستورية لعملاق ووثبة قانونية لخلاق. جديدة في هذه البلاد وحديثة في حقوق العباد اما بالنسبة لتكوين المحكمة فقد قررت المادة (44/هـ) من الدستور الانتقالي ان المحكمة العليا الاتحادية تتكون  من تسعة اعضاء وبعد تشاور مع المجالس القضائية للاقاليم يقوم المجلس الاعلى الذي يتشكل من رئيس المحكمة العليا ورئيس ونواب محكمة التمييز الاتحادية ورؤساء محاكم الاستئناف الاتحادية ورئيس كل محكمة اقليمية للتمييز ونائبيه كما نصت المادة (45) بترشيح ما لا يقل عن (18) ولا يزيد على (27) قاضياً حيث يتولى مجلس الرئاسة الموافقة على تعيين تسعة منهم وتسمية احدهم رئيساً للمحكمة العليا. وفي حالة حصول شاغر يتم ترشيح ثلاثة قضاة لكل شاغر لاحق. حيث يختار مجلس الرئاسة واحداً منهم. ولكن في جميع الاحوال يجب ان يصدر قرار مجلس الرئاسة في الاختيار والتعيين بالاجماع ذلك ان المادة (36/ ج) اشترطت الاجماع في كل قرار يتخذه المجلس ولا غرو في ان الموافقة هذه هي من القرارات حيث يتطلب فيها الموافقة بالاجماع.

وكم كان الاولىبالدستور الانتقالي ترك موضوع تعيين رئيس المحكمة الى الانتخاب بحيث يوافق مجلس الرئاسة على تسعة اعضاء وهؤلاء ينتخبون من بينهم رئيس المحكمة على نحو ما فعل قانون المحكمة الجنائية رقم(1) لسنة 2003 الخاص بالجرائم ضد الانسانية. واذا كان الدستور الانتقالي لم يحدد مدة لفترة العمل في هذه المحكمة. فإنه يمنع من عزل القاضي الا بتحقيق عدة شروط اولهما الا دانه في جريمة مخلة بالشرف او الفساد وثانيهما ان يوصي مجلس القضاء بالعزل وثالثهما قرار من مجلس الوزراء ورابعهما موافقة مجلس الرئاسة وهذا لزوم ما لا يلزم وافراط يتجاوز الحد. اذ حتى بعد ثبوت ارتكاب الجريمة وصدور حكم يتطلب الامر توفر كل هذه الشروط؟ كما اشترطت ذلك المادة (47) من

الدستور الانتقالي! فنحن لا نجد مسوغاً واحداً او شبه مسوغ لذلك.

اما اختصاصات هذه المحكمة فالاول منها هو الدعوى التي يكون المدعي فيها الحكومة الانتقالية او حكومات الاقاليم او المحافظات او البلديات او الادارة المحلية ويكون المدعى عليه واحداً من تلك الجهات.

مثاله الدعوى التي تقيمها الحكومة الاقليمية على الحكومة الانتقالية. والاختصاص الثاني للمحكمة العليا هو اقامة دعوى من احد المواطنين او من جهة تتمتع بالشخصية المعنوية كالحكومة والاقاليم والمحافظات والشركات والنقابات والهيئات للطعن في دستورية القانون او النظام او التعليمات او الاجراءات مثاله اقامة دعوى بشأن عدم دستورية القانون الذي اصدرته الجمعية الوطنية حول منع البعض من التمليك في محافظة معينة ذلك ان هذا القانون يخالف احكام المادة (16/ج) التي منحت العراقي حق التملك في انحاء العراق كافة او مثاله الاجراء الذي يتخذه المحافظ بمنع سفر ابناء محافظته الى خارج العراق. فهذا الاجراء يخالف احكام المادة (13/د) التي قررت حرية السفر ومثاله ايضاً ان يصدر المجلس التشريعي لأحد الاقاليم قانوناً خاصاً بالجنسية فهذا القانون مما يخالف احكام المادة (25/و) الذي جعل قضايا الجنسية من اختصاص الحكومة الاتحادية فقط وليس لأي مجلس تشريعي آخر هذه السلطة. والاختصاص الثالث للمحكمة العليا هو عند احالة الدعوى الى هذه المحكمة من محكمة اخرى. فقد اباح الدستور الانتقالي للمحاكم على اختلاف دراجاتها واياً كانت جهتها ان تقوم بإحالة الدعوى الى المحكمة العليا متى نازعتها الشكوك في دستورية النص الذي يجب ان توقع حكمه على النزاع المطروح امامها.

وهذا يتحقق عادة في حالة الدفع بعدم الدستورية الناشئ عن عدم الدراية من احد اطراف الدعوى والاختصاص الرابع والاخير للمحكمة العليا هو الاختصاص الاستئنافي وهذه الصلاحية ترك الدستور الانتقالي موضوع تنظيمها لصدور قانون اتحادي .

وعلى خلاف احكام المحكمة الدستورية المصرية فإن احكام المحكمة العليا العراقية الواردة في الدستور الانتقالي لم تحدد مدة لرفع الدعوى وحسُن فعل في ذلك لأن طبيعة بعض الدعاوى لا يمكن ان تحدد بمدة. ولكن لا بد عند اقامة الدعوى امام المحكمة من توفر شرط المصلحة كأن يكون التصرف المطلوب به يخالف احد نصوص القانون

الدستوري الذي يحدد الحقوق والحريات. مع علم قضاة هذه المحكمة بعدم تجاوز رقابتهم حد الرقابة اللازمة لحماية الحقوق والحريات المقررة دستوراً لأن تجاوز ذلك يعد انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات ذلك المبدأ الذي قررته المادة (4) من الدستور الانتقالي.

اذ وان كانت هذه المحكمة للحقوق والحريات فإنها ليست بوصية على اجهزة الدولة وليست عدوأً لها. غير ان لها ان تتصدى حتى ولو للعيوب الشكلية. مثاله قيام الجمعية الوطنية بإقالة عضو مجلس الرئاسة بأغلبية الثلثين في حين ان المادة (36) اشترطت اغلبية الثلاثة ارباع. او ان تكون العيوب الموضوعية مثاله عيب عدم الاختصاص كأن تتولى الحكومة المركزية اقالة المحافظ فقد منع الدستور الانتقالي في المادة (55) من ممارسة هذا الاختصاص من قبل الحكومة الاتحادية او عيب الانحراف بالسلطة مثاله ان يستهدف التصرف الحاصل مصلحة حزبية او فردية خلافاً لأحكام المادة (13) التي قضت بحق المساواة بين جميع العراقيين بغض النظر عن الرأي او المعتقد.

اما اثر الحكم الذي تصدره المحكمة العليا فهو الالغاء وفي ذلك تنص المادة (44/ج): (اذا قررت المحكمة العليا ان القانون او النظام او التعليمات ا والاجراء غير متفق مع الدستور الانتقالي فإنه يعتبر ملغياً) وقرارها في ذلك نهائياً باتاً قطعياً غير خاضع لأي طريقه من طرق الطعن اذ لم يرد في الدستور الانتقالي ما يشير الى تمييز القرارات والاحكام التي تصدرها المحكمة العليا.

وختاماً نقول ان قانون المحكمة العليا الجديد تدارك جميع اوجه القصور ونواحي النقص التي شابت  الكثير من الانظمة القانونية التي تولت تنظيم المحاكم المناظرة.

المحامي

طارق حرب

باحث قانوني

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة